Древние арабы. Очерки истории
دراسات في تاريخ العرب القديم
Издатель
دار المعرفة الجامعية
Издание
الثانية مزيدة ومنقحة
Жанры
•General History
Регионы
Египет
مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وآله.
تقديم
لعل من الأمور الغريبة أن المؤرخين الإسلامين قد انصرفوا عن التاريخ العربي القديم، إلا أن يكون مقدمات لتواريخهم المفصلة الدقيقة للعصور الإسلامية، وحتى هذه المقدمات لم تكن مفصلة ولا دقيقة، وربما كان السبب في ذلك أنهم لم يعتمدوا فيما كتبوه على سند مدون، أو مأخوذ من نص مكتوب، وإنما كان عمادهم في ذلك أفواه الرجال، وهو أمر لا يمكن الاطمئنان إليه، ذلك أن رواة الأخبار، حتى وإن كانوا بعيدين عن الميول والأهواء، وحتى إن كانوا من أصحاب الملكات التي وهبت القدرة على التمييز بين الغث والسمين، فإن للذاكرة آمادًا ليست بقادرة على تجاوزها.
ومن ثم فإن المتصفح لما كتبه كبار المؤرخين الإسلامين -كالطبري والمسعودي والبلاذري والدينوري، وابن الأثير وابن خلدون وغيرهم- ليعجب للدقة والتحري الصحيح الذي عالجوا به تاريخ الإسلام، في معظم الأحايين، بقدر ما يأسف على الإهمال والخلط، الذي صحب كتاباتهم عن عصور ما قبل الإسلام١.
وهكذا كانت المبالغات -إن لم نقل الخرافات- التي أدخلها أهل الأغراض، أو الطامعون ممن دخل الإسلام من يهود أو نصارى، وبخاصة أولئك الذين كانت لهم ثقافة يهودية واسعة، وفي نفس الوقت كانوا يتمتعون بمكانة مرموقة، ومركز ملحوظ بين المسلمين، لأنهم -كما يقول ابن إسحاق- "أهل العلم الأول"، ومن ثم فقد كان العرب يستفتونهم في بعض ما غمض عليهم، فيفتونهم بما تعودوه
١ انظر: محمد مبروك نافع: تاريخ العرب -عصر ما قبل الإسلام- القاهرة ١٩٥٢ ص٥-٦، وكذا D.S Margoliouth، Lectures On Arabic Historians، Calcutta، ١٩٣٠ وكذا J. Sauvaget، Historiens Arabes، Paris، ١٩٤٦
1 / 3
في كتبهم من المبالغة في ضخامة الأجسام وطول الأعمار، وكانت التوراة -والتلمود من بعدها- تشتمل على كثير مما جاء في القرآن الكريم من وقائع وأحداث تتصل بالمصطفين الأخيار، من أنبياء الله الكرام، ولكن بإسهاب وتفصيل، قد يغري في كثير من الأحوال عواطف العامة، أكثر مما يرضي عقول العلماء١.
وهكذا بدأت الأساطير اليهودية تنتشر بين الناس، ويصدقها ضعاف المؤرخين، فالقرآن الكريم -على سبيل المثال- لما ذكر عادًا، فإنه قال ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ٢، فأدخل المفسرون والمؤرخون في شرح هاتين الآيتين الكريمتين مبالغات، رواها كعب الأحبار ووهب بن منية، وغيرهما.
ومن ثم فقد وصل إلينا من أخبارها أن رجالها كانوا طوالا كالنخل، لم يكن للطبيعة تأثير على أبدانهم لغلظتها ومتانتها، وأن عادًا إنما تزوج من ألف امرأة، كما رأى كذلك البطن العاشر من أعقابه، وكان الملك من بعده في الأكبر من ولده -وهو شديد- الذي حكم ٨٥٠ سنة، ثم جاء من بعده أخوه "شداد"، حيث حكم ٩٥٠ سنة، سيطر فيها على كل ممالك العالم٣، وبنى مدينة ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ .
١ مقدمة ابن خلدون ص٤٣٩-٤٤٠ تفسير الطبري ٦/ ٩ - ١٠، ١٧/ ١٠، ٢٧/ ٣١، تفسير ابن كثير ٣/ ١٠٢، معجم الأدباء ١٨/ ٨.
٢ سورة الفجر: آية ٦-٧، وانظر: تفسير الطبري ٣٠/ ١٧٥-١٧٨ "طبعة الحلبي، القاهرة ١٩٥٤"، تفسير الفخر الرازي ٣١/ ١٦٦-١٦٩، تفسير القرطبي ٢٠/ ٤٤-٤٧ "دار الكتب المصرية، القاهرة ١٩٥٠"، تفسير البيضاوي ٢/ ٥٥٧ "طبعة الحلبي، القاهرة ١٩٦٨".
٣ المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، بيروت ١٩٧٣، ٢/ ١٢-١٣، جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي، القاهرة ١٩٢٢، ٣/ ٦٥، ثم قارن: المقدسي: كتاب البدء والتأريخ، ٣/ ٣٧، تفسير روح المعاني ٣٠/ ١٢٣، تفسير الطبري ٣٠/ ١٧٦، تفسير القرطبي ٢٠/ ٤٤-٤٦.
٤ عن مدينة إرم ذات العماد: انظر: كتابنا "دراسات في التاريخ القرآني"، تاريخ ابن خلدون ٢/ ١٩-٢٠، دائرة المعارف الإسلامية ٣/ ١٥-١٦، ياقوت ١/ ١٥٥-١٥٧، مروج الذهب ٢/ ١٣، ٤١٠-٤١١، تفسير الفخر الرازي ٣١/ ١٦٧، تفسير القرطبي ٢٠/ ٤٦-٤٧، تفسير روح المعاني ٣٠/ ١٢٣، البكري ١/ ١٤٠، ٢/ ٤٠٨-٤٠٩، طبقات ابن سعد ١/ ١٩، محمود أبو ريه: أضواء على السنة المحمدية ص١٥٨-١٥٩ جرجي زيدان: العرب قبل الإسلام ص٦٤-٦٦، الهمداني: صفة جزيرة العرب ص٨٠، الإكليل ٨/ ٣٣، عصر ما قبل الإسلام ص٣٤-٣٥، وكذا El، I، P.١٢١. وكذا Basor، ٧٣، ١٩٣٩، P.١٣
1 / 4
ثم زاد الأمر صعوبة بالنسبة للمؤرخين الإسلامين في تدوين تاريخهم، أن الخط العربي لم يكن في أول أمره منقوطًا، وأن أول من فعل ذلك، إنما كان "أبو الأسود الدؤلي"؛ بإرشاد من الإمام علي -كرم الله وجهه، ورَضِيَ اللَّهُ عَنْه وأرضاه- أو نصر بن عاصم بمشورة من الحجاج الثقفي١، والأمر كذلك بالنسبة إلى الكتابة النبطية التي يرجح أن الخط العربي مشتق منها، ومتطور عنها٢، إذ كانت هي الأخرى لا تعرف النقط والإعجام٣، وقد أدى ذلك كله إلى التباس غير قليل في قراءة الأسماء٤.
على أن التفسير التقليدي لإهمال التاريخ العربي القديم وعدم تدوينه، هو أن الإسلام قد اتجه إلى استئصال كل ما يمت إلى الوثنية في بلاد العرب بصلة، اعتمادًا على
١ عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص٦٨، ٧٣، أبو أحمد العسكري: شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف، القاهرة ١٩٦٣ ص١٣، القفطي: إنباء الرواة على أنباء النحاة، القاهرة ١٩٥٠ ١/ ٤-٥، ٣/ ٣٤٣-٣٤٤، أبو عمرو الداني: المحكم في نقط المصاحف، دمشق ١٩٦٠ ص٣-٤، ثم قارن: حفي ناصف: حياة اللغة العربية، القاهرة ١٩٥٨ ص٦٧-٧٠، حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ١/ ٤٦٧، حيث إن هناك اتجاهًا إلى أن النقط والإعجام لم يكونا بدعًا في العصر الأموي، والظاهر أنهما موضوعان مع الحروف، وأن هناك بردية ترجع إلى عام ٢٢هـ "أيام الفاروق ﵁ وأرضاه" مكتوبة باللغتين العربية والونانية، وأن بعض حروفها منقوط معجم، فضلا عن نقش وجد في الطائف، ويرجع إلى عام ٥٨هـ "أي إلى أيام معاوية بن أبي سفيان" وأكثر حروفه التي تحتاج إلى نقط منقوطة معجمة "انظر: تاريخ القرآن ص٧١-٧٢، مصادر الشعر الجاهلي ص٤٠".
٢ عن تطور الخط العربي عن الخط النبطي، انظر: مقالنا: "العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة" مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية، الرياض ١٩٧٦ ص٣١٥، فيليب حتى: تاريخ العرب، الجزء الأول ص١٨-١٩، جرجي زيدان: العرب قبل الإسلام ص٨١، عباس العقاد: إبراهيم أبو الأنبياء ص١٣٦-١٣٧، عبد الرحمن الأنصاري: لمحات عن القبائل البائدة في الجزيرة العربية ص٨٩، ناصر النقشبندي، منشأ الخط العربي وتطوره لغاية عهد الخلفاء الراشدين، مجلة سومر، ١٩٤٧ ص١٢٩: وكذا
M. Sprenling، The Alphabet، Its Rise And Development From The Sinai Inscri - Ptions، Chicago، ١٩٣١، P.٥٢ وكذا Eb، I، P، ٦٨٤ وكذا Nabia Abbot، The Rise Of The North Arabic Script.، P.٢
ثم قارن: عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص٦١-٦٣، ديتلف نلسن: التاريخ العربي القديم ص٤٠-٤١.
٣ خليل يحيى نامي: أصل الخط العربي وتاريخ تطوره إلى ما قبل الإسلام، مجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة، المجلد الأول، مايو ١٩٣٥، ص٨٧.
٤ انظر أمثلة في: جرجي زيدان: العرب قبل الإسلام ص١٦.
1 / 5
الحديث الشريف: " الإسلام يهدم ما قبله "، ومن ثم فقد انصرف العلماء عن الدراسات المتصلة بالجاهلية، مما أدى آخر الأمر إلى ضياع الكثير من أخبارها، وبالتالي نسيانها، وإلى ابتداء التاريخ عند المسلمين بعام الفيل١.
وإني لأظن -وليس كل الظن إثمًا- أن أصحاب هذا الرأي قد جانبهم الصواب إلى حد كبير، فالحديث الشريف إنما كان ردًّا على أسئلة بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- عما ارتكبوه في جاهليتهم، مما لا يتفق وشرائع الإسلام، أو بالأحرى كان ردًّا على "عمرو بن العاص"، حين اشترط قبل مبايعته سيدنا ومولانا رسول الله ﵌ أن يغفر له، فقال الحبيب المصطفى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ: " أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله" ٢.
وهكذا يبدو بوضوح -لا لبس فيه ولا غموض- أنه ليست هناك صلة بين الحديث الشريف، الذي يدعو إلى أن "الإسلام يهدم ما كان قبله"، وبين إهمال التاريخ العربي القديم، بصورة لم يهمل بها أي تاريخ آخر، من تواريخ الأمم، التي كتب لها أن تعتنق الإسلام، وتؤمن بالقرآن، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
ثم إذا كان أصحاب هذا الرأي على صواب فيما يقولون، فمن أين إذن جاء "ابن الكلبي" بمادة كتابه "الأصنام" بل كيف يتفق ذلك، والقرآن الكريم قد تعرض لحياة العرب في جاهليتهم، من نواحيها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، فالقرآن الكريم يتعرض لذكر بعض المعبودات الوثنية، حيث يقول ﷾: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ٣، وحين يقول: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ
١ جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ١/ ١٠٨-١١١، مرجليوث: دراسات عن المؤرخين العرب ص٥٣، فؤاد حسنين: التاريخ العربي القديم ص٢٤٦-٢٤٧.
٢ صحيح مسلم ١/ ٧٨ "باب كون الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الهجرة والحج".
٣ سورة نوح: آية ٢٣ وانظر: تفسير الطبري ٢٩/ ٦٩-٧٣، تفسير الطبري ٢٩/ ٩٨-١٠٠، تفسير ابن كثير ٧/ ١٢٦-١٢٨. تفسير أبي السعود ٥/ ١٩٨، في ظلال القرآن ٢٩/ ٣٧١٦، تفسير القرطبي ١٨/ ٣٠٧-٣١٠، تفسير الكشاف ٤/ ١٦٤-١٦٥، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٦/ ٢٦٩-٢٦٠.
1 / 6
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ١، ويقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ٢، هذا فضلا عن أن القرآن الكريم إنما يشير إلى أن ملكة سبأ وقومها، إنما كانوا ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ ٣.
هذا إلى جانب ذكر القرآن لحياة العرب في الجاهلية ومثلهم، وما كانوا يقومون به -ولو شرًّا باطلا- فضلا عما في كتب التفسير والحديث والسير والأخبار، من أوصاف لبعض أصنام الجاهلية وهيآتها وشكل محجاتها وأوقات الحج إليها٤، ثم ألم يتعرض الإسلام إلى عرف العرب وتقاليدهم في الجاهلية، فأقرَّ بعضًا، وأنكر بعضًا، وعدل بعضًا٥.
ثم ألم يكن للصديق ﵁ وَأَرْضَاهُ- علمٌ بأنساب كل قبيلة، ومحامد السابقين منها ومسالبهم، ولا سيما قريش ومن جاورها، ولهذا كانوا يقولون كلما سمعوا أبياتًا من الشعراء المسلمين يردون بها الهجاء على المشركين "هذا تلقين ابن أبي قحافة"، لأنه كان في هذا العلم بين قريش عامة بغير نظير.
ثم ألم يكن الفاروق ﵁ وَأَرْضَاهُ- من العالمين بالشعر، والحافظين له، البصيرين به، ثم أليس عمرُ هو القائل "عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا، قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم٦".
١ سورة فصلت: آية ٣٧، وانظر: تفسير روح المعاني ٢/ ١٢٥-١٢٦، تفسير النسفي ٤/ ٣٣-٣٤، تفسير ابن كثير ٦/ ١٧٨-١٧٩، تفسير أبي السعود ٤/ ٢٨٢، تفسير القرطبي ١٥/ ٣٦٣-٣٦٥، الكشاف ٣/ ٤٥٤، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٥/ ٢٩٥-٢٩٦، تفسير البيضاوي ٢/ ٣٤٩، تفسير الطبري ٢٤/ ٢٣-٢٦، تفسير الطبري ٢٤/ ١٢١، في ظلال القرآن ٢٣/ ٣٠٠٤-٣٠١٢.
٢ سورة النجم: آية ١٩-٢٢ وانظر: تفسير البيضاوي ٢/ ٤٣٠، تفسير الطبري ٢٧/ ٥٨-٦٢، تفسير الطبري ٢٧/ ٤٤-٥١، تفسير روح المعاني ٢٧/ ٥٤-٥٨.
٣ انظر القصة كاملة في سورة النمل: آية ٢٠-٤٤، تفسير الطبري ٢٩/ ١٤٣-١٧٠، تفسير القرطبي ١٣/ ١٧٦-٢١٣، الكشاف ٣/ ١٤٣-١٥١، تفسير روح المعاني ١٩/ ١٨٢-٢١٠، تفسير الطبرسي ١٩/ ٢٠٨-٢٣٠، تفسير ابن كثير ٣/ ٣٦٠-٣٦٦، في ظلال القرآن ١٩/ ٢٦٣١-٢٦٤٣، تفسير أبي السعود ٤/ ١٢٧-١٣٤، تاريخ الطبري ١/ ٤٨٩-٤٩٥، ابن الأثير ١/ ٢٣٤-٢٣٨، ابن كثير ٢/ ١٨-٤٢.
٤ جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ١/ ١١٤.
٥ أحمد أمين: فجر الإسلام ص٢٢٧ "بيروت ١٩٦٩".
٦ العقد الفريد ٦/ ٩٣، الأغاني ٨/ ١٩٩، ابن قتيبة: الشعر والشعراء ١/ ٩٣، ناصر الدين الأسد: مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية ص١٥٢.
1 / 7
ثم ألم يحدثنا عكرمة عن ابن عباس ﵁ أنه ما فسر آية إلا نزع فيها بيتًا من الشعر، وأنه كان حريصًا على الشعر الجاهلي، وأنه كان يحث الناس على تعلمه وطلبه لتفسير القرآن الكريم، وأنه كان يقول: "إذا سألتم عن شيء من غريب القرآن، فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب"١.
وهكذا يمكننا القول أن الإسلام لو تعمد طمس الجاهلية، والقضاء على معالمها، لما أشار القرآن الكريم إليها، ولتحرج المسلمون من الإشارة إليها كذلك.
ثم إن الأمر -فيما يبدو لي- لو كان بسبب الإسلام، لما اقتصر على بلاد العرب، وإنما كان يجب أن يتعداه إلى البلاد الإسلامية جمعاء -إلى مصر وسورية والعراق وغيرها- ولرأينا في هذه الحالة طمسًا لتاريخ مصر على أيام الفراعين، ولتاريخ العراق على أيام السومريين والأكديين والآشوريين والبابليين، والأمر كذلك بالنسبة إلى تاريخ الأموريين والكنعانيين والفينيقيين والآراميين وغيرهم في سورية، ولكن الواقع غير ذلك تمامًا، فتاريخ مصر -على سبيل المثال- أوضح من تاريخ العرب بكثير.
إذن، لابد وأن تكون هناك أسباب أخرى، لطمس هذا التاريخ العربي القديم، والرأي عندي أن السبب إنما يكمن أولًا في الجاهليين أنفسهم، لقد كان القوم -في معظمهم- أميين، لا يكتبون على الأقل في العصور القريبة من الإسلام، حتى أننا لا نجد في مكة عشية ظهور الإسلام، إلا بضعة عشر نفرًا يقرءون ويكتبون، حددهم "البلاذري" بسبعة عشر، فضلا عن فئة قليلة من الأوس، إلى جانب قلة نادرة من النساء، منهن "الشفاء بنت عبد الله البدرية" -من رهط عمر بن الخطاب وهي التي علمت أم المؤمنين حفصة بنت عمر الكتابة٢.
وأخيرًا فإليك الحديث الشريف: "إنا أمة أمية لا تكتب ولا تحسب٣".
١ السيوطي: المزهر في علوم اللغة ٢/ ٣٠٢، ناصر الدين الأسد: المرجع السابق ص١٥٢-١٥٣.
٢ البلاذري: فتوح البلدان ٣/ ٥٨٠-٥٨٣، العقد الفريد ٣/ ٢٤٢، الجاحظ: الحيوان ٢/ ٧١، ناصر الدين الأسد: المرجع السابق ص٤٥-٤٦ عبد العزيز سالم: دراسات في تاريخ القرآن ص٤٥-٥٣، ص٦٦-٧٦.
٣ صحيح البخاري ٤/ ١٠٨-١٠٩ "كتاب الصوم، باب ١٣"، ورواه كذلك مسلم وأبو داود والنسائي، كما في الجامع الصغير للسيوطي رقم ٢٥٢١، وانظر: تفسير الطبري ٢/ ٢٥٧-٢٥٩، تفسير روح المعاني ٩/ ٧٩.
1 / 8
وهكذا كانت الأمية هي الصفة الغالبة على العرب عشية ظهور الإسلام، حتى وإن كان الحديث الشريف -كما أراد البعض أن يفسره- لا ينفي الكتابة والحساب نفيًا شاملا، لأنه جاء في حديث الصيام ورؤية الهلال، وهو في نصه الكامل: "إنا أمة لا تكتب ولا تحسب الشهر هكذا وهكذا"، وإنما ينفي الحديث الشريف أن تكون الكتابة وأن يكون الحساب نظامًا عامًا متبعًا في كل الشئون، كما كان ذلك عند بعض الأمم الأخرى ذات التقاويم الفلكية١.
وهناك سبب آخر، وأعني به تلك الآفة الخبيثة التي ابتليت بها أمة العرب في كل أمصارها ذات التاريخ المجيد -في مصر وسورية والعراق، وفي بلاد العرب نفسها- تلك الآفة هي هدم المباني القديمة، واستخدام أنقاضها في مبان جديدة، بل ليت الأمر اقتصر على ذلك، وإنما تعداه إلى تحطيم كثير من الآثار، والعبث بعدد وافر من المقابر، بحثًا عن كنوز قد يجدها هؤلاء العابثون هنا وهناك، أو سرقة لعدد من التحف الأثرية ثم بيعها لمن يطلبها بثمن بخس دراهم معدودة في أغلب الأحايين، ولكنها في كل الحالات ثروة تاريخية لا تقدر بثمن، أيا كان هذا الثمن.
وهناك سبب ثالث، ذلك أن الجاهليين -خاصة في وسط بلاد العرب، في الحجاز ونجد- لم يكونوا يدونون تاريخهم بل كانوا يتذاكرون أيامهم وأحداثهم وما يقع لهم، وليس من المنطق أن نطالب الذاكرة أن تعي كل التاريخ وكل الشعر، أجيالا بعد أجيال، دون تدوين أو تسجيل، ومن ثم فعندما أتى العصر الأموي "٤١-١٣٢هـ = ٦٦١-٧٥٠م"، وبدأ القوم في التسجيل، كان التاريخ العربي القديم قد اختلطت فيه القصص بالأساطير، وهذه بحقائق التاريخ، وبات من الصعب على القوم أن يفرقوا بين رواية صادقة، وأخرى كذوب، مما أدى آخر الأمر، إلى أن تخلوا كتاباتهم -إلى حد كبير- من الصفة التاريخية، وتبعد -كما يقول ابن خلدون- عن الحس والمنظور التاريخيين، اللذين يعتمدان على النقد والتحليل والنظر والتحقيق٢.
١ ناصر الدين الأسد: المرجع السابق ص٤٦، إبراهيم أنيس: دلالة الألفاظ، القاهرة ١٩٥٨ ص١٨٣-١٨٨، عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن ص٥٣، ثم قارن: مدخل إلى القرآن الكريم ص١٣٩-١٤٠.
٢ مقدمة ابن خلدون ص٢٠٩، عبد المنعم ماجد: مقدمة لدراسة التاريخ الإسلامي ص٣٢، هاملتون جب: دراسات في حضارة الإسلام ص١٤٤، جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: بيروت ١٩٦٨، ١/ ١١٦.
1 / 9
وكان رابع الأسباب يكمن في اليهودية -والنصرانية من بعدها- ذلك أن أصحاب هاتين الديانتين، قد عملوا على نشرهما في بلاد العرب، ومن ثم فقد بذلت يهود -بادئ ذي بدء- الجهد، كل الجهد، في نشر قصص التوراة، -وبخاصة ما يتصل منها بالملك سليمان- ثم جاء الإسلام، واعترف بسليمان ﵇ نبيًّا من رب العالمين، ثم سرعان ما ربطت يهود بين هذا، وبين ما جاء في القرآن الكريم بشأن قصة سليمان مع ملكة سبأ، وأخذت تذيع كل ما في التوراة -وما في غير التوراة- من قصص عن سليمان وملكه، وتأثر المؤرخون الإسلاميون بذلك وظهر ما عرف بالإسرائيليات، حيث أخذوا ينسبون إلى سليمان -وهو هنا سليمان النبي، أكثر منه سليمان الملك- كل مدينة لا يعرفون صاحبها، بل إنهم بالغوا في ذلك إلى درجة أنهم كانوا -كما يقول بعض الأخباريين- ينسبون كل مستظرف من البناء إلى سليمان، وأنهم كانوا إذا رأوا بناءً عجيبًا جهلوا بانيه، أضافوه إلى سليمان، وربما إلى الجن كذلك١.
ومضى حين من الدهر، وظهرت المسيحية في بلاد العرب، ومن ثم فقد بدأت تنافس اليهودية في نشر نفوذها الديني والثقافي في بلاد العرب، وتعاون أصحاب الديانتين -بقصد أو بغير قصد- على طمس معالم التاريخ العربي القديم، وبدأ القوم يعرضون عن ثقافتهم القديمة -وفي جملتها خط المسند- مما أدى آخر الأمر، إلى انقطاع القوم عن ثقافتهم العربية -والجنوبية بالذات٢-.
ومرت الأيام، وجاء جيل من المؤرخين الإسلاميين، لا يكاد الواحد منهم يقرأ كلمة بخط المسند، أو يفقه جملة بالثمودية أو المعينية، فضلا عن السبئية والحضرمية، وغيرها من الكتابات العربية، وبقي الأمر كذلك، حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، فاتجهت أنظار الباحثين الغربيين إلى ارتياد النقوش، بصفتها المصدر الحقيقي الذي يمكن الاعتماد عليه في التعرف على لغات العرب القدامى، من سبئيين ومعينيين، وديدانيين ولحيانيين وثموديين وصفويين وغيرهم.
وأخيرًا فإن سيادة النظام القبلي في بقية شبه الجزيرة العربية، إنما أدى بطبيعة الحال إلى عدم وجود تاريخ مكتوب، واقتصار القوم على رواة الأخبار، يتحدثون
١ ياقوت ٢/ ١٧. قارن: الدينوري: الأخبار الطوال ص٢٠.
٢ جواد علي ١/ ١٢١-١٢٢.
1 / 10
عن قبيلتهم وعن علاقتها بالقبائل الأخرى، وعن حوادثها وأيامها، فضلا عن رواة الأنساب، لما للنسب من أهمية في المجتمع القبلي، تفوق أهميته في أي مجتمع آخر، وليس من شك في أن تاريخًا من هذا النوع لا يعيش إلا بقدر ما يعيش رواته، ثم هو غالب الأحايين أقربُ إلى القصص والأساطير، منه إلى التاريخ الحقيقي١.
وهكذا يبدو لنا بوضوح أن الإسلام الحنيف، لم يكن هو السبب في إهمال التاريخ العربي القديم، فضلا عن اضطرابه وغموضه، وإنما هناك أسباب أخرى، لا صلة للإسلام بها من قريب أو بعيد، وإن كان للمؤرخين الإسلاميين دون شك، دور فيها، ذلك لأنهم كانوا ينظرون إليه على أساس أنه عصر همجية وإفلاس حضاري، وتدهور أخلاقي، وانحطاط في مجال السياسة والدين، فشوه هؤلاء المؤرخون تاريخ عصر ما قبل الإسلام في قسوة ظاهرة، وربما كان السبب في ذلك هو الرغبة في تمجيد الإسلام ورفع شأنه، ولكنهم أخطئوا الطريق، وأتاحوا للمغرضين من المستشرقين الفرصة في الطعن في الإسلام، واتهامه بما هو براء منه، ناسين أن هذا الدين العظيم، إنما جاء ليحطم البداوة واتجاهاتها الفردية، وليقضي على العصبية المذمومة، وليحل محلها رابطة الدين والعقيدة٢.
وناسين كذلك أن العرب قبل الإسلام كانت لهم حضارة، ربا لا تقل -في بعض النواحي- عن حضارة معاصريهم من الروم والفرس، وأن نزول الوحي على النبي ﷺ باللسان العربي، لما له من قدرة على التعبير عن الرسالة، ثم ظهور الإسلام في مهد العرب، دليل على ما لأهل هذه الجزيرة العربية من قدرة على حمل الرسالة ومتابعة نشرها في الأرجاء٣.
وهنا لعل الذين يكيلون الذم جزافًا للعرب وتاريخهم فيما قبل الإسلام، يتذكرون أن الإسلام في حقيقته ليس دعوة سماوية جاءت للعرب خاصة، وإنما للناس عامة، وأن اختيار العرب لحمل هذه الدعوة العالمية للناس جميعًا لم يكن عبثًا، وإنما كان لأن القوم الذين يحملون الدعوة العالمية، لا بد وأن تتوافر فيهم صفات تناسب هذه المهمة الضخمة في الصبر والتحمل والمخاطرة والشجاعة، واحترام العهود
١ عبد الرحمن الطيب الأنصاري: لمحات عن القبائل البائدة في الجزيرة العربية، ص٩١-٩٢.
٢ محمد مبروك نافع: المرجع السابق ص د.
٣ يحيى الخشاب: من مقدمة كتاب "اللغة العربية في عصور ما قبل الإسلام" ص١٢.
1 / 11
والنجدة والمروءة، وحب الحرية وتعشق الشرف والسؤدد، والتمرن على التنقل وتعود الهجرات وعدم التبرم بحياة التقشف ورقة العيش والتطلع إلى النهوض إذا يسرت سبله، إلى غير ذلك من المؤهلات الخلقية العظيمة١.
والعربي في هذه الناحية كان فارس الحلبة، لا يبارى في هذه الصفات التي تتطلبها الحياة المستقبلة، وتحدثنا الأخبار أن القرشين كانوا -حفاظًا على شرف نسبهم ورفعة حسبهم- يتجنبون ألوان الخساسة في طلب الرزق فكانوا إذا استعصى على أحدهم الارتزاق من طرق شريفة آثر الموت جوعًا على الحياة من طريق خسيسة، وفي هذا المعنى يروي "أبو الحسين أحمد بن فارس" أن أحدهم كان إذا جاع جرى هو وعياله إلى موضع معروف، فضرب عليه وعلى عياله خباء حتى يموتوا، وما زال أمرهم على ذلك، حتى كان "عمرو بن عبد مناف" سيد زمانه، وكان له ابن يقال له أسد، وكان لأسد هذا ترب من بني مخزوم يحبه ويلعب معه، وذات يوم قال له: نحن غدًا نعتفد٢، قال أبو الحسين فدخل أسد على أمه يبكي، وذكر ما قاله تربه من بني مخزوم، فأرسلت أم أسد إلى أولئك بشحم ودقيق عاشوا به أيامًا.
ثم إن ترب أسد أتاه مرة أخرى، فقال له مثل ما كان قد قال، وفعل أسد كما فعل، فاشتد ذلك على "عمرو بن عبد مناف"، فقام خطيبًا في قريش وكان فيهم سيدًا مطاعًا؛ فقال: إنكم أحدثتم حدسًا تقلون فيه وتكثر العرب، وأنتم أهلُ حرم الله جَلَّ وعَزَّ، وأنتم أشرف ولد آدم، والناس لكم تبع، ويكاد هذا الاعتفاد أن يأتي عليكم"؛ فقالوا له: نحن لك تبع، فقال: ابتدئوا بهذا الرجل فأغنوه عن الاعتفاد -يعني أبا ترب أسد- ففعلوا، ثم إنه نحر البدن وذبح الكبائش والمعز، ثم هشم الثريد وأطعم الناس، ومن أجل ذلك، سمي "هاشمًا"٣ وهو جدُّ النبي ﷺ وفيه يقول الشاعر:
١ عطية صقر: الدين العالمي ومنهج الدعوة إليه، القاهرة ١٩٧٠ "مجمع البحوث الإسلامية" ص١٣٥-١٣٦.
٢ الاعتفاد: هو أن يغلق الرجل بابه على نفسه، فلا يسأل أحدًا حتى يموت جوعًا، وليس يعرف الناس صورة تسامي هذه الصورة أو تدانيها في استرخاص الحياة إيثارًا للترفع عن الدنايا من أجل الحرص على الحياة.
٣ انظر: تفسيرات أخرى لهذه التسمية في هذه الدراسة.
1 / 12