Шарх Усул Иктикад
اعتقاد أهل السنة
[مقدمة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رَبِّ يَسِّرْ وَلَا تُعَسِّرْ
حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّهَاوِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّلَفِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَكَرِيَّا الطُّرَيْثِيثِيُّ بِبَغْدَادَ حَدَّثَكُمُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَنْصُورٍ الطَّبَرِيُّ الْحَافِظُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ الْحَقَّ وَأَوْضَحَهُ، وَكَشَفَ عَنْ سَبِيلِهِ وَبَيَّنَهُ، وَهَدَى مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ إِلَى طَرِيقِهِ، وَشَرَحَ بِهِ صَدْرَهُ، وَأَنْجَاهُ مِنَ الضَّلَالَةِ حِينَ أَشْفَا عَلَيْهَا، فَحَفِظَهُ وَعَصَمَهُ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي دِينِهِ، فَأَنْقَذَهُ مِنْ مَهَاوِي الْهَلَكَةِ، وَأَقَامَهُ عَلَى سُنَنِ الْهُدَى وَثَبَّتَهُ، وَآتَاهُ الْيَقِينَ فِي اتِّبَاعِ رَسُولِهِ وَصَحَابَتِهِ وَوَفَّقَهُ، وَحَرَسَ قَلْبَهُ مِنْ وَسَاوِسِ الْبِدْعَةِ وَأَيَّدَهُ،
1 / 5
وَأَضَلَّ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ وَبَعَّدَهُ، وَجَعَلَ عَلَى قَلْبِهِ غِشَاوَةً، وَأَهْمَلَهُ فِي غَمْرَتِهِ سَاهِيًا، وَفِي ضَلَالَتِهِ لَاهِيًا، وَنَزَعَ مِنْ صَدْرِهِ الْإِيمَانَ، وَابْتَزَّ مِنْهُ الْإِسْلَامَ، وَتَيَّهَهُ فِي أَوْدِيَةِ الْحَيْرَةِ، وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ؛ لِيَبْلُغَ الْكِتَابُ فِيهِ أَجَلَهُ، وَيَتَحَقَّقَ الْقَوْلُ عَلَيْهِ بِمَا سَبَقَ مِنْ عِلْمِهِ فِيهِ مِنْ قَبْلِ خَلْقِهِ لَهُ وَتَكْوِينِهِ إِيَّاهُ؛ لِيَعْلَمَ عِبَادُهُ أَنَّ إِلَيْهِ الدَّفْعَ وَالْمَنْعَ، وَبِيَدِهِ الضُّرَّ وَالنَّفْعَ، مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ لَهُ فِيهِ، وَلَا حَاجَةٍ بِهِ إِلَيْهِ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، إِذْ لَمْ يُطْلِعْ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، وَلَا جَعَلَ السَّبِيلَ إِلَى عِلْمِهِ فِي خَلْقِهِ أَبَدًا، لَا الْمُحْسِنُ اسْتَحَقَّ الْجَزَاءَ مِنْهُ بِوَسِيلَةٍ سَبَقَتْ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَلَا الْكَافِرُ كَانَ لَهُ جُرْمٌ أَوْ جَرِيرَةٌ حِينَ قَضَى وَقَدَّرَ النَّارَ عَلَيْهِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ لِإِحْدَى الْمَنْزِلَتَيْنِ أَلْهَمَهُ إِيَّاهَا، وَجَعَلَ مَوَارِدَهُ وَمَصَادِرَهُ نَحْوَهَا، وَمُتَقَلَّبَهُ وَمُتَصَرَّفَاتِهِ فِيهَا، وَكَدَّهُ وَجَهْدَهُ وَنَصَبَهُ عَلَيْهَا؛ لِيَتَحَقَّقَ وَعْدُهُ الْمَحْتُومُ، وَكِتَابُهُ الْمَخْتُومُ، وَغَيْبُهُ الْمَكْتُومُ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] مِنْ رَبِّهِمْ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .
وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ، الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُنْشِئُ وَيُقِيتُ وَيُبْدِئُ وَيُعِيدُ، شَهَادَةَ مُقِرٍّ بِعُبُودِيَّتِهِ، وَمُذْعِنٍ بِأُلُوهِيَّتِهِ، وَمُتَبَرِّئٍ عَنِ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إِلَّا بِهِ،
1 / 6
وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ عَامَّةً؛ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ.
[أَوْجَبُ مَا عَلَى الْمَرْءِ]
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَوْجَبَ مَا عَلَى الْمَرْءِ مَعْرِفَةُ اعْتِقَادِ الدِّينِ، وَمَا كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ مِنْ فَهْمِ تَوْحِيدِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ بِالدَّلَائِلِ وَالْيَقِينِ، وَالتَّوَصُّلِ إِلَى طُرُقِهَا وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهَا بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ.
وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَقُولٍ، وَأَوْضَحِ حُجَّةٍ وَمَعْقُولٍ:
كِتَابُ اللَّهِ الْحَقُّ الْمُبِينُ.
ثُمَّ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَصَحَابَتِهِ الْأَخْيَارِ الْمُتَّقِينَ.
ثُمَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ.
ثُمَّ التَّمَسُّكُ بِمَجْمُوعِهَا وَالْمُقَامُ عَلَيْهَا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
ثُمَّ الِاجْتِنَابُ عَنِ الْبِدَعِ وَالِاسْتِمَاعِ إِلَيْهَا مِمَّا أَحْدَثَهَا الْمُضِلُّونَ.
[مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ]
فَهَذِهِ الْوَصَايَا الْمَوْرُوثَةُ الْمَتْبُوعَةُ، وَالْآثَارُ الْمَحْفُوظَةُ الْمَنْقُولَةُ، وَطَرَايِقُ الْحَقِّ الْمَسْلُوكَةُ، وَالدَّلَائِلُ اللَّايِحَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَالْحُجَجُ الْبَاهِرَةُ الْمَنْصُورَةُ الَّتِي عَمِلَتْ عَلَيْهَا: الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ. وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ خَاصَّةِ النَّاسِ وَعَامَّتِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاعْتَقَدُوهَا حُجَّةً فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
1 / 7
ثُمَّ مَنِ اقْتَدَى بِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ، وَاقْتَفَى آثَارَهُمْ مِنَ الْمُتَّبِعِينَ، وَاجْتَهَدَ فِي سُلُوكِ سَبِيلِ الْمُتَّقِينَ، وَكَانَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.
[نَجَاةُ الْمُتَّبِعِينَ وَهَلَاكُ الْمُعْرِضِينَ]
فَمَنْ أَخَذَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَحَجَّةِ، وَدَاوَمَ بِهَذِهِ الْحُجَجِ عَلَى مِنْهَاجِ الشَّرِيعَةِ؛ أَمِنَ فِي دِينِهِ التَّبِعَةَ فِي الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، وَتَمَسَّكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا، وَاتَّقَى بِالْجُنَّةِ الَّتِي يُتَّقَى بِمِثْلِهَا؛ لِيَتَحَصَّنَ بِجِملتِهَا، وَيَسْتَعْجِلَ بَرَكَتَهَا، وَيَحْمَدَ عَاقِبَتَهَا فِي الْمَعَادِ وَالْمَآبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا وَابْتَغَى الْحَقَّ فِي غَيْرِهَا مِمَّا يَهْوَاهُ، أَوْ يَرُومُ سِوَاهَا مِمَّا تَعَدَّاهُ؛ أَخْطَأَ فِي اخْتِيَارِ بُغْيَتِهِ وَأَغْوَاهُ، وَسَلَكَهُ سَبِيلَ الضَّلَالَةِ، وَأَرَدْاهُ فِي مَهَاوِي الْهَلَكَةِ فِيمَا يَعْتَرِضُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ بِضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَدَفْعِهِمَا بِأَنْوَاعِ الْمِحَالِ وَالْحَيْدَةِ عَنْهُمَا بِالْقِيلِ وَالْقَالِ، مِمَّا لَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ بِهِ مِنْ سُلْطَانٍ، وَلَا عَرَفَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ وَاللِّسَانِ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ عَاقِلٍ بِمَا يَقْتَضِيهِ مِنْ بُرْهَانٍ، وَلَا انْشَرَحَ لَهُ صَدْرُ مُوَحِّدٍ عَنْ فِكْرٍ أَوْ عِيَانٍ، فَقَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ، وَأَحَاطَ بِهِ الْخِذْلَانُ، وَأَغْوَاهُ بِعِصْيَانِ
1 / 8
الرَّحْمَنِ، حَتَّى كَابَرَ نَفْسَهُ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ.
[نَتَائِجُ تَحْكِيمِ الْعَقْلِ فِي أُمُورِ الشَّرِيعَةِ]
فَهُوَ دَائِبُ الْفِكْرِ فِي تَدْبِيرِ مَمْلَكَةِ اللَّهِ بِعَقْلِهِ الْمَغْلُوبِ، وَفَهْمِهِ الْمَقْلُوبِ، بِتَقْبِيحِ الْقَبِيحِ مِنْ حَيْثُ وَهِمَهُ، أَوْ بِتَحْسِينِ الْحَسَنِ بِظَنِّهِ، أَوْ بِانْتِسَابِ الظُّلْمِ وَالسَّفَهِ مِنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ إِلَيْهِ، أَوْ بِتَعْدِيلِهِ تَارَةً كَمَا يَخْطِرُ بِبَالِهِ، أَوْ بِتَجْوِيرِهِ أُخْرَى كَمَا يُوَسْوِسُهُ شَيْطَانُهُ، أَوْ بِتَعْجِيزِهِ عَنْ خَلْقِ أَفْعَالِ عِبَادِهِ، أَوْ بِأَنْ يُوجِبَ حُقُوقًا لِعَبِيدِهِ عَلَيْهِ قَدْ أَلْزَمَهُ إِيَّاهُ بِحُكْمِهِ لِجَهْلِهِ بِعَظِيمِ قَدْرِهِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا تَلْزَمُهُ الْحُقُوقُ، بَلْ لَهُ الْحُقُوقُ اللَّازِمَةُ وَالْفُرُوضُ الْوَاجِبَةُ عَلَى عَبِيدِهِ، وَأَنَّهُ الْمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِكَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ.
وَلَوْ رَدَّ الْأُمُورَ إِلَيْهِ وَرَأَى تَقْدِيرَهَا مِنْهُ وَجَعَلَ لَهُ الْمَشِيئَةَ فِي مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ خَالِقًا غَيْرَهُ مَعَهُ، وَأَذْعَنَ لَهُ؛ كَانَ قَدْ سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ وَالِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ.
1 / 9
فَهُوَ رَاكِضٌ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ - رَسُولِهِ ﷺ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِمَا، أَوْ مُخَاصِمًا بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ فِيهِمَا، أَوْ مُسَلِّطًا رَأْيَهُ عَلَى مَا لَا يُوَافِقُ مَذْهَبَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْمُخْتَرَعَةِ الرَّكِيكَةِ، حَتَّى يَتَّفِقَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَهَيْهَاتَ أَنْ يَتَّفِقَ.
وَلَوْ أَخَذَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَلَكَ مَسْلَكَ الْمُتَّبِعِينَ، لَبَنَى مَذْهَبَهُ عَلَيْهِمَا وَاقْتَدَى بِهِمَا، وَلَكِنَّهُ مَصْدُودٌ عَنِ الْخَيْرِ مَصْرُوفٌ. فَهَذِهِ حَالَتُهُ إِذَا نَشِطَ لِلْمُحَاوَرَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
فَأَمَّا إِذَا رَجَعَ إِلَى أَصْلِهِ وَمَا بَنَى بِدْعَتَهُ عَلَيْهِ، اعْتَرَضَ عَلَيْهِمَا بِالْجُحُودِ وَالْإِنْكِارِ، وَضَرَبَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْصَارٍ، وَاسْتَقْبَلَ أَصْلَهُمَا بِبُهْتِ الْجَدَلِ وَالنَّظَرِ مِنْ غَيْرِ افْتِكَارٍ، وَأَخَذَ فِي الْهَزْوِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ، اسْتِهْزَاءً بِآيَاتِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، وَاجْتِرَاءً عَلَى دِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسُنَّتِهِ، وَقَابَلَهُمَا بِرَأْيِ النَّظَّامِ وَالْعَلَّافِ
1 / 10
وَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ الَّذِينَ هُمْ قَلَدَةُ دِينِهِ.
[جَهْلُ الْمُعْتَزِلَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]
(جَهْلُ الْمُعْتَزِلَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) قَوْمٌ لَمْ يَتَدَيَّنُوا بِمَعْرِفَةِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي تِلَاوَةٍ أَوْ دِرَايَةٍ، وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي مَعْنَى آيَةٍ فَفَسَّرُوهَا أَوْ تَأَوَّلُوهَا عَلَى مَعْنَى اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفَ مِنْ صَالِحِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ إِلَّا عَلَى مَا أَحْدَثُوا مِنْ آرَائِهِمُ الْحَدِيثَةِ، وَلَا اغْبَرَّتْ أَقْدَامُهُمْ فِي طَلَبِ سُنَّةٍ، أَوْ عَرَفُوا مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ مَسْأَلَةً.
فَيَعُدُّ رَأْيَ هَؤُلَاءِ حِكْمَةً وَعِلْمًا وَحُجَجًا وَبَرَاهِينَ، وَيَعُدُّ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ حَشْوًا وَتَقْلِيدًا، وَحَمَلَتُهَا
1 / 11
جُهَّالًا وَبُلْهًا - ذَلِكَ - ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَتَحَكُّمًا وَطُغْيَانًا.
ثُمَّ تَكْفِيرُهُ للْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ، إِذْ لَا حُجَّةَ عِنْدَهُمْ بِتَكْفِيرِ الْأُمَّةِ إِلَّا مُخَالَفَتُهُمْ قَوْلَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ خَطَؤُهُمْ فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَإِنَّمَا وَجْهُ خَطَئِهِمْ عِنْدَهُمْ إِعْرَاضُهُمْ عَمَّا نَصَبُوا مِنْ آرَائِهِمْ لِنُصْرَةِ جَدَلِهِمْ، وَتَرْكِ اتِّبَاعِهِمْ لِمَقَالَتِهِمْ، وَاسْتِحْسَانِهِمْ لِمَذَاهِبِهِمْ، فَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٨] .
[مَوْقِفُ الْمُعْتَزِلَةِ مِنَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ]
(مَوْقِفُ الْمُعْتَزِلَةِ مِنَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ) ثُمَّ مَا قَذَفُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّقْلِيدِ وَالْحَشْوِ.
وَلَوْ كُشِفَ لَهُمْ عَنْ حَقِيقَةِ مَذَاهِبِهِمْ كَانَتْ أُصُولُهُمُ الْمُظْلِمَةُ، وَآرَاؤُهُمُ الْمُحْدَثَةُ، وَأَقَاوِيلُهُمُ الْمُنْكَرَةُ، كَانَتْ بِالتَّقْلِيدِ أَلْيَقَ، وَبِمَا انْتَحَلُوهَا مِنَ الْحَشْوِ أَخْلَقَ، إِذْ لَا إِسْنَادَ لَهُ فِي تَمَذْهُبِهِ إِلَى شَرْعٍ سَابِقٍ، وَلَا اسْتِنَادَ لِمَا يَزْعُمُهُ إِلَى قَوْلِ سَلَفِ الْأُمَّةِ بِاتِّفَاقِ مُخَالِفٍ أَوْ مُوَافِقٍ.
إِذْ فَخْرُهُ عَلَى مُخَالِفِيهِ بِحِذْقِهِ، وَاسْتِخْرَاجُ مَذَاهِبِهِ بِعَقْلِهِ وَفِكْرِهِ مِنَ الدَّقَائِقِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى بِدْعَتِهِ إِلَّا مُنَافِقٌ مَارِقٌ أَوْ مُعَانِدٌ لِلشَّرِيعَةِ مُشَاقِقٌ، فَلَيْسَ بِحَقِيقٍ مَنْ هَذِهِ أُصُولُهُ أَنْ يَعِيبَ عَلَى مَنْ تَقَلَّدَ كِتَابَ اللَّهِ
1 / 12
وَسُنَّةَ رَسُولِهِ، وَاقْتَدَى بِهِمَا، وَأَذْعَنَ لَهُمَا، وَاسْتَسْلَمَ لِأَحْكَامِهِمَا، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِمَا بِظَنٍّ أَوْ تَخَرُّصٍ، وَاسْتِحَالَةٍ: أَنْ يَطْعَنَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ أَقْوَمُ، وَإِلَى سُبُلِ الرَّشَادِ أَهْدَى وَأَعْلَمُ، وَبِنُورِ الِاتِّبَاعِ أَسْعَدُ، وَمِنْ ظُلْمَةِ الِابْتِدَاعِ وَتَكَلُّفِ الِاخْتِرَاعِ أَبْعَدُ وَأَسْلَمُ مِنَ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ التَّمَسُّكُ بِكِتَابِ اللَّهِ إِلَّا مُتَأَوِّلًا، وَلَا الِاعْتِصَامُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مُنْكِرًا أَوْ مُتَعَجِّبًا، وَلَا الِانْتِسَابُ إِلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ إِلَّا مُتَمَسْخِرًا مُسْتَهْزِيًا، لَا شَيْءَ عِنْدَهُ إِلَّا مَضْغُ الْبَاطِلِ وَالتَّكَذُّبُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ.
وَإِنَّمَا دِينُهُ الضَّجَاجُ وَالْبَقْبَاقُ وَالصِّيَاحُ وَاللَّقْلَاقُ، قَدْ نَبَذَ قِنَاعَ الْحَيَاءِ وَرَاءَهُ، وَأَدْرَعَ سِرْبَالَ السَّفَهِ فَاجْتَابَهُ، وَكَشَفَ بِالْخَلَاعَةِ رَأْسَهُ، وَتَحَمَّلَ أَوْزَارَهُ وَأَوْزَارَ مَنْ أَضَلَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ، فَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢] .
1 / 13
فَهُوَ فِي كَيْدِ الْإِسْلَامِ وَصَدِّ أَهْلِهِ عَنْ سَبِيلِهِ، وَنَبْذِ أَهْلِ الْحَقِّ بِالْأَلْقَابِ أَنَّهُمْ مُجَبِّرَةٌ، وَرَمْيِ أُولِي الْفَضْلِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِقِلَّةِ بَصِيرَةٍ، وَالتَّشْنِيعِ عِنْدَ الْجُهَّالِ بِالْبَاطِلِ، وَالتَّعَدِّي عَلَى الْقُوَّامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَالذَّابِّينَ عَنْ سُنَّتِهِ وَدِينِهِ، فَهُمْ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِحَرْبِ أَوْلِيَائِهِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.
[فَشَلُ الْعَقَائِدِ الْمُبْتَدَعَةِ أَمَامَ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ]
(فَشَلُ الْعَقَائِدِ الْمُبْتَدَعَةِ أَمَامَ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ) ثُمَّ إِنَّهُ مِنْ حِينِ حَدَثَتْ هَذِهِ الْآرَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ فِي الْإِسْلَامِ، وَظَهَرَتْ هَذِهِ الْبِدَعُ مِنْ قَدِيمِ الْأَيَّامِ، وَفَشَتْ فِي خَاصَّةِ النَّاسِ وَالْعَوَامِّ، وَأُشْرِبَتْ قُلُوبُهُمْ حُبَّهَا، حَتَّى خَاصَمُوا فِيهَا بِزَعْمِهِمْ تَدَيُّنًا أَوْ تَحَرُّجًا مِنَ الْآثَارِ، لَمْ تَرَ دَعْوَتَهُمُ انْتَشَرَتْ فِي عَشَرَةٍ مِنْ مَنَابِرِ الْإِسْلَامِ مُتَوَالِيَةٍ، وَلَا أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ كَلِمَتُهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَالِيَةً، أَوْ مَقَالَتُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةً، بَلْ كَانَتْ دَاحِضَةً وَضِيعَةً مَهْجُورَةً، وَكَلِمَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ ظَاهِرَةٌ، وَمَذَاهِبُهُمْ كَالشَّمْسِ نَائِرَةٌ، وَنُصُبُ الْحَقِّ زَاهِرَةٌ، وَأَعْلَامُهَا بِالنَّصْرِ مَشْهُورَةٌ، وَأَعْدَاؤُهَا بِالْقَمْعِ مَقْهُورَةٌ، يُنْطَقُ بِمَفَاخِرِهَا عَلَى أَعْوَادِ الْمَنَابِرِ، وَتُدَوَّنُ مَنَاقِبُهَا فِي الْكُتُبِ وَالدَّفَاتِرِ، وَتُسْتَفْتَحُ بِهَا الْخُطَبُ وَتُخْتَمُ، وَيُفْصَلُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَيُحْكَمُ، وَتُعْقَدُ عَلَيْهَا الْمَجَالِسُ وَتُبْرَمُ، وَتَظْهَرُ عَلَى الْكَرَاسِيِّ وَتُدَرَّسُ وَتُعَلَّمُ. وَمَقَالَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ لَمْ تَظْهَرْ إِلَّا بِسُلْطَانٍ قَاهِرٍ، أَوْ بِشَيْطَانٍ مُعَانِدٍ فَاجِرٍ، يُضِلُّ النَّاسَ خَفِيًّا بِبِدْعَتِهِ، أَوْ
1 / 14