Таших Фасих
تصحيح الفصيح وشرحه
Редактор
د. محمد بدوي المختون
Издатель
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية [القاهرة]
جمهورية مصر العربية
وزارة الأوقاف
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
تصحيح الفصيح
وشرحه
لابن درستويه
تحقيق الدكتور محمد بدوي المختون
مراجعة الدكتور رمضان عبد التواب
القاهرة
١٤١٩هـ - ١٩٩٨م
1 / 1
تصحيح الفصيح
بسم الله الرحمن الرحيم
الذي بعثنا، بعد حمد الله تعالى، والصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه على تصحيح كتاب الفصيح المنسوب إلى أحمد بن يحيى، وتفسيره، تحفظ كتاب الدواوين بالحضرة إياه، ومعلوهم عليه. من غير أن يفصحوا عن معانيه، ويعلموا تفسيره، ويعرفوا قياس أبنيته، وعلل أمثلته، اتكالًا على أن من حفظ ألفاظ الفصيح، فقد بلغ الغاية من البراعة، وجاوز النهاية في التأدب. وأن من لم يحفظه فهو مقصر عن كل غرض، ومنحط عن كل [درجة] ولو علموا أن الذي أغفل واضع هذا الكتاب، مما الناس إليه أشد حاجة، وبعم إلى معرفته أعظم فاقة، لصغر عندهم مقداره، وكبر لديهم من الآداب ما فاته. على أنه كتاب قد نوزع في دعواه، وطائفة تزعم أن الذي جمعه يعقوب بن السكيت، اختصره من كتابه "إصلاح المنطق". وطائفة تنسبه إلى ابن الأعرابي، وتلقبه كتاب "الحلى". وقد رأيته بخط أحمد بن الحارث البصري، المعروف بالخزاز، يحكيه عن ابن الأعرابي بهذا اللقب، إلا أنه قد شهر بأحمد بن يحيى، وهو به أشبه، ورأيناه يعترف ويقر به، وكان الذي أغفل مصنفه منه؛ من قياس كل باب، ومثال يصل به قارئه إلى علم جميع ما تلحن فيه العامة، من نظائر ما ذكر في هذا الباب ويحيط بما لم يذكره فيه [أنفع و] أجمع مما صنف، ثم كان مما أغفله أنه لم يفسر ما ذكر فيه من الغريب، ولم يوضح معانيه وإعرابه؛ فاحتاج من تَحَفَّظَه إلى التعب في السؤال عن ذلك، وإلى التعويل على قوم من متأخري أهل اللغة، تعاطوا/ شرح ذلك؛ فقصروا عن بلوغ الواجب، وحشوا الكتاب
1 / 31
بما ليس منه في شيء، وضموا إلى كل باب، وكل كلمة يجب تفسيرها، كل لفظة مشتقة منها وليست منها، ولا في معناها، وفسروا ما ليس من الكتاب، فأطالوا بما ليس منه ولا من فوائده ولا يتعلق به، وأعرضوا عن ذكر الأمثلة والأبنية، التي هي قواعد الأبواب منه، فلم يذكروها أصلًا، فشغلوا الناظر في تفسيرهم بغير ملتمسه، وما لا يحتاج إليه.
فشرحنا لمن عُنِيَ بحفظه معاني أبنيته، وتصاريف أمثلته، ومقاييس نظائره، وتفسير ما يجب تفسيره؛ من غريبه، واختلاف اللغات فيه، دون ما لا يتعلق به، وبينا الصواب والخطأ منه، ونبهنا على مواضع السهو والإغفال من مؤلفه؛ لتتم فائدة قارئه، وتكثر المنفعة له فيه، ويعرف كثيرًا من علل النحو، وضروبًا من الأبنية، وتصاريف صحيح اللغة ومعتلها، ووجوهًا من المجازات والحقائق، والتشبيهات والاستعارات المؤدية إلى علم كثير من كتاب الله ﷿، وكلام رسول الله صلى الله عليه، وسائر مخاطبات بلغاء العرب وشعرائها، والله ﷿ موفقنا لذلك كله، وله الحمد كثيرًا.
1 / 32
تصحيح الباب الأول
وهو باب فَعَلَت بفتح العين
اعلموا أن كل ما كان ماضيه من الأفعال الثلاثية على فَعَلت، بفتح العين، ولم يكن ثاتنيه ولا ثالثه من حروف اللين، ولا حروف الحلق؛ فإنه يجوز في مستقبله يفعل. /بضم العين، ويفعِل بكسرها، كقولنا: ضرَب يضرب، وشكر يشكر، وليس أحدهما أولى به من الآخر، ولا فيه عند العرب إلا الاستحسان والاستخفاف. فمما جاء وقد استعمل فيه الوجهان قولهم: ينفِر وينفُر، ويشتِم ويشتُم. فهذا يدلكم على جواز الوجهين فيه، وأنهما شيء واحد؛ لأن الضمة أخت الكسرة في الثقل، كما أن الواو نظيرة الياء في الثقل والاعتلال، ثم لأن هذا الحرف لا يتغير لفظه ولا خطه بتغير حركته، فإن كان الثاني منه أو الثالث حرفًا من حروف الحلق؛ فإنه لا يجوز أيضًا فيه الفتح [ولا] يمنع من الكسر والضم؛ لأنهما الأصل، وإنما يفتح مع حروف الحلق؛ لأن حروف الحلق مستعلية، فكره فيها من الحركات ما ليس بمستعل، استثقالًا للجمع بين الصعود والهبوط في حرف واحد، فمن ذلك قولهم: سبَح يسبَح، وجبَه يجبَه، وقلَع يقلَع، وشدَخ يشدخ، ونبح ينبح، وقرأ يقرأ، وسحر يسحر، وسأل يسأل، ودمع يدمع، ونحو ذلك.
ومما جاء [و] قد استعمل فيه الوجهان من حروف الحلق قولهم: نطح ينطح وينطِح، ونبح ينبح وينبِح، وفرغ يفرغ ويفرُغ، وبرأ يبرأ ويبرُؤ، وذلك كثير في الكلام. فإن كانت عين الفعل أو لامه واوًا في الأصل، ولم تكن إحداهما من الحلق، لم يجز في مستقبله إلا الضم وحده، نحو: قام يقوم، وعاد يعود، وعدا يعدو، وغدا يغدو، وغزا يغزو، وكذلك إن كانت عين الفعل أو لامه ياء، لم يجز فيه إلا الكسر، كقولهم:
1 / 33
مال يميل، وسال يسيل، ومشى يمشي، ورمى يرمي، وذلك لأن ذوات الواو والياء/ تعتل؛ فتنقلب حروفها على قدر حركات ما قبلها، فلو أجيز فيهما ما أجيز في الصحيح لتغير لفظ الحرف وخطه، بتغير حركته، فانقلبت الواو ياء، والياء واوًا فلم تعرف ذوات الواو من ذوات الياء، والصحيح إذا استعمل فيه الضم والكسر لم تتغير حروفه بتغير الحركات، ولا يدخل باب منه في باب آخر، ولا يلتبس.
وحروف الحلق ستة: "الهاء، والهمز، والعين، والغين، والحاء، والخاء" فإن اجتمعت الواو والياء في العين واللام من فعل كقولهم: ذوى يذوي وغوى يغوي، كسرت العين من مستقبله، من أجل أن لام الفعل ياء معتلة؛ لئلا يعتل الحرفان جميعًا، أُجْرِي مُجْرَى ما صحت عينه، وكذلك إن كانت الواو عين الفعل أو لامه صحت العين بمثل قَوِي يقوى؛ لأنه من القوة، وإنما كان آخر الكلمة بالعلة أولى من العين؛ لأنه في موضع الإعراب، واختلاف الحركات، فهو أضعف.
فمما جاء من ذوات الواو والياء مع حروف الحلق ففتح قولهم: سعى يسعى، ورعى يرعى، ورأى يرأى، ولولا حروف الحلق لكان مثل رمى يرمي، وكذلك قولهم: لحى يلحَى، بفتح الحاء، وقد قيل فيه: يَلْحُوا، بالواو على الأصل مثل يلهو. وقولهم: شآه يشآه؛ أي سبقه، وفآه بالسيف يفآه؛ أي فلق رأسه، وهما من الواو، ولولا الهمزة لكانت عين الفعل منه مضمومة.
وقد شذت من كلامهم كلمة عما وصفنا، فتحوا منها المستقبل والماضي، وليست عينها ولا لامها من حروف الحلق، وهي قولهم: أبَى يأبى، وأجمعوا على ذلك؛/ فزعم سيبويه أنهم فعلوا ذلك؛ لأن في أولها همزة، وهذا غلط منهم؛ لأن فاء الفعل بعيدة عن لامه. وزعم أبو العباس المبرد أنهم إنما فعلوا ذلك؛ لأنهم لما فتحوه صاروا إلى حرف حلقيّ، وهو الألف. وهذا فاسد؛ لأنه يوجب مثله في كل ما اعتلت لامه، وليست الألف من الحروف الحلقية، ولا لها معتمد في حلق ولا غيره، لأنها من الحروف الهاوية في الجوف. وإنما
1 / 34
مقطعها في أقصى الحلق، والحروف كلها مقطعها هناك، لأن الصوت كله إنما يخرج من الحلق، ثم يحصره المعتمِد فيصيّره حرفًا. والذي يُذْهَب إليه في قولهم: أبَى يأبَى، أنهم [إنما] غلطوا فيه على التشبيه بما هو في معناه، مما ينفتح لحرف الحلق، وهو قولهم: منَع يمنع، لأن الآبي ممتنع، فنظيره قولهم: يذر، بفتح الذال، لأنه في معنى يدع، وإن لم يكن فيه حرف من الحلق، وهو شاذ.
ومن الأفعال ما لا يستعمل منه إلا الماضي وميزه، للاستغناء عن استعمال مستقبله بغيره، أو لعلة غير ذلك، فمن ذلك قولهم: عَسَيْتُ أن أفعل، وهو على مثال رميت، ولو استعمل مستقبله، لكان مكسور السين مثل يرمي، ولكنه فعل وضع للعبارة عن الترجي والإشفاق، كما يعبر بالحروف عن التمني والطمع نحو ليت ولعل، فلم يستعمل مستقبله، ولا مصدره، ولا اسم فاعله، ولا شيء مما يتصرف فيه من سائر الأفعال؛ لأنه وضع موضع الإخبار عن حال صاحبه التي هو مقيم عليها، وإن كان على لفظ الماضي، كما فعل ذلك بليس، وأجري مجرى حروف المعاني الجامدة، لأن "ليس" أيضًا هذه قصتها؛ أنها للحال الثابتة، ولفظها لفظ الماضي.
فأما اختيار مؤلف كتاب الفصيح/ الكسر في ينفِر ويشتِم، فلا علة [له] ولا قياس، بل هو نقض لمذهب العرب والنحويين في هذا الباب. فقد أخبرنا محمد بن يزيد عن عن المازني والزيادي والرياشي عن أبي زيد الأنصاري وأخبرنا به أيضًا أبو سعيد الحسن
1 / 35
ابن الحسين السكري عنهم، وعن أبي حاتم، وأخبرنا الكسروي علي بن مهدي عن أبي حاتم عن أبي زيد أنه قال: طفت في عليا قيس وتميم مدة طويلة، أسأل عن هذا الباب، صغيرهم وكبيرهم؛ لأعرف ما كان منه بالضم أولى، وما كان منه بالكسر أولى، فلم أعرف لذلك قياسًا، وإنما يتكلم به كل امرئ منهم على ما يستحسن ويستخف، لا على غير ذلك.
ونظن المختار للكسر ههنا وجد الكسر أكثر استعمالًا عند بعضهم، فجعله أفصح من الذي قل استعماله عندهم. وليست الفصاحة في كثرة الاستعمال ولا قلته، وإنما هاتان لغتان مستويتان في القياس والعلة، وإن كان ما كثر استعماله أعرف وآنس؛ لطول العادة له. وقد يلزمون أحد الوجهين للفرق بين المعاني في بعض ما يجوز فيه الوجهان، كقولهم: ينفُر، بالضم من النفار والاشمئزاز، وهو ينفِر، بالكسر، من نَفْر الحجاج من عرفات، فهذا الضرب من القياس يبطل اختيار مؤلف الفصيح الكسر في ينفر على كل حال، ومعرفة مثل هذا أنفع من حفظ الألفاظ المجردة، وتقليد اللغة من لم يكن فقيهًا فيها.
وقد تلهج العرب الفصحاء بالكلمة الشاذة عن القياس، البعيدة من الصواب، حتى لا يتكلموا بغيرها، ويدعو المنقاس المطرد المختار، ثم لا يجب لذلك أن يقال: هذا أفصح من المتروك. ومن ذلك قول عامة العرب: أيْشٍ/ صنعت؟ يريدون: أي شيء صنعت؟. وقولهم: لا بَشَانِيك، يعنون: لا أبالشانيك. وقولهم، لا تُبَل، أي لا تبال يا هذا .. ومثل تركهم استعمال الماضي واسم الفاعل من يذر ويدع، واقتصارهم على ترك وتارك، وليس هذا لأن ترك أفصح من ودع ووذر، وإنما الفصيح ما أفصح عن المعنى، واستقام لفظه على القياس، لا ما كثر استعماله. وليس قول النبي صلى الله عليه: "ارجعن مأزورات غير مأجورات" دليلًا على أن الألف في مأزورات أفصح من الواو؛ لأنه الأصل من الوِزر، ولكنه دليل على أنه اختار الألف للتسوية بين مأزورات وبين ما بعده وهو مأجورات،
1 / 36
والتقريب بين لفظيهما؛ لأن ضرب من النظم والتأليف والسجع، يستعمله الخطباء والبلغاء؛ طلبًا للوزن، وترتيبًا للمنطق، فإنما هذا انتقال عن الأصل، وعدول عن الصواب؛ لعارض من العوارض.
وكذلك قولهم: "أيش" إنما غيروه عن الأصل والصواب؛ لأنه كلام يكثر استعماله وقد اجتمعت فيه ياءات وهمزات فخففوه، فحذفوا حرف الإعراب من "أيٍّ" مع إعرابه، وحذفوا الهمزة من آخر شيء، ثم حذفوا الياء التي قبل التنوين؛ لاجتماع الساكنين، فصار أَيْشٍ، ولو فعل مثل هذا بكل ما أشبهه، لفسد كلام كثير.
وأما اختياره نقَمت أنقِم؛ ففيه لغتان: فمن العرب من يجريه على هذا الباب، وهو الأكثر، ولذلك اختاره مؤلف الكتاب. ومنهم من يكسر الماضي ويفتح المستقبل، على ما تتكلم به العامة، وليس ذلك بخطأ، وإنما ذلك لاختلاف اللغات/، وكأنه لما كان معناه معنى ظفِرت أظفَرُ، وسَخِطْت أسْخَطُ، وكرهت أكره، وما أشبه ذلك، استعمل على مثالها، وبنائها، وليس بخارج عن القياس.
وأما اختياره في نطح الكبش ينطِح، ونبح الكلب ينبِح، ونحت ينحِت؛ فإن الفتح في مستقبلها أكثر وأعم في الاستعمال، لما فيها من حروف الحلق، ولكن الكسرة في كلام أهل الفصاحة والبصر بالأبنية وتصاريفها أكثر، وهو الأصل، وكلاهما قياس.
وأما جف يجف، وكل يكِل، وما أشبههما من المضاعف في هذا الباب فكان عين الماضي منه مفتوحًا، فأسكن؛ لاستثقال التضعيف وأدغم، ثم أسكن في المستقبل، وكان حقه الكسر، ولكنه أدعم ليخفف، ونقلت كسرته إلى فاء الفعل. وقياس ما كان من هذا النحو أن يجوز الضم والكسر في مستقبله، كما وصفنا في غير المدغم؛ لأنه صحيح لا تنقلب حروفه، والضم فيه مثل يَرُدّ ويمد، ولكن المستعمل آنس للسمع.
و/اقوله: نكَلَ يَنْكُل؛ ففيه لغتان أخريان: فمن العرب من يكسر الماضي ويفتح المستقبل، فيقول: نكِل ينكَل، على بناء فرِق يفرَق، وفزِع يفزع؛ لأنه في معناهما، وليس
1 / 37
ذلك من هذا الباب. ومنهم من يكسر الماضي ويضم المستقبل، كأنه أخذ الماضي من لغة، والمستقبل من لغة أخرى، وذلك رديء في القياس، غير جار على أصل. واللغة الأولى هي الأصل، والأعرف الأفصح، وهو فتح الماضي وضم المستقبل، على وزن هرَب يهرُب، وبمعناه.
وأما قوله: شحَب لونه، وسهَم وجهه، بفتح الماضي وضم/ المستقبل، فهو المستعمل المعتاد، وهو على أصل، ويجوز في القياس ضم الماضي منهما، كما تتكلم به العامة على معنى أفعال المبالغة، أي كثر ذلك فيه، بمنزلة ظرُف وكرُم. وهو أصل آخر؛ لأن هذا البناء يدخل على كل فعل، أريدت المبالغة فيه، وليس الضمن فيهما بخطأ على ما بينا، إذا جيء بفاعلهما على فعيل مثل ظريف وكريم، فقيل: شحيب وسهيم على القياس، ولكنه في الاستعمال قليل، والمعتاد في فاعله: شاحب وساهم. فإن كان فاء الفعل من هذا الباب واوًا، ولم: ن آخره من حروف الحلق، فإن ثانيه لا يكون إلا مكسورًا، لئلا يجتمع ثقل الضمة، وثقل الواو، ولكن يسقط منه في المستقبل كقولهم: وزن يزن، ووعد يعد، وأصلهما يَوْعِد ويَوزِن، ولكنه كره وقوع الواو بين ياء وكسرة، فحذفت تخفيفًا، ثم أجريت مع سائر حروف المضارعة مجراها مع الياء في الحذف؛ لأن معناهن معنى واحد. فإن كان ثاني هذا الضرب من الأفعال من حروف الحلق، أو ثالثه، جاز فيه من الفتح ما جاز في الصحيح. فمن ذلك قولهم: وَلَغَ يَلَغُ، إنما أصله يلِغ، بكسر اللام على ما يقوله العامة، مثل يزن ويعد، ولذلك حذفت الواو في مستقبله؛ لأنها وقعت بين ياء وكسرة، ولكن فتحت اللازم من أجل العين، كما قالوا يضع ويدع ونحو ذلك. وهذا مذهب الأصمعي وقوله. وأما أبو زيد الأنصاري فقال: أخطأ الأصمعي، وإنما ولِغ الكلب يلَغ، بكسر اللام من الماضي، وفتح من المستقبل، مثل: وسِع يسَع، وليس هذا منه هذا الباب. روى ذلك/ لنا أبو العباس، والسكري عن الرياشي عن الأصمعي وأبي زيد. وإن العامة مخطئة في كسر لام المستقبل. وقول أبي زيد يَقوَى بقولهم: شرب يشرب، وجرِعَ يجرَع، ولحِس يلحَس، لأنه بمعناها.
1 / 38
وأما قولهم: يولَغ، فإنما هو فعل لم يسم فاعله، والماضي منه أُولِغ بضم الهمزة، وهو فعل صاحب الكلب بالكلب، وهو على أفعل يُفعل، يتعدى بغير حرف جر، من قولهم: أولغتُ الكلب فأنا أُولِغه؛ إذا سقيته.
وأما ربط يربط، ففيه الضمن والكسر جميعًا، مستعملان، والكسر أكثر وأعرف فلذلك اختاره، وليس من هذا الباب شيء، ماضيه بغير الفتح، فكل ما كسرته العوام من ذلك، فهو خطأ عند العرب والنحويين، إلا أن يجيء شيء فيه لغتان مثل: نَقِم ونَكِل. فهذا قياس أبنية هذا الباب، وعلل أمثلته، صحيحها ومعتلها، فمن عرفها عرف بها جميع ما تخطئ العامة فيه، من هذا الباب مما ذكر أو لم يذكر في هذا الكتاب.
* * *
وأما غريبه ومعانيه، فإنا مفسرون كل كلمة ذكرها فيه ثعلب، وغير متجاوزين ذلك إلى ما شراكها في اللفظ دون المعنى، أو اتصل بها في الاشتقاق؛ لئلا نخرج عن غرض هذا الكتاب، أو نطيله، على الناظر فيه، إن شاء الله.
أما قوله: نمى المال، فمعناه كثر وزاد، يقال: نمت الماشية؛ إذا تناسلت. ونمى القوم: إذا توالدوا فكثروا. ونمى النبات: إذا طال، ونمى الغلام، ونمت الجارية: أي زاد جسمها، ولذلك سمي الحيوان والنبات: النامي. وقول العرب: نمى المال، إنما يعنون/ الإبل والغنم؛ لأنها تتوالد وتمني. فأما الذهب والفضة فإنما يقال فيهما: نمى مال فلان على الاستعارة، وليس واحد منهما بنام، وإنما ينضم إليهما غيرهما، ولا يرابون في أنفسهما ولا يزيدان، ولكن يتجر بهما، فيربح فيهما. وقد نمى الخضاب في اليد والشعر، إذا استود جدًا، أو زاد صِبغه، ونمى الحبر في الكتاب؛ إذا اشتد سواده وزاد بعد ما يكتب، وفي ذلك يقول الراجز:
يا حب ليلى لا تغير وازدد ... وانم كما ينمى الخضاب في اليد
1 / 39