Жизнеописание Пророка и призыв в мекканскую эпоху

السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

Издатель

مؤسسة الرسالة

Издание

الأولى ١٤٢٤هـ

Год публикации

٢٠٠٣م

•
Регионы
Египет
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد،،،
فإن دين الله واحد، ورسله جميعًا يتحركون بعقيدة واحدة، يعلنون كلمة الله، ويعملون لنقل الناس من الضلال إلى الهدى، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، يقول تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣.
والآيات واضحة الدلالة في إثبات وَحْدَة الدين، الذي جاء به الرسل أجمعين، وهذه الوحدة بادية في أركان العقيدة، فهي عقيدة واحدة معلومة من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ، تناسب الفطرة البشرية، وتتسم بالصدق والحق والواقعية.
ولو كان الإنسان واحدًا، والواقع البشري ثابتًا، لجاء للناس رسول واحد، صالح للناس أجمعين.

١ سورة الشورى الآية ١٣.
٢ سورة آل عمران الآية ١٩.
٣ سورة آل عمران الآيتان ٨٤، ٨٥.

1 / 7

لكن الإنسان ليس واحدا، وإنما هو متعدد النزعات، متنوع الفكر، يتأثر واقعه دائما بعوامل جغرافية، وبيئية، واقتصادية، وثقافية، واجتماعية ... إلخ؛ ولذلك قضى الله بحكمته أن يبعث رسولًا لكل أمة يبلغها بالعقيدة الدينية الواحدة، وبأسلوب يتلاءم معها، وبمنهج يقربها من دعوته، مع تكليف الناس بأعمال وتطبيقات تطهر حياتهم، وتقوي عقيدتهم، وتساعد في القضاء على مواريث الجهل والضلال، وبناء الحياة على الحق والصواب.
وقد رأينا في الكتاب الأول الخاص بدعوة الرسل ﵈ أن كل رسول دعا قومه بمنهج خاص، وبطريقة خاصة، مع اتحادهم في العقيدة الواحدة.
ورأينا -كذلك- أن كل رسول بُعث لقوم معينين، سواء تتابعوا زمنيًّا، أو بعثوا في وقت واحد كإبراهيم ولوط ﵉.
ورأينا -أيضًا- أن كل رسالة كانت تراعي أحوال المدعوين، وتلاحظ مستواهم العقلي والحضاري في التوجه والمناقشة.
إن هذا الموكب الطويل من الرسل جاءوا للناس بصورة واحدة للاعتقاد الصحيح، القائم على التوحيد الخالص، التوحيد المطلق، الناصع، القاطع، توحيد الألوهية التي يجب أن يتوجه إليها البشر جميعًا، كما يتوجه إليها سائر الخلائق بالتسليم والخضوع والعبودية.
إن هذا التوحيد يعني أن القوامة المطلقة لله لازمة على خلقه جميعًا، فلا يقوم شيء إلا لله، ولا سيادة على الخلق إلا من الله، ومن ثَم فإن الاستسلام كله من البشر يجب أن يكون لله، صاحب الحول والطول، ورب العالمين.
وقد علَّم الله رسله أن يتلاءم كل منهم مع واقعه في الشريعة، وإن اختلفت عن الشرائع الآخرى، يقول تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ١.

١سورة المائدة الآية ٤٨.

1 / 8

وقد رأينا لكل رسول شريعته المناسبة لقومه، فيها الحلال، وفيها الحرام، وفيها التكاليف العملية المتنوعة، وهي مع اختلافها مع كل رسول فهي منزلة من الله؛ ولذلك اتسقت مع العقيدة الربانية الواحدة، التي تلزم المعتقد بضرورة التلقي من الله الواحد، والتحاكم إلى الوحي المنزل، والأخذ من توجيهات النبي المبعوث، وبذلك يتحد الضمير الخفي مع الواقع العملي، ويعيش الناس -كل الناس- مع رسلهم مؤمنين مخلصين، مطيعين لله رب العالمين.
وكما اختلف الرسل في الشريعة اختلفوا كذلك في المنهج والأسلوب؛ ليتحقق المراد من الدعوة، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١.
إن طريقة التوجه لقوم ما لا تتناسب مع التوجه لغيرهم؛ لما بين الفريقين من اختلاف تنوع، وتلك دروس مستفادة من تاريخ دعوة رسل الله تعالى.
وقبيل بعثة محمد ﷺ اقترب الناس فكريًّا، وترقت عقولهم حتى وصلت إلى التصور المجرد، والقدرة على مناقشة الدليل، إلا أنهم مع ذلك كانوا مختلفين واقعًا وسلوكًا وعقيدة.
ووسط هذا الحال بُعث محمد ﷺ رسولًا للعالم كله، بالعقيدة الإلهية الواحدة، والشريعة الملائمة للناس أجمعين، والصالحة للتطبيق في كل زمان ومكان.
إن الواقع البشري يلتقي مع العقيدة الإلهية؛ لأنها نفس العقيدة التي نادى بها جميع الرسل، وخوطب بها سائر الأقوام، وآمن بها الكثيرون فيما مضى من الزمان.
وسالة محمد ﷺ هي خاتمة الرسالات، فلا دين بعده، ولا رسول بعده؛ ولذلك جاء الإسلام -بعقيدته وشريعته- صالحا لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة.
وحتى تلتقي الشريعة الإسلامية الواحدة مع جميع الناس، وعلى امتداد الزمن

١ سورة إبراهيم آية ٤.

1 / 9

جعلها الله على نوعين:
النوع الأول: ما يتصل بالعبادات المشروعة، والأعمال التامة، والأحكام الثابتة، وهذه فصَّلها الإسلام تفصيلًا لا يقبل تغييرًا أو تبديلًا، وقد شرعها الله بهذه الدقة والدوام لتنظيم حياة الناس جميعًا إلى يوم القيامة، وهي المعروفة بالثوابت في الإسلام؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وأحكام النكاح، والطلاق، والميراث ... وهكذا.
النوع الثاني: وهو ما يتصل بالأعمال التي تختلف من مكان إلى مكان، وتتغير من زمن لزمن آخر، ومن جماعة لغيرها؛ كصورة الشورى، ومناهج العمل اليومي، والطبائع المرتبطة بالعادات والتقاليد، ومع هذا النوع كان وضع القواعد العامة المنضبطة بالأصول الشرعية؛ لتكون إطارًا للمتغيرات، تأخذ الحكم منها بواسطة اجتهاد علماء الإسلام ... ومن أمثلة ذلك القوة فهي تختلف نوعًا وصورة، فهناك القوة الخَلْقية، وهناك القوة الإيمانية، وهناك القوة العلمية، وهناك القوة العسكرية، من سيف، ورمح، ومدفع، وصاروخ، وطائرة ... إلخ، وأمام هذا التنوع للقوة يضع الله تعالى مبدأ كليًّا حيث يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ١، وعلى مثال ذلك وضعت المبادئ الكلية للمتغيرات العملية.
وهكذا ملكت الشريعة القدرة على الالتقاء مع الناس جميعًا، وهي تنظم لهم كافة جوانب الحياة مع اختلافهم وتنوعهم.
والعالم كله لا يجتمع على منهج واحد؛ ولذلك احتاجت الرسالة المحمدية إلى عديد من المناهج لتتوجه إلى الناس، أينما كانوا، وكيفما كانوا، وبخاصة أنها

١ سورة الأنفال الآية ٦٠.

1 / 10

تمتد إلى آخر الزمان، وتشمل العالم كله، ولم يكن المطلب عسيرا أبدا، فقد قص الله تاريخ الأنبياء، وسحل حركة الدعوة الإسلامية من خلال الوحي المنزل على محمد ﷺ؛ ليقدم العديد من المناهج والوسائل للقائمين بأمر الدعوة إلى الله تعالى.
إن مناهج الرسل تعد طرقا عملية، تطبيقية للدعوة، تحتاج إلى من يفهمها ويطبقها في حركة الدعوة للناس.
ولم يبقَ تعدد اللغات واللهجات عائقا أمام الدعوة، بعدما هيأ الله من المسلمين دعاة يتقنون كافة اللغات، ويعرفون الجوانب النفسية والفكرية التي تساعد في نجاح الدعوة.
وهكذا..
جاء الإسلام للناس صالحا لكل زمان ومكان..
ومحمد ﷺ هو الرسول المختار لتبليغ دعوة الإسلام للناس؛ ولذلك أنزل الله عليه القرآن الكريم محكما، مفصلا، قيما، مهيمنا، لا عوج فيه، ولا ريب.
وقد استمرت البعثة المحمدية ثلاثا وعشرين سنة، أقام خلالها رسول الله ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة، والمدة الباقية عاشها في المدينة المنورة بهجرته ﷺ إليها.
في مدة البعثة نزل وحي الله للناس، وكمل الدين، وتمت النعمة، وأصبح الإسلام دين البشرية جميعا، في كافة أرجاء الأرض، وعلى طول الزمن إلى يوم القيامة.
وقد هيأ الله محمدا ﷺ للدعوة، وصنعه للرسالة، وأمده بكل ما يحتاجه لتصل الدعوة إلى الناس على وجه صحيح واضح، قطعا للأعذار ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ .

1 / 11

وقد ترك الرسول ﷺ لأمته رصيدا هائلا، يمكِّنهم من نشر الدين، وتبليغه إلى العالم، والتعامل مع كل إنسان بواقعه ولغته؛ لأن هذا الرصيد كما يقدم موضوعه يقدم معه الأسلوب الأمثل والطريق السديد.
وقد أعانني الله تعالى فكتبت في تاريخ دعوة الرسل ﵈ وفيه حاولت إبراز منهجهم في الحركة بالدعوة، وتوضيح أهم الركائز المستفادة من تاريخهم، من أجل أن تكون أسسا للدعاة إلى الله من بعدهم وإلى يوم القيامة.
وأصبحتُ أمام الدعوة المحمدية لأكتب بعون الله فيها، ورأيتُ ضرورة اتباع المنهج الذي اتبعته مع تاريخ الرسل؛ حيث الأسس التالية:
أولا: التعريف بقوم الرسول، من ناحية: موطنهم وحضارتهم، وأديانهم، ومستواهم الفكري؛ لأن هذا يساعد على اكتشاف الجوانب الفنية التي واجه بها الرسول قومه منهجا وأسلوبا، وحتى يتمكن دعاة العصر من الاستفادة بهذه الناحية؛ كاختيار الموضوع المناسب، والطريقة اللائقة، والأسلوب المفيد ... وهكذا.
ثانيا: التعريف بالرسول نفسه، من ناحية: أصله ونشأته، ورحلاته، وكافة المؤثرات في شخصيته، وصفاته، وكلها عوامل نجاح في تكوين الدعاة؛ لأنه ﷺ قائدهم ورائدهم، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ١.
ثالثا: تتبع حركة الرسول بالدعوة، وإبراز كيفية مواجهته للناس على اختلافهم، فمنهم الملأ، ومنهم الضعفاء، منهم السادة، ومنهم العبيد، وبذلك دعا الرسول قومه جميعا، ووصل إلى عقولهم، وناقش حججهم، وهدم ضلالهم، وبذلك ظهرت منهجية الدعوة، والطريقة المثلى للحركة بها مع الطوائف المختلفة وأصحاب المذاهب والملل المحرَّفة.

١ سورة الأحزاب الآية ٢١.

1 / 12

رابعا: استنباط أهم الركائز المستفادة من دعوة الرسول ﷺ؛ لتكون ركيزة يستفاد بها في الدعوة إلى الله تعالى.
خامسا: المحافظة مع الأسس المذكورة على ذكر الوقائع ورواية الأخبار وتصحيح الخطأ للمحافظة على التاريخ وأحداثه، وبخاصة أنه تاريخ الدعوة.
إن اتباع هذا المنهج مع الدعوة الإسلامية دفعني إلى عدة أمور:
الأمر الأول: التعريف بأمم العالم كله، فإليها جاء الإسلام، ومن أجلها بُعث محمد ﷺ، يقول تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣، ويقول سبحانه: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٤، ويقول النبي ﷺ: "كان كل نبي يُبعث لقومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة" ٥، ويقول الرسول ﷺ: "إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة" ٦.
وهذا التعريف بالعالم له أهميته؛ لأنه يعرف بمدى حاجة العالم إلى الدعوة، ويبين الحكمة في تنوع المناهج والطرق والأساليب التي وجه الله رسوله ﷺ إلى

١ سورة الفرقان الآية ١.
٢ سورة الأنبياء الآية ١٠٧.
٣ سورة سبأ الآية ٢٨.
٤ سورة الأنعام الآية ١٩.
٥ صحيح البخاري - كتاب التيمم ج١ ص٤٣٦ بشرح فتح الباري.
٦ المرجع السابق - كتاب التفسير - باب سورة المسد ج١ ص٧٣٧.

1 / 13

استخدامها في مجال الدعوة، ويشير إلى السر في تكليف الرسول أصحابَه بحمل الدعوة في حياته، وتحميلهم مسئولية التبليغ من بعده إلى أن تقوم الساعة.
الأمر الثاني: في قضية التعريف بالرسول وجدت نفسي أمام السيرة النبوية، ولاحظت أن مرحلة ما قبل البعثة؛ حيث التنشئة والتربية والتكوين الشخصي لرسول الله ﷺ لها ارتباط وثيق بالبيئة والواقع؛ ولذا كان الاهتمام بدراستها لما لهما من تأثير في التربية الإسلامية، ولإظهار قيمة الحق والصواب ومكارم الأخلاق الذي عاشه رسول الله ﷺ وسط واقع مليء بالفساد والضلال.
إن مرحلة ما قبل البعثة المحمدية تعد دراسة للسيرة، ولها صلة مباشرة في التعريف بالرسول ﷺ، ومن الممكن الاستفادة بأحداث هذه المرحلة وأثرها في نشأة رسول الله ﷺ في: اختيار الدعاة، وتربيتهم، وتكوين شخصياتهم النفسية، والاجتماعية، والخلقية، والقيادية؛ ليتمكنوا من حمل الدعوة، وتبليغ الإسلام على الوجه المطلوب.
أما مرحلة ما بعد البعثة، فقد لا حظت أن تاريخ السيرة وتاريخ الدعوة متداخلان بحيث يصعب الفصل بينها، فقد كانت حياة الرسول ﷺ خلالها حركة دائمة للدعوة؛ حيث عد نومه ﷺ، ومشيه، وصمته، وحياته في بيته، ومع الناس، جزءًا من حركته ﷺ بالدعوة، وقد اعتبرها المسلمون ركائز يأخذون منها، ويستفيدون من توجيهاتها وإيحاءاتها.
وتبعا لهذه الحقيقة سأعيش مع السيرة النبوية في مرحلة ما قبل البعثة، وأدرسها دراسة تفصيلية، وآخذ منها الركائز التربوية في مجال التكوين والتنشئة.
أما مرحلة ما بعد البعثة فسأوردها مجملة، مع التركيز على الأحداث المتصلة بشخصية محمد الرسول ﷺ، تاركا تفصيل الجانب الحركي لمبحث حركة الرسول بالدعوة، مع أن هذه الحركة جزء من شخصيته ﷺ العملية، وإظهار لرسالته

1 / 14

مع الناس.
الأمر الثالث: سأحاول مستعينا بتوفيق الله تعالى إبراز الركائز التي فيها فائدة للدعوة والدعاة، متصلة بكل دراسة، سواء كانت الدارسة للواقع البشري، أو في السيرة قبل البعثة، أو الحركة بالدعوة بعد البعثة، على أن تكون هذه الركائز في فصل مستقل يجمعها جميعا.. وبذلك التزم نفس المنهج الذي اتبعته مع تاريخ رسل الله تعالى.
ونظرا لطول دراسة تاريخ الدعوة خلال البعثة المحمدية، فقد قسمتها إلى قسمين:
القسم الأول: ويشمل دراسة المرحلة المكية قبل الهجرة، بحيث يتكون منه الكتاب الثاني من سلسلة تاريخ الدعوة.
القسم الثاني: ويشمل دارسة المرحلة المدنية الذي ستصدر بإذن الله تعالى في كتاب مستقل، يمثل الكتاب الثالث في سلسلة تاريخ الدعوة.
وسيتضمن تاريخ المرحلة المكية -بعون الله تعالى- النقاط التالية تبعا للمنهج الذي رجوته في دارستي لتاريخ الدعوة، وهي كما يلي:
الأولى: التعريف بالعالم قبيل ظهور الإسلام، وسيشمل دراسة أوضاع أقاليم العالم المختلفة؛ لأن مواطن الدعوة الإسلامية هو العالم كله.
الثانية: التعريف بالرسول ﷺ من الميلاد إلى الهجرة.
الثالثة: الحركة بالدعوة في مرحلة ما قبل الهجرة.
الرابعة: إبراز الركائز المستفادة من سيرة الرسول ﷺ وحركته بالدعوة، وبخاصة ما لها صلة بالدعوة والدعاة في العصر الحديث.
وسوف أورد كل نقطة من هذه النقاط في فصل مستقل؛ لما لكل منها من دراسة مطولة، وعمق علمي، وفوائد عديدة.

1 / 15

وبهذا التقسيم أكتب في السيرة، وهو الأمل الذي كنت أتمناه، كما أكتب في تاريخ الدعوة الذي أرجو له أن يصير علما شامخا بين سائر العلوم الإسلامية، وأكتب للدعاة الذين هم أمل الأمة في النهوض والتقدم، ولسوف أستفيد من سائر العلوم الإنسانية والدينية؛ لأن الدعوة في الحقيقة هي غاية كل العلوم، والحركة بها تحتاح لدراسات عديدة.
إن الدعوة إلى الله تعالى من أهم علوم الإسلام في أي جانب من جوانبها، ويكفي شهادة على ذلك موقف القرآن الكريم معها، فهو الذي حدد موضوعها، ورسم مناهجها، وقص تاريخها، وأنزل العديد من أساليبها ووسائلها..
ومن المعلوم أن كل العلوم الإسلامية نشأت لخدمة القرآن الكريم، وخدمة أهدافه، والدعوة هي هدفه الأول، وغايته الأساسية..
وأملي في الله، ودعائي له أن يهيئ العلماء المخلصين، وييسر لهم العمل لإبراز علوم الدعوة، متميزة بموضوعها، ومنهجها، وغايتها، وشرفها؛ ليتتلمذ بها ومعها وعليها المؤمنون المخلصون.
يقول الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا، وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٣.
فالقرآن الكريم هو كتاب الدعوة، ولا جديد في الدعوة بعد القرآن الكريم، اللهم إلا اجتهادات عقلية في مجال التطبيق، والملاءمة بين القضية والواقع في إطار

١ سورة الأنعام الآية ١٩.
٢ سورة الكهف الآيات ١-٤.
٣ سورة الفرقان الآية ١.

1 / 16