القول المفيد على كتاب التوحيد

القول المفيد على كتاب التوحيد

Издатель

دار ابن الجوزي

Издание

الثانية

Год публикации

محرم ١٤٢٤هـ

Место издания

المملكة العربية السعودية

المجلد الأول
مقدمة
...
القول المفيد على كتاب التوحيد شرح فضيلة الشيخ، محمد بن صالح العثيمين
المجلد الأول:
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد سبق أن طبع لنا كتاب «القول المفيد على كتاب التوحيد»، وكان منقولا من الأشرطة المسجلة من الدرس، وقد حصل فيه بعد خروجه تعديل بزيادة أو حذف تدعو الحاجة إليه، وها نحن نعيد طبعه لأول مرة بعد مراجعته في دار (ابن الجوزي) .
فلتكن هذه هي النسخة المعتمدة؛ ولذا جرى التنبيه والله الموفق.
حرر في ٢٩/١٠/١٤١٧؟
أملاه الفقير إلى الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما.
أما بعد:
فقد سبق لنا- ولله الحمد والمنة- أن قمنا بشرح كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب على الطلبة، أثناء جلساتنا في الجامع الكبير بعنيزة، وقام بعض الطلبة بتسجيل ما تكلمنا به.
وقد بادر الأخوان الكريمان/ الدكتور سليمان العبد الله أبا الخيل، والدكتور: خالد العلي المشيقح بتفريغ المسجل كتابة، وقاما بطبعه، وسمياه: القول المفيد على كتاب التوحيد. فأسأل الله تعالى أن يجزل لهما المثوبة وينفع بذلك.
ومن المعلوم أن ما نقل تسجيلا من الشرح على الطلاب لا يساوي ما كتب تحريرا، بل سيكون فيه نقص أو زيادة، أو تقديم أو تأخير أو تكرار، أو نحو ذلك من الخلل.

1 / 7

يشمل إلا شيئا يسيرا من هذه المخلوقات; فالإنسان يملك ما تحت يده، ولا يملك ما تحت يد غيره، وكذا هو ملك قاصر من حيث الوصف; فالإنسان لا يملك ما عنده تمام الملك، ولهذا لا يتصرف فيه إلا على حسب ما أذن له فيه شرعا.
فمثلا: لو أراد أن يحرق ماله، أو يعذب حيوانه؟ قلنا: لا يجوز، أما الله- سبحانه-، فهو يملك ذلك كله ملكا عاما شاملا.
وأما إفراد الله بالتدبير:
فهو أن يعتقد الإنسان أنه لا مدبر إلا الله وحده، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس:٣١، ٣٢] .
وأما تدبير الإنسان; فمحصور بما تحت يده، ومحصور بما أذن له فيه شرعا.
وهذا القسم من التوحيد لم يعارض فيه المشركون الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بل كانوا مقرين به، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] .

1 / 8

فهم يقرون بأن الله هو الذي يدبر الأمر، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض.
ولم ينكره أحد معلوم من بني آدم، فلم يقل أحد من المخلوقين: إن للعالم خالقين متساويين. فلم يجحد أحد توحيد الربوبية، لا على سبيل التعطيل ولا على سبيل التشريك، إلا ما حصل من فرعون; فإنه أنكره على سبيل التعطيل مكابرة، فإنه عطل الله من ربوبيته وأنكر وجوده، قال تعالى حكاية عنه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: من الآية٣٨] .
وهذا مكابرة منه لأنه يعلم أن الرب غيره، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: من الآية١٤] وقال تعالى حكاية عن موسى وهو يناظره: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الاسراء: من الآية١٠٢] فهو في نفسه مقر بأن الرب هو الله- ﷿.
وأنكر توحيد الربوبية على سبيل التشريك المجوس، حيث قالوا: إن للعالم خالقين هما الظلمة والنور، ومع ذلك لم يجعلوا هذين الخالقين متساويين.

1 / 9

فهم يقولون: إن النور خير من الظلمة؟ لأنه يخلق الخير، والظلمة تخلق الشر، والذي يخلق الخير خير من الذي يخلق الشر.
وأيضا; فإن الظلمة عدم لا يضيء، والنور وجود يضيء، فهو أكمل في ذاته.
ويقولون أيضا بفرق ثالث، وهو: أن النور قديم على اصطلاح الفلاسفة، واختلفوا في الظلمة: هل هي قديمة، أو محدثة; على قولين.
دلالة العقل على أن الخالق للعالم واحد:
قال الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: من الآية٩١] إذ لو أثبتنا للعالم خالقين; لكان كل خالق يريد أن ينفرد بما خلق، ويستقل به كعادة الملوك; إذ لا يرضى أن يشاركه أحد.
وإذا استقل به; فإنه يريد أيضا أمرا آخر، وهو أن يكون السلطان له لا يشاركه فيه أحد.
وحينئذ، إذا أرادا السلطان؛ فإما أن يعجز كل واحد منهما عن الآخر، أو يسيطر أحدهما على الآخر; فإن سيطر

1 / 10

ولما ظهرت طبعته الأولى وجد فيها شيء من ذلك، فحرر ونقح، ثم أعيد طبعه مرة ثانية، فاحتاج إلى إعادة النظر؛ لخلل يسير غالبه في الطباعة.
وها هو يعاد للمرة الثالثة، وقد رأيت أن يحذف من الكتاب جميع الحواشي، ما عدا عزو الآيات والأحاديث، أسأل الله تعالى أن يكون خالصا لوجهه، موافقا لمرضاته، نافعا لعباده، إنه جواد كريم.
وهذا أوان الشروع في المقصود مستعينين بالله تعالى.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
كتاب التوحيد.
لم يذكر في النسخ التي بأيدينا خطبة للكتاب من المؤلف، فإما أن تكون سقطت من النساخ، وإما أن يكون المؤلف اكتفى بالترجمة؛ لأنها عنوان على موضوع الكتاب وهو التوحيد.
والكتاب: بمعنى مكتوب، أي مكتوب بالقلم، أو بمعنى مجموع، من قولهم كتيبة، وهي المجموعة من الخيل.
أما التوحيد فهو في اللغة: مصدر وحَّد الشيء إذا جعله واحدا.
وفي الشرع: إفراد الله- تعالى- بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.

1 / 11

أقسامه:
ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
١. توحيد الربوبية
٢. توحيد الألوهية.
٣. توحيد الأسماء والصفات.
وقد اجتمعت في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: الآية ٦٥] .
* القسم الأول: توحيد الربوبية:
هو إفراد الله ﷿ بالخلق، والملك، والتدبير. فإفراده بالخلق: أن يعتقد الإنسان أنه لا خالق إلا الله.
قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْر﴾ [الأعراف: من الآية٥٤] فهذه الجملة تفيد الحصر لتقديم الخبر، إذ إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. وقال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْض﴾ [فاطر: من الآية٣] فهذه الآية تفيد اختصاص الخلق بالله لأن الاستفهام فيها مشرب معنى التحدي.

1 / 12

أما ما ورد من إثبات خالق غير الله; كقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: من الآية١٤] وكقوله ﷺ في المصورين يقال لهم: «أحيوا ما خلقتم» ١.
فهذا ليس خلقا حقيقة، وليس إيجادا بعد عدم، بل هو تحويل للشيء من حال إلى حال، وأيضا ليس شاملا، بل محصور بما يتمكن الإنسان منه، ومحصور بدائرة ضيقة; فلا ينافي قولنا: إفراد الله بالخلق.
وأما إفراد الله بالملك:
فأن نعتقد أنه لا يملك الخلق إلا خالقهم، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ [آل عمران: من الآية١٩٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء﴾ [المؤمنون: من الآية٨٨] .
وأما ما ورد من إثبات الملكية لغير الله; كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٦]، وقال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: من الآية٦١]؛ فهو ملك محدود لا

١ من حديث ابن عمر، أخرجه: البخاري في "صحيحه" (كتاب اللباس، باب عذاب المصورين يوم القيامة، ١٠/٢٨٣)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان، ٣/١٦٧٠) .

1 / 13

أحدهما على الآخر ثبتت الربوبية له، وإن عجز كل منهما عن الآخر زالت الربوبية منهما جميعا; لأن العاجز لا يصلح أن يكون ربا.
القسم الثاني: توحيد الألوهية:
ويقال له: توحيد العبادة باعتبارين; فباعتبار إضافته إلى الله يسمى: توحيد الألوهية، وباعتبار إضافته إلى الخلق يسمى توحيد العبادة. وهو إفراد الله- ﷿ بالعبادة. فالمستحق للعبادة هو الله تعالى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِل﴾ [لقمان: من الآية٣٠] .
والعبادة تطلق على شيئين:
الأول: التعبد بمعنى التذلل لله- ﷿ بفعل أوامره واجتناب نواهيه; محبة وتعظيما.
الثاني: المتعبد به; فمعناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
مثال ذلك: الصلاة; ففعلها عبادة، وهو التعبد.

1 / 14

ونفس الصلاة عبادة، وهو المتعبد به.
فإفراد الله بهذا التوحيد: أن تكون عبدا لله وحده تفرده بالتذلل; محبة وتعظيما، وتعبده بما شرع. قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢] .
وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] فوصفه سبحانه بأنه رب العالمين كالتعليل لثبوت الألوهية له; فهو الإله لأنه رب العالمين، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: من الآية٢١] فالمنفرد بالخلق هو المستحق للعبادة.
إذ من السفه أن تجعل المخلوق الحادث الآيل للفناء إلها تعبده; فهو في الحقيقة لن ينفعك، لا بإيجاد ولا بإعداد ولا بإمداد، فمن السفه أن تأتي إلى قبر إنسان صار رميما تدعوه وتعبده، وهو بحاجة إلى دعائك، وأنت لست بحاجة إلى أن تدعوه; فهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فكيف يملكه لغيره؟!
وهذا القسم كفر به وجحده أكثر الخلق، ومن أجل ذلك أرسل الله الرسل، وأنزل عليهم الكتب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا

1 / 15

أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] .
ومع هذا، فأتباع الرسل قلة، قال ﵊: " فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد" ١.
تنبيه:
من العجب أن أكثر المصنفين في علم التوحيد من المتأخرين يركزون على توحيد الربوبية، وكأنما يخاطبون أقواما ينكرون وجود الرب -وإن كان يوجد من ينكر الرب- لكن ما أكثر المسلمين الواقعين في شرك العبادة!!
ولهذا ينبغي أن يركز على هذا النوع من التوحيد؛ حتى نخرج إليه هؤلاء المسلمين الذين يقولون بأنهم مسلمون، وهم مشركون ولا يعلمون.
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات:
وهو إفراد الله- ﷿ بما له من الأسماء والصفات.
وهذا يتضمن شيئين:

١ من حديث ابن عباس، أخرجه: البخاري (كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره، ١٠/١٥٥)، ومسلم (كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، ١/١٩٩) .

1 / 16

القول المفيد على كتاب التوحيد | Усуль