История ниспослания Корана
تاريخ نزول القرآن
Издатель
دار الوفاء - المنصورة
Издание
الأولى
Год публикации
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م
Место издания
مصر
مقدمة
تاريخ نزول القرآن الكريم الأستاذ الدكتور محمد رأفت سعيد أستاذ الشريعة والدراسات الإسلامية وكيل كلية الآداب- جامعة المنوفية عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
1 / 3
بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك اللهم ونستعينك ونستهديك، ونصلى ونسلم على خاتم أنبيائك ورسلك سيدنا محمد.
وبعد:
فإن مدارسة موضوع تاريخ نزول القرآن الكريم تفتح أمامنا روضات نرتع فيها، يأخذ القلب فيها حظه من ركائز الإيمان وبرد اليقين، وتأخذ النفس حظها من التزكية والسكينة، ويأخذ العقل حظه من الصقل، والانطلاقة الرشيدة إلى الحركة العلمية النشيطة، والتأمل والتدبر فى الأنفس والآفاق. وتأخذ الحياة كلها حظها من الهدى والنور الذى يبدد ظلماتها ويهديها للتى هى أقوم فى جوانبها ونظمها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقضائية وغيرها إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٧] إن مدارسة تاريخ نزول القرآن الكريم حياة فى رحابه منذ أن قال جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ: «اقرأ» إلى أن أكمل الله الدين، وأتم النعمة، وختم آياته المتلوة المعجزة بآخر آية من كلامه العزيز.
فما أعظمها من حياة ونحن ننصت خاشعين إلى صوت الوحى، ونتتبع تنزلاته المباركة والتى تنزل ابتداء، أو تجيب عن تساؤل يوجه، أو تحل مشكلة قائمة، أو تمنح تجارب الأمم السابقة لهذه الأمة الخاتمة؛ فى قصة قرآنية محكمة، أو تقدم وصايا غالية لا غنى عنها، أو تجتث عقائد باطلة بالبرهان العقلى القوى، وتبنى وترسخ العقيدة الصحيحة الصافية النقية بالبرهان العقلى نفسه، والجيشان العاطفى القلبى، أو تعرفنا معرفة يقينية بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا، أو تقدم لنا الإشباع العقلى عن العالم الذى لا سبيل للعقل فى الوصول إليه بمنهج الاستقراء المادى التجريبى، فتقدم لنا أخبارا هى الحق والصدق واليقين عن عالم الغيب وما فيه، وعن مصير الإنسان بعد لقاء ربه، عن قبره وبعثه وجزائه، وجنته وناره، وما أعد من نعيم لأهل الجنة يأخذ باللب، ويدفع إلى المسارعة فى الخيرات، وما توعد به أهل الكفر والمعاصى من صنوف العذاب لكى تحجز الكفر وأهله من العبث فى هذه الحياة الدنيا، وإفسادها بالظلم للنفس
1 / 5
وللآخرين من المستضعفين.
أو تقدم لنا ترشيدا وتوجيها لأخلاقنا حتى نصل إلى مكارم الأخلاق، ولعلاقاتنا حتى نصل إلى مجتمع المودة والرحمة، أو لمكانتنا بين الأمم لنصل إلى مكانة العزة والمنعة والهيبة، أو لمسيرتنا الاقتصادية حتى لا نأكل أموالنا بيننا بالباطل، وحتى نسعى جادين فى حرث الأرض، وتطوير الصناعات، والتعاون على البر والتقوى بتحقيق التكامل الاقتصادى الذى يغنى الأمة عن غيرها ويحررها من التبعية أيا كان شكلها، أو يقدم لنا نظام القسط والعدل فى الحكم بين الناس فلا ظلم ولا ميل مع العصبية أو الهوى.
إنها حياة فى أرقى صورها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٣٤].
إن العيش فى رحاب تاريخ نزول القرآن الكريم نعمة تجمع لنا متعة التدبر لوحى الله فى تنزيله القرآنى أى فى كلامه الكريم المتلو المعجز والذى تعبدنا بتلاوته، وأثابنا على ذلك بوعده الذى جاء فى حديث رسوله ﷺ بمنح عشر حسنات على الحرف الواحد من كلامه. «اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته؛ كل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها؛ لا أقول «الم» حرف، ولكن «ألف» حرف، و«لام» حرف، و«ميم» حرف».
وتجمع لنا كذلك متعة العيش فى ظلال السنة المطهرة، وكيف كان رسول الله يتلقى الآيات القرآنية بترتيب نزولها؟ كيف حفظها؟ وكيف عمل بها؟ وكيف حفظها لأصحابه؟
وكيف دونت؟ وكيف عمل بها أصحابه؟.
أى كيف تم التفاعل مع الوحى فى تنزلاته بطريقته؛ الكتاب والسنة؟ باعتبار السنة البيان الذى أوحاه الله لنبيه، وصاغه الرسول بأسلوبه، وهو أفصح العرب وأبلغهم، بما يتناسب مع حال المبين لهم. وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤].
وكيف كان أصحاب النبى ﷺ يتفاعلون مع الوحى؟ حرصا على السماع، وفهما لما يسمع، وحفظا لما فهم، وعملا بما حفظ، وكيف ظهرت فيهم ثمرات الوحى؟ فصاروا كما وصفهم الوحى المنزل المعجز بقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح: ٢٩].
إننا بهذه المدارسة لتاريخ نزول القرآن الكريم سنتعرف على مسيرة الوحى المبارك فى
1 / 6
ثلاثة وعشرين عاما، هى عمر النبى ﷺ منذ أن أوحى إليه إلى أن لحق بالرفيق الأعلى، سنقرأ فيها قصة الوحى، وصفحة الحياة مرتبطة بالمصدرين العظيمين؛ الكتاب والسنة، ولا يخفى ما فى هذا من خير عظيم لحياتنا المعاصرة لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) [الأحزاب].
وعلينا فى هذه المدارسة إن شاء الله تعالى أن نبدأ ببيان الطريق الذى جاء به القرآن الكريم وهو طريق الوحى لنتعرف عليه.
ما معناه لغة واصطلاحا؟
وما صور تكليم الله لأحد من خلقه فى مثل قوله الكريم: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) [الشورى].
وما مراتب الوحى، وصوره التى تحققت للنبى ﷺ؟
وما صور نزول القرآن الكريم عليه؟ والرد على الشبهات فى ذلك.
وما تنزلات القرآن الثلاثة، ونزوله على الرسول ﷺ مفرقا؟ وما حكمة ذلك وتحديد أولى الآيات المنزلة، وختام الآيات المنزلة، ومتابعة نزول الآيات والسور فيما بين ذلك.
نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وشفاء صدورنا، وجلاء همومنا وأحزاننا ... وصلّ اللهم على سيدنا محمد.
أ. د. محمد رأفت سعيد
1 / 7
التعريف بالوحى
إن كلمة الوحى تطلق فى اللغة ويراد بها مجموعة من المعانى نجملها فيما يلى:
الوحى يطلق على الإعلام فى خفاء وفى سرعة، فأما أصل الخفاء والسر فيمثل له بتسمية الإلهام وحيا، ومنه قوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ [الأنعام: ١٢١]. أى يوسوسون فى صدورهم، وهذه الوسوسة من الشيطان تعرف؛ لأن حديث الشيطان وأمره فى الصدر قد كشفه القرآن الكريم وبينه، وحذرنا منه، وأعاننا عليه، فأما الكشف والتحذير فمثاله قوله تعالى. يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) [البقرة]. فأى حديث فى النفس يأمر بالسوء، أو يأمر بالفحشاء، أو يشكك فى عقيدة، أو يحدثك عن الله بغير ما جاء فى كتابه الكريم وسنة رسوله فإنما هو حديث الشيطان ووحيه ووسوسته، وأما الإعانة عليه فأرشدنا القرآن إلى الاستعاذة بالله عند ما ينزغ الشيطان: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف: ٢٠٠] «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، أو «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم». وأرشدنا إلى أن الشيطان خناس فلا يمكث فى مكان يذكر فيه اسم الله، ولا يقوى على الاستمرار فى صدر تقى يعمر بذكر الله. إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) [الأعراف]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) [الناس]، ولا يخفى ما فى وسوسة الشيطان بهذا المعنى من خفاء وسرعة تدخل على الغافلين وتدفعهم إلى السوء إن استجابوا لوسوسته ولم يدفعوها باللجوء إلى الله وذكره.
وأصل السرعة فى كلمة الوحى لغويا كذلك جعل تسمية الخط وحيا لسرعة حركة اليدين لكاتبه، ووحى الحاجب واللحظ سرعة إشارتهما، ومنه «الوحا» أى السرعة.
ومن المعانى اللغوية كذلك للوحى: الإلهام الفطرى، والإلهام الغريزى الذى يتضمن معنى التسخير.
ومثال الإلهام الفطرى قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ
1 / 9
فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) [القصص] فهذه المعانى العظيمة التى تجمع أمرين، ونهيين، وبشارتين تمت لأم موسى فى موقف مخيف عصيب عن طريق الوحى، بمعنى إلقاء هذه المعانى فى قلبها، وتبعها حركة وسلوك وعمل يبين كيف أن هذا الإلقاء فى القلب، والإلهام له قوة الأمر الصادر المباشر والمواجه بالمعاينة لأم موسى، فبمقتضى هذا الإلهام كان ربط الله على قلبها؛ حتى لا يعصف به الخوف من فرعون وعمله فى قتل الأطفال، وابنها طفل منهم؛ فلم يظهر عليها ما ينبه إلى وجود طفل تخفيه، وبهذا الإلهام أرضعته كما ترضع الأم طفلها؛ إبقاء على حياته، وهذا أقصى ما تستطيعه أم موسى. وبهذا الوحى تؤمر بما يستوقفنا للتدبر واستخراج العظة والاعتبار. فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ، كنا نتوقع أن يكون الخطاب: إن خفت عليه فابذلى أقصى جهدك فى إخفائه، ولكن الإلهام كان إلى غير ذلك: فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ.
وكان موقف القرآن الكريم- هنا- يعلمنا أن الإنسان فى مواجهته للأمور- مهما كانت شدتها- عليه أن يبذل أقصى ما يستطيعه، مستعينا ومتوكلا فى بذله هذا على ربه، دون كسل أو خمول، وأما ما لا يستطيعه بعد ذلك فإن توكله هذا سيحول مصدر الخطر إلى مصدر أمان، كما حول الله البحر الهائج المخيف الذى تملأ أمواجه القلوب رعبا إلى حصن دافئ، ومكان أمين للطفل موسى. فتصنع له الصندوق بمقتضى هذا الإلهام، وتلقيه فى اليم، وتأمر أخته بأن تقص أثره لتجد أن الصندوق تحمله الأمواج إلى مصدر الخطر نفسه؛ إلى البيت الذى صدر فيه الأمر بقتل الأطفال، وموسى طفل، إذن يعلو صوت فرعون: «اقتلوه»، ولكن يلقى الله محبة موسى فى قلب زوج فرعون فتصدر أمرا آخر: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [القصص: ٩] وينتصر أمر الزوجة، ويبقى موسى، ولكن كيف يتحقق الإلهام الآخر لأم موسى بالبشرى فى رد موسى إلى أمه؟
تعرض المراضع على موسى فيعرض عنهن، ويشار على بيت فرعون بأنه بقيت امرأة لم تأت بعد وهى أمه، وجىء بها، وعرض عليها الطفل، وأقبل على ثديها. فقيل لها:
امكثى فى البيت لترضعيه، فأبت لأنها مطمئنة إلى ما ألهمت به إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ، وتعللت بشغل بيتها، فأخذت طفلها معها وعادت إلى بيتها وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) [طه]، ويظل حتى يصير من المرسلين.
فهذه المعانى تحققت عن طريق هذا المعنى من الوحى.
وأما مثال الإلهام الغريزى الذى يحمل معنى التخيير ففي قوله تعالى: وَأَوْحى
1 / 10
رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) [النحل].
ومن المعانى اللغوية كذلك الإشارة، وذكر هذا فى قوله تعالى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) [مريم] هذا وقد يطلق لفظ الوحى ويقصد به الموحى به.
وأما معنى الوحى اصطلاحا فهو: إعلام الله تعالى لنبى من أنبيائه بحكم شرعى ونحوه؛ فالموحى هو الله سبحانه، والموحى إليه نبى من أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم جميعا، والموحى به حكم شرعى من أمر أو نهى ونحو هذا مما يوحى به الله تعالى من أنباء من سبق وما حدث لهم، وما سيأتى، وما يبنى عقيدة التوحيد خالصة نقية، وما يؤسس الخلق الكريم ويغرى بالتحلى به، وما ينفر من رذائل الأخلاق، وما يقيم مجتمعا فاضلا على حسن العبادة لله وحسن التعامل فيما بينهم.
ومن فضل الله على خلقه أن اصطفى منهم من يقوم بتبليغ وحيه إليهم حتى يسيروا فى حياتهم على هدى، وحتى لا يضلوا: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) [آل عمران].
ويوحى الله إلى خلقه ما يسعدهم فى جميع فتراتهم الزمنية، وما يناسب بيئاتهم المكانية، حتى كان وحيه إلى خاتمهم ﷺ يحمل من خصائص الاستمرار ما يجعله معطاء لكل الأجيال إلى قيام الساعة.
ويذكرنا الله سبحانه بهذه المنة على خلقه جميعا فى خطابه لرسوله ﷺ فى قوله الكريم: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا (١٦٤) [النساء].
فهؤلاء ممن اصطفى الله، وذكر الله تعالى أسماءهم، وقص علينا من أخبارهم، وما أوحى به إليهم، وكيف كان حال أقوامهم معهم، لنفيد من هذه التجارب باعتبارنا الأمة الأخيرة فى حياة الأمم. وهذه المجموعة من صفوة البشر ليسوا وحدهم، بل هناك آخرون قاموا بهذه المهمة، وأوحى الله إليهم ولم يقصصهم علينا ربنا.
وما قصّه علينا فيه الجمع المفيد لكل طبائع البشر وكيف كان حالهم مع الوحى؛ فمنهم من استجاب ونجا، ومنهم من فتن بماله، ومنهم من فتن بجاهه، ومنهم من فتن
1 / 11
بما أوتى من بنين وذرية، ومنهم من فتن بشهواته المتعددة، وكانت عاقبتهم هلاكا وخسرانا.
والأمة الخاتمة تقرأ كل هذا فى صفحة السابقين فيما أوحى به إلى النبى الخاتم ﷺ:
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) [آل عمران].
ولكن كيف كلم الله هؤلاء وهم صفوة البشر؟.
لقد ذكر القرآن الكريم لنا ثلاثا من الصور التى يكلم الله بها من شاء من البشر فقال تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) [الشورى].
فالصورة الأولى: من تكليم الله لمن شاء من البشر تكون بإلقاء المعنى الذى يريده الله فى نفس من شاء، وهذا معنى الإلهام، أو الإلقاء فى الرّوع، أو النفث فى الرّوع.
الصورة الثانية: أن يكلم الله نبيا من أنبيائه من وراء حجاب، كما كلم الله موسى ﵇ وناداه، وسمع موسى نداءه دون أن يراه؛ لأن الرؤية لا يطيقها البشر، ومن حكمة الله ولطفه بخلقه أنهم لا يرونه فى هذه الدنيا، وإلا لأمسكهم الخوف فلا يتحركون لعمل أو أكل أو غير ذلك من مقتضيات البشرية، ويكفى أن يرى الخلق مظاهر القدرة وآيات الإبداع والنظام فى مخلوقاته، فله فى كل شىء آية تدل على أنه القادر، وفى أنفسنا وما بث فى أرضنا من دابة، وما خلق فى السموات آيات تنطق بالحق: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) [آل عمران].
على أن المؤمنين سيمتعون إن شاء الله برؤية ربهم فى الآخرة: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) [القيامة].
ولذلك لما طلب موسى ﵇ فى تكليم الله له أن يرى ربه وقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣]. وأراه آية العجز البشرى فى هذا الجانب وأنه لا يقوى على ذلك، فقال جل شأنه لموسى ﵇: وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا [الأعراف: ١٤٣].
فالجبل لم يقو على تجلى الله سبحانه له وجعله دكا، ورؤية موسى ﵇ لتجلى
1 / 12
الله للجبل جعلته يخر صعقا، فكيف لو كان التجلى مباشرا؟
وأما الصورة الثالثة: فى تكليم الله لمن شاء من خلقه فتكون فى إرسال ملك الوحى إلى نبى من أنبياء الله، ليلقى إليه ما كلف بتبليغه، وهذا الملك هو الناموس أى صاحب السر، والذى وصف بالقوة والأمانة، وهما صفتان ضروريتان للاطمئنان على مسيرة الوحى إلى أنبياء الله ورسله، فقد وصف جبريل ﵇ بقول الله سبحانه فيه:
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) [النجم]، ووصفه بقوله الكريم: مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) [التكوير]، كما وصف بقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) [الشعراء]. وملك الوحى قد يراه النبى فى صورته التى خلق عليها، وقد يأتيه فى صورة رجل يكلمه، وفى هذه الحالة يراه الحاضرون ويسمعون قوله، وقد ينزل خفية فلا يراه الحاضرون، ولكن يشاهدون آثار الوحى على النبى ﷺ وقت نزوله.
هذه صور الوحى الثلاث التى ذكرت فى قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) [الشورى] فماذا تحقق لرسول الله ﷺ منها؟ وما مراتب الوحى معه؟
1 / 13
صور الوحى وما تحقق منها لرسول الله ﷺ
لقد تحقق لرسول الله ﷺ من صور الوحى ومراتبه ما سنذكره تفصيلا على ما يلى:
أولا: الرؤيا الصادقة فى النوم. وهى أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، كما جاء فى رواية أم المؤمنين عائشة ﵂، والتى أخرجها البخارى ﵀.
وإذا كان ما يراه النائم إدراكا يقوم بجزء من القلب لا يحله النوم فإن الأنبياء لا يستولى النوم على قلوبهم، ولا على جزء منها، ولذلك فإن الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، وما يرونه فى نومهم ليس من أضغاث الأحلام؛ ولا يستطيع الشيطان أن يعبث بقلوبهم، ولا أن يريهم فى نومهم أحلاما كالتى يمكن أن يقوم بها الشيطان لإزعاج النائمين من البشر، فما يراه الأنبياء فى نومهم حق ووحى يوحى الله به لرسله، وقد حكى لنا القرآن الكريم نماذج من هذه الصورة فهذا خليل الرحمن إبراهيم ﵇ يرى فى المنام أنه يذبح أحب الناس إليه إسماعيل، ويقول لإسماعيل حاكيا له رؤيته: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى [الصافات: ١٠٢]، ولكن قد يسأل سائل إذا كنا نقول إن رؤيا الأنبياء وحى وحق، وإبراهيم أبو الأنبياء يعرف هذا فلماذا يسأل ابنه ويطلب نظره ورؤيته فى وحى واجب التنفيذ؟
والجواب عن ذلك: إن إبراهيم ﵇ يرى أن الرؤيا حق وأنه واجب التنفيذ والطاعة، ولكن التنفيذ والطاعة هنا لا تتعلق به وحده، وإنما تتعلق بطرف آخر له إرادته وله اختياره وله رأيه، ولكن هل يتوقع من إسماعيل أن يكون رأيه ونظره مخالفا لحالة أبيه؟ إن إسماعيل بن إبراهيم وابن هاجر وهما الوالدان المسلّمان التسليم الكامل لأمر الله ﵎؛ فإبراهيم سلم الأمر لله، وجاء بأحب الناس وأضعف الناس وهما الزوجة هاجر والطفل إسماعيل إلى واد وصفه القرآن الكريم بأنه: بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم: ٣٧] تنفيذا لأمر ربه، ولما هم بالانصراف سألته زوجته: لمن تتركنا يا إبراهيم؟ وإبراهيم يجد المكان بلا بشر يأنس الإنسان بالإقامة معهم ومشاركتهم حياتهم، وهذا معنى دعاء إبراهيم: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم: ٣٧].
1 / 14