بحوث ومقالات في اللغة والأدب وتقويم النصوص (مقالات محمد أجمل الإصلاحي)
بحوث ومقالات في اللغة والأدب وتقويم النصوص (مقالات محمد أجمل الإصلاحي)
Издатель
دار الغرب الإسلامي
Издание
الأولى
Год публикации
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.
Место издания
بيروت
بسم الله الرحمن الرحيم
بين يدي الكتاب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد، فهذه طائفة من البحوث والمقالات ألقيت في ندوات علمية أو نشرت في بعض المجلات والملحقات التراثية. وقد اقترح عليّ قبل سنوات شيخنا الحاج الحبيب اللمسي صاحب دار الغرب الإسلامي أن أجمعها في كتاب ليتيسر الاستفادة منها.
وذلك لأن الموضوعات التي تنشر في المجلات والدورات تختفي بعد مدة من الزمن عن أنظار الباحثين، فيصعب البحث عنها والرجوع إليها على الذين قد عاصروا صدورها واطلعوا عليها، فضلًا عن ناشئة الدارسين الذين لم يدركوها فغاب عنهم أمرها البتة.
ثمّ إذا كانت الكتابة عبارة عن جمع وتلخيص وإعادة ترتيب، فخطبها هيّن، ولا يضير الدارس عدم وقوفه عليها، ولكن الضير كل الضير في اختفاء البحوث والمقالات التي تضيف شيئًا جديدًا إلى العلم، بما فيها من فكرة بديعة، أو كشف عن مجهول، أو استدراك فائت، أو تصحيح غلط قديم، أو تقويم نصّ
1 / 5
منآد، أو حلّ مشكلة عويصة، أو فصل خلاف متشعب، وما أشبه ذلك؛ ولا ريب أن بقاء مثل هذه الكتابات مدفونة في بطون المجلات ظلم على طلبه العلم.
وعلى تأييدي لكلام الشيخ وصوابه الظاهر، لم أنشط للعمل على اقتراحه، لأن ما نشرته لا يرقى إلى مستوى الكتابات العالية التي أشار إليها، فلم أزل مترددًا إلى أن زارني يومًا صديق فاضل يحمل رسالته العلمية التي نال عليها شهادة الدكتوراه، وهو يريد تقديمها إلى إحدى دور النشر، فرغب إليّ أن أنظر فيها نظرةً قبل نشرها. فرأيته في بعض فصوله قد خصّ فقرة كاملة بكتاب مطبوع باسم "الموضح في التفسير" لأبي النصر الحدادي. وقد سبق أن نشرت سنة ١٤١٢ هـ مقالًا في ملحق التراث بصحيفة المدينة كشفت فيه عن حقيقة هذا الكتب المزعوم، وبينت أن ناشره وقع على رسالة لمؤلف مجهول جرّد فيها شواهد كتاب "الموضح لعلم القرآن" للحدادي، كما صرّح بذلك في خاتمتها، فأضاف إليها من عنده أسماء السور ونصوص الآيات التي استشهد عليها المؤلف بتلك الآيات، وسماه كما شاء: "الموضح في التفسير"! ولما قصصت ذلك على الباحث الفاضل هاله الأمر، ثم تعجب كيف فاته المقال المذكور مع متابعته لما كان ينشر في ملحق التراث.
وهنالك غيّرت رأيي، وقررت أن أهيئ بضاعتي، وأزجيها - على علاّتها - إلى إخواتي الباحثين والدارسين، لينتفعوا بما فيها من الحق والصواب، وهم أحقّاء بمعرفة سمينها من غثّها ومتينها من رثّها.
وتشتمل هذه المجموعة على أربعة عشر موضوعًا، ولكن معظم صفحاتها قد استأثرت بها قراءات نقدية لكتب من التراث اللغوي والأدبي، توفّر على تحقيقها أساتذة أفاضل. ومنها دراسة مبسوطة دارت حول تحقيق كتاب "إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري في تفسير معاني أبيات الحماسة "للأسود
1 / 6
الغندجاني، من مطبوعات معهد المخطوطات العربية بالكويت، ونشرت سنة ١٤١٠ هـ بعنوان "إصلاح الإصلاح" في ثلاثة أجزاء من مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق. وقد استطالت الدراسة لأنها لم تعقد على نماذج مختارة من المآخذ، بل عنيت بإصلاح الخلل الواقع في الكتاب كلّه، وحلّ جميع مشكلات النصّ التي قد تجاوزها المحقق الفاضل. وقد استغرق بعض المباحث التي انطوت عليها أكثر من ستّ صفحات أو سبع من صفحات المجلة. وقد بلغني فيما بعد أن علاّمة الشام الأستاذ أحمد راتب النفاخ ﵀ كان يثني على هذا النقد، وأنّ لجنة المجلة قد رأت اختصارها، ولكنّ الأستاذ أصرّ على نشره برمّته.
ومن القراءات التراثية أيضًا: قراءة كتاب المجرد لكراع النمل، وشعر ابن وكيع التنّيسي، وكتاب المجموع اللفيفي للقاضي أمين الدولة الأفطسي. وهنا أ؛ ب أن أوضح أني لم أقصد إلى نقد هذه الكتب أو غيرها ابتداء، وإنما أقبلت على قراءتها مستفيدًا مستمتعًا فحسب، وما جاء نقدها إلا اتفاقًا. أضف إلى ذلك أن الكتابة نفسها لا تستهويني، بل كثيرًا ما أجدني أنفر منها نفورًا، وإذا دُفعت إليها فكأنما أحمل نفسي على مركب صعب، وبلأي ما يسلس قيادها. ولكني شفغت بالقراءة، فهي الهمّ والهوى، وغرضي منها الفائدة والمتعة لا غير. بيد أن هذا التراث العظيم الذي آل إلينا أمانة ثقيلة تنوء بالعصبة أولي القوة، ولا يمكن أداؤها على الوجه المطلوب إلا إذا تظاهرت عليه جهود المحقق القدير والناقد البصير، بل يجب على كل قارئ لكتاب من كتب التراث، إذا فتح الله عليه بشيء مما غاب عن ناشره أن ينبهه عليه. وقد عبر عن هذا المعنى أحد شيوخ التحقيق في عصرنا - وهو الأستاذ السيد أحمد صقر ﵀ بكلمة بليغة ينبغي أن تكون دائمًا نصب أعيننا، وقد ختم بها مقدمة تحقيقه لكتاب الموازنة للآمدي، وأسوقها هنا بتمامها لنفاستها وأهميتها. قال لله درّه:
1 / 7
"وإني - على نهجي الذي انتهجت منذ أول كتاب نشرت - أدعو النقاد إلى إظهاري على أوهامي فيها، وتبيين ما دقّ عن فهمي من معانيها، أو ندّ عن نظري من مبانيها؛ وفاء بحق العلم عليهم، وأداء لحق النصيحة فيه، لأبلغ بالكتاب فيما يستأنف من الزمان، أمثل ما أستطيع من الصحة والإتقان. والنشر فن خفي المسالك، عظيم المزالق، جمّ المصاعب، كثير المضايق؛ وشواغل الفكر فيه متواترة، ومتاعب البال وافرة، ومبهضات العقل غامرة، وجهود الفرد في مضمارها قاصرة؛ يؤودها حفظ الصواب في سائر نصوص الكتاب، ويعجزها ضبط شوارد الأخطاء ورجعها جميعا إلى أصلها؛ فيأتي الناقد وهو موفور الجمام فيقصد قصدها، ويسهل عليها قنصها. ومن أجل ذلك قلت - وما أزال أقول -: إنه يجب على كل قارئ للكتب القديمة أن يعاون ناشريها يذكر ما يراه فيها من أخطاء، لتخلص من شوائب التحريف والتصحيف الذي منيت به، وتخرج للناس صحيحة كاملة".
وقد صدرت في نظراتي في كتب التراث عن هذا الأصل الذي ذكره الشيخ، غير أنها نظرات قارئ لا نظرات ناقد كما أسلفت، فإنني في خلال قراءة الكتاب أشير إلى الفوائد التي تمرّ بي، وإذا عنّت لي ملحوظة قيّدتها في حاشيته، وقد تقتضي كثرة المآخذ أو أهميتها أن أنشرها، مشاركةً للمحقق في أداء الأمانة، وشكرًا له على ما استفدت واستمتعت من الجهد الذي بذله في إخراج الكتاب، ونصحًا للدارسين؛ ولكن كثيرًا ما يغلب عليّ طبعي الذي أشرت إليه، فتبقى تعليقاتي زمنًا يطول أو يقصر، حتى يبعث باعث قويّ على إظهارها.
ومن بحوث هذه المجموعة بحث عن كتاب الجماهر في معرفة الجواهر للعالم العبقري المشهور أبي الريحان البيروني. وهو أقدم محتويات الكتاب، فقد تلقيت دعوة من "معهد أبي الكلام آزاد للبحوث" في حيدراباد الدكن
1 / 8
للمشاركة في المهرجان الذي عقده سنة ١٩٧٥ م (١٣٩٥ هـ) بمناسبة مرور ألف سنة على وفاة البيروتي، فأعددت هذا البحث بعنوان "جولة أدبية في كتاب الجماهير لأبي الريحان البيروني"، وأرسلته إلى المعهد، ولم أتمكن من الحضور في المهرجان وكان البحث الوحيد الذي قدّم فيه باللغة العربية. ولم أحفل بنشره حتى قدمت المدينة المنورة سنة ١٤٠٢ هـ، فعرضته على الدكتور شكري فيصل ﵀، فغّير عنوانه إلى "مواقف أدبية ولغوية في كتاب .... " مما أضفى على البحث وقارًا من حيث عنوانه على الأقل، ثمّ بعثت به إلى مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، فنشر فيها. وقد ضممته إلى هذه المجموعة لأنه ينتمي إلى مرحلة عزيزة من العمر، إذ كتبته قبل أن ألتحق بالدراسات العليا في جامعة عليكره. ولا يخلو مع ذلك من فوائد، وأقربها كلمة للبيروني نقلتها من كتابه "الصيدنة"، وهي قوله: "الهجو بالعربية أحبّ إليّ من المدح بالفارسية". وقد هاتفني الدكتور شكري ﵀ ذات يوم من أجل هذه الكلمة، ليتحقق من نصّها ويستشهد بها في محاضرة له عن اللغة العربية ألقاها في النادي الأدبي بالمدينة المنورة.
وفي المجموعة عدة مقالات نشرت في ملحق التراث بصحيفة المدينة ثم بصحيفة البلاد، الذي كان يشرف عليه الصديق الكريم الأستاذ الدكتور محمد يعقوب التركستاني، ولولا حثّه المتصل على المشاركة في الملحق المذكور ما ظهرت تلكم المقالات المعدودات. والذي وصل حبلي بحبله هو أستاذي وصديقي الدكتور ف عبد الرحيم الذي صحبته نحو اثني عشر عامًا في مدينة النبي ﵊، وأفدت كثيرًا من علمه الغزير. فللصديقين الجليلين خالص الشكر والتحية والتقدير. أما الحاج الحبيب اللمسي فله منّتان على هذه المجموعة، إذ هو الذي اقترح إعدادها، ثم هو الذي تولّى إصدارها ضمن مطبوعات دار الغرب الإسلامي، فجزاه الله خيرًا، وشكر مساعيه في خدمة العلم وأهل العلم.
1 / 9
ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ، وافسح اللهّم في أجلهما، وهوِّن عليهما من وطأة الكبر، واحفظهما من سطوة الأسقام والعلل؛ وأصلح لي ذريّتي، وارزقهم العلم النافع والعمل الصالح. وصلّ اللهمّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
الرياض
محمد أجمل أيوب الإصلاحي
١٨ صفر ١٤٢٨ هـ
1 / 10
كتاب جمل الغرائب للنيسابوري
وأهميته في علم غريب الحديث (١)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، نبينا محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تمسّك بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن أشرف العلوم ما وضع لخدمة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وقد اعتنى علماء الإسلام بهذين الأصلين اعتناء عظيمًا لا نظير له في تاريخ الأمم. ومن أوائل فنون العلم التي نشأت لخدمة القرآن الكريم ما سمي بفن غريب القرآن. ورديفه من أنواع علم الحديث دعي بفن غريب الحديث. والمقصود بالغريب هنا ما وقع في متن الحديث من لفظ أو أسلوب خفي معناه وأشكل لسبب من الأسباب، "وهو فن مهم يقبح جهله بأهل الحديث خاصة ثم أهل العلم عامة، والخوض فيه ليس بالهين، والخائص فيه حقيق بالتحرّي جدير بالتوقّي" كما قال ابن الصلاح (٦٤٣ هـ)، ونقل أن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ سئل عن حرف من غريب الحديث، فقال: "سلوا أصحاب الغريب، فإني
(١) قدّم مختصر منه إلى في ندوة "عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية" التي عقدها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنّورة في ١٥ - ١٧/ ٣/١٤٢٥ الموافق ٤ - ٦/ ٥/٢٠٠٤ م.
1 / 11
أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن، فأخطئ" (١).
وكان نشوء هذا الفن في القرن الثاني الهجري على أيدي علماء اللغة ثم اضطلع به العلماء الذين كانوا بجانب تمكّنهم من اللغة مشاركين في علم الحديث والفقه، فأبدعوا في التأليف فيه، وكان أولهم أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي (٢٢٤ هـ). ثم تتابعت المصنّفات في هذا الفن، حتى أربى عددها - فيما بلغه علمنا - على مائة مصنف.
وقد وصل إلينا معظم أمهات هذا الفن - على نقص في بعضها - وطبع، وهناك كتب لا تزال مخطوطة، ومنها كتب جمل الغرائب لبيان الحق محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري من علماء القرن السادس الهجري.
ليس كتاب النيسابوري هذا من أصول هذا الفن، ولكن له مزية على نظائره من كتب المتأخرين. وهو أن مؤلفه استقى مادته من أصول كثيرة نص عليها في مقدمته. ومنها كتب الأوائل التي ضاعت فيما ضاع من تراث الإسلام، نحو كتب النضر بن شميل (٢٠٣ هـ) وقطرب (٢٠٦ هـ) وأبي عبيدة (٢١٠ هـ) والأصمعي (٢١٦ هـ) وأبي سعيد الضرير. ومن موارده كتاب لم أر من ذكره أو اقتبس منه ولا وقفت على ترجمة مؤلفه، وهو كتاب الأغفال لأبي بكر الحنبلي (٢). وقد وضع النيسابوري رموزًا لموارده ليثبتها قبل نقل الحديث وتفسيره منها. فهذا يعين على معرفة المادة التي احتوت عليها تلك الكتب الضائعة.
ثم رتّب النيسابوري كتابه على الموضوعات مثل الجوامع والمسانيد من كتب الحديث. وهو منهج لم يسبقه فيه إلا أبو عدنان السلمي من أصحاب أبي زيد الأنصاري (٢١٥ هـ) إذ رتّب كتابه على أبواب السنن.
(١) علوم الحديث: ٢٧٢.
(٢) ومن كتابنا هذا نقل حاجي خليفة عنوان الكتاب واسم مؤلفه في كشف الظنون: ١٣١.
1 / 12
ولهاتين المزيتين - ولا سيما الأولى - رأيت أن أعرّف بالكتاب المذكور في هذا البحث الذي أقدمه في المحور الثاني (الموضوع الحادي عشر) من محاور الندوة التي يعقدها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنوّرة عن السنة والسيرة النبوية.
وقد انتظم هذا البحث تمهيدًا وفصلين: فالتمهيد يشتمل على ذرو من القول في نشأة فن غريب الحديث، ومصنّفاته المشهورة ومناهجها مع الإلماع إلى أهمّ ما طبع منها وما لا يزال مخطوطًا. والفصل الأول في سيرة بيان الحق النيسابوري ومؤلفاته. وقد ترجم له ياقوت ترجمة مقتضبة وعليها اعتمد السيوطي وغيره، فأثبتّها أولًا، ثم أضفت إليها بعض المعلومات المستخرجة من كتب النيسابوري وغيرها. وناقشت ما زعمه بعضهم من أنه ارتحل إلى حلب ودرس في المدرسة الحلاوية، وبينّت الخلط الذي بني عليه هذا الزعم. وتحدّثت في الفصل الثاني عن الغرض من تأليف كتاب جمل الغرائب، وموارده وترتيبه، ومنهجه في التلخيص والتفسير، وبعض المآخذ عليه.
وليس هذا البحث دراسة لكتاب جمل الغرائب، وإنما قصد به التعريف والتنويه. وليس بين يديّ عند إعداده إلا قسم من نص الكتاب مطبوعًا على الحاسوب، بعث به إليّ من لندن أخي الدكتور محمد راشد أيوب الإصلاحي الذي يحقّقه عن ثلاث نسخ، فجزاه الله أحسن الجزاء.
وإني لشاكر لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة على أن شرفني بدعوتي للمشاركة في هذه الندوة التي تقام في مدينة رسولنا ﷺ، ويتحدث فيها المتحدثون عن سنته السنية وسيرته العطرة، فما أشرف المقام، وما أجلّ الموضوع، وما أطيب الحديث، وما أسعد المتحدثينّ.
أسأل الله ﷿ أن يتقبّل أعمالنا، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يحيينا ويميتنا على طاعته وطاعة رسوله ﷺ.
1 / 13
التمهيد
لمحات عن علم غريب الحديث
متى نشأ علم غريب الحديث؟ وكيف كانت عناية أهل العلم به؟ وما أهمّ المصنّفات فيه، وما وجوه التماثل والتفاضل فيما بينها؟ قد أبدع القول في هذا الموضوع من علمائنا المتقدمين: أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (٣٨٨ هـ) ثم مجد الدين ابن الأثير الجزري (٦٠٦ هـ)، فكلاهما كتب في مقدمة غريبه فصولًا بليغة أرّخ فيها علم غريب الحديث ذاكرًا أهم الكتب التي ألفت فيه إلى زمنه، مبينًا عن مراتبها وكاشفًا عن خصائصها التي ينفرد بها بعضها عن بعض.
أما الباحثون المعاصرون، فلعلّ أول من أرّخ هذا العلم منهم هو الدكتور حسين نصّار الذي عقد له فصلًا في كتابه "المعجم العربي - نشأته وتطوّره" استغرق نحو ١٣ صفحة (١)، ومن المعلوم أن الكتاب المذكور أصله رسالة علمية نوقشت في ٢٣/ ٦/١٣٥٦ م، وطبعت لأول مرة سنة ١٩٥٦ م.
ثم لما عني الدكتور شاكر الفحّام بتحقيق كتاب الدلائل في غريب الحديث للعوفي (٣٠٢ هـ) قدم بين يديه سلسلة مقالات نفيسة ضافية نشرها في سنتي ١٩٧٥ و١٩٧٦ م في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ودرس فيها تاريخ هذا العلم إلى عهد العوفي ومخطوطات كتابه دراسة بارعة متقنة.
وكتب الغريب التي نشرت، تصدرتها جميعًا مقدّمات عرض فيها محققّوها
(١) المعجم العربي ١: ٤٢ - ٥٤.
1 / 14