323

Adabka Dunida iyo Diinta

أدب الدنيا والدين

Daabacaha

دار مكتبة الحياة

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

1407 AH

Goobta Daabacaadda

بيروت

إسَاءَتِهِ، فَإِنْ وَاصَلَ الشَّرَّ وَاصَلْته الْمُكَافَأَةُ. وَقَدْ قِيلَ: بِاعْتِزَالِك الشَّرَّ يَعْتَزِلُك وَبِحُسْنِ النَّصَفَةِ يَكُونُ الْمُوَاصِلُونَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ كُنْت سَبَبًا لِبَلَائِهِ وَجَبَ عَلَيْك التَّلَطُّفُ لَهُ فِي عِلَاجِهِ مِنْ دَائِهِ. وَقَدْ قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
إذَا كُنْت لَمْ تُعْرِضْ عَنْ الْجَهْلِ وَالْخَنَا ... أَصَبْت حَلِيمًا أَوْ أَصَابَك جَاهِلُ
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ عَدُوًّا قَدْ اسْتَحْكَمَتْ شَحْنَاؤُهُ، وَاسْتَوْعَرَتْ سَرَّاؤُهُ، وَاسْتَخْشَنَتْ ضَرَّاؤُهُ، فَهُوَ يَتَرَبَّصُ بِدَوَائِرِ السَّوْءِ انْتِهَازَ فُرَصِهِ، وَيَتَجَرَّعُ بِمَهَانَةِ الْعَجْزِ مَرَارَةَ غُصَصِهِ، فَإِذَا ظَفِرَ بِنَائِبَةٍ سَاعَدَهَا، وَإِذَا شَاهَدَ نِعْمَةً عَانَدَهَا، فَالْبُعْدُ مِنْهُ حَذَرًا أَسْلَمُ، وَالْكَفُّ عَنْهُ مُتَارَكَةً أَغْنَمُ، فَإِنَّهُ لَا يُسْلَمُ مِنْ عَوَاقِبِ شَرِّهِ، وَلَا يُفْلَتُ مِنْ غَوَائِلِ مَكْرِهِ. وَقَدْ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: لَا تَعْرِضَنَّ لِعَدُوِّك فِي دَوْلَتِهِ فَإِذَا زَالَتْ كُفِيَتْ شَرَّهُ.
وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ كَذَبَ مَنْ قَالَ إنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ يُطْفَأُ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيُوقِدْ نَارَيْنِ وَلْيَنْظُرْ هَلْ تُطْفِئُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا يُطْفِئُ الْخَيْرُ الشَّرَّ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: كَفَاك مِنْ اللَّهِ نَصْرًا أَنْ تَرَى عَدُوَّك يَعْصِي اللَّهَ فِيك. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: بِالسِّيرَةِ الْعَادِلَةِ يُقْهَرُ الْمُعَادِي.
وَقَالَ الْبُحْتُرِيُّ:
وَأُقْسِمُ لَا أَجْزِيكَ بِالشَّرِّ مِثْلَهُ ... كَفَى بِاَلَّذِي جَازَيْتنِي لَك جَازِيَا
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ لَئِيمَ الطَّبْعِ خَبِيثَ الْأَصْلِ قَدْ أَغْرَاهُ لُؤْمُ الطَّبْعِ عَلَى سُوءِ الِاعْتِقَادِ، وَبَعَثَهُ خُبْثُ الْأَصْلِ عَلَى إتْيَانِ الْفَسَادِ، فَهُوَ لَا يَسْتَقْبِحُ الشَّرَّ وَلَا يَكُفَّ عَنْ الْمَكْرُوهِ. فَهَذِهِ الْحَالَةُ أَطَمُّ؛ لِأَنَّ الْأَضْرَارَ بِهَا أَعَمُّ، وَلَا سَلَامَةَ مِنْ مِثْلِهِ إلَّا بِالْبُعْدِ وَالِانْقِبَاضِ، وَلَا خَلَاصَ مِنْهُ إلَّا بِالصَّفْحِ وَالْإِعْرَاضِ، فَإِنَّهُ كَالسَّبُعِ الضَّارِي فِي سَوَارِحِ الْغَنَمِ وَكَالنَّارِ الْمُتَأَجِّجَةِ فِي يَابِسِ الْحَطَبِ لَا يَقْرَبُهَا إلَّا تَالِفٌ وَلَا يَدْنُو مِنْهَا إلَّا هَالِكٌ.
رَوَى مَكْحُولٌ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «النَّاسُ كَشَجَرَةٍ ذَاتِ جَنًى وَيُوشِكُ أَنْ يَعُودُوا كَشَجَرَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ إنْ

1 / 339