Табакат нахвиййин ва лугавиййин
طبقات النحويين واللغويين
Редактор
محمد أبو الفضل إبراهيم
Издатель
دار المعارف
Издание
الثانية
ذخائر العرب
٥٠
طبقات النحويين
واللغويين
لأبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي
تحقيق
محمد أبو الفضل إبراهيم
الطبعة الثانية
دار المعارف
مقدمة المحقق
1 / 1
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
قال أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي -رحمة الله عليه-:
الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلَقه وبدأ خلقَ الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، وفضَّله على سائر الحيوان، بما آتاه من حاسة العقل وبيان اللسان، ثم جبل كل أمة من الأمم على لغة أنطقهم بها، ويسرهم لها، وجعل اللسان العربيَّ أعذب الألسنة مخرجًا، وأعدلها منهجًا، وأوضحها بيانًا، وأوسعها افتنانًا، وجعل الإعراب حَلْيًا للسان، وزمامًا وفصلًا لما اختُلف فيه من معانيه.
ولم تزل العرب تنطق على سجيَّتها في صدر إسلامها وماضي جاهليتها؛ حتى أظهر الله الإسلام على سائر الأديان، فدخل الناس فيه أفواجًا، وأقبلوا إليه أرسالًا، واجتمعت فيه الألسنة المتفرقة، واللغات المختلفة، ففشا الفساد في اللغة والعربية، واستبان منه في الإعراب الذي هو حَلْيها، والموضِّح لمعانيها؛ فتفطَّن لذلك مَن نافر بطباعه سوء أفهام الناطقين من دخلاء الأمم بغير المتعارَف من كلام العرب، فعظم الإشفاق من فُشُوِّ ذلك وغلَبته؛ حتى دعاهم الحذرُ من ذهاب لغتهم وفساد كلامهم، إلى أن سبَّبوا الأسباب في تقييدها لمن ضاعت عليه، وتثقيفها لمن زاغت عنه.
فكان أولَ مَن أصَّل ذلك وأعمل فكره فيه، أبو الأسود ظالم بن عمرو الدُّؤليُّ، ونصر بن عاصم، وعبد الرحمن بن هُرْمز. فوضعوا للنحو أبوابًا، وأصَّلوا له أصولًا؛ فذكروا عوامل الرَّفْع والنصب والخفض والجزم، ووضعوا باب الفاعل
1 / 11
والمفعول والتعجب والمضاف. وكان لأبي الأسود في ذلك فضل السبق وشرف التقدم. ثم وصل ما أصَّلوه من ذلك التَّالون لهم، والآخذون عنهم؛ فكان لكل واحد منهم من الفضل بحسب ما بسط من القول، ومدَّ من القياس، وفتَق من المعاني، وأوضح من الدلائل، وبيَّن من العلل.
ولم تزل الأئمة من الصحابة الراشدين ومَن تلاهم من التابعين، يحضُّون على تعلُّم العربية وحفظها، والرعاية لمعانيها؛ إذ هي من الدين بالمكان المعلوم، فبها أنزل الله كتابه المهيمن على سائر كتبه، وبها بلَّغ رسولُه ﵇ وظائفَ طاعته، وشرائع أمره ونهيه.
وكذلك كانوا يحضُّون على رواية الشعر الذي هو حكمة العرب في جاهليَّتها وإسلامها، وديوانها الذي أقامته مقام الكتاب لما تقدَّم من مآثرها وأيامها، فكانوا يتناشدونه في مجالسهم، ويتذاكرونه عند محافلهم.
ومصداق ذلك ما حدثنا به قاسمُ بن أَصْبَغَ، قال: حدثنا عبد الله بن رَوْحٍ قال: قال المدائنيُّ: حدثنا شَبَابةُ بن سَوَّارٍ قال: حدثنا شعبةُ، عن عاصمٍ، عن أبي عثمان النَّهديِّ؛ سمعته يقول: إن كتاب عمر بن الخطاب أتاهم وهم بأَذْرَبِيجان يأمرهم بأشياء، وذكر فيه: (تعلَّموا العربية).
1 / 12
حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا أبو عثمان العناقي، عن الخُشَنيِّ قال: حدثنا الرِّياشيُّ، حدثنا أبو مَعْمَر، عن عبد الوارث التَّنُّوريِّ، عن أبي مسلم قال: قال عمر بن الخطاب: (تعلَّموا العربية؛ فإنها تُشبِّب العقل، وتزيد في المروءة).
ورُوي عن عمر أيضًا أنه قال: (تعلموا الفرائض والسنة واللحن، كما تتعلمون القرآن).
ويُروى عن أبانَ بن عثمان أنه قال: اللحن في الرجل السَّريِّ، كالتغيير في الثوب الجديد.
وقال مالك بن أنس: الإعراب حَلْي اللسان؛ فلا تمنعوا ألسنتكم حَلْيَها.
وقال ابن شُبْرمة: إن الرجل ليلحن وعليه الخز الأدكن، فكأن عليه أخلاقا؛ ويعرب وعليه أخلاق، فكأن عليه الخز الأدكن.
1 / 13
وحدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني أخي، عن سليمان، عن محمد بن أبي عتيق، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن مَرْوان بن الحكم أخبره: أن عبد الرحمن بن الأسود أخبره: أن أُبيَّ بن كعب أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً".
حدثنا سعيد بن فَحْلونٍ أبو عثمان قال: حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن
1 / 14
ابنُ عبيدٍ البصريُّ بالقيروان، قال: سألت النضر بن طاهر -راوية مالك عندنا بالبصرة- فقلتُ له: حدثكم عبد الله بن وهب، عن أبي الزِّناد؟ فقال: يابن أخي، ما تحتاج إلى ابن وهب! حدثنا ابن أبي الزناد، عن هشام بن عُرْوة، عن عائشة، أن النبي ﷺ بنى لحسان بن ثابت منبرًا في المسجد ينشد عليه الشعر. وحدثناه أبو بكر القرشي، عن أبي عبد الرحمن النسائي، في إسنادٍ ذكره.
حدثنا قاسمٌ قال: حدثنا ابن أبي خيثمة قال: حدثنا أبو نُعَيم قال: حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيِّب قال: بينما حسان بن ثابت ينشد الشعر في مسجد
1 / 15
رسول الله ﷺ، فجاء عمر فقال: يا حسان، تنشد الشعر في مسجد رسول الله ﷺ! فقال: أنشدتُ فيه وفيه مَن هو خيرٌ منك.
وجدتُ بخطِّ أبي ﵀: حدثنا العباس بن موسى المكِّيُّ بالمسجد الحرام، قال: حدثنا علي بن حرب قال: حدثنا ابن فُضَيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ بمتماوتين ولا متحزقين؛ كانوا يتجالسون في مجالسهم، ويتناشدون الأشعار، ويتذاكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد واحد منهم عن شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون.
حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا الأعناقيُّ قال: حدثنا الخُشَني قال: حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا الأصمعي، عن أبي الزِّناد قال: قيل لسعيد بن المسيب: إن أناسًا يكرهون إنشاد الشعر. فقال: نَسَكُوا نُسُكًا أعجميًّا.
وحدثنا قال: حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا مَرْوان الفَخَّار قال: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفرٍ ويحيى قالا:
1 / 16
حدثنا شُعبةُ قال: سمعت قَتَادة يحدث عن مُطرِّف بن الشِّخِّير قال: صحبت عمران بن الحُصَين من الكوفة إلى البَصْرة، فما أتى علينا يومٌ إلا أنشدَنا فيه شعرًا.
قال محمد: وإنَّ أمير المؤمنين الحَكَم المستنصر بالله ﵁ لما اختصه الله به، ومنحه الفضيلة فيه؛ من العناية بضروب العلوم، والإحاطة بصنوف الفنون، أمرني بتأليف كتاب يشتمل على ذكر من سلف مَن النحويين واللغويين في صدر الإسلام، ثم مَن تلاهم مِن بعدُ إلى هَلُمَّ جَرًّا، إلى زماننا هذا، وأن أُطبِّقهم على أزمانهم وبلادهم؛ بحسب مذاهبهم في العلم ومراتبهم، وأذكر مع ذلك موالدهم وأسنانهم ومدد أعمارهم وتاريخ وفاتهم على قدر الإمكان في ذلك، وبحسب الإدراك له، وأجلُب جملة من نتف أخبارهم، وتاريخ وفاتهم، والحكايات المتضمنة لفضائلهم، المشتملة على محاسنهم؛ ليكون ذلك شكرًا لجميل سعيهم، وحميد مقامهم؛ إذ كان ذلك من حقِّهم على مَن أَدَّوْا إليه علمَهم، وأعملوا في صلاحه جُهْدهم. وكان في تقييد أخبارهم، وتخليد مآثرهم، ما يُبقِي لهم لسانَ الصدق الذي هو بدل البقاء والخُلْد؛ وقد قال ﷿ حكاية عن إبراهيم ﷺ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.
ثم قال الأول:
فَأَثنُوا علينا لا أبا لأَبيكمُ ... بإحساننا إنَّ الثَّناءَ هو الخلدُ
1 / 17
وإن كان قد جرى فيما جلبْناه حكايات يسيرة، فيما نُسِب إلى بعضِهم من مذهب نُيِزَ به، أو خُلُقٍ عيب عليه.
قال محمد: فألَّفتُ هذا الكتاب على الوجه الذي أمرني به أمير المؤمنين أعزه الله، وأقمته على الشكل الذي حده، وأمدني -أبقاه الله- في ذلك بعنايته وعلمه، وأوسعني من روايته وحفظه، إذ هو البحر الذي لا تُعبَر أواذيه، ولا تُدرَك سواحله، ولا يُنزَح غَمْره، ولا تنضِب مادَّته.
ونسأل الله بألطف الوسائل الزاكية لديه أن يُوزِعنا -معشر أهل العلم والنظر خاصة، وجماعة المسلمين عامة- شكر ما أنعم به علينا، وأعظم فيه المنَّة لدينا، من بركة أيامه، وسعد خلافته، ويمن دولته التي هي نظام الدنيا والدين، وعصمة الإسلام والمسلمين، وحياة العلم وشرف أهله، وزينة الأدب ونفاق سوقه، وأن يطيل فيها عمره، ويزيد نصره؛ ويظهر فَلْجَه، ويزيده من أفضل عوائده عنده؛ إنه سميع قريب.
وصلى الله على محمد خاتم النبيين خاصة، وعلى جماعة النبيين والمرسلين عامة.
* * *
قال محمد: نبدأ بذكر النحويين على طبقاتهم، واللغويين بعدهم، ونُقدِّم البصريين من كلتا الطبقتين؛ لتقدمهم في علم العربية، وسبقهم إلى التاليف فيها.
1 / 18
النحويون البصريون
1 / 19