Тафсир Бахр Мухит
البحر المحيط في التفسير
Редактор
صدقي محمد جميل
Издатель
دار الفكر
Издание
١٤٢٠ هـ
Место издания
بيروت
الْجُمَلُ هُنَا مُقَدَّمًا فِيهَا الشَّفَاعَةُ، وَجَاءَتِ الْفِدْيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ فِي جُمْلَةٍ أُخْرَى، لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى اختلاف الأمرين. وبدىء هُنَا بِالشَّفَاعَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَلْيَقُ بِعُلُوِّ النَّفْسِ، وَجَاءَ هُنَا بِلَفْظِ الْقَبُولِ، وَهُنَاكَ بِلَفْظِ النَّفْعِ، إِشَارَةٌ إِلَى انْتِفَاءِ أَصْلِ الشَّيْءَ، وَانْتِفَاءِ ما يترتب عليه.
وبدىء هُنَا بِالْقَبُولِ، لِأَنَّهُ أَصْلٌ لِلشَّيْءِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ، فَأَعْطَى الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرَ الْمُتَقَدَّمِ وُجُودًا، وَأَخَّرَ هُنَاكَ النَّفْعَ إِعْطَاءً لِلْمُتَأَخِّرِ ذِكْرَ الْمُتَأَخَّرِ وُجُودًا.
وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى إِذْ فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ «١» . وَمَنْ أَجَازَ نَصْبَ إِذْ هُنَاكَ مَفْعُولًا بِهِ بإضمار اذكر أو ادّعى زِيَادَتَهَا، فَقِيَاسُ قَوْلِهِ هُنَاكَ إِجَازَتُهُ هُنَا، إِذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ تَعْطِفُهُ عَلَيْهِ إِلَّا إِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ إِذْ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَعْمُولِ اذْكُرُوا، كَأَنَّهُ قَالَ: اذْكُرُوا نِعْمَتِي وَتَفْضِيلِي إِيَّاكُمْ، وَوَقْتَ تَنْجِيَتِكُمْ وَيَكُونُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِجُمْلَةِ الِاعْتِرَاضِ الَّتِي هِيَ: وَاتَّقُوا يَوْمًا. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّا لَا نَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ بِاذْكُرْ، لَا ظَاهِرَةً وَلَا مُقَدَّرَةً، لِأَنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ فِيهَا، وَهِيَ عِنْدَنَا مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لَا يُتَصَرَّفُ فِيهَا إِلَّا بِإِضَافَةِ اسْمِ زَمَانٍ إِلَيْهَا عَلَى مَا قُرِّرَ فِي النَّحْوِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالَّذِي نَخْتَارُهُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الظَّرْفِ، وَيَكُونُ الْعَامِلُ فِيهِ فِعْلًا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَبْلُهُ، تَقْدِيرُهُ: وَأَنْعَمْنَا عَلَيْكُمْ إِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَتَقْدِيرُ هَذَا الْفِعْلِ أَوْلَى مَنْ كُلِّ مَا قَدَّمْنَاهُ. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: أَنْجَيْنَاكُمْ إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُعَظِّمِ نَفْسَهُ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمٍ فِي قَوْلِهِ: نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ، لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ الْإِنْجَاءُ مِنْ عَدُوِّهِمْ، هُوَ مِنْ أَعْظَمِ، أَوْ أَعْظَمُ النِّعَمِ، فَنَاسَبَ الْأَعْظَمَ نِسْبَتُهُ لِلْمُعَظِّمِ نفسه. وقرىء: بأنجيناكم، وَالْهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ إِلَى الْمَفْعُولِ، كالتضعيف في نجيناكم. ونسبة هَذِهِ الْقِرَاءَةُ لِلنَّخَعِيِّ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَرَأَ: أَنْجَيْتُكُمْ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ مُوَافِقًا لِلضَّمِيرِ فِي نِعْمَتِي، وَالْمَعْنَى: خَلَّصْتُكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَجَعَلَ التَّخْلِيصَ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يُبَاشِرُونَهُمْ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ السَّيِّئَةِ، وَإِنْ كَانَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، وَآلُ فِرْعَوْنَ هُنَا أَهْلُ مِصْرَ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ، أَوْ أَهْلُ بَيْتِهِ خَاصَّةً، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، أَوْ أَتْبَاعُهُ عَلَى ذَنْبِهِ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ، وَمِنْهُ: وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ «٢»، وَهُمْ أَتْبَاعُهُ عَلَى ذَنْبِهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ، وَلَا بِنْتٌ، وَلَا ابْنٌ، وَلَا عَمٌّ، وَلَا أَخٌ، وَلَا عَصَبَةٌ، وَأَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَنْ آلُكَ؟ فَقَالَ: «كُلُّ تَقِيٍّ» .
وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الثَّانِي:
لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِمُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ. وَالْمُرَادُ بِالْآلِ هُنَا: آلُ عَقِيلٍ، وَآلُ عباس، وآل
(١) سورة البقرة: ٢/ ٣٠.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٥٠، وسورة الأنفال: ٨/ ٥٤.
1 / 311