Тафсир Аль-Усаймин: Истории

تفسير العثيمين: القصص

Издатель

مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

Издание

الأولى

Год публикации

١٤٣٦ هـ

Место издания

المملكة العربية السعودية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تقديم
إنَّ الحمدَ للَّه، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ باللَّه مِن شُرور أَنْفُسنا ومن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللَّهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ؛ فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في اللَّه حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ التقينُ، فصَلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ:
فمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالحٍ العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أَثْناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة، حَلقاتٌ فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها، حتَّى بلَغ قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.
وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَي الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (^١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبدِ الرَّحمن بنُ أَبِي بَكْر بنِ محمَّد

(^١) انظر ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حُسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).

1 / 5

ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (^١). تغمَّدهما اللَّه بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزاءِ.
وسَعْيًا -بإِذْنِ اللَّهِ تَعالَى- لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ مُحمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْريَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لِاِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ.
نَسْأل اللَّهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجَزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعْلِيَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
وَصَلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
القِسْمُ العِلْمِيُّ فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيرَّيةِ
٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ
* * *

(^١) انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٣/ ٣٠١).

1 / 6

(الآيات ١ - ٣)
* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ١ - ٣].
* * *
الحمدُ للَّهِ ربِّ العَالمَينَ، وصلَّى اللَّهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد:
قَالَ المُفَسِّرُ (^١) ﵀: [﴿طسم﴾ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ بِذَلِكَ، ﴿تِلْكَ﴾ أَيْ هَذِهِ الآيَاتُ، ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الْإِضَافَةُ بِمَعْنَى مِنْ، ﴿المُبِينِ﴾ المُظْهِرُ الحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، ﴿نَتْلُو﴾ نَقُصُّ، ﴿عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ﴾ خَبَرِ، ﴿مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ الصِّدْقُ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لِأَجْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ].
الحِكمة من القَصَص فِي الآيَاتِ واضحةٌ، فهو يُتلَى عَلَى النَّاسِ لكي يُؤمِنوا، فَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فِي الْأَصْلِ فهو لتَثْبِيت إيمانِهم وزيادَتِه.
من فوائد الآيات الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيان عِظَم القُرْآن وعُلُوُّهِ، وذلك عَنْ طَرِيقِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ بالبُعد ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾.

(^١) المقصود بـ (المفسر) هنا: محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم جلال الدين المحلي، المتوفى سنة (٨٦٤ هـ) ﵀، ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).

1 / 7

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: هَذَا الْقُرْآنُ مكتوبٌ؛ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿الْكِتابِ﴾، ونحن نعلم أنَّ كتابةَ القُرْآن مُتَحَقِّقَةٌ فِي ثَلَاثَةِ أماكنَ:
١ - فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
٢ - فِي صُحُفِ الملائكة.
٣ - فِي المَصَاحِفِ الَّتِي بَيْنَ أيدينا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مُظهِر مُبَيِّن للأُمُور؛ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿الْمُبِينِ﴾، فهو مُظهِر ومُبَيِّن للأُمُور.
وحَذْفُ مُتَعَلَّق ﴿الْمُبِينِ﴾ يُستفاد مِنْهُ عُمُومُ إِبَانَةِ الْقُرْآنِ لِكُلِّ شَيْءٍ.
وحذفُ المتعَلَّق هَذَا مِنَ القَواعِدِ التَفْسِيريَّة، فإنَّ حَذْفَ المتعَلَّقِ يُفيد العُلُوَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] حيثُ لَمْ يَقُلْ: (فأغناك)؛ لِأَنَّ اللَّهَ أغناهُ، وأغنى به، وَقَالَ تعالى أَيْضًا: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، فاللَّه هداه وهدَى به.
فقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُبَيِّنٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، ويدل لذلك قَوْلُهُ ﵎: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
ولذلك فإنَّ أيَّ مُشكلة تَعْرِضُ لَنَا فِي دِينِنَا نَجِدُ حَلَّها فِي الْقُرْآنِ، والقُرْآن يُرشدنا إلى الأخذ بالسُّنة، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].
إذن: الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يَحِلَّان كُلَّ مَا يَعْرِضُ لَنَا مِنْ مُشْكِلَاتٍ فِي أُمُورِ دِيننا، أو دُنيانا، ولكن المشكلة هي القُصور فِي فَهْمِ النَّص لَدَى بَعْضِ النَّاسِ، ويرجع الْأَمْرُ إِلَى سببين: إمَّا هَوًى مُتَّبَع، وإمَّا جَهْلٌ.

1 / 8

فهناك مِنَ النَّاسِ مَنْ يريد اتباعَ الهوى، وَلَا يُرِيدُ اتِّبَاعَ الحْقِّ، فيذهب إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَّهُ يَجِدْ مَا يُبَرِّرُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ.
فمثلًا هُنَاكَ مَنْ يُبَرِّر للاشتِراكِيَّة، ويبحث فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عما يؤيد رأيَه هذا، فَإِنْ وَجَدَ مَا يُخَالِفُ رأيَه ترَكَه وتجاوَزَه إِلَى غَيْرِهِ، فهذا الرَّجُلُ لَمْ يَقْصِدِ الحقَّ.
وكذلك بعضُ الذين يُشَرِّعُون القوانين، أو الأُمُورَ الفِقهية، أَوْ مَا شابَهَ، لَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَّا مِنْ أَجْلِ تبريرِ مواقِفِهم، فإذا رأوا ما يُخالِفُها أَغْمَضُوا أَعْيُنَهم، وإن رأوا مَا يُشِيرُ إليها -ولَوْ لإبطالها- فَتَحُوا أعيُنَهم.
وهؤُلاءِ لهم غَرَضٌ فِي صُدُورِهِمْ في تَصَفُّحِهِم للقرآن والسُّنة، كَمَا قَالَ شَيْخُ الإِسْلام ابن تَيمِيَّة ﵀ فِي (العقيدة الواسطية)، وَهِيَ كَلِمَةٌ عظيمة المعنى، قال (^١): "وَمَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ طَالِبًا لِلْهُدَى مِنْهُ؛ تَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقُ الْحَقِّ".
كلمةٌ عظيمةٌ، فِيهَا أَمْرَانِ: تَدبُّر، وطَلَبُ الهدى. فـ (تَدَبَّرَ): الفعل، و(طالبًا للهُدى): النية الصَّالحِة، (تَبَيَّن له طَرِيقُ الْحَقِّ) جَوَاب الشَّرْطِ.
فالشيخ ﵀ جزَم به؛ لأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ لَا شَكَّ فِي هَذَا.
إذن: القُرْآنُ مُبَيِّنٌ لكُلِّ الأُمُور؛ إِمَّا مِنَ الْقُرْآنِ نَفْسِهِ، أَوْ مِمَّا يُرْشِدُ إِلَيْهِ، أي السُّنَّة النَّبَوِيَّةُ.
أحيانًا تَعْتَرِضُنا مَسائِلُ، ونَبْحَثُ عَنْهَا فِي كُتُبِ الفُقهاء؛ فُقَهاء الحنابلة، وفُقَهاء الشَّافعية، وغيرهم، فما نجدُها، فَنَرْجعُ إِلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فنجدُها واضحةً جَلِيَّةً.

(^١) العقيدة الواسطية اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٧٤).

1 / 9

وَالرُّجُوعُ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لفيد الإِنْسَان -حقيقةً- فائدتين عظيمتين:
الأُولى: الطُّمأنينة والاستقرار؛ لِأَنَّ اتِّبَاعَ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ -وَإِنْ كَانَ الْإِنْسَانَ قَدْ يطمئِن إليه بَعْضَ الشَّيْءِ- مَا تَكُونُ الطُّمأنينة إليه كطُمأنِينَتِه إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
الثَّانية: أنَّه يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقْنِعَ غيره، ويُطَمْئِنَ غيره.
فمثلًا إِذَا قُلْتَ لِإِنْسَانٍ مَا: هَذَا حَرَامٌ. يَقُولُ لَك: مَا الدَّلِيلُ عَلَى الحُرمة؟ فإِذا قلتَ: له حَرَّمَهُ اللَّهُ، أَوْ حَرَّمَهُ رسولُه. اطمأنَّ لِقَوْلِك، أَمَّا إِذَا قُلْتَ لَهُ: هناك كِتَابٌ مَا قَدْ حَرَّمَهُ. قَالَ لَك مستنكرًا: أيُّ كتابٍ هذا؟ هَلْ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟
إذن: الرُّجُوعُ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَبُثُّ الطُّمأنينة فِي قُلُوبِ المخاطَبين ويُقْنِعُهم.
ولذلك أنا أَمْيلُ إِلَى الرُّجُوعِ دائمًا إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا يَعْنِي كلامي هذا طَرْحَ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لا، فكلامُ أَهْلِ الْعِلْمِ مفاتيحُ لهذه الخزائن، فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ لَا يَهْتَدِي بالكتاب والسُّنة إِلَّا إِذَا دَخَلَ مِنْ حَيْثُ دَخَلَ هؤُلاءِ العلماءُ.
وهناك فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ: اتَّبعِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، واقْتَدِ بكلامِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبَيْنَ مَنْ يَقُولُ: اتَّبعِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، واطْرَحْ كَلَامَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فهو لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَهَذَا خَطَأٌ كبيرٌ.
واعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ دائمًا بَيْنَ طَرَفَيْنِ مُتَطَرِّفَيْنِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِي الآيَةِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ القَصَص يُسَمَّى تِلاوَةً، يُقال: قَصَّ الإِنْسَانُ القِصَّة، إذا تَلاها علينا؛ وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ﴾.

1 / 10

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيانُ أهمية قِصَّةِ مُوسَى مَعَ فِرعونَ، ولهذا تَكَفَّلَ اللَّهُ تعالى بِتِلَاوَتِها عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لأهميتِها، وبيان فوائِدها.
وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تجمعوا الْقصَّةَ مِنْ جَمِيعِ أطرافها فِي الْقُرْآنِ، واستخرجوا مَا فِيهَا مَنْ فَوَائِدَ، فهذه الْقِصَّةُ مِنْ أَهَمِّ القَصَص الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ الكريم، وَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِي مَوَاضِعَ مُخْتلِفَةٍ بأساليبَ مختلفةٍ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ هُوَ الحَقُّ، فَجَمِيعُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ هَذِهِ القَصَص هُوَ حَقٌّ، وَقَدْ سَبَقَ أَنْ قُلنا: إِنَّ الحَقَّ إِذَا وُصِفَ بِهِ الخَبَرُ، فَهُوَ بمعنى الصِّدق، وإذا وُصِفَ بِهِ الحُكْمُ، فهو بمعنى العَدْل.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ هَذِهِ القَصَص سببٌ لحدوث الإِيمَان، وكذلك سبب لزيادته أيضًا، أي سبب لِمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ حَتَّى يُؤْمِنَ، ولمن آمَنَ حتَّى يزدادَ إيمانُه؛ ثباتًا وكَمِّيَّةً.
وَالدَّليلُ عَلَى أَنَّهُ يَنتفِعُ بِهَا غيرُ المؤمن قَوْلُهُ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، فكلُّ إنسان عنده لُبٌّ -أَيْ عقل- فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُعْتبر ويَنتفع.
* * *

1 / 11

الآية (٤)
* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا﴾ تَعَظَّمَ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أَرْضِ مِصْرَ ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ فِرَقًا فِي خِدْمَتِهِ ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ هُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ المَوْلُودِينَ ﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ يَسْتَبْقِيهِنَّ أَحْيَاءً لِقَوْلِ بَعْضِ الْكَهَنَة لَهُ: إِنَّ مَوْلُودًا يُولَدُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يَكُونُ سَبَبَ زَوَالِ مُلْكِكَ ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ بِالْقَتْلِ وَغَيْره].
﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾: قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [يَسْتَبْقِيهِنَّ أحياء] لأنَّهُن فِي الْأَصْلِ أحياء، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَاءِ الموتى إِلَّا اللَّهُ.
وجملتا (يُذَبِّحُ) و(يَسْتَحْيِي) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ (عَلَا) و(جَعَلَ).
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنَ العُلُوِّ والجبَرُوت، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَنْ عَلَا فِي الْأَرْضِ، وطلب العُلُوَّ عَلَى الْخَلْقِ؛ فهو شبيه بفِرْعَون ووارثُه، وبئس الرَّجُلُ مَنْ كَانَ فِرْعَوْنُ إمامَه.

1 / 12

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ تفريق الأُمة سببٌ لفَشَلِها وذُلِّها، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾، ومنها نعلم أَنَّ الْحِكْمَةَ الإنجليزية المشهورة (فَرِّقْ تَسُدْ) أصلُها فِرْعَوني؛ لأن فِرْعَون هُوَ أَوَّلُ مَنْ جَعَلَ أَهْلَ الْأَرْضِ شيعًا؛ حَتَّى يَسُودَ عليهم.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، مَعَ أَنَّهُمْ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ.
فيتفرع عَلَى هَذِهِ الْفَائِدَةِ: أَنَّ مَنْ سَكَنَ أرضًا، وأقام فيها، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا فِي الْأَصْلِ، نُسب إليها، وَصَارَ مِنْ أَهْلِهَا.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيانُ شِدَّة استضعاف فِرْعَون لِبَنِي إِسْرَائِيلَ؛ حَيْثُ كَانَ ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾.
وَقَدْ قِيلَ فِي سَبَبِ فِعْلِهِ هَذَا: إِنَّهُ أُخبر بأنه سيُولَد مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ولا، يَكُونُ هَلَاكُهُ عَلَى يَدِهِ.
وَقِيلَ: لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الطَّرِيقُ لإذلال الأُمَّة؛ لِأَنَّهُ إِذَا ذَهَبَ الرجال، وبقيت النساء صِرن إماءً للمُسْتَعْبِد، وهُنَّ بلا شك مَا عِنْدَهُنَّ قَيِّمٌ عليهن، ولا مُدافِعٌ عنهن.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ، والعُتُوَّ عَلَى الْخَلْقِ، والسَّعْيَ بينهم بالتفريق يُعَدُّ مِنَ الإفساد، وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
ويتضح مِنَ الآيَةِ أَنَّهُ مَنْ كَانَ عَلَى نقيض ذَلِكَ مِنَ التواضع للحَقِّ والخَلْقِ، جَمَعَ شَمْلَى الأُمة، وقَصَرَ عدوانه عنها، يَكُونُ مِنَ المُصْلِحِينَ، وَكَمَا قِيلَ: وبِضِدِّها تتميز الأَشْياء.
* * *

1 / 13

الآيتان (٥، ٦)
* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وَإِبْدَالِ الثَّانِيَةِ يَاءً: يُقْتَدَى بِهِمْ فِي الْخَيْرِ ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ مُلْكَ فِرْعَوْنَ، ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أَرْضِ مِصْرَ وَالشَّامِ ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ وِفي قِرَاءَةٍ: "وَيَرَى" بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالرَّاءِ وَرَفْعِ الْأَسْمَاءِ الثَّلاثَةِ ﴿مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ يَخَافُونَ مِنَ المَولود الَّذِي يَذْهَبُ مُلْكُهُمْ عَلَى يَدَيْهِ].
الإرادةُ الْوَارِدَةُ فِي الْآيَةِ هنا هِيَ إِرَادَةٌ كونِيَّة، وهي المشيئة، ويتعلق بها الحُكم القَدَرِيُّ، فالإرادة الكَوْنِيَّة مُرادِفَةٌ للمَشِيئَة، وتَتَعَلَّق بالأُمُور الكَوْنِيَّة.
أمَّا الإرادةُ الشرعيةُ فمُرادِفَةٌ للمَحَبَّة، وهي تتعلق بالأُمُور الشرعية، فمثلًا: اللَّهُ يُرِيدُ مِنَّا أَنْ نُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ، فهذه إرادةٌ شرعيةٌ.
وَهَلِ ﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هُنَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فقط، أَمْ مِنْ عُموم أَهْلِ مِصْرَ الذين استضعفهم فِرْعَون؟ المرادُ هنا كل الذين استضعَفَهم فِرْعَونُ.

1 / 14

Тафсир Аль-Усаймин: Истории | Усуль