Mawaqif
المواقف في علم الكلام
المقصد الثاني الصحة على ما ذكره ابن سينا في الفصل الأول من القانون ملكة أو حالة لم يكتف بذكر أحديهما تنبيها على أن الصحة قد تكون راسخة وقد لا تكون كصحة الناقه يصدر عنها أي يصدر لأجلها وبواسطتها الأفعال من الموضوع لها سليمة غير مألوفة وهذا التعريف يعم أنواعها إذ يدخل فيه صحة الإنسان وسائر الحيوانات وصحة النبات أيضا إذ لم يعتبر فيه إلا كون العقل الصادر عن الموضوع سليما فالنبات إذا صدر عنه أفعاله من الجذب والهضم والتغذية والتنمية والتوليد سليمة وجب أن يكون صحيحا وربما تخص الصحة وتعريفها بالحيوان أو بالإنسان فيقال الصحة كيفية لبدن الحيوان إلى آخر ما مر أو يقال كيفية لبدن الإنسان إلى آخره كما وقع الجميع في كلام ابن سينا أما الأول فكما عرفت وأما الثاني فقد ذكره في الفصل الثاني من سابعة قاطيغورياس من منطق الشفاء فإنه قال هناك الصحة ملكة في الجسم الحيواني يصدر عنه لأجلها أفعاله الطبيعية وغيرها على المجرى الطبيعي غير مألوفة وكأنه لم يذكر الحالة ههنا إما للاختلاف فيها وإما لعدم الاعتداد بها وأما الثالث فقد ذكره في الفصل الثاني من التعليم الأول من الفن الثاني من كتاب القانون حيث قال الصحة هيئة بها يكون بدن الإنسان في مزاجه وتركيبه بحيث يصدر عنه الأفعال كلها صحيحة سالمة وأورد الإمام الرازي على جعلها أي جعل الصحة من الحالة والملكة أي من الكيفيات النفسانية سؤالا هو أن مقابلها المرض وليس المرض منها أي من الكيفيات النفسانية فلا تكون الصحة أيضا منها وإنما قلنا إن المرض ليس منها إذ أجناسه أي أنواعه المندرجة تحته باتفاق الأطباء ثلاثة سوء المزاج وسوء التركيب وتفرق الاتصال وهي أي هذه الأمور المذكورة إما من الكيفيات المحسوسة أو من مقولة الوضع أو عدم فإن سوء المزاج الذي هو مرض إنما يحصل إذا صار إحدى الكيفيات الأربع أزيد أو أنقص مما ينبغي بحيث لا تبقى الأفعال سليمة فهناك أمور ثلاثة تلك الكيفية وكونها غريبة منافرة وإتصاف البدن بها فإن جعل المرض الذي هو سوء المزاج عبارة عن تلك الكيفية كأن يقال الحمى هي تلك الحرارة الغريبة كان من الكيفيات المحسوسة وإن جعل عبارة عن كون تلك الكيفية غريبة منافرة كان من باب المضاف وإن جعل عبارة عن اتصاف البدن بها كان من قبيل الانفعال واقتصر المصنف من هذه الأقسام الثلاثة على الأول فلذلك حكم بأن سوء المزاج من المحسوسات وأما سوء التركيب فهو عبارة عن مقدار أو عدد أو شكل أو وضع أو انسداد مجرى يخل بالأفعال وليس شيء منها من الكيفيات النفسانية وهو ظاهر وكون هذه الأمور غريبة منافرة من قبيل المضاف واتصاف البدن بها من مقولة أن ينفعل واقتصر المصنف من بينها على اعتبار الوضع فعد سوء التركيب منه وأما تفرق الاتصال فظاهر أنه أمر عدمي فلا يكون كيفية نفسانية ومنهم من أجاب عن ذلك بأن عبارة الأطباء فيها مسامحة والمقصود أن أنواع المرض كيفيات نفسانية غير معتدلة تابعة للأمور المذكورة ومخلة بالأفعال ولا شيء منها أي من الكيفيات المحسوسات والوضع والعدم بكيفية نفسانية فلا يكون شيء من سوء المزاج وسوء التركيب وتفرق الاتصال من الكيفيات النفسانية فلا يكون المرض الذي هو جنسها منها أيضا فلا تكون الصحة منها أيضا لأنها تكون عبارة إما عن أمور وجودية مقابلة للأمور التي سميناها مرضا وهو المزاج الملائم والهيئة الملائمة والاتصال الملائم وإما عن أمور عدمية هي عدم تلك الأشياء المسماة بالمرض وعلى التقديرين لم تكن الصحة كيفية نفسانية اللهم إلا إذا ثبت أن هناك كيفيات أخر مغايرة لتلك الوجوديات وهذه العدميات وجعل الصحة عبارة عنها لكن ذلك مما لم يقم عليه شبهة فضلا عن حجة وأورد الإمام الرازي في المباحث المشرقية على هذا الحد الذي ذكره للصحة شكوكا وأجاب عنها أيضا
الأول لم قدم الملكة على الحالة في الذكر وإنما تكون الكيفية النفسانية التي هي الصحة أولا حالة ثم تصير ملكة قلنا الملكة اتفق على كونها صحة والحالة اختلف فيها فقيل هي صحة وقيل واسطة فقدمت لذلك أو لأن الملكة غاية الحالة والعلة الغائية متقدمة في الذهن وإن كانت متأخرة في الوجود
الثاني فيه أي في الحد اضطراب إذ أسند فيه الفعل وصدوره إلى الموضوع وإلى الصحة فإن قوله يصدر عنها الأفعال يدل على أن مبدأ الأفعال هو تلك الحالة والملكة وقوله من الموضوع يدل على أن مبدأها هو الموضوع ولا يكون المسند إليه الفعل بحسب الواقع إلا أحدهما لامتناع صدور فعل واحد من شيئين على أن يكون كل واحد منهما فاعلا له على حدة
قلنا الموضوع فاعل للفعل السليم والصحة آلته في صدور الفعل السليم عنه فقوله عنها أراد به لأجلها وبواسطتها كما أشرنا إليه وقد صرح بهذا المعنى في التعريف الثاني وفي الثالث أيضا وأما ما يقال من أن فاعل أصل الفعل هو الموضوع وفاعل سلامته هو الحالة أو الملكة فليس بشيء إلا أن يؤول بما ذكرناه
الثالث السليم هو الصحيح فالتعريف دوري أي تحديد للشيء بنفسه حيث عرف الصحة بالصحة
Bogga 176