Динамический подход к пророческой биографии

المنهج الحركي للسيرة النبوية

Издатель

مكتبة المنار-الأردن

Издание

السادسة

Год публикации

١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م

Место издания

الزرقاء

المنهج الحركي للسيرة النبوية

1 / 1

كافة حقوق الطبع محفوظة
الطبعة السادسة
١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م
مكتبة المنار
الأردن - الزرقاء

1 / 2

منير محمد الغضبان
المنهج الحركي للسيرة النبوية
الأجزاء
الأول - الثاني - الثالث
مكتبة المنار

1 / 3

بسم الله الرحمن الرحيم

1 / 4

الجزء الأول

1 / 5

بين يدي البحث
كتب السيرة النبوية تملأ المكتبة الإسلامية. فما معنى التكرار فيها إذا لم نأت بجديد؟ وسأدع الإجابة على هذا السؤال يستنتجها القارىء نفسه من خلال المقدمة.
عشت مع السيرة النبوية مند نعومة أظفاري، بل كنت أحرص على حفظها عن ظهر قلب، وكانت المتعة الكبرى في حياتي من خلالها، أتعمق في معانيها، وأتربي على أحداثها وتأخذ روعتها بلبي. ومن أجل ذلك، وحرصا على أن تكون جزءا من كياني ما كنت أدع كتابا في السيرة، أو مصدرا من مصادرها إلا وأسارع إلى اقتنائه وقراءته ينهم شديد. وكانت الأحلام تراودني أن أكتب في السيرة مند سن المراهقة. وتجاوز الأمر مرحلة الحلم إلى التنفيذ الواقعي، وأمضيت خمس سنوات وأنا أكتب في كل جزئية من جزئياتها. لكني مع ذلك بقيت انتظر فرصة سانحة من العمر أتفرغ فيها تماما للسيرة، وتحول الأعمال والعلاقات الاجتماعية دون ذلك.
ولا أزال انتظرا!!
أما فكرة المنهج الحركي للسيرة. فقد انبثقت في الفكر انبثاقا يختلف عن الأصل الذي كنت أفكر فيه.
لا أزال أذكر في بداية الستينات عندما طلع علينا الشهيد سيد قطب ﵀ بكتابه - معالم في الطريق - وكان نقطة تحول حساسة في الفكر الحركي

1 / 7

الإسلامي. وقفت مليا أمام هذه الفقرة:
والسمة الثانية في منهج هذا الدين: هي الواقعية الحركية .. فهو حركة ذات مراحل، كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية، وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها فهو لا يقابل الواقع بنظريات مجردة. كما أنه لا يقابل مراحل هذا الواقع بوسائل متجمدة .. والذين يسوقون النصوص المختلفة بكل مرحلة منها .. الذين يصنعون هذا يخلطون خلطا شديدا، ويلبسون منهج هذا الدين لبسا مضللا، ويحملون النصوص ما لا تحتمله من المبادىء والقواعد النهائية. ذلك أنهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصا نهائيا. يمثل القواعد النهائية في هذا الدين، ويقولون - وهم مهزومون روحيا وعقليا تحث ضغط الواقع اليائس لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان - إن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع أو يحسبون أنهم يسدون إلى هذا الدين جميلا بتخليه عن منهجه، وهو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعا، وتعبيد الناس لله وحده، وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد! لا بقهرهم على اعتناق عقيدته، ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة، بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة، أو قهرها حتى تدفع الجزية، وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة، تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها). العالم ص ٥٨.
وقفت أمام هذه الفترة كثيرا وأنا أقرأ الكتاب أو أشرحه. وتساءلت في نفسي عن هذه الواقعية الحركية: ما هي مراحلها؟ وما هي الوسائل المناسبة لكل مرحلة؟
وما أحوجنا إلى كتاب يوضح هذه المراحل، وهذه الوسائل. فيضع نقاطا علامة للدعاة إلى الله، يتعرفون فيها على خطوات السير، كما فعل الشهيد في معالمه.
موضوع مثير حقا، وعدم فهم هذه المراحل والتعرف عليها، وفهم الوسائل المناسبة يجعل الخلاف عميقا بين الدعاة المسلمين وأبناء الحركة الإسلامية.

1 / 8

وللإجابة على هذا السؤال. لم يكن عندي إلا دراسة السيرة دراسة واضحة تحدد المراحل المتتابعة فيها، وسمات كل مرحلة. لأن السيرة النبوية هي التطبيق العملي للإسلام، وهي الصورة الأنموذج لإقامة دولة الإسلام. فإذا توضحت هذه المراحل، وتبينت هذه السمات، كقينا المؤونة، وتوحد خط السير، وانتفى دور الاجتهاد الشخصي:
لكن يبرز سؤال دقيق:
ما هو مدى إلزامية هذه المراحل وهذه الوسائل، للجماعة المسلمة وهي تشق طريقها لإقامة دولة الإسلام في الأرض؟ وهل الحركة الإسلامية متعبدة بهذه المراحل ما لها من فكاك عنها. أم أن تلك المراحل قد انتهت مع النصوص النهائية للإسلام، وأصبحت منسوخة هي وأحكامها في الواقع الإسلامي.
ولا يخفى أبدا إن خلافا كبيرا بين حركتين إسلاميتين حول هذا الموضوع جعل كل واحدة منهما تسير في خط مستقل، وذلك من خلال هذين الفهمين:
الفهم الأول: يرى أن التقيد بهذه المراحل لا مناص منه حتى في الحد الزمني. وهي تقرر أن رسول الله ﷺ عاش دعوة ثلاثة عشر عاما. ثم أقام دولته، فهي مقيدة بهذا العمر من الدعوة. وعليها أن تقيم دولة الإسلام بعد ثلاثة عشر عاما من عمرها. وهذا فهم خطير ولا شك، فالمدى الزمني في الأصل تقدير رباني، وليس جهدا بشريا فقط، والله تعالى قد قال لنبيه: ﴿فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم﴾. الزخرف ٤١ - ٤٣. ومن آثار هذا الفهم كذلك موضوع النصرة، وأنه لا يجوز استعمال السلاح قبل قيام الدولة، إنما تقوم الدولة على أساس طلب النصرة من سدنة المجتمع الجاهلي. وإلى أن يفتح صدر أحد هؤلاء للدعوة أو لنصرة هذه الدعوة وهو على شركه. فالحركة الإسلامية معذورة في المواجهة المسلحة، وقد أدى حمل هذين المبدأين معا، العمر الزمني والنصرة إلى تناقض عجيب في

1 / 9

المواقف، وإلى تزعزع في الثقة بصحة هذه المبادىء.
إننا إذا تركنا العمر الزمني جانبا وهو مرتبط بقدر الله أولا، وسنته في نصره عندما ينضج الدعاة ويغدون مؤهلين للخلافة في الأرض. نستطيع أن نقول إن المنهج الحركي للسيرة ملزم للدعاة في خطهم الجهادي لإقامة دولة الله في الأرض. وذلك أنا مأمورون باقتفاء سيرة الرسول ﷺ.
﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾.
والأسوة تبدو واضحة أكثر ما تبدو من خلال السيرة العملية للنبي ﵊، وأي اعتساف في مراحل هذا المنهج لا يوصل إلى الغاية، والتجارب الكثيرة التي خاضتها الحركات الإسلامية على مدار التاريخ تؤكد هذا المعنى. فما من حركة إسلامية قامت، وأقامت منهج الله في الأرض إلا اعتمدت التنظيم السري في بداية الأمر، ثم انطلقت إلى إعلان فهمها الحركي للإسلام، من خلال الحكمة والموعظة الحسنة، ثم واجهت المجتمع المنحرف جاهليا كان أو فاسقا. وتسنمت سدة الحكم، واعتمدت القوة للحفاظ على المبدأ من الحرب المسلحة التي يشنها أعداؤه عليه. بينما بقيت قضية اعتماد السلاح والقوة في مرحلة الدعوة أمرا اجتهاديا. متقيدا بطبيعة الحرب مع العدو أو الخصم.
وإذا كان الأمر مجال خلاف في الاجتهاد وللمسلمين خلافتهم ودولتهم التي يفيئون إليها فليس الأمر كذلك والمسلمون نتفا مبعثرة في الأرض يحكمون بغير شريعة الله، وإذا كان تكوين الجماعة - مع قيام دولة الإسلام - محل خلاف ونظر حول الثورة على الأمير الفاسق. فليس هو محل خلاف، والأمير يحكم علنا وصراحة بغير شريعة الإسلام.
" إلا أن تروا كفرا بواحا. لكم فيه من الله تعالى برهان".
ولنتساءل أكثر وأكثر: ما فائدة دراسة المنهج الحركي للسيرة.
ولأجيب على هذا السؤال. أستأذن الأخ القارىء لأحدثه عن انطباعي

1 / 10

عن سور القرآن مع - ظلال القرآن - ودونه.
لقد كنت أقرأ السور الطوال في القرآن، وأخص بالذكر الزهراوين البقرة وآل عمران. فلا أكاد أجد خطا يربط بين جزئياتها، وأضيع في متاهاتها. تماما مثل رجل دخل في بلدة ولم يتعرف على مخططها. فهو يجوب فيها كلها دون أن يصل إلى بغيته. أو الدار التي يريدها. أو رأى بناء ضخما. لم ير هندسته التي قام عليها. فلا يدرك شيئا من جمال البناء وفن المعمار فيه. ولكني عندما قرأت - في ظلال القرآن - أحسست بعظمة البناء وروعته. أحسست بأن سورة البقرة التي تستغرق قرابة جزأين ونصف. كان محورها الرئيسي هو البناء الداخلي للأمة من خلال العبادات والتشريعات، وعرض عدوها الأول بني إسرائيل - لتتعرف على طبيعة هذا العدو، وعلى تجربته حين كلف بالخلافة في الأرض، وكيف انحرف عن رسالته. بهدين الخطين الرئيسيين أمكن أن نعيد كل جزئية في هذه السورة العظيمة إلى مكانها في المخطط، وفعلا قدم سيد لنا ﵀ المنهج الحركي في القرآن - فلكل سورة هدف عام، وهدف خاص، ومحور تدور عليه أحداث هذه السورة، والذي يتعرض هذا المخطط الكلي للسورة، يستوعب بعدها كل أجزائها في مكانها المناسب لها. ويكاد يكون سيد ﵀ قد انفرد من بين المفسرين جميعا بهذه الميزة، وخاصة في الطبعة الثانية المنقحة من الظلال. هذا المنهج الذي اكتشفه في آخر عمله في الظلال في الطبعة الأولى، كما يقول الأخ الخالدي: (وفي الأجزاء الثلاثة الأخيرة من الظلال بدأ يبرز عند سيد قطب الاتجاه الحركي الذي تولد عنده نتيجة لتجربته العملية في الحركة بالإسلام، ونتيجة لنظراته المتجددة في القرآن. وكان لا بد من أن يعيد النظر في الظلال، ويعيد كتابته على أساس من اتجاهاته الحركية الجديدة، فكان أن أصدر سيد قطب الطبعة المنقحة من الظلال، وهي الطبعة الثالثة وقد أصدرتها دار إحياء الكتب العربية في القاهرة.
كتب سيد قطب الأجزاء العشرة الأولى من الطبعة الثالثة المنقحة بتركيز شديد، وكان يقف عند الآيات طويلا، ويسجل حولها كل خواطره،

1 / 11