Тараджим аль-Муаллифин аль-Тунисийин
تراجم المؤلفين التونسيين
Издатель
دار الغرب الإسلامي
Издание
الثانية
Год публикации
١٩٩٤ م
Место издания
بيروت - لبنان
Регионы
Саудовская Аравия
مقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد فقد كنت منذ عهد الشباب الباكر مغرما بتتبع تراجم التونسيين، وإذا عثرت على كتاب في تراجمهم أو مقالة في مجلة أو صحيفة في ترجمة أحدهم فكأنما ظفرت بكنز، وينتابني الفرح والسرور. وكان من أول الكتب التي طالعتها وأنا يافع في المرحلة الأولى من التعليم الثانوي كتاب (المؤنس) لابن أبي دينار، وتاريخ مقديش (نزهة الأنظار) كما كنت ولوعا بتتبّع آثار التونسيين في الأدب والتاريخ والتراجم فطالعت في هذا الطور «زهر الآداب» لإبراهيم الحصري، و«عنوان الأريب» للشيخ محمد النيفر، و«المنتخبات التونسية» لحسن حسني عبد الوهاب. ولا داعي للإطالة بسرد أسماء الكتب، ويكفي منها ما يدل على الاتجاه في المطالعة والإقبال بشوق ولهف عليها وقد كنت لا أهمل أية فرصة للمطالعة بالاستعارة من الأفاضل الأكرمين، أو بغيرها من الوسائل التي تهيأت لي حتى أني أذكر أن الحاج سالم عبد الناظر الكوّاش (الفران) صناعة - وقد مارس هذه الصناعة بتونس العاصمة، وكوّن مكتبة بها مجموعة من المخطوطات الصالحة، تلاشى غالبها في قائم حياته، وأهديت بقيتها بعد وفاته إلى المدرسة الثانوية بطريق العين (مدرسة ١٥ نوفمبر) - أتذكر أني قصدته ذات مرة للطّلاع على مكتبته واستعارة ما يوافق مبتغاي، وبعد جلسة تحدّث فيها عن حياته ومعرفته لبعض أعلام تونس المرموقين المشهورين، وإقبال بعض رجال صفاقس على الاستعارة من مكتبته، لم تطب نفسه بتلبية رغبتي وبّل ظماء شوقي لصغر سني، وكان هذا الرجل ﵀ صعب المراس، ملتوي التفكير.
وقد استمر هذا الاتجاه ينمو كلما تقدمت بي السن واتسع الاطلاع إلى أن دار بخلدي جمع تراجم المؤلفين التونسيين فشرعت في هذا العمل في ٢٧ جويليه ١٩٦٤ وأنجزت مجموعة من
1 / 5
التراجم رتبتها من أول الأمر على حروف المعجم، ثم جاءت أسباب قطعت مواصلة السير، منها تراكم مشاكل الحياة اليومية، زيادة عن ظهور بعض المؤلفات والبحوث الجديدة مما دعاني أحيانا إلى الإضافة أو التعديل والتنقيح، حتى أن بعض التراجم أعدت كتابتها مرتين أو ثلاثا، فقلت في نفسي: هذا عمل شاق لا آخر له. وكلما صدر كتاب جديد في تاريخ تونس أو في تراجم أعلامها أطالعه ثم أنتقي منه ما أريد من تراجم ومعلومات لها صلة بهذه التراجم، وقلت في نفسي: هذه مشقة أخرى مطالعة وانتقاء وإضافة، متى تنتهي هذه السلسلة المتلاحقة؟ أما لها من آخر؟
واعترى عزيمتي الضعف، وساورها اليأس وضؤل نشاطى في التدوين، ثم ان المطالعة والبحث والكتابة مع تعدد المشاريع توزع الجهد ولا تساعد كثيرا على الإنتاج ذي الوجهة المعيّنة والمادة الغزيرة والحجم الكبير، وانقطعت عن مواصلة العمل مدة تقرب من ثماني سنوات ثم بدا لي مراجعته ومواصلته حتى يتم وقلت في نفسي أنجزه ولو كان فيه بعض جوانب نقص شعرت بها من أول وهلة لقلة ما لديّ من مادة ووسائل.
وغرضي من وضع هذا الكتاب هو سهولة الكشف عن تراجم المؤلفين التونسيين قدامى ومحدثين لذا رتّبته على حروف المعجم، أذكر اللقب العائلي، وإن اشتهر المترجم له بنسبته البلدية فقط اقتصرت على هذه النسبة. هذا وأشعر بأن التراجم متفاوتة في الكم والكيف وسبب ذلك أن بعض المترجم لهم لم تتوفر لدي المادة الكافية للإفاضة في ترجمتهم فاجتزأت بما وجدت وقد جالت بخاطري فكرة هي أن تبقى هذه التراجم مذكرة شخصية لي، وبعد التروي قلت في نفسي، إن إنجاز هذا العمل لا يخلو من فائدة للقاصرين أمثالي، ثم أنه إذا برز للوجود وتفضل الكاتبون الكرام والنقّاد ببيان ما فيه من جوانب نقص، كنت أنا أول المستفيدين من هذا البيان فأبذل جهدي لتلافي النقص في ملحق أو في طبعة ثانية إذا يسّر الله، وإذا بقي هذا التصنيف قابعا في زاوية من زوايا البيت أحرم من هذه الفوائد، ومثل هذا العمل عرضة للتحوير والتنقيح كلما ظهر جديد أو توفرت مواد لم تكن معروفة من قبل.
وقد حاولت في كل ترجمة ذكر ما تيسّر لي من آثار المترجم له وعقبت كل ترجمة بذكر مصادرها ومراجعها ولم أهمل ذكر ما وقفت عليه من صحف ومجلات.
وهذا التأليف أشبه شيء بالفهرس وقد سميته (تراجم المؤلفين التونسيين) وترجمت فيه للوافدين على تونس المتوفين بها، كما ترجمت فيه لعلماء إباضية من جزيرة جربة، ويلاحظ المتأمل أن بعضهم من ذوي الثقافة المحدودة وأن إنتاجهم ليس بذي قيمة كبيرة وأنّ بعضهم من نوابغ الأعلام ذوي المواهب الغزيرة والإنتاج الثري المتنوع الذين كان لهم فضل في إثراء المكتبة العربية الإسلامية، وقد عجبت من إهمال المؤرخين التونسيين - من غير الإباضية - ترجمتهم والتنويه بهم ولا داعي لهذا غير التعصب المذهبي، وقد سار في هذا الطريق بعض المعاصرين، وإخواننا الإباضية لا يبذلون جهدا كبيرا في التعريف بأنفسهم، وكتبهم مخطوطة محتكرة عندهم لا
1 / 6
يجدون في نشرها إلاّ قليلا منها لا تشبع نهم المتطلع المستشرف للمزيد، مع أن البعض منها وهو كثير يهم كل المسلمين والمثقفين بصفة عامة ككتب التفسير والتاريخ والتراجم، ولولا ما قام به بعض المعاصرين من التعريف بأعلامهم كالأستاذين الصادق بن مرزوق وفرحات الجعبيري الجربيين التونسيين وعلي يحيى معمر النفوسي الليبي لبقي كثير من هؤلاء الأعلام مغمورا في طي الخفاء والكتمان. ولهؤلاء الثلاثة فضل كبير في هذا الميدان وقد اعتمدت عليهم كثيرا في ترجمة أعلام مرموقين من جربة أو من نزلائها المتوفين بها.
هذا والعناية بهم ما زالت محدودة المدى ضيّقة النطاق مع أن الكثير منهم جدير بكل تقدير وتنويه وحبذا لو يتفرّغ بعض الباحثين من شباب جزيرة جربة لإصدار دراسات خاصة في رسائل بحيث يخصص لكل واحد منهم رسالة أو يقع جمعهم في تأليف خاص يسمى (أعلام جربة) أو نحو ذلك حتى ينتشر ذكرهم ويشيع أمرهم ويصبح الجهل بهم أمرا لا يليق بكل مثقف متتبع لسير الحركة العلمية والحضارية بوطنه.
وبودّي لو يخصص ملتقى ثقافي باسم أحد أعلام جربة الأجلاّء كالتلاتليّ أو سعيد بن تعاريت الأول أو الثاني، أو من الوافدين عليها المدفونين بها كأبي القاسم البرادي، والجيطالي، ويوسف المصعبي وابنه محمد، لأن الجزيرة أخرجت على مدار القرون أعلاما لهم مكانتهم لا في المذهب الإباضي فقط بل في التفكير الفلسفي الإسلامي، وفي التاريخ التونسي. وإذا كان للإمام ابن عرفة ملتقى سنوي في مدنين وللشيخ علي النوري ملتقى في صفاقس ولابن أبي الضياف المؤرخ ملتقى في سليانة وللقلصادي العالم الرياضي ملتقى في باجة فلماذا لا يكون بجربة ملتقى سنوي باسم البرادي أو الجيطالي أو ابن تعاريت، أو غيرهم من ذوي الآثار العلمية والتاريخية يبدو أن رواسب الماضي ما زالت تعمل عملها بدون شعور أو قصد، نرجو أن يقع التدارك في المستقبل القريب بحول الله.
هذا ولا يفوتني أن أشكر كل من قدّم لي إعانة كبيرة أو صغيرة كالصديق الشاعر الأستاذ محمد الشعبوني في تاريخ وفيات بعض المعاصرين، أو تاريخ طبع إنتاجهم أو إعارة إنتاجهم المطبوع، والصديق الأستاذ الصادق بن مرزوق في ترجمة بعض علماء جزيرة جربة، والأستاذ عبد الله الزناد في ترجمة الشيخ محمد مخلوف المنستيري، والأستاذ محمد الحبيب السلامي في ترجمة قريبة شيخنا محمد المهيري، أشكرهم جزيل الشكر وهو غاية ما أملك «والغني بما ملك» كما قال قديما بديع الزمان الهمذاني، وجزاهم الله كل خير وأبقاهم ذخرا للمعرفة، ومن الأمانة العلمية عز وكل فائدة لصاحبها، علاوة عن خلق الاعتراف بالجميل لذويه، لا السطو على الفائدة ونسبتها إلى النفس في غير تورع ولا حياء تظاهرا بسعة الاطلاع وتدليسا على القارئ وغمطا لصاحب الحق والفضل. هذا رأيي وعقيدتي، مع أني اكتويت بشواظ من عقوق ولؤم بعض الأفاضل. فقد أعنت بعضهم إعانة متنوعة كبيرة في تأليف له في التاريخ، من إمداد بوثائق وكتب وترجمة من الفرنسية إلى العربية وترجمة لبعض الأشخاص وعلى ضوء ما أمددته به حور
1 / 7
الكتاب ونقّحه بعد أن كان على وشك تقديمه للطبع وكدت أكون شريكا له في التأليف، لكني تكرّمت بإعانته تشجيعا لأخ كريم فاضل ووضعت له فهرس المصادر والمراجع، ذكرت فيه ما لم يسمع به فضلا عن أن يراه حتى نوّه كاتب مقدمة الكتاب بأنه واسع الاطلاع، ومع هذا فإن هذا السيد لم يذكرني بكلمة واحدة في المقدمة، وكأنه أمر يشينه أو ينقص من علمه وفضله، ولم يتكرم بإهداء نسخة بعد طبع الكتاب كأن أتعابي أقل قيمة من نسخة منه وتألمت من هذا الموقف اللئيم غير المرتقب فكاتبته غاضبا وعائبا، وانقطعت كل صلة بيني وبينه ما يقرب من ثلاث سنوات، إذ توفي ﵀ وسامحه - في سبتمبر ١٩٧٨ وراودتني نفسي في أول الأمر كشف حقيقة الأمر وفضح تدليسه وتلبيسه ورفع النقاب عن أخلاقه ومبلغ علمه ولدي رسائل بخط يده تثبت بعض ما ادعيت لكنني عدلت عن هذا في إبانه لأنه طاعن في السن فخشيت أن يثقل هذا عليه إذ ربما لا يتحمل الصدمة ومع كل هذا فإن طبعي لم يسرق من طبعه ولا أتحول ولا أتغير، ولا أدعي بأني أتيت بما لم يسبقني به أحد ولكنني كشفت الستار عن بعض المغمورين ويسّرت السبيل أمام الباحثين.
والله سبحانه هو الموفّق المعين ومسدّد الخطى لسلوك الطريق القويم.
محمد محفوظ صفاقس في ١٩ شوّال ١٣٩٨ الموافق ل ٢١ نوفمبر ١٩٧٨
1 / 8
حرف الألف
آرباش
- (انظر: ٥٨ - الأندلسي)
١ - آغة (١٢٩٦ - ١٣٦٥ هـ) (١٨٧٦ - ١٩٤٦ م)
مصطفى بن عباس بن مصطفى آغة. ولد في قصر جدّه ببلدة الكرم من الضواحي الشمالية لمدينة تونس، وكان جدّه مصطفى وزير الحرب في دولة المشير الأول أحمد باشا باي وهو شاعر وأديب.
تعلّم في منزله على عادة الأسر الأرستقراطية في عصره، وتلقّى مبادئ العلوم العربية على أساتذة خواص كمحمد القرطبي، وعثمان بن المكي التوزري. ودراسته على هذين الأستاذين حببت إليه المطالعة والاستفادة من كتب الأدب، فأقبل بنهم على مطالعة الدواوين الشعرية قديمها وحديثها فتكونت له ملكة أديبة وكان آية في الذكاء صاحب دعابة ونكتة ونقد لاذع
وقضى شبابه وصدرا من كهولته بقصره منعزلا عن المجتمع باستثناء بعض الأعيان الذين كانوا يزورونه لحضور مجالسه الأدبية كالشيخ أحمد بيرم الحنفي شيخ الإسلام، والأستاذ حسن قلاتي (بالقاف المعقدة) المحامي وحسن حسني عبد الوهاب الباحث المؤرخ، والشيخ محمد باش طبجي والأمير محمد الناصر باي، وغيرهم.
وقد أسس مع بعض أصدقائه «النادي التونسي» الكائن بنهج الكوميسيون بإشراف الأستاذين: عبد العزيز الزاوش، وعلي باش حانبة. والملاحظ أن هذا النادي كانت تؤمه الطبقة الأرستقراطية وكانت تجري فيه الأحاديث السياسية، والمناقشات الأدبية وغيرها، وبرز من هذا النادي مشاريع تونسية عديدة كجمعية الآداب التمثيلية التي تأسست عام ١٩١٠، وجمعية قدماء الصادقية التي ظهرت عام ١٩٠٥، وجريدة «التونسي» التي صدرت عام ١٩٠٧ كما تفرّع عن هذا النادي «الحزب الإصلاحي» الملاين للاستعمار والذي يرضى بما يلقي إليه الاستعمار من فتات الإصلاحات، فقد قبل إصلاحات ١٣ جويلية ١٩٢٢ التي خوّلت تأسيس المجلس الكبير، والحجرات الاقتصادية، ومجالس الجهات الخمس، ومجالس العمل، وهذا الحزب لا يرى مانعا في سياسة المشاركة في المسئوليات مع الفرنسيين.
1 / 9
ونظرا لاختلاف وجهة النظر السياسية بين الحزب الدستوري القديم والحزب الإصلاحي فقد وقع الادعاء على الحزب الأخير بأنه يسعى لمناهضة اللغة العربية من خلال المسرحيات التي تقدمها جمعية «الآداب التمثيلية» المنتمية إليه، فأسس الحزب القديم لمناهضته جمعية «الشهامة» التي تولّى رئاستها الشيخ عبد العزيز الثعالبي. وكان لهذا التنافس أثره في الحركة المسرحية فشاهدت الجماهير مسرحيات قدمتها فرقتا الحزبين.
وكان المترجم له منتميا للحزب الإصلاحي متحمسا لمبادئه متحملا لكل مكروه في سبيلها نوّهت جريدتا هذا الحزب «البرهان» و«النهضة» بالمترجم له ونشرتا له مقالاته وأشعاره.
وذكر الشيخ الأستاذ محمد الفاضل بن عاشور في كتابه «الحركة الأدبية والفكرية في تونس» عمل المترجم له في الحزب الإصلاحي الذي تمسك بإصلاحات عام ١٩٢٢ على عهد المقيم العام لوسيان سان، وكان يرى أنها خير من لا شيء فيقول عنه وعن المعركة الحزبية والسياسية التي أرادها الاستعمار لتفريق الصفوف وإضعاف المقاومة والقضاء عليها «... واحتضن مصطفى آغة نادي الحزب ونوّهت به جريدتهم. وكان من شغوفه الذاتي وتساميه الفلسفي واعتداده بحكم العقل والمنطق في كل شيء ما أبعد الشقة بينه وبين الحركة الشعبية، وعملت جريدة الحزب الإصلاحي على إغاظة الشاذلي خزنة دار في مناصرة مصطفى آغة وتقديمه فكان للمعركة الحزبية السياسية دخل كبير في الميدان الأدبي بالمفاضلة بين الشاعرين، كما كان بين الوطنيين والإصلاحيين بمصر بين حافظ وشوقي.
واصطبغت قصائد كل من الشاعرين بصبغة المسلك الذي ارتضاه لنفسه فجاءت قصائد خزنة دار حماسية تفخر بالانتصارات وتثور في وجه الاعتداءات تصدر بمناسبة المواقع الكمالية وحفلات الهلال الأحمر وحوادث التنكر للوطنيين والابتهاج برجوع المبعدين وخروج المساجين ووصف المظاهرات وتشييع الوفود وانعقاد المجامع السياسية وتفيض كلها حماسا ووثوقا بانتصار الحق وحسن عاقبة الصدق ويقوم فنها الشعري على وحدة الغرض وتسلسل عناصره وطول النفس وتلافي القصر على طريق الأطناب فكانت قصائده كالخطب لها من الأثر في السامع وقت إنشادها ما لا يستطيع الناقد أن يكشف عنه ما لم يحدد الظروف التي مكنت لها من القبول، على أن النقد المنصرف للفن الصرف لا يستطيع أن يغطي على أسقام في التركيب، وزحافات في الأوزان، وابتذال في المعاني وحشو في الألفاظ، كانت الحرارة الفائضة من تلك القصائد تذيبها فلا يحسها السامعون.
أما قصائد مصطفى آغة فقد كانت بمعزل عن هذه المؤثرات لم تشر إلى الحركة الوطنية بكلمة ولا جرى فيها ذكر زعيم ولا لفتة إلى السياسة بل تمحضت إلى النظر الفلسفي والوصف الاجتماعي، وأقيم هيكلها على تصوير المقامات وتخييل المحاورات بروح فلسفية ساخرة قانطة تنظر إلى البؤس المادي والشقاء العقلي اللذين حفا بحياة الناس كما ينظر المعري في «اللزوميات».وصوغها واضح جزل التركيب مستكثر من البديع، مطرد في الوصف
1 / 10
يتمشى مع تنقل الحوار وتسلسل الأحداث والمعاني فتتواصل فيه الأبيات لأنها جملة واحدة حتى يكثر فيها التضمين وربما يتعاصى عليه اتحاد الميزان الشعري مع ما يريد من جزالة وسهولة في التركيب فيتغلب على ذلك بزحاف أو خبن، وكثيرا ما يقع بسبب ذلك في إهمال القواعد النحوية فيلحن لحنا فاحشا، على أنه شاعر الحكمة السامية وصاحب الخيال البديع، حقيق بشعره أن يحتل منزلة الاعتبار في مقاييس الآداب العالمية إلا أنه قليل التفنن منسوج على منوال واحد».
آثرنا نقل كلام الشيخ الفاضل بن عاشور على طوله لأنه فيه تحليل واف لخصائص شعر آغة ومميزاته غير أننا نلاحظ فيما يخص النظر الفلسفي في شعره أنه كان منعزلا عن المجتمع منطويا على نفسه فنمت عنده ملكة التأمل العقلي، وأودع شعره هذه التأملات العقلية وهي ليست بنظر فلسفي إلا على ضرب من التجوز. وهو لا يعرف الفلسفة ولا يتقيد بمذهب من مذاهبها ولا بأصولها. على أن هذه التأملات العقلية، وما يسري في أوصال شعره من حوار وقصص جعلته من المجددين في ذلك العصر ولفتت إليه الأنظار بالتقدير أحيانا وبالسخرية والدعابة أحيانا أخرى، فإن الأديب محمد الصالح المهيدي تندر عليه في جريدة «النديم» فإنه دعا التونسيين إلى الاستخفاف بما يكتبه هذا الشاعر من آراء وأفكار والضحك منها. ولو كان لشعره جلال النظر الفلسفي وعمقه لما تجاسر مثل المرحوم محمد الصالح المهيدي على الدعوة إلى الاستخفاف بشعره والضحك منه.
ومن الملاحظ أن الخلاف الحزبي بينه وبين الشاذلي خزنة دار لم يحل دون ربط علاقات صداقة بينهما، فكان المترجم له يتصل به في محل سكناه ب «منوبة» ويقضي معه الأيام والأسابيع في المراجعة والمذاكرة. وأهم ما تعلمه من خزنة دار أوزان الشعر والعروض والقوافي، وكان متخصصا فيها. وكان من الولوعين بشعر خزنة دار ومن المهتمين بتراثه الفكري.
والمترجم له ساهم في النشاطات الفكرية الاجتماعية والثقافية ابتداء من النادي التونسي بنهج الكومسيون إلى جمعية الآداب التمثيلية، إلى جوق التمثيل العربي الذي تأسس سنة ١٩٢١ واختير ضمن هيئته المسيرة، إلى الاتحاد المسرحي الذي عيّنه سنة ١٩٣٧ في لجنة فحص الروايات، إلى نشاطه في الجمعية الرشيدية التي تأسست سنة ١٩٣٤ وكلّفه رئيسها المؤسس لها السيد مصطفى صفر برئاسة لجنتها الأدبية التي اضطلعت بدور هام في ميدان تأليف الأغاني وانتقاء ألفاظها وتطهيرها من المعاني المبتذلة ونوازع الانحلال، وألف كثيرا من الأغاني ومن أشهرها قصيدته «هجر الحبيب» كما أنه غذى الإذاعة بمجموعة من أحاديثه الأدبية.
آثاره:
١ - ديوان شعر طبع بالمطبعة التونسية سنة ١٣٣٩/ ١٩٢٠.
1 / 11
٢ - بيني وبين المعرّي: مجموعة أحاديث ألقاها بالإذاعة. هي عبارة عن حوار تتبع فيه «رسالة الغفران» وأبدى نقده لها.
المراجع:
- أدباء تونسيون، رشيد الذوادي (طبع تونس ١٩٧٢) ص ٩ - ٢٧.
- الأدب التونسي في القرن الرابع عشر، زين العابدين السنوسي (ط أولى) ٢/ ٣ - ١٥.
- الشعر التونسي المعاصر، محمد الصالح الجابري (ط تونس ١٩٧٤) ص ١٨١ - ٢٠٦.
- الحركة الأدبية والفكرية في تونس، محمد الفاضل بن عاشور ص ١٤٥ - ١٤٧.
- مجمل تاريخ الأدب التونسي، حسن حسني عبد الوهاب (ط تونس) ص ٣١٠ - ٣١٦.
- الأعلام ٧/ ٢٤٥ وفيه مصطفى بن محمد بن مصطفى وترجمته أملاها عليه الأستاذ عثمان الكعّاك.
Sadok Zmerli: Figures tunisiennes: les successeurs، pp .١٨١ - ٨٨١ .
* * *
٢ - ابن الأبّار (٦٥٨ هـ١٢٨٠/ م)
محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أحمد المعروف بابن الأبّار القضاعي البلنسي، نزيل تونس، أبو عبد الله الحافظ المحدث الأديب الكاتب الشاعر المؤرخ صاحب التآليف الكثيرة. أصل والده من أندة (١).
ولد ببلنسية من بلدان شرق الأندلس، المدينة الجميلة ذات الخصب والهواء المعتدل (٢).
وكان والد ابن الأبّار من أهل العلم، ديّنا تقيا، قرأ على طائفة من العلماء وأجازوه. قرأ عليه ابنه صاحب الترجمة القرآن بحرف نافع، وسمع منه أخبارا وأشعارا، ووجّهه وامتحن حفظه أيام الطلب وناوله جميع كتبه. قال ابن الأبّار في ترجمة والده (٣): «وكان ﵀ ولا أزكيه - مقبلا على ما يعنيه، شديد الانقباض، بعيدا عن التصنع، حريصا على التخلص، مقدّما في حملة القرآن، كثير التلاوة له والتهجد به، صاحب ورع لا يكاد يهمله، ذاكرا للقراءات مشاركا لأخذ المسائل، آخذا فيما يستحسن من الأدب، معدّلا عند الحكام، وكان
(١) مدينة من كور بلنسية (الروض المعطار ص ٣١) واندة (Onde) اليوم مدينة صغيرة في مديرية قسطليون وتقع على ٢٠ كيلومترا غربي قسطليون قاعدة المديرية. وكانت أندة على أيام المسلمين تابعة لكورة بلنسية (د. حسين مؤنس مقدمة الحلة السيراء، ص ١٤). وتحرّف اسم أندة إلى أيردة عند الغبريني في (عنوان الدراية).
(٢) انظر الروض المعطار للحميري، تحقيق ليفي بروفنسال، ص ٤٧.
(٣) التكملة لكتاب الصلة رقم ١٤٤١.
1 / 12
القاضي أبو الحسن بن واجب يستخلفه على الصلاة بمسجد السيدة داخل بلنسية، قرأت عليه القرآن بقراءة نافع مرارا، وسمعت منه أخبارا وأشعارا، واستظهرت عليه مرارا أيام أخذي على الشيوخ يمتحن بذلك حفظي وناولني جميع كتبه، وشاركته في أكثر من روى عنه ...».
ويتضح من هذا إن ابن الأبّار نشأ في وسط علمي، ووجّهه والده لطلب العلم. ومن أشهر أعلام بلنسية بل أعلام الأندلس الذين أخذ عنهم وتخرّج بهم في علوم الحديث التي منها معرفة أسماء الرجال وأنسابهم وتواريخهم، وتخرّج به في الكتابة أيضا الحافظ المحدّث الحافل الأديب صاحب الرواية الواسعة والتصانيف أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الحميري الكلاعي، لازمه عشرين سنة. ولم يكتف ابن الأبّار بالأخذ عن أعلام بلنسية بل جال في بلدان الأندلس للأخذ عن رجالها والرواية عنهم. وفي شيوخه كثرة ذكرهم ابن عبد الملك المراكشي في «الذيل والتكملة».وتوفي والده في ربيع الأول سنة ٦١٩/ ٢١ مارس ١٢٢٢ ولم يحضر جنازته لأنه كان غائبا عن مسقط رأسه في ثغر بطليوس، فقد جاء في أواخر ترجمته لوالده «وتوفي ببلنسية - وأنا حينئذ بثغر بطليوس - عند الظهر يوم الثلاثاء الخامس شهر ربيع الأول سنة ٦١٩ ودفن لصلاة العصر من يوم الأربعاء بعده بمقبرة باب بيطالة وهو ابن ثمان وأربعين سنة، وحضر غسله أبو الحسن بن واجب وجماعته وكانت جنازته مشهودة، وأثنوا عليه جميلا نفعه الله بذلك».
وابن الأبّار حريص على الرواية عمن تقدمت سنهم وعلا إسنادهم حتى بعد استكمال تحصيله وتجاوز طور الشباب، اتباعا لتقليد شاع في أوساط المحدثين، فقد لقي بتونس المقرئ الراوية أبا زكريا يحيى بن محمد بن عبد الرحمن البرقي المهدوي مصروفا عن قضاء المهدية (ت. سنة ٦٤٧/ ١٢٥١). وقد اجتمع البرقي في تونس بالحافظ أبي الخطاب عمر بن حسن الكلبي المعروف بابن دحية، وروى عنه، وروى عنه عبد المنعم بن عبد الرحيم الخزرجي المعروف بابن الفرس (١). ويبدو أن ابن الأبّار كان عارفا بمكانته قبل لقائه.
وبعد استكمال تحصيله وإشباع نهمه من لقاء الشيوخ بالقطر الأندلسي رجع إلى مسقط رأسه بلنسية فتولى الكتابة لواليها أبي عبد الله بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن المعروف بالبياسي وقد نشأ هو وأخوه أبو زيد عبد الرحمن في بياسة، فعرفوا من أجل ذلك بالبياسيين.
ولما خرج من بلنسية والتجأ إلى حلفائه القشتاليين خلفه على إمارة بلنسية أخوه أبو زيد عبد الرحمن، واستمر ابن الأبّار على خطته في الكتابة حتى إذا ضيق على هذا الأمير أبو جميل زيان بن أبى الحملات مدافع بن يوسف بن سعد بن مردنيش في بلنسية التجأ إلى حليفه جايم أو خايمة الأول ملك أراغون وصحبه كاتبه ابن الأبّار ثم رجع ابن الأبّار إلى بلنسية عند ما رآه يفضل الإقامة في بلاد ملك أراغون وعمل كاتبا لأبي جميل زيان بن مردنيش الوالي الجديد على بلنسية. وكان القطر الأندلسي في هذا العصر مختل الأوضاع تعصف به الحروب
(١) المعجم في أصحاب القاضي أبي علي الصدفي ص ٢١١ عرضا في ترجمة عبد الله بن محمد بن أيوب الفهري.
1 / 13
الداخلية والحروب الخارجية من الإسبان بقيادة ملك قشتالة وملك أرغوان بحيث أن حركة الاسترداد الإسبانية سجلت انتصارات متعددة واحتلت مدنا عديدة، وكانت الدولة الموحدية في طورها الأخير من الضعف والانحلال، وأفراد بيتها منقسمون على أنفسهم متعطشون إلى السلطة تعطشا محموما بدون إقامة وزن للظروف الحرجة والمصلحة العامة، وأمراء الطوائف من الأندلسيين يتحاربون ويستعينون بهذا وذاك من ملوك الاسبان للتغلب على خصومهم ويرضون في مقابل ذلك بأداء إتاوة سنوية وهي نوع من الحماية بعدها الاحتلال في الفرصة المؤاتية، ويظهر للمتأمل أن مصير الأندلس تقرر منذ العقود الأولى من القرن السادس الهجري.
وكان شرقي البلاد الأندلسية هدفا لهجومات ملك أراغون خايما الأول فاستولى على كثير من القلاع حول بلنسية وشقر سنة ٦٣٣/ ١٢٣٦ وبنى حصن أنيشة قرب بلنسية ليعسكر فيه جنده استعدادا لحصار بلنسية، وقد حاول ابن مردنيش أن يبذل آخر جهوده فاستنفر أهل شاطبة وشقر، فانضموا إلى جند بلنسية، وهاجموا حصن أنيشة في العشرين من ذي الحجة سنة ٦٣٤/ ١٣ أوت ١٢٣٧ ولكنهم هزموا وقتل في المعركة كثير من الفقهاء والعلماء، ومن بينهم العلاّمة المحدّث أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي شيخ ابن الأبّار (١) وهو مقبل غير مدبر يحرض الفارين على القتال.
وكانت هزيمة المسلمين أمام حصن أنيشة دليلا على قرب سقوط بلنسية فأخذ الناس في الانتقال منها. وفي رمضان سنة ٦٣٥/ ١٢٣٨ هاجم ملك أراغون بلنسية وضرب حولها حصارا قويا وأدرك المسلمون فيها أن لا طاقة لهم بصد المحاصرين وعزموا على الاستعانة بسلطان الدولة الحفصية في تونس وعند ذلك أرسل ابن مردنيش وفدا من أهل بلنسية إلى سلطان تونس أبي زكريا يحيى الحفصي وعيّن كاتبه ابن الأبّار من بين أعضاء الوفد في رجب سنة /٦٣٦ ديسمبر ١٢٣٨ وطالب الوفد السلطان أبا زكريا الحفصي بنجدتهم وأدى ابن الأبّار مهمته خير تأدية وأنشد بين يدي أبي زكريا الحفصي (٢) قصيدته السينية الطويلة وعدد أبياتها ٦٧ بيتا من البحر البسيط طالعها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
«وفيها من التكلف ما يكاد يصرف قارئها عن الحال المحزن الذي قيلت فيه (٣)». «وهو فيها شاعر مملوء النفس بالعاطفة مغمور الفؤاد بالأسى بين وطن مغلوب، وملك بالرجاء مطلوب، فالمعاني متوفرة، ومجال القول ذو سعة، من أجل ذلك أطال وأجاد ووجد وجوه الكلام مختلفة، فصال وجال لكنه كان فيها الواصف الناقل ينتقل من هذا كله ولم يكن الخائل الذي يملك تلوين هذه الأوصاف المنقولة وترويقها لتروق حينا وتهول حينا آخر، فهذا
(١) انظر: صالح الأشتر، مقدمة إعتاب الكتّاب ص ٩.
(٢) المرجع السالف ص ١٠ - ١١.
(٣) حسين مؤنس مقدمة «الحلة السيراء» ص ٣٥.
1 / 14