655

Шарх Талвих

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

قوله: "واعلم أن الشيء الذي لا يوجد له محرم, ولا مبيح" إشارة إلى مسألة حكم الأفعال قبل ورود الشرع. فإن قلت: ما لا يوجد له محرم, ولا مبيح قد يكون واجبا, أو مندوبا, أو مكروها. قلت: المراد بالمبيح ما يقابل المحرم, فإن الإباحة قد تطلق على عدم المنع عن الفعل سواء كان بطريق الوجوب أو الندب أو الكراهة فكأنه قال: الشيء الذي لم يوجد له دليل المنع, ولا دليل عدمه أي لم يعلم تعلق حكم شرعي به بناء على عدم ورود الشرع; لأن هذه المسألة إنما هي لبيان حكم الأفعال قبل البعثة, فإن كان اضطراريا كالتنفس ونحوه, فهو ليس بممنوع إلا عند من جوز تكليف المحال وإن كان اختياريا كأكل الفواكه فحكمه الإباحة عند بعض المعتزلة وبعض الفقهاء من الحنفية والشافعية رحمهم الله والحرمة عند المعتزلة البغدادية وبعض الشيعة والتوقف عند الأشعري والصيرفي. ومحل الخلاف هي الأفعال الاختيارية التي لا يقضي العقل فيها بحسن, ولا قبح, وأما التي يقضي فيها العقل فهي عندهم تنقسم إلى الواجب والمندوب والمحظور والمكروه والمباح; لأنه لو اشتمل أحد طرفيه على مفسدة, فأما فعله فحرام, أو تركه فواجب, وإن لم يشتمل عليها, فإن اشتمل على مصلحة, فأما فعله فمندوب, أو تركه فمكروه, وإن لم يشتمل على المصلحة أيضا فمباح, وهذه المسألة تورد في أصول الشافعية والأشاعرة على التنزل إلى مذهب المعتزلة في أن للعقل حكما بالحسن والقبح وإلا فالفعل قبل البعثة لا يوصف عندهم بشيء من الأحكام.

إذا تقرر هذا فيقال: على المبيح إن أردت بالإباحة أن لا حرج في الفعل والترك, فلا نزاع, وإن أردت خطاب الشارع في الأزل بذلك فليس بمعلوم بل ليس بمستقيم; لأن الكلام فيما لا حكم فيه للعقل بحسن, ولا قبح في حكم الشارع. فإن استدل بأن الله تعالى خلق العبد وما ينتفع فالحكمة تقتضي إباحته له تحصيلا لمقصود خلقهما وإلا لكان عبثا خاليا عن الحكمة, وهو نقض فجوابه المعارضة بأنه ملك الغير فيحرم التصرف فيه والحل بأنه ربما خلقهما ليشتهيه فتصير عنه فيثاب عليه, ولا يلزم من عدم الإباحة عبث ويقال: على المحرم إن أردت حكم الشارع بالحرمة في الأزل فغير معلوم إذ التقدير أنه لا محرم, ولا مبيح بل غير مستقيم; لأن المفروض أنه لم يدرك بالعقل حسنه, ولا قبحه في حكم الشارع, وإن أردت العقاب على الانتفاع فباطل لقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}, فإنه يدل على نفي التعذيب على ما صدر قبل البعثة. فإن قلت: الحكم بالحظر والعقاب على الانتفاع متلازمان فكيف جزم ببطلان الثاني دون الأول. قلت: الحكم بالحظر لا يستلزم العقاب لجواز العفو, وقد يقال: على المحرم إن عدم الحرمة معلوم قطعا, فإن من ملك بحرا لا ينزف, وهو في غاية الجود وأخذ مملوكه قطرة من ذلك البحر لا يدرك بالعقل تحريمها, فإن استدل بأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه فتحرم أجيب بأن حرمة التصرف في ملك الغير بغير إذنه عقلا ممنوعة, فإنها تبتنى على السمع, ولو سلم فذلك فيمن يلحقه ضرر ما بالتصرف في ملكه والمالك فيما نحن فيه منزه عن الضرر.

فإن قيل: إذا كان الخلاف فيما لم يدرك بالعقل حسنه, ولا قبحه على ما ذكرتم فكيف يصح القول بحرمته, أو إباحته. قلت: المراد بالإباحة جواز الانتفاع خاليا عن أمارة المفسدة وبالحرمة عدمه, وهذا لا ينافي عدم إدراك العقل فيه بخصوصه صفة محسنة, أو مقبحة, وأما التوقف, فقد فسر تارة بعدم الحكم وتارة بعدم العلم بالحكم أما بمعنى نفي التصديق بثبوت الحكم أي لا يدرك أن هناك حكما أم لا, وأما بمعنى نفي تصور الحكم على التعيين مع التصديق بثبوت حكم في الجملة أي لا يدرك أن الحكم حظر أو إباحة, وهذا هو المختار عند المصنف رحمه الله تعالى.

Страница 227