Сиаса
رسالة ضمن «مجموع في السياسة»
Редактор
د. فؤاد عبد المنعم أحمد
Издатель
مؤسسة شباب الجامعة
Издание
الأولى
Место издания
الإسكندرية
Регионы
•Казахстан
Империя и Эрас
Саманиды (Трансоксания, Хорасан), 204-395 / 819-1005
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه
الْغَرَض من الرسَالَة
قصدنا فِي هَذَا القَوْل ذكر قوانين سياسة يعم نَفعهَا جَمِيع من استعملها من طَبَقَات النَّاس فِي متصرفاته مَعَ كل طَائِفَة من أهل طبقته وَمن فَوْقه وَمن دونه على سَبِيل الإيجاز والاختصار على أَنه لَا يَخْلُو قَوْلنَا هَذَا من ذكر مَا تخْتَص بِاسْتِعْمَالِهِ طَائِفَة دون طَائِفَة وَوَاحِد دون وَاحِد مِنْهُم فِي وَقت دون وَقت وَمَعَ قوم دون قوم إِذْ الْوَاحِد من النَّاس لَا يُمكنهُ أَن يسْتَعْمل فِي كل وَقت مَعَ كل أحد كل ضرب من ضروب السياسات ونقدم لذَلِك مُقَدمَات مِنْهَا أَن نقُول
مكانة الْإِنْسَان بَين غَيره من النَّاس
إِن كل وَاحِد من النَّاس مَتى مَا رَجَعَ إِلَى نَفسه وَتَأمل أحوالها وأحوال غَيره من أَبنَاء النَّاس وجد نَفسه فِي رُتْبَة يشركهُ فِيهَا طَائِفَة مِنْهُم وَوجد فَوق رتبته طَائِفَة مِنْهُم أَعلَى منزلَة مِنْهُ بِجِهَة أَو بجهات وَوجد دونهَا طَائِفَة هم أوضع مِنْهُ بِجِهَة أَو جِهَات لِأَن الْملك الْأَعْظَم وَأَن وجد نَفسه فِي مَحل لَا يرى لأحد من النَّاس فِي زَمَانه منزلَة أَعلَى من مَنْزِلَته فَإِنَّهُ مَتى تَأمل حَالَة نعما وجد فيهم من يفضل عَلَيْهِ بِنَوْع من الْفَضِيلَة إِذْ لَيْسَ فِي أَجزَاء
1 / 7
الْعَالم مَا هُوَ كَامِل من جَمِيع الْجِهَات وَكَذَلِكَ الوضيع الخامل الذّكر يجد من هُوَ دونه بِنَوْع من الضعة فقد صَحَّ مَا وصفناه
وَينْتَفع الْمَرْء بِاسْتِعْمَال السياسات مَعَ هَؤُلَاءِ الطَّبَقَات الثَّلَاث
أما مَعَ الأرفعين فلينال مرتبتهم
وَأما مَعَ الْأَكفاء فليفضل عَلَيْهِم
وَأما مَعَ الأوضعين فلئلا ينحط إِلَى رتبتهم
تَأمل أَحْوَال النَّاس
ونقول أَيْضا إِن أَنْفَع الْأُمُور الَّتِي يسلكها الْمَرْء فِي استجلاب علم السياسة وَغَيره من الْعُلُوم أَن يتَأَمَّل أَحْوَال النَّاس وأعمالهم ومتصرفاتهم مَا شَهِدَهَا وَمَا غَابَ عَنْهَا مِمَّا سَمعه وتناهى إِلَيْهِ مِنْهَا وَأَن يمعن النّظر فِيهَا ويميز بَين محاسنها ومساوئها وَبَين النافع والضار لَهُم مِنْهَا ثمَّ ليجتهد فِي التَّمَسُّك بمحاسنها لينال من مَنَافِعهَا مثل مَا نالوا وَفِي التَّحَرُّز والاجتناب من مساوئها ليأمن من مضارها وَيسلم من غوائلها مثل مَا سلمُوا
قوتان فِي الْإِنْسَان
ونقول أَيْضا إِن لكل شخص من أشخاص النَّاس قوتين
أَحدهمَا ناطقة
وَالْأُخْرَى بهيمية
وَلكُل وَاحِدَة مِنْهُمَا إِرَادَة وَاخْتِيَار وَهُوَ كالواقف فِيمَا بَينهمَا وَلكُل مِنْهُمَا
1 / 8
نزاع غَالب
فنزاع الْقُوَّة البهيمية نَحْو مصادفة اللَّذَّات العاجلة الشهوانية مثل أَنْوَاع الْغذَاء وأنواع الاستفراغات وأنواع الاستراحات
ونزاع الْقُوَّة النطقية نَحْو الْأُمُور المحمودة العواقب مثل أَنْوَاع الْعُلُوم وأنواع الْأَفْعَال الَّتِي تَجِد العواقب المحمودة
فَأول مَا ينشأ الْإِنْسَان فِي حيّز الْبَهَائِم إِلَى أَن يتَوَلَّد فِيهِ الْعقل أَولا فأولا وتقوى فِيهِ الْقُوَّة الناطقة فالقوة البهيمية إِذن أغلب عَلَيْهِ وكل مَا كَانَ أقوى وأغلب فالحاجة إِلَى إخماده وتوهينه وَأخذ الأهبة والاستعداد لَهُ أَشد وألزم
فَوَاجِب على كل من يروم نيل الْفَاضِل أَن لَا يتغافل عَن تيقيظ نَفسه فِي كل وَقت وتحريضها على مَا هُوَ أصلح لَهُ وَأَن لَا يهملها سَاعَة فَإِنَّهُ مَتى مَا أهملها وَهِي حَيَّة والحي متحرك لَا بُد من أَن تتحرك نَحْو الطّرف الآخر الَّذِي هُوَ البهيمي وَإِذا تحركت نَحوه تشبثت بِبَعْض مِنْهُ حَتَّى إِذا أَرَادَ ردهَا عَمَّا تحركت إِلَيْهِ لحقه من النصب أَضْعَاف مَا كَانَ يلْحقهُ لَو لم يهملها ويعطل وقته الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَن يحصل فِيهِ فَضِيلَة لاشتغاله بالاحتيال لردها عَمَّا تحركت نَحوه وفاتته تِلْكَ الْفَضِيلَة
الْمَرْء بَين حَالين
ونقول أَيْضا إِن الْمَرْء لَا يَخْلُو فِي جَمِيع تَصَرُّفَاته من أَن يلقى أمرا مَحْمُودًا أَو أمرا مذموما وَله فِي كل وَاحِد من الْأَمريْنِ فَائِدَة إِن استفادها ويجد
1 / 9
فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا نفعا يُمكنهُ جذبه إِلَى نَفسه ويصادف فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا مَوضِع رياضة لنَفسِهِ وَهُوَ إِنَّه يحتال للتمسك بذلك الْأَمر الْمَحْمُود الَّذِي يلقاه إِن وجد السَّبِيل إِلَى التَّمَسُّك بِهِ أَو يتشبه بالتمسك بِهِ بِقدر طاقته إِن أعوزه ذَلِك أَو يحسن ذَلِك الْأَمر عِنْد نَفسه وينبهها على فضيلته وَيُوجب عَلَيْهَا التَّمَسُّك بِهِ مَتى مَا وجد الفرصة لذَلِك وَهُوَ لَا شكّ وَاجِد السَّبِيل إِلَى هَذِه الثَّلَاث
وَإِذا تلقها الْأَمر المذموم فليجتهد فِي التَّحَرُّز مِنْهُ والاجتناب عَنهُ وَإِن لم يجد إِلَى ذَلِك سَبِيلا وَهُوَ وَاقع فِيهِ فليبالغ فِي نَفْيه عَن نَفسه بغاية مَا أمكنه وَإِن لم يُمكنهُ التبرؤ مِنْهُ فليعزم على نَفسه إِذا تيَسّر لَهُ الْخَلَاص مِنْهُ لَا يعود إِلَى أشباهة وليقبح إِلَى نَفسه دواعي ذَلِك الْأَمر ولينتبهها على الِاعْتِبَار بِمن نالهم مضار مثلهَا فقد ظهر إِن الْمَرْء يُصَادف فِي جَمِيع أَحْوَاله دقها وجلها خَيرهَا وشرها مَوضِع الرياضة لنَفسِهِ
1 / 10
فصل ١ معرفَة الْخَالِق وَمَا يجب لعزته
الله مُنْفَرد بِذَاتِهِ
ونقول أَيْضا إِن أول مَا يَنْبَغِي أَن يَبْتَدِئ بِهِ الْمَرْء هُوَ أَن يعلم إِن لهَذَا الْعَالم وأجزائه صانعا بِأَن يتَأَمَّل الموجودات كلهَا هَل يجد لكل وَاحِد مِنْهَا سَببا وَعلة أم لَا
فَإِنَّهُ يجد عِنْد الاستقراء لكل وَاحِد مِنْهَا سَببا عَنهُ وجد
ثمَّ ينظر إِلَى تِلْكَ الْأَسْبَاب الْقَرِيبَة من الموجودات هَل لَهَا أَسبَاب أَيْضا أم لَيست لَهَا أَسبَاب فَإِنَّهُ يجد لَهَا أَيْضا أسبابا ثمَّ يتَأَمَّل وَينظر هَل الْأَسْبَاب ذَاهِبَة إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ أم هِيَ واقفة عِنْد نِهَايَة بعض الموجودات أَسبَاب للْبَعْض على سبل الدّور فَإِنَّهُ يجد القَوْل بِأَنَّهَا ذَاهِبَة إِلَى غير نِهَايَة محالا ومضطربا لِأَنَّهُ لَا يُحِيط الْعلم بِمَا لَا نِهَايَة لَهُ ويجد القَوْل بِأَن بَعْضهَا سَبَب للْبَعْض على التَّعَاقُب محالا أَيْضا لِأَنَّهُ يلْزم من ذَلِك أَن يكون الشَّيْء سَببا لنَفسِهِ كَمَا أَنه لَو كَانَ الْألف سَببا للباء وَالْبَاء سَببا للجيم وَالْجِيم سَببا للدال لَكَانَ الْألف سَببا لنَفسِهِ وَهَذَا محَال فَبَقيَ أَن تكون الْأَسْبَاب متناهية وَأَقل مَا يتناهى إِلَيْهِ الْكثير هُوَ الْوَاحِد فسبب الْأَسْبَاب مَوْجُود وَهُوَ وَاحِد
وَلَا يجوز أَن يكون ذَات السَّبَب وَذَات الْمُسَبّب وَاحِدًا فسبب أَسبَاب الْعَالم مُنْفَرد بِذَاتِهِ عَمَّا دونه
1 / 11
صِفَات الله
وَلما لم يقدر الْإِنْسَان على معرفَة شَيْء سوى مَا شَاهده بحواسه وفهمه بعقله مِمَّا شَاهده لم يجد بدا من وصف البارئ الَّذِي هُوَ سَبَب الْأَسْبَاب والعبارة عَنهُ بِمَا وجد السَّبِيل إِلَيْهِ من الْأَلْفَاظ والأوصاف
فَلَمَّا أَرَادَ الْعبارَة عَنهُ وَالْوَصْف لَهُ وَعلم انه لَا يلْحقهُ شَيْء من جَمِيع الْأَوْصَاف الَّتِي شَاهدهَا وَعلمهَا لِتَفَرُّدِهِ بِذَاتِهِ وَلِأَنَّهُ منزه عَن كل مَا أحسه وعرفه لم يجد طَرِيقا أحسن من أَن ينظر فِي الموجودات الَّتِي لَدَيْهِ فَإِذا تأملها وجدهَا صنفين فَاضلا وخسيسا وَوجد الْأَلْيَق والأجدر بِسَبَب الْأَسْبَاب الْوَاحِد الْحق أَن يُطلق عَلَيْهِ من كل الصِّنْفَيْنِ أفضلهما
مثل أَنه رأى الْمَوْجُود والمعدوم وَعلم أَن الْمَوْجُود أفضل من الْمَعْدُوم فَأطلق القَوْل عَلَيْهِ وَقَالَ إِنَّه مَوْجُود
وَرَأى الْحَيّ وَغير الْحَيّ وَعلم أَن الْحَيّ أفضل من غير الْحَيّ فَأطلق القَوْل عَلَيْهِ وَقَالَ إِنَّه حَيّ
وَرَأى الْعَلِيم وَغير الْعَلِيم فأضاف إِلَيْهِ الْعلم
وَكَذَلِكَ جَمِيع الْأَوْصَاف
على أَن الْوَاجِب على كل من يصف البارئ بِصفة مَا أَن يخْطر بِبَالِهِ مَعَ تِلْكَ الصّفة أَنه بِذَاتِهِ منزه عَن أَن يشبه تِلْكَ الصّفة بل هُوَ أفضل وأشرف وَأَعْلَى وَإنَّهُ لَا يتهيأ لأحد إحاطة الْعلم بِهِ كَمَا هُوَ مُسْتَحقّ لَهُ
ثمَّ إِنَّه إِذا علم هَذَا الَّذِي وصفناه فَيَنْبَغِي أَن يتَأَمَّل أَجزَاء الْعَالم كلهَا
1 / 12
فَإِنَّهُ يجد أفضلهَا مَا هُوَ ذُو نفس ويجد أفضل ذوى الْأَنْفس الَّذِي لَهُ الِاخْتِيَار والإرادة وَالْحَرَكَة الَّتِي عَن روية وَأفضل ذوى الْإِرَادَة وَالْحَرَكَة عَن الروية الَّذِي لَهُ التَّمْيِيز والفكر وَالنَّظَر البليغ فِي العواقب وَهُوَ الْإِنْسَان الْفَاضِل وَأَن يعلم مَعَ ذَلِك أَن الطبيعة لَا تفعل شَيْئا بَاطِلا فَكيف مبدع الطبيعة والبارئ تَعَالَى حَيْثُ هُوَ وهب الِاخْتِيَار والفكر والروية المبرية لم يكن يَنْبَغِي أَن يهمل أمرهَا وَكَانَ من الْوَاجِب فِي عدله وصنعه المتقن أَن ينهج لَهَا منهجا يسلكونه
النبوات
وَلما كَانَ ذَلِك وَاجِبا لم يكن يَنْبَغِي أَن يُرْسل إِلَيْهَا من لَيْسَ من طبعها لأَنهم لم يَكُونُوا يقدرُونَ على الِاسْتِفْهَام مِمَّن هُوَ من غير طبعهم فَظَاهر أَن فِي النَّاس وَفِي عُقُولهمْ وقوى نفسهم تفاضلا بَيْننَا حَتَّى أَن الْوَاحِد مِنْهُم يفوق بالفن الْوَاحِد جَمِيع ذوى جنسه ويعجز البَاقِينَ عَنهُ فممكن إِذن أَن يكون من النَّاس من يقوى على أَن يُوحى إِلَى قلبه بِمَا يعجز ذَوُو جنسه عَن مثله حَتَّى يقوم ذَلِك الْوَاحِد بتبليغ مَا يلقى إِلَيْهِ وَيقدر بِتِلْكَ الْقُوَّة وَذَلِكَ الإفهام على تشريع الْأَحْكَام ونهج السبل الداعية إِلَى صَلَاح الْخلق
التميز والاتباع
ثمَّ يَنْبَغِي أَن تعلم إِنَّه إِذا ظهر مثل هَذَا الْوَجْه وَتبين أمره فَالْوَاجِب على كل ذِي تَمْيِيز اتِّبَاعه وَأَن تعلم إِن لكل وَاحِد من النَّاس تمييزا وَمَعْرِفَة فَمَتَى عرف الأفهام الْكَثِيرَة والآراء الْمُخْتَلفَة مجتمعة على كلمة وَاحِدَة وَلم يجد مَا هُوَ أظهر مِنْهُ وأكشف وَأقوى فَليتبعْ الْكثير
1 / 13
فَإِن الْحق مَعَهم والسلامة أبدا مَعَ الْكثير
وَيَنْبَغِي أَن لَا تغره الْوَاقِعَات فِي الندرة وَفِي الآراء المزخرفة فَإِن أَكْثَرهَا أباطيل إِذا تأملنا نعما
الْجَزَاء
ثمَّ يَنْبَغِي أَن يعلم إِن الْمُكَافَأَة وَاجِبَة فِي الطبيعة وَإِنَّهَا إِنَّمَا تجب فِي الْأَعْمَال المقرونة بِالنِّيَّاتِ
وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْمَرْء لَا يجازى على مَا يعمله فِي نَومه وَلَا على مَا لبس من إِرَادَته واختياره مثل سعاله وعطاسه وحياته وَمَوته وتنفسه واغتذائه واستفراغه وَإِن كَانَ فِيهَا بعض الْإِرَادَة
وَلَا يجازى أَيْضا على نياته الْمُجَرَّدَة
وَأول مَا يَنْبَغِي أَن يسْتَدلّ بِهِ الْمَرْء على وجوب الْمُكَافَأَة هُوَ أَنه مَتى مَا أعتقد مَا تقدم ذكره من معرفَة البارئ ووحدانيته وتنزهه عَن صِفَات المخلوقين وَمَعْرِفَة رَسُوله فِي أَي زمَان كَانَ وانتهج النهج الْمُسْتَقيم وجد فِي صَدره سَعَة وَفِي أَحْوَاله استقامة وَعَن الأشرار سَلامَة وَعند الِاخْتِيَار خطْوَة وَفِي معاشه سدادا مِقْدَار مَا يَفْعَله وينويه مِنْهُ
وَإِذا تَيَقّن ذَلِك فَيَنْبَغِي أَن يقدم على سياسة الْأَحْوَال بقلب قوي وَنِيَّة صَادِقَة وَصدر وَاسع وثقة بِأَن مَا يَأْتِيهِ من ذَلِك وَإِن قل يجدي عَلَيْهِ نفعا يجل
1 / 14
فصل ٢ مَا يَنْبَغِي أَن يَسْتَعْمِلهُ الْمَرْء مَعَ رؤسائه
نبدأ بتعهد الرؤساء لما سنصفه فَنَقُول
إِن الْمَرْء مَعَ من هُوَ فَوْقه من الرؤساء لَا يَخْلُو من أَن يكون متصديا لخدمته أَو يكون بَينه وَبَين من هُوَ فَوْقه حَال يلقاه فِي بعض الْأَوْقَات أَو يكون بالبعد لَا يلقاه إِلَّا بِالذكر
الِاجْتِهَاد فِيمَا فوض إِلَيْهِ
فَوَاجِب على الْمَرْء أَن يسْتَعْمل مَعَ من هُوَ متصد لخدمته مَا نقُوله
وَهُوَ أَن يكون ملازما لما هُوَ بصدده مواظبا على مَا فوض إِلَيْهِ ويجتهد أَن يكون نصب عينه إِذا ذكره وَلَا يخْشَى الملال وخصوصا من الْمُلُوك لِأَن مَوضِع الملال إِنَّمَا يكون عِنْد كَثْرَة غشيان النَّاس الْمَوَاضِع الَّتِي لَيْسَ لَهُم فِيهَا عمل
بَيَان محَاسِن الرئيس
وَأَن يكون مازجا لَهُ مقرظا لجَمِيع مَا يَأْتِيهِ الرئيس من دق أَو جلّ مُجْتَهدا فِي طلب وُجُوه حسان لكل مَا يَفْعَله ويقوله وَهُوَ وَاجِد ذَلِك إِذْ لَيْسَ شَيْء من الْأُمُور فِي الْعَالم إِلَّا وَله وَجْهَان أَحدهمَا جميل وَالْآخر قَبِيح
1 / 15
فليطلب لكل أَمر من أُمُوره وَجها جميلا يعرفهُ إِلَيْهِ ويتكلف بِذكرِهِ بِحَضْرَتِهِ وغيبته
بَيَان وَجه الصّلاح للرئيس بالحيلة
وَإِن كَانَ الْمَرْء مِمَّن فوض إِلَيْهِ تَدْبِير ذَلِك الرئيس مثل أَن يكون وزيرا أَو مُشِيرا أَو معلما وَلَا بُد من تعريفة وَجه الصّلاح فِي الْأَعْمَال فَليعلم أَن الرئيس كالسيل المنحدر من الربوة إِن أَرَادَ الْمَرْء أَن يصرفهُ إِلَى نَاحيَة من النواحي وواجهه أهلك نَفسه وأتى عَلَيْهِ السَّيْل فأغرقه
وَإِن سعي مَعَه وعَلى جانبيه وتلطف ليصرفه إِلَى النَّاحِيَة الَّتِي يريدها بِأَن يطْرَح فِي بعض جوانبه مِقْدَارًا من السدد ويطرق لَهُ من الْجَانِب الآخر لَا ينشب أَن يصرفهُ إِلَى حَيْثُ شَاءَ
ويبغي لَهُ أَيْضا أَن يسْتَعْمل مَعَ الرئيس فِي صرف وَجهه عَمَّا يُرِيد صرفه من أَمر يُرِيد أَن يجرى مَعَه فِي مَا هُوَ جَار نَحوه وَلَا يواجهه بِأَمْر وَلَا نهي بل يرِيه وَجه الصّلاح فِي خلاف مَا يَأْتِيهِ ويقبح عِنْده فِي الْوَقْت بعد الْوَقْت على سَبِيل الحكايات عَن غَيره والحيل اللطيفة بعض مَا يعرض بِمَا هُوَ فِيهِ فَإِنَّهُ إِذا اسْتعْمل مَعَه هَذِه الطَّرِيقَة لَا يلبث أَن يعود الْحَال بمراده
حفظ أسرار الرئيس وأحواله الظَّاهِرَة
وَأَن يكون كَاتِما لأسراره وَالْحِيلَة فِي ذَلِك أَن يكتم جَمِيع أَحْوَاله الظَّاهِرَة بِمَا يقدر عَلَيْهِ فَإِن كَانَ كَاتِما للأحوال الظَّاهِرَة فَهُوَ بالحرى أَن لَا يعثر على إفشاء سر بَاطِن وَلَا يُؤمن على السِّرّ المكتوم أَن يظْهر بِبَعْض الْأَحْوَال الظَّاهِرَة لِأَن الْأُمُور وَالْأَحْوَال مُتَّصِلَة مُتَعَلقَة بَعْضهَا بِبَعْض
1 / 16