История арабов и их цивилизации в Андалусии
تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس
Издатель
دار الكتاب الجديد المتحدة - بيروت
Издание
الأولى
Год публикации
٢٠٠٠ م
Место издания
لبنان
Жанры
Islamic history
[تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس]
المؤلف: د خليل إبراهيم السامرائي - د عبد الواحد ذنون طه - د ناطق صالح مصلوب
الناشر: دار الكتاب الجديد المتحدة - بيروت، لبنان
الطبعة: الأولى، ٢٠٠٠ م
عدد الأجزاء: ١
أعده للشاملة/ مهاجي جمال
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]
Неизвестная страница
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمَة
تعد مادة التاريخ الأندلسي من المواد المهمة في مناهج أقسام التاريخ، لما لها من علاقة وثيقة بتراث العرب وحضارتهم في الأندلس، حيث وصلوا إلى قمة تفوقهم العسكري والسياسي والحضاري. ولهدا فقد كان من الضروري أن يتوفر بين أيدي طلبتنا الأعزاء هذا الكتاب المنهجي. الذي يمثل الحد الأدنى لما يجب أن يطلعوا عليه لدراسة هذا التاريخ المجيد.
يتألف الكتاب من خمسة أبواب، تنقسم إلى فصول عديدة. وقد قام المؤلفون بتأليف حصصهم من هذا الكتاب على النحو الآتي:
كتب الدكتور عبد الواحد ذنون طه الباب الأول، الذي يتضمن فتح العرب لإسبانيا واستقرارهم فيها، ويتألف من أربعة فصول. كما كتب أيضًا الباب الثاني وهو عن عهد الإمارة في الأندلس، ويشمل ثلاثة فصول.
وقام الدكتور ناطق صالح مطلوب بكتابة الباب الثالث، وهو عن عهد الخلافة في الأندلس، ويتألف من أربعة فصول. وكتب أيضًا الفصلين الأول والثاني من الباب الرابع عن سقوط الخلافة في الأندلس وعصر الدويلات وملوك الطوائف.
وكتب الدكتور خليل إبراهيم صالح السامرائي، الفصل الثالث والرابع والخامس من الباب الرابع. وهذه الفصول تتحدث عن المرابطين والموحدين في الأندلس، ومملكة غرناطة، والمسلمين بعد سقوط غرناطة. كما كتب أيضًا الباب الخامس، وهو عن ْحضارة العرب في الأندلس، ويتألف من ثلاثة فصول.
نرجو أن نكون قد وفقنا في عملنا هذا والله من وراء القصد.
المؤلفون.
1 / 7
البَابُ الأَوَّل
فتح العرب لإسبانيا واستقرارهم فيها
الفصل الأول: مقدمة فى الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إسبانيا قبيل الفتح العربي.
الفصل الثاني: فتح العرب، دوافعه وممهداته.
الفصل الثالث: النشاط الحربي للعرب فى شمال إسبانيا والتوغل في فرنسا.
الفصل الرابع: استقرار العرب واستيطانهم.
الدكتور
عبد الواحد ذنون طه
1 / 9
الفَصْلُ الأَوَّل
مقدمة في الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إسبانيا قبيل الفتح العربي
عرف شبه الجزيرة الايبيربة، أي إسبانيا والبرتغال، في الأزمان القديمة بـ (ايبارية)، وعندما جاء الرومان أطلقوا عليه اسم (Hispania)، ومن هنا جاء اللفظ العربي (اشبانية) أو (اصبانية) (١). وقد تحول هذا اللفظ في لغة القرون الوسطى الرومانسية إلى (Espana) (٢) . أما مصطلح (الأندلس)، الذي يشمل المناطق التي حكمها العرب والمسلمون من شبه الجزيرة، فقد اشتقه الجغرافيون والمؤرخون العرب من الكلمات الآتية: الأندليش أو الأندلش أو الأندلس، وهي الأسماء التي سُمي بها الوندال، الذين سيطروا على أجزاء من شبه الجزيرة الآيبيرية، في الفترة من ٤٠٨ - ٤٢٩ م (٣).
إن إسبانيا بلاد جبلية تضم وديانًا وأحواضًا نهرية عظيمة، من أمثال، نهر الأبرو Ebro، ونهر المنهو Minho، نهر دويرة Douro، ونهر تاجة Tajo، ووادي آنة Guadiana، والوادي الكبير Guadalquivir. وتحتل الميزيتا (Meseta)، التي تعني بالاسبانية النجد أو السهل المرتفع الواسع، معظم شبه الجزيرة الآيبيرية، ولكن تجمعات السكان الكبيرة، كانت دائمًا مركزة قرب الشواطئ ووديان الأنهار الكبيرة. وكانت المدن الداخلية الرئيسة في العهد الروماني، سرقسطة Zaragoza، وطليطلة Toledo، وماردة Merida، وأشبيلية Sevilla، وقرطبة Cordoba، حصونا على الأنهار، وقد استمرت
(١) البكري، جغرافية الأندلس وأوروبا من كتاب المسالك والممالك، تحقيق: عبد الرحمن علي الحجي، بيروت، ١٩٦٨، ص ٥٧ - ٥٨؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، بيروت ١٩٦٥ - ١٩٦٦، ج ٤، ص ٥٥٦.
(٢) J. F. O' Callaghan، A History of Medieval Spain، London. ١٩٧٥. p. ٢٠
(٣) البكري، المصدر السابق، ص ٥٩؛ ابن الأثير، ج ٤، ص ٥٥٦؛ ابن عذاري، البيان المغرب، نشر: كولان وليفي بروفنسال، ليدن، ١٩٤٨، ج ٢، ص ٢.
1 / 11
هذه المدن في أهميتها في العهد القوطي، والعهود العربية الإسلامية اللاحقة.
اشتهرت إسبانيا منذ القدم بثروتها المعدنية، وإنتاجها الزراعي، وتجارتها المزدهرة.
ولقد كانت هذه العوامل من الدوافع المغرية التي أدت إلى حدوث سلسلة من الهجرات والغزوات الأجنبية للبلاد. ويشكل الآيبيريون Iberians، الذين جاؤوا من افريقية، أساس جنس البحر المتوسط من السكان. ولقد عبر الكلت Celts، والأقوام الهندو - أوروبية Indo-European، جبال ألبرت Pyrenees، واستوطنوا في الأجزاء الشمالية والغربية من شبه الجزيرة. كما أسس الفينيقيون مستعمرات على السواحل الشرقية والجنوبية. وأخيرًا وبعد صراع طويل من أجل السيادة والتفوق سيطر الرومان على إسبانيا، ولكنهم سرعان ما جوبهوا من قبل السكان المحليين، ولم يستطع الرومان إخضاع كل القبائل في شبه الجزيرة إلا في عهد الإمبراطور أوغسطس Augustus (٢٧ ق. م - ١٤ م) (٤). وقد أشار سترابو Strabo، المؤرخ اليوناني في القرن الأول قبل الميلاد، إلى بعض القبائل التي استوطنت شبه الجزيرة، من مثال الغاليسيين، والكانبتريانيين، والباسك، واللشدانيين، وغيرهم، ومع هذا، ففي بداية التاريخ الميلادي المسيحي، اصطبغ الكثير من هؤلاء السكان بالصبغة الرومانية (٥).
وبرغم سيادة الرومان على إسبانيا لفترة طويلة، فإن الظواهر الحقيقية لانحطاط سلطتهم فيها بدت بوضوح منذ بداية القرن الخامس الميلادي، وذلك عندما ابتدأت القبائل الجرمانية البربرية بالاستيطان في شبه الجزيرة. ويصف سانت ازيدور الأشبيلي Saint Isidore of Seville، المتوفى عام ٦٣٦ م، استيطان الوندال Vandals، والآلان Alani، والسويفي Suevi، في إسبانيا عام ٤٠٨ م على أنه احتلال مدمر، أدى إلى نشر الخراب في كل أنحاء البلاد (٦).
ونتيجة للحروب الكثيرة التي قامت بين هذه القبائل الجرمانية وبين القوط الغربيين، الذين كانوا يسكنون في تلك الفترة في غالة Gaul جنوب فرنسا، تحطمت قوة الآلان،
(٤) O'Callaghan، op. cit.، p. ٢٧
(٥) R. Altamira، A History of Spain، Translated from the Spanish by: Muna Lee،
Toronto، Cadada، ١٩٤٩. pp. ٣٢-٣٤
(٦) Isidoro of Seville، History of Goths، Vandals، and Suevi، translated from the Latin
by Guido Donini and Gordon B. Ford Jr. Leiden، ١٩٧٠، p. ٣٣.
1 / 12
والوندال الذين اضطروا إلى العبور إلى شمال افريقية في عام ٤٢٩ م (٧). ثم تمكن القوط أخيرًا من السيطرة على إسبانيا والتغلب على مملكة السويفي التي كانت ما تزال موجودة في الشمال الغربي من البلاد، وذلك في عهد الملك ليوفيخلد Leovigild (٥٦٨ - ٥٨٦ م) (٨).
مملكة القوط الغربيين فى إسبانيا:
كانت مملكة القوط الغربيين هي الأخيرة في سلسلة ممالك البرابرة التي خلفت الإمبراطورية الرومانية، وذلك بعد أن انتهت هذه الأخيرة ككيان سياسي، واختفت من مسرح التاريخ. ولقد تمت عملية استيطان القوط الغربيين في إسبانيا في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس للميلاد. وكانوا يمثلون أقلية صغيرة فقط ضمن السكان الأصليين. ولا تتوفر معلومات إحصائية عنهم في هذا العصر، ومع هذا، فقد قدّر أحد المؤرخين المحدثين، أن نحوًا من مئتي ألف إلى أربعمئة ألف من القوط استوطنوا بين كل ستة إلى تسعة ملايين من السكان الاسبان - الرومان Hispano-Romans (٩) . ولقد استوطن القوط في مناطق الأرياف والمدن على حد سواء. ولكن حتى في المدن، كان السكان الاسبان - الرومان يتغلبون عليهم بنسبة ثلاثة إلى واحد، ومما لا شك فيه، أن الفرق في النسبة كان أكبر في مناطق الأرياف (١٠).
نظام الحكم القوطي:
كان نظام الحكم القوطي ملكيًا قائمًا على مبدأ الانتخاب، حيث ينتخب الملك من قبل النبلاء ورجال الدين. وقد حاول العديد من الملوك أن يقيموا نظامًا ملكيًا ثابتًا يعتمد على نظام الوراثة، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل. وكان يفترض بالملك أن يكون من أصل قوطي نبيل ويتمتع بأخلاق حسنة، ويختار من بين النبلاء، ولكن العادة جرت أن يتولى العرش أقوى هؤلاء بحد السيف. وكان الملك هو الرئيس الأعلى للجيش،
(٧) Ibid.، pp. ٣٤-٣٥; H. V. Livermore، The Origins of Spain and Portugal، London، ١٩٧١،
pp. ٨٦-٨٨.
(٨) Isidoro، op. cit.، pp. ٣٩-٤٢; Livermore، op. cit.، p. ٩٢.
(٩) O' Callaghan، op. cit.، pp. ٣٧، ٧٠-٧١.
(١٠) R. Shaw، "The fall of the Visgothic power in Spain"، The English Historical Review،
XXI، ١٩٠٦، p. ٢١١.
1 / 13
ويتمتع بحق تعيين وعزل الأساقفة عن مناصبهم الدينية، ويحكم مستبدًا، يتصرف في أمور البلاد كما يشاء. وكان للملك مجلس من النبلاء لمساعدته في الحكم، لكن الملوك استبدوا بالأمور ولم يعد لهذا المجلس من أثر في السلطة، فكان الملوك يصدرون القوانين وينفذونها ويقضون في الأمور كما يريدون (١١).
وكانت مجالس كنيسة طليطلة هي القوة الكبرى في الحياة السياسية والدينية في العهد القوطي. وهذه المجالس كانت بمثابة جمعيات وطنية لمملكة القوط الغربيين تجتمع بين الحين والحين للنظر في مسائل الدولة الكبرى. وكان أصل مجلس طليطلة دينيًا يتألف من كبار رجال الدين الكاثوليك ويعقد للنظر في أمور كنيستهم ورعاياها.
ولكن بعد اعتناق القوط للكاثوليكية، أصبح هذا المجلس رسميًا يعقد بأمر من الملك، ويحضره كبار رجال الدولة، ثم تحول مع الزمن إلى مجلس سياسي وديني في آن واحد يصدر القوانين والأحكام في مختلف القضايا، ثم اتسع سلطانه، وأصبح محكمة عليا، وانضم مجلس النبلاء إلى هذا المجلس الديني، فأصبح مجلسًا أعلى للدولة (١٢). ومن الناحية النظرية كانت مجالس طليطلة قيدًا على سلطة الملك، أما من الناحية العملية فقد كانت سندًا مهمًا لسلطته وبخاصة بعد تحول القوط إلى الكاثوليكية عام ٥٨٧ م، حيث أصبحت الكنيسة في إسبانيا على علاقة وثيقة بالبلاط. وفي القرن السابع الميلادي، لم يكن بإمكان أي مجلس أن ينعقد إلا إذا أمر الملك بذلك. وكان الأساقفة عادة يناقشون ويقرون القرارات التي تتضمنها المسودة التي يقدمها الملك، ولم يهملوا في أية قضية تعليماته، ولم ينتقدوه بصورة مباشرة، بل كانوا ينفذون كل مطاليبه (١٣).
الأحوال الاجتماعية في عهد القوط:
وفيما يخص التنظيم الاجتماعي، فقد حافظ القوط على نفس التركيب الذي وجدوه قائمًا في إسبانيا أيام الرومان. وهكذا استمرت مساوئ العهد الروماني بالبقاء، وتركزت الثروة والممتلكات بيد مجموعة قليلة من الناس، وكان هناك عدم مساواة كبيرة في البنية الطبقية. فالمجتمع القوطي كان يتألف من ثلاث طبقات؛ وهم طبقة كبار ملاك
(١١) انظر: حسين مؤنس، فجر الأندلس، القاهرة، ١٩٥٩، ص ٢٣.
(١٢) المرجع نفسه، ص ٢٣.
(١٣) E. A. Thompson، The Goths in Spain، Oxford، ١٩٦٩، pp. ٢٧٨، ٢٨١-٢٨٢.
1 / 14
الأراضي والنبلاء وكبار رجال الدين، والطبقة العامة، وطبقة العبيد (١٤). وكان أبناء الطبقة العامة يتألفون من الأحرار البسطاء الذين ينتمون إلى أصول قوطية ورومانية، عاشوا في المناطق الحضرية وفي الأرياف. ومن هؤلاء أيضًا، العمال في المدن والذين كانوا ينتظمون ضمن أصناف ونقابات، ولا يحق لهم التحول عنها أو الانتقال إلى مدينة أخرى، ومن يهرب منهم كان يُجبر على العودة إلى مدينته الأصلية. وكانوا محرومين من الانتظام في سلك رجال الدين، أو أن يصبحوا موظفين قضائيين (١٥). وبالنسبة إلى سكان الأرياف، فقد اضطر العديد منهم، نظرًا لظروفهم الاقتصادية الصعبة، إلى تسليم أراضيهم إلى كبار النبلاء، ورضوا بالعمل والبقاء فيها كمستأجرين لقاء تمتعهم بحماية النبلاء. ولقد أصبح هؤلاء بالتدريج مشدودين بالأرض، وارتبطت علاقاتهم بأصحاب الأملاك مدى الحياة، حتى أنهم تحولوا أخيرًا إلى ما يشبه الأقنان. وكان من جملة الالتزامات المفروضة عليهم أن يدفعوا عشر محاصيلهم إيجارًا، إضافة إلى تأدية بعض الخدمات الشخصية الأخرى للنبيل، وضريبة الرؤوس، أو الجزية Capitatio (١٦) .
وتأتي طبقة العبيد في الدرجة الدنيا من السلم الاجتماعي، ويكوّن هؤلاء الجماهير الغفيرة، ضحايا كل أنواع القهر والاضطهاد، وكانوا مملوكين لكبار النبلاء ورجال الدين، ويستخدمون للأغراض الزراعية والأعمال المنزلية على حد سواء. ويبدو من مراجعة القوانين والتشريعات القوطية أن الظروف المعاشية للعبيد المهرة الذين كانوا يعملون في المدن، كانت أفضل من نظرائهم العمال الزراعيين. وكانت الكنيسة الاسبانية تمتلك أيضًا عددًا كبيرًا من العبيد، ولكن يتضح من تشريعات مجالس الكنيسة أن هؤلاء العبيد عاشوا في ظروف سيئة للغاية. ولهذا فليس من الغريب أن حاول العديد منهم الهرب والتخلص من عبوديتهم. ويضاف إلى ذلك أن القوط، خاصة في أواخر عهدهم، ابتدأوا بتجنيد العبيد بالإكراه واستخدامهم في الجيش، مما أدى إلى تذمر هؤلاء وازدياد محاولاتهم في الهروب والنجاة. وقد اعترف الملك أخيكا Egica (٦٨٧ - ٧٠٢ م) في بداية القرن الثامن الميلادي، بأن العبيد الآبقين يختبئون في كل مكان من
(١٤) انظر: فتح الأندلس، مجهول المؤلف، نشره وترجمه إلى الاسبانية دون خواكين دي كونثاليث، الجزائر، ١٨٨٩، ص ٧؛ الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، نشره مع ترجمة فرنسية وتعليقات ليفي بروفنسال، القاهرة - ليدن، ١٩٣٨، ص ١٦٩ - ١٧٠.
وانظر: محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، القاهرة، ١٩٦٩، ج ١، ص ٣٠ - ٣١.
(١٥) Thompson، op. cit.، p. ١٢١.
(١٦) Ibid.، p. ١١٧; O' Callaghan، op. cit.، pp. ٧٣-٧٤.
1 / 15
البلاد، حيث لا تخلو منهم أية مدينة أو قرية أو حصن أو دار ريفية أو خان. وقد شرع قانونًا وضع بموجبه عقوبات صارمة على كل من يفشل في مطاردة العبيد الهاربين، وإلقاء القبض عليهم (١٧).
أما الطبقة العليا، أي طبقة النبلاء فكانت تتألف من أغنياء القوط الغربيين، وبقايا طبقة النبلاء الرومان. ويتميز أفراد هذه الطبقة عن الأحرار الاعتياديين بأصلهم النبيل، وامتلاكهم للمزارع والضيع الكبيرة التي تزرع من قبل المستأجرين، وبخدمتهم في المناصب العليا في القصر وفي الإدارة (١٨). وكانت البلاد حتى منتصف القرن السابع الميلادي تحكم وتدار بواسطة إدارة مشتركة من الطبقة النبيلة القوطية والرومانية. ومن المظاهر المهمة لهذا النظام، أن الطبقة النبيلة القوطية كانت مسؤولة عن السكان القوط، والطبقة النبيلة الرومانية تمارس سلطاتها على السكان الرومان، بينما كان الملك القوطي وموظفوه الكبار يقررون السياسة العامة للجميع. وكان مُلاك الأراضي الرومان والقوط، وكما هو الحال بالنسبة إلى الملك وكبار موظفيه أيضًا، يشرفون على مزارعهم بواسطة الوكلاء ومديري المال في مقاطعاتهم (١٩). وبصورة عامة فإن أفراد هذه الطبقة النبيلة كانوا أغنياء جدًا، بنوا ثروتهم على حساب الطبقات الفقيرة المعدمة الأخرى، وقد أفلح بعضهم في الاحتفاظ بثروته حتى بعد الفتح العربي الإسلامي (٢٠).
كانت المسيحية هي ديانة الغالبية العظمى من السكان. وكان الاسبان - الرومان يدينون بالمذهب الكاثوليكي، بينما كان القوط الغربيون قد اعتنقوا المذهب الآريوسي، الذي يقول بطبيعة المسيح البشرية، منذ سنة ٣٧٧ م (٢١). وقد عمل القوط الغربيون، منذ أيامهم الأولى في إسبانيا حتى تحولهم إلى الكاثوليكية في عهد ريكاريد Reccared (٥٨٦ - ٦٠١ م)، على الفصل الكامل بين السكان القوط والاسبان الرومان، فكان أبناء كل طائفة يقيمون شعائرهم بحرية تامة بمساعدة رجال الدين التابعين لملتهم، وفي كنائسهم الخاصة (٢٢). وقد تبين للملك ريكاريد أنه لا صلاح لدولة القوط في إسبانيا ما لم تتخلّ
(١٧) Thompson، op. cit.، pp. ٢٦٧، ٢٦٨، ٢٧٢، ٣٠٥.
(١٨) O' Callaghan، op. cit.، p. ٧٣
(١٩) Thompson، op. cit. pp. ١١٧، ٣١٢.
(٢٠) ابن القوطية، تاريخ افتتاح الأندلس، نشره وترجمه إلى الاسبانية، خوليان رايبيرا، مدريد، ١٩٢٦، ص ٣٨ - ٤٠.
(٢١) Isidoro of Seville، op. cit.، p. ٥.
(٢٢) Thompson، op. cit.، pp. ٣١١-٣١٢
1 / 16
عن الآرية وتعتنق مذهب الغالبية من سكان البلاد. وهكذا فقد أعلن في مجمع طليطلة الديني سنة ٥٨٧ م تخليه عن الآرية واعتناقه، هو وأهل بيته، للمذهب الكاثوليكي، وتبعه في هذا الأمراء وكبار رجال المملكة (٢٣). وهكذا توحدت الكنيسة الاسبانية تحت ظل الملكية القوطية. وأعقب هذا التحول إلى الكاثوليكية اتخاذ اللغة اللاتينية لغة رسمية في البلاد، وتوثقت العلاقة بالبابوية مما شجع البابوات على بسط نفوذهم الديني والسياسي على إسبانيا. وأصبحت طليطلة أسقفية يقيم فيها أسقف كبير يمثل البابا. وقد أيد السكان الاسبان الرومان هذا الإجراء، ولم تتخل إسبانيا عن الكاثوليكية بعد هذا التاريخ. وكانت هذه الخطوة عاملًا فعالًا لامتزاج الشعبين القوطي والآيبيري الروماني، ولكن هذا الامتزاج لم يتم بشكل كامل بسبب حرص القوط على اعتبار أنفسهم الشعب الحاكم المتميز، مما كان له أثر بعيد على مصير دولة القوط في إسبانيا (٢٤).
وبالإضافة إلى المسيحيين كان ما يزال هناك عدد لا بأس به من السكان الوثنيين في شبه الجزيرة. وتشير التشريعات المتتالية الصادرة عن مجالس الكنيسة وملوك القوط إلى مدى الانتشار الواسع للوثنية، والكهانة، والعرافة، والسحر في البلاد (٢٥). وكانت هذه الممارسات قد ترسخت في معظم أرجاء إسبانيا تقريبًا، وانتعشت إلى الحد الذي دفع مجلس طليطلة الثالث (٥٨٩ م) أن يقرر بأنه يتوجب على كل أسقف بالتعاون مع القاضي المحلي أن يحقق في انتشار الوثنية في منطقته، ويعمل على مكافحتها (٢٦). وكان الباسك Basques أو البشكنس، حسبما تسميهم المصادر العربية، من جملة الجماعات الوثنية التي تعيش في منطقة الشمال الشرقي المتاخمة لجبال ألبرت. وقد فشل الأساقفة والملوك القوط في زعزعتهم عن الوثنية أو إخضاعهم طيلة العهد القوطي. ولا يعرف لحد الآن الأصل الحقيقي لهؤلاء الباسك، ولكنهم ربما كانوا من بقايا القبائل التي سكنت منطقة جبال ألبرت في عصور ما قبل التاريخ (٢٧). ولقد كان هؤلاء السكان الجبليون متمرسين على القتال والتمرد على ملوك القوط المختلفين، وظلوا مصدرًا للقلاقل والاضطرابات طيلة العهد القوطي والعهود العربية الإسلامية اللاحقة. بل إن
(٢٣) ابن الأثير، جـ ٤، ص ٥٦٠؛ Isidoro of Seville، op. cit.، p. ٢٥
(٢٤) انظر: مؤنس، فجر الأندلس، ص ٩ - ١٠.
(٢٥) Thompson، op. cit.، pp. ٣٠٨-٣١٠.
(٢٦) Ibid.، p. ٥٤.
(٢٧) Altamira، op. cit.، p. ٦٩; Livemore، op. cit.، pp. ٤٠-٤٢.
1 / 17