القسم الثاني مِن المعجم الأوسط
للإمام أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبرانيّ ﵀ ت ٣٦٠ هـ - تحقيق ودراسة مع ملاحظة أحكامه على الأحاديث بالتَّفرد.
مِنْ حديث (٤٠١) حديث وَاثِلَة بن الأَسْقَعِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي … الحديث»، إلى حديث رقم (٦٥٠) حديث ابن عَبَّاسٍ، قَالَ: «تَضَيَّفْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، وَهِيَ لَيْلَتَئِذٍ حَائِضٌ لَا تُصَلِّي … الحديث».
رسالة مُقَدَّمةٌ لنيل درجة التَّخصص (الماجستير)
في الحديث وعلومه
إعداد الباحث:
محمود محمد محمد عمارة السعدني
تحت إشراف
فضيلة الأستاذ الدكتور/ أ. د/أحمد محمد محمد علي سالم:
أستاذ الحديث ووكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالزقازيق
فضيلة الأستاذ الدكتور/ أ. د/أحمد محمد صبري. مدرس الحديث وعلومه بالكلية
الجزء الأول
1 / 1
بسم الله الرحمن الرحيم
1 / 2
الحمد لله رب العالمين
الحمد لله بجميع محامده كلها ما علمتُ مِنْها
وما لم أعلم، على جميع نعمه كلها ما علمتُ مِنْها
وما لم أعلم، عدد خلقه كلهم ما علمتُ مِنْهم وما
لم أعلم، حمدًا يُوافي نعمه ويُكافئُ مزيده.
يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك
وعظيم سُلْطانك.
1 / 3
اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه،
ومَنْ تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
صلاة تكون لنا طريقًا لقربه، وتأكيدًا لحبه، وبابًا … لجمعنا عليه، وهديَّة مقبولة بين يديه.
وسلِّم اللهم كذلك تسليمًا كثيرًا أبدا.
وارض اللهم عن آله، وصحبه السعدا، واكسنا يا ربنا
حلل الرضا، والطف بنا بلطفك في القضا.
1 / 4
الإهداء
إلى نبينا وسيدنا محمد ﷺ، وآله الطاهرين، وأصحابه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إلى الحافظ الثِّقَة، الرَّحَّال الجَوَّال، مُحَدِّثِ الإسلام، عَلَمِ المُعَمَّرين: أبي القاسم سُلَيْمان بن أحمد الطبرانيّ.
إلى شيخيّ الكريمين المشرفين على الرسالة: أ. د/أحمد محمد سالم وأ. د/أحمد محمد صبري.
إلى كل مَنْ ساهم في تحقيق "المعجم الأوسط"، وإخراجه مِنْ عالم المخطوط إلى عالم المطبوع، وأخص بالذكر الشيخ/طارق بن عوض الله، والشيخ/عبد المحسن الحسيني، وفريق التحقيق معهما، فجزاهم الله خيرا.
إلى شيخي وأستاذي الفاضل أ. د/أحمد معبد عبد الكريم، وجميع أساتذتي بكلية أصول الدين بطنطا.
إلى والديَّ الكريمين الذين تحملا الصعاب، وزرعا لي مِنْ غَرس فؤاديهما جَنَّاتٍ لأعيش هانئًا سعيدًا، وفرشا لي مِنْ مُقْلَة عُيونهما دُرُبًا، إلى أُمي الغالية، وأبي الغالي، اللذين في رعايتهما تَقَلَّبت، وفي كنفهما ارتفعت، وبسببهما تَعَلَّمت، أسأل الله ﷿ أن يُطيل في عُمرهما على الخير والطاعة، وأن يُمتعهما بالصحة والعافية، وأن يجعل مقامهما الفردوس الأعلى، وجزاهما الله عني خير الجزاء، إنَّه ولي ذلك ومولاه.
إلى ريحانة فؤادي التي شاركتني حياتي فكانت نِعْم الشريك، ورافقتني مسيرتي فكانت نعم الرفيق، بَذَلَت لسعادتي كل ما تسطيع، وساعدتني على تحمل عناء الدراسة، وآنستني وساندتني في تقلبات أحوالي، إلى زوجتي الغالية التي كان لها أثر بارز في إنهاء هذا البحث بالكتابة والتنسيق، فجزاها الله عني خير الجزاء.
إلى مَنْ غمراني بالسعادة، وأضحكاني، قرة عيوني: مريم، ومحمد، جعلهما الله ﷿ مِنْ خُدَّام هذا الدين.
إلى أخواتي الأربعة: أُم أحمد، وأُم زينب، وأُم مريم، والصغرى حنان اللائي أفضن عليّ بالعطف والحنان، والوقت والمال، والنَّصيحة والامتنان، والتَّضرع إلى الله والابتهال أن يرزقني العون والتوفيق والجنان.
إلى كل من أسدى إلىَّ معروفًا، أو تعلمت منه شيئا، أو بذل لي نصحًا، أو مد يد العون لي، مِنْ مشايخي الفضلاء، وأساتذتي الأعزاء، وإخواني مِنْ طلبة العلم.
إلى هذا الصرح الشامخ جامعة الأزهر الشريف، من أساتذة وعلماء وقائمين على العمل الدراسي.
إليهم جميعًا أُهدي هذا العمل المتواضع، وأسأل الله ﷿ أن يجعله من العلم النافع، والعمل الصالح.
والحمد لله رب العالمين،،،
الباحث
1 / 5
مقدمة الرسالة
1 / 6
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١)، الحمد لله بجميع مَحَامِده كلها ما علمتُ مِنْها وما لم أعلم، على جميع نعمه كلها ما علمتُ منها وما لم أعلم، عدد خلقه كلهم ما علمتُ مِنْهُم وما لم أعلم، حَمْدًا يُوافي نعمه، ويُكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. (^٢)
وأشهدُ أن لا إله إلا اللَّهُ، وحده لا شَرِيكَ له، له الملك وله الحمد يُحيي ويُميتُ، وهو على كل شيء قدير، إِقْرَارَ مَنْ لاح له الهُدَى فَعَرَفَ، وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ مُنْتَهَى الكَرَمِ والشَّرَفِ، صَلَّى اللَّهُ وسلَّم عليه، وعلى آله وصحبه ومَنْ قَفَا أَثَرَهُمْ، ومِنْ بِحَارِ عُلُومِهِمُ اغْتَرَفَ. (^٣)
أمَّا بعد:
فإنَّ علم الحديث مَفْخَرةٌ مِنْ مفاخر العلوم الإسلامية، وجوهرةٌ مِنْ جواهرها النَّفيسة، فقد كان أول مَنْهجٍ عِلْمِيٍّ يُوضع في تاريخ العلوم الإنسانية لتمحيص الرِّوايات، وتدقيق الأخبار، ومعرفةِ الصحيح مِنْ الضعيف، والمقبول مِنْ المردود، بَيْنَما كان هذا الأمر غُفْلًا عند الأُمم الأُخْرَى؛ ينقلون ما هبَّ ودَبَّ مِنْ الرِّوايات والقصص والأخبار؛ دون أن يكون لديهم أي ميزانٍ أو ضابطٍ لها، حتى لو كانت تتعلَّقُ بدينهم، أو تدخل في عقائدهم؛ لذا راجت عندهم الأساطير، ودَاخَلَ مُعتقداتهم التحريفُ، وشَابت كُتُبَهم التُّرَّهاتُ والأباطيل.
فكان هذا العلم - وهو علم الحديث - مِنْ تكريم الله ﷾ لهذه الأمة، ومِنْ تشريفه لها، وكيف لا …؟ وقد جعلها الله ﷿ خير أمَّة أُخرجت للنَّاس!! قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (^٤).
وهو إعجازٌ مِنْ الله ﷾ في حفظ كتابه؛ لأنَّ السُّنة هي المُبَيِّنةُ للقرآن، وهي المُفَسِّرةُ له، وحفظ الشيء يكون بحفظ بيانه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٥). (^٦)
لذلك فإنَّ الله تعالى وَفَّق للسُّنَّة حُفاظًا عارفين، وجهابذة عالمين، وصيارفة ناقدين، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المُبطلين، وتأويل الجاهلين، فتنوعوا في تصنيفها، وتفننوا في تدوينها على أنحاءٍ كثيرةٍ،
(^١) سورة "الفاتحة"، الآية رقم (٢).
(^٢) مِمَّا حفظته مِنْ شيخنا الجليل فضيلة الشيخ/عبد السلام أبي الفضل ﵀، ورضي الله عنا وعنه، وأرضانا وأرضاه آمين -، وكان كثيرًا ما يُرَدِّدُها في خطبه، ودروسه - نفعنا الله بها -.
(^٣) مقتبسٌ مِنْ مقدمة كتاب "إتحاف المهرة" للحافظ ابن حجر (١/ ١٥٧) - بتصرف -.
(^٤) سورة "آل عمران"، الآية رقم (١١٠).
(^٥) سورة "النحل"، الآية (٤٤).
(^٦) مقتبسٌ مِنْ مقدمة كتاب "التَّفرُّد في رواية الحديث ومنهج المُحَدِّثين في قبوله" د/عبد الجَوَاد حَمَام (ص/٩ - ١٠).
1 / 7
وضروبٍ عديدةٍ، حرصًا على حفظها، وخوفًا من إضاعتها. (^١)
وقَيَّض الله ﷿ للسُّنِّة الشريفة أئمةً كبارًا، وجهابذة نُقَّادًا، ورجالًا أفذاذًا، سَخَّروا حياتهم لها، وبذلوا حياتهم بل وبذلوا كُلَّ ما لديهم مِنْ غالٍ ونفيسٍ خدمة لها، حتى مَيَّزوا لنا صحيح الحديث مِنْ سقيمه، ونقدوا لنا الإسناد والمتن بتمحيصٍ شديدٍ، وتوثيقٍ بالغٍ لا مثيل له على مرّ العصور والدهور.
ولقد اعتنى المُحَدِّثون بشتى أنواع علوم الحديث المختلفة التي تخدم حديث النَّبيّ ﷺ.
وكان مِنْ أهم أنواع علوم الحديث التي اعتنى بها صيارفة الحديث ونُقَّاده أشد عناية واهتمام:
علم الغرائب والأفراد؛ لكون الإكثار مِنْ التَّفرد والإغراب، ورواية ما لا يعرفون - خاصة عند المخالفة، وشدة النكارة في المروي - سببًا مِنْ أسباب جرح الراوي، وضعفه، وأدعى إلى عدم قبوله ورده.
ولكون معرفة الأفراد والغرائب من أهم وسائل الكشف عن العلة كما قال ابن الصلاح: ويُسْتَعانُ على إدراكِها - أي العلة - بتَفَرُّدِ الراوي، وبمخالفةِ غيرِهِ لهُ، مَعَ قرائنَ تَنْضَمُّ إلى ذلك. (^٢)
ولدقة هذه المسألة وحساسيتها، وتداخلها مع أهم علوم الحديث، كعلم الجرح والتعديل، وعلل الحديث، ولكثرة الأنواع المتفرعة عنها، والمتصلة بها اتصالًا وثيقًا؛ كالشاذ، والمُنْكر، وزيادة الثقة، وغيرها. (^٣)
لذا تكلَّموا عليه في شتى كتب الحديث وعلومه: كَكُتُبِ المتون (^٤)،
والمصطلح (^٥)، وكُتُبِ تراجم الرِّجال،
(^١) يُنظر: "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للإمام أبي الحجَّاج يوسف المزيّ (١/ ١٤٧).
(^٢) يُنظر: "معرفة علوم الحديث" لابن الصلاح (ص/١٨٧).
(^٣) يُنظر: "التَّفرُّد في رواية الحديث ومنهج المُحدِّثين في قبوله" (ص/١٩٥).
(^٤) يُنظر: "الزهد" لابن المبارك حديث رقم (٩٤٨ و٩٤٩). "صحيح البخاري" ك/الطلاق، ب/الخُلْعِ وَكَيْفَ الطَّلَاقُ فِيهِ برقم (٥٢٧٣)، حيث أورد حديثًا لعكرمة عن ابن عبَّاس ﵄، ثُمَّ قال: لا يُتَابَعُ فيه عن ابن عَبَّاسٍ؛ أي: لا يتابع أزهر بن جميل - شيخ البخاري في الحديث - على ذكر ابن عباس ﵄ في هذا الحديث. "السنن" لابن ماجه حديث رقم (٢١٤٣ و٢١٦٢)، "السنن" لأبي داود حديث رقم (٥٠ و١٥٥ و٣٣٣ و١١٢٠ و٢٢٥٤ و٢٣٤٨ و٢٨٦٨ و٤٤٧٦)، "السنن" للترمذي، وأكثر فيه الترمذي مِنْ ذكر غرائب وأفراد الرواة في هذا الكتاب، منها على سبيل المثال: حديث رقم (٧ و٢١ و٤٠ و٤٣ و٥٧ و٧٣ و١٠٦ و١٢٧ و٢١٠ و٢١١ و٢٦٨ و٢٦٩ و٢٩٤ و٣٣٤ و٣٤٩ و٤١١ وغير ذلك كثير)، "السنن الكبرى" للنَّسائي حديث رقم (١٦٣٩ و٤١٦٠ و١١٥٨٩ وغيرها)، "صحيح ابن خزيمة" حديث رقم (١٤ و١٧٧ و٢٢٩ و٣٠٥ و٥٧٣ وغيرها)، "شرح مُشْكِل الآثار" للطحاوي حديث رقم (٤١٨ و٥٧٢)، "المسند" لأبي سعيد الشاشي حديث رقم (٢١٥)، "صحيح ابن حبَّان" حديث رقم (الإحسان/١٧٤ و١٧٥ و٣٧٨ و١٤٠٦ و١٤٧٩ و١٥٠٨ و١٧٨٦ و١٩٥٣ وغير ذلك كثير)، وقد اهتم ابن حبَّان ﵁ في "صحيحه" بنفي التَّفرد عن بعض الأحاديث التي وصفها البعض بالتَّفرد في إحدى طبقات إسنادها، فكثيرًا ما يقول: ذِكْرُ الخَبَرِ المُدْحِضِ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هذا الخَبَرَ تَفَرَّدَ بِهِ فلان عن فلان، والمواضع في ذلك تزيد عن مائة موضع مِنْ الكتاب، مِنْها على سبيل المثال: (الإحسان/١٣٠ و١٦٧ و٢٥٥ وغيرها) .. "رؤية الله" للدَّارقُطني حديث رقم (٥٩ و٢٣٣)، "السنن" للدَّارقُطني حديث رقم (١٢٥ و١٧٣ و١٧٩ و١٩٤ و٢٤٤، وغير ذلك كثير)، "المُسْتدرَك على الصحيحين" حديث رقم (٩٤ و١٦٦ و٤١٨ و٦٣٩ و٦٤٥ وغيرها)، "حلية الأولياء" لأبي نُعيم ويُعتبر مِنْ مظان الأفراد مِنْ الأحاديث، والمُقَلِّب لصفحاته يقف على مِئات المواضع الدَّالة على ذلك، مِنْها على سبيل المثال: (١/ ١٦٨ و١/ ٢٢٦ و١/ ٢٢٧ و١/ ٣١٥ و١/ ٣١٥، وغيرها كثير)، "السنن الكبرى" للبيهقي حديث رقم (١٣١ و١٧٧ و٢٠٧ و٢٤٩ و٨٢٧، وغيرها كثير)، "معجم ابن عساكر" حديث رقم (٤٢ و٦٧ و١٤٦ و١٦٢ و٢٥٨، وغيرها)، وغير ذلك مِنْ كتب المتون، والله أعلم.
(^٥) وفي كتب المصطلح افردوه بعناوين مُسْتَقِلَّة، واعتنوا به أشد عناية، وتكلَّموا عنه ضمن بقية علوم الحديث المتداخلة معه، والمترابطة به كالشاذ، والمنكر، ونحوهما، كما سيأتي بيانه والإشارة إليه في الفصل الثالث مِنْ القسم الأول في هذه الدَّراسة.
1 / 8
والتواريخ والبلدان (^١)،
وكُتُبِ العلل (^٢)، وغيرها مِنْ المؤلَّفات؛ فنراهم يُوردون عقب الروايات مَنْ تَفَرَّد بها مِنْ الرواة، ويُوردون في تراجم الرِّجال ما تَفَرَّدوا به مِنْ الغرائب والمناكير.
(^١) يُنظر: "التاريخ الكبير" للبخاري (١/ ١١٠ و١٣٨ و١٧٩ و٢٣٠ و٣٥٧ وغيرها كثير)، ويَسْتَعْمِلُ ذلك بقول: لا يُتابع عليه. "الجرح والتعديل" (٣/ ٥٧٠)، "التاريخ" لابن يونس (١/ ٣٥٣ و١/ ٤٤٥ و١/ ٤٩٣)، "المجروحين" لابن حبَّان (١/ ١١٢ و١١٦ و٢١٦)، "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي، وهذا الكتاب أصل في غرائب الرواة وأفرادهم، وهو أمر واضح لمن تَصَفَّحه، مِنْ ذلك على سبيل المثال: (١/ ١٠١ و١٠٤ و١١٢ و٣٧٩ و٥٠٧ وغير ذلك الكثير)، وتنوَّعت عبارات ابن عدي في ذلك، فأحيانًا يقول: تَفَرَّد به فلان، وأحيانًا: غريب مِنْ حديث فلان، وأحيانًا: لم يروه عن فلان إلا فلان، وأحيانًا: لا يُتابع على حديثه، وعامة ما يرويه لا يُتابع عليه، ونحو ذلك. "طبقات المُحدِّثين بأصبهان" لأبي الشيخ، قال في مقدمته (١/ ١٤٧): "هذا كتاب "طَبَقَاتِ أَسْمَاءِ الْمُحَدِّثِينَ مِمَّنْ قَدِمَ أَصْبَهَانَ" مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ وَمَنْ كان بها وَقْتَ فَتْحِهَا إلى زَمَانِنَا هذا، مع ذِكْرِ كُلِّ مَنْ تَفَرَّدَ به وَاحِدٌ مِنْهُمْ بذلك الحديث ولم يَرْوِهِ غيره بذلك الإسنادِ .... الخ"، وهذا ظاهر في بعض المواضع في كتابه، فإنَّه أحيانًا يذكر ترجمة الراوي، ويقول: ومِمَّا تَفَرَّد به ما حدَّثنا، ويشرع في ذكر الحديث، يُنظر على سبيل المثال: (٢/ ١٧ و٥٢ و٦٨ و١٤٣ و٣/ ٨٨ وغيرها)، "معرفة الصحابة" لابن مندة وفيه الكثير مِنْ ذلك، أذكر على سبيل المثال: (ص/١٩٤ و٢٠٩ و٣٠٩ و٣١٣ و٣٢٠ وغيرها)، "معرفة الصحابة" لأبي نُعيم، وهو يشتمل على مواضع كثيرة، مِنْها على سبيل المثال: حديث برقم (٣٣ و٢٨٢ و٢٨٥ و٢٨٦ و٣٥٤ وغيرها). "تاريخ بغداد" (٢/ ٤٧١ و٥٣٦ و٣/ ١٢٠ و٢٢٥ و٣٣٠ وغيرها)، وأكثر مِنْ النقل عن الأئمة السابقين، خاصة الطبراني، والدَّارقُطني. "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٤/ ١٦٩ و٢٤/ ٢٢٥ و٣٦/ ٣٨٢ وغيرها)، وأكثر كذلك مِنْ النَّقل عن الأئمة السابقين، خاصة الطبراني والدَّارقُطني، وغيرهما. وأكثر المزيُّ في "تهذيب الكمال" بنقل أحكام الأئمة السابقين كالبخاري، والترمذي، وابن عدي، والعُقَيْليّ، وغيرهم على الأحاديث بالتَّفرد، أو على الرواة بالإكثار مِنْ الأغراب والأفراد، مِنْ ذلك على سبيل المثال: (٢/ ٢٢ و١٠٧ و٣/ ٢٤٠ و٥٠٣ و٤/ ١٥٧ وغيرها)، وأخرج حديثًا مِنْ طريق الطبراني، ونقل عقبه قول الطبراني: لم يَرْوِهِ عن ثَابِتٍ إلا محمد بن سالم البَصْرِيّ، تفرد ابنُ الطَّبَّاعِ، ثُمَّ أورده عند الترمذي مِنْ طريق آخر عن محمد بن سالم، ثُمَّ تَعَقَّب الطبراني، فقال: وفِيهِ اسْتِدَرَاكٌ عَلَى الطَّبَرَانِيِّ فِي قَوْلِهِ: تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ الطَّبَّاعِ. "التهذيب" (٢٥/ ٢٤٣ - ٢٤٤). وفي موضع آخر (٢٦/ ٩٧) ذكر حديثًا وعزاه إلى البخاريّ، ثُمَّ قال: وهُوَ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ، مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيك بْنُ عَبد الله بْن أبي نمر، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرة، وتَفَرَّدَ بِهِ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمان بْنِ بِلالٍ، عَنْ شَرِيك، واللَّهُ أَعْلَمُ. واهتم بهذا الأمر أيضًا الذهبي في كتبه، فأحيانًا يحكم بنفسه بالغرابة والتَّفرُّد مِنْ ذلك على سبيل المثال: "تاريخ الإسلام" (١/ ٣٧٢ و٤٢٩ و٥١٦ و٦١٣)، "سير أعلام النبلاء" (١/ ١٢٨ و٢/ ١٦٤ و٣/ ٢٥٢ و٨/ ٥٢٧ و٩/ ٥١٠)، "ديوان الضعفاء" (١/ ٢٧٦)، "ميزان الاعتدال" (١/ ٤٣ و٦٣ و٢١٣ وغيرها)، وأمَّا نقله عن الأئمة السابقين فهذا أشهر مِنْ أن يُذكر له مثال، فقد أكثر مِنْ ذلك في عامة كتبه. وأكثر كذلك الحافظ ابن حجر في عامة كتبه في الرجال مِنْ نقل الأقوال الأئمة في ذلك، وحكم بنفسه كذلك بالتَّفرد: "تهذيب التهذيب" (٢/ ٢٣٥)، والله أعلم.
(^٢) يُنظر: "العلل الكبير" للترمذي (ص/٢١١ و٢١٦ و٣٦٠). "علل الحديث في صحيح مسلم" للشهيد الهروي حديث رقم (١٣ و١٥). "العلل" للدَّارقُطني (١/ ١٦٢ و١٧٤ و٢٢٠ و٢٣٣ و٢/ ٤٠ و٥٥ و٣/ ٥٨ و١٧١ و٤/ ٢٢ و٦٧ وغيرها كثير).
1 / 9
بل وأفردوا لهذا العلم كذلك الكُتُب والمُصَنَّفات، مِنْها على سبيل المثال:
- "التَّفرُّد" للإمام أبي داود - صاحب "السنن" -، وهو: ما تَفَرَّد به أهل الأمصار مِنْ السنن.
- و"المفاريد عن رسول الله ﷺ " لأبي يعلى أحمد بن عليّ بن المُثَنَّى الموصليّ.
- و"المسند" للإمام أبي بكر أحمد بن عَمرو - المعروف بالبَزَّار -.
- و"المعجم الأوسط"، و"المعجم الصغير" وكلاهما للإمام أبي القاسم سُليمان بن أحمد الطبراني.
- و"الجزء الخامس مِنْ الأفراد" للإمام أبي حفص عُمر بن أحمد - المعروف بابن شاهين -.
- و"الأفراد" للإمام أبي الحسن علي بن عُمر الدَّارقُطني.
- و"أطراف الغرائب والأفراد" للإمام أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي، المعروف بابن القيسراني. (^١)
ومِنْ أهم هذه الكتب، وأكثرها شهرة، كتاب "المعجم الأوسط" للإمام الطبراني - قيد بحثي ودراِستي -.
أسباب اختياري للموضوع:
وبعد انتهائي مِنْ مرحلة الدراسات العليا بقسم الحديث وعلومه - بكلية أصول الدين، جامعة الأزهر الشريف -، وأثناء تَقَدُّمي لإعداد بحثٍ - لنيل درجة التخصص (الماجستير) -، وجدت أنَّ هناك عِدَّة دوافع وأسباب، دفعتني بقوة للتسجيل في خدمة جُزءٍ مِنْ هذا الكتاب بالتحقيق والدِّراسة، وهي كالآتي:
١) التقرب إلى الله تعالى بخدمة السنة المشرفة عمومًا، وبخدمة هذا السفر الجليل خصوصًا.
٢) مكانة هذا الكتاب وعلو كعب مُؤلِّفِه؛ فمُؤلِّفُه إمامٌ عَلَمٌ وناقدٌ خبيرٌ، عَمَّر قرنًا مِنْ الزمان، واتسعت رحلته حتى شارك بعض شيوخه في مشايخهم، وأتى من الروايات الغريبة والأفراد والفوائد بما لم يأت بها غيره، فأجهد من جاء بعده، وأتعب كل من أراد تحقيق كتاب من مصنفاته، فرحمه الله رحمة واسعة.
٣) أهمية الكتاب، وعظيم نفعه: فموضوع الكتاب يَتَمَثَّلُ في جمع الأحاديث الغرائب والفوائد، والتَّنصيص على غرابتها، وموضع التَّفرُّد أو المخالفة فيها، فالكتاب يُعَدُّ مصدرًا أساسيًا لعلل الحديث.
قال الإمام الذهبي: يأتي فيه عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، بيَّن فيه فَضِيلَتَه، وَسَعَةَ رِوَايَتِهِ، وكان يقول: هَذَا الكِتَابُ رُوحِي، فإنَّه تَعِبَ عليه، وفيه: كُلُّ نَفِيسٍ وَعَزِيزٍ وَمُنْكَرٍ. (^٢)
٤) كون الإمام الطبراني حكم على جُلِّ أحاديث الكتاب بالتَّفرد، فأردت أن أُسهم في هذا المضمار، ببيان موقفي مِنْ ذلك بعد الدِّراسة بالموافقة أو المخالفة أو الجمع، بناءً على قواعد أهل هذا الفن.
٥) شدة حاجة أهل العلم والمشتغلين بهذا الفن إلى هذا الكتاب؛ فعلى الرغم من أهميته، وتقدم مُؤَلِّفه، إلا أنَّه لم يُخدم الخدمة التي تليق به.
٦) رغبتي في اكتساب الملكة والخبرة في مجال تحقيق المخطوطات، كمقابلتها بأصولها الخطية، ولا يُتِمُّ هذا للباحث إلا بالخوض في أغمار هذا العلم الشريف.
(^١) وسيأتي - بإذن الله ﷿ الإشارة إليها بشيء مِنْ التفصيل، وذلك في الفصل الثالث مِنْ القسم الأول مِنْ هذه الرسالة.
(^٢) يُنظر: "تذكرة الحفاظ" (٣/ ٨٥).
1 / 10