Нишвар аль-Мухадарат ва-ахбар аль-Мудакара
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
Редактор
مصطفى حسين عبد الهادي
Издатель
دار الكتب العلمية
Издание
الأولى
Год публикации
1424هـ-2004م
Место издания
بيروت / لبنان
حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد ، قال : حدثني بعض الكتاب ، قال : سافرت وجماعة من أصدقائي ، نريد مصر للتصرف . فلما حصلنا بدمشق ، كان معنا عدة بغال ، عليها ثقل وغلمان لنا ، ونحن على دوابنا ، أقبلنا نخترق الطرق لا ندري أين ننزل . فاجتزنا برجل شاب ، حسن الوجه والثياب ، جالس على باب دار شاهقة ، وفناء فسيح ، وغلمان بين يديه وقوف . فقام إلينا ، وقال : أظنكم على سفر ، ووردتم الآن ؟ فقلنا : نحن كذلك . فقال : فتنزلون علي . وألح علينا ، وسألنا ، فاستحيينا من محله ، وحسن ظاهره ، وهيبته ، وحططنا على بابه ، ودخلنا . وأقبل أولئك الغلمان ، يحملون ثقلنا ، ويدخلون الدار ، ولا يدعون أحدا من غلماننا يخدمنا ، حتى حملوه بأسره ، في أسرع وقت . وجاءونا بالطساس والأباريق ، فغسلنا وجوهنا ، وأجلسونا في مجالس حسنة ، مفروشة بأنواع الفرش الذي لم نر مثله . وإذا الدار في نهاية الحسن والفخر والكبر ، وفيها دور عدة ، وبستان عظيم ، وصاحب المنزل يخدمنا بنفسه . وعرض علينا الحمام ، فقلنا نحن محتاجون إليه ، فأدخلنا إلى حمام في الدار في نهاية السرو ، ودخل إلينا غلامان أمردان وضيئان ، في نهاية الحسن فخدمانا بدلا من القيم والمزين ، وأخرجنا من الحمام ، إلى غير ذلك المجلس ، فقدم إلينا مائدة حسنة جليلة ، عليها من الحيوان ، وفاخر الطبيخ ، والألوان ، ونادر الخبز ، وغريب البوارد ، وكل شيء . وإذا بغلمان مرد ، في نهاية الحسن والزي ، قد دخلوا إلينا ، فغمزوا أرجلنا ، فلحقنا من ذلك ، مع الغربة وطول العهد بالجماع ، عنت ، فأمرناهم بالانصراف ، وفينا من لم يستحل التعرض لهم ، وتعفف عن ذلك ، لنزولنا على صاحبهم . ثم انتبهنا ، فنقلنا إلى مجلس آخر على صحنين ، في أحدهما بستان حسن ، فأخرج إلينا من آلات النبيذ كل طريف ظريف ، وأحضر من الأنبذة ، كل شيء طيب حسن . وشربنا أقداحا يسيرة ، ثم ضرب بيده إلى ستارة ممدودة ، فإذا بجوار خلفها ، فقال : غنوا ، فغنى الجواري اللواتي كن خلفها ، أحسن غناء وأطيبه . فلما توسطنا الشرب ، قال : ما هذا الاحتشام لأضيافنا أعزهم الله ؟ أخرجن ، وهتك الستارة . قال : فخرج علينا جوار لم نر قط أحسن ، ولا أملح ، ولا أظرف منهن ، من بين عوادة ، وطنبورية ، وكراعة ، وربابية ، وصناجة ، ورقاصة ، وزنافة ، بثياب فاخرة وحلي ، فغنيننا ، واختلطن بنا في المجلس والجلوس ، وكان تجنبنا أشد ، وانقباضنا أكثر ، وضبطنا أنفسنا أعظم . فلما كدنا أن نسكر ، ومضت قطعة من الليل ، أقبل صاحب الدار علينا ، وقال : يا سادة ، إن تمام الضيافة ، وحقها ، الوفاء بشرطها ، وأن يقيم المضيف بحق الضيف في جميع ما يحتاج إليه من طعام ، وشراب ، وجماع ، وقد أنفذت إليكم نصف النهار بالغلمان ، فأخبروني بعفافكم عنهم ، فقلت : لعلهم أصحاب نساء ، فأخرجت هؤلاء ، فرأيت من انقباضكم عن ممازحتهن ، ما لو خلوتم بهن ، كانت الصورة واحدة ، فما هذا ؟ قلنا : يا سيدنا ، أجللناك عن ابتذال من في دارك لهذا ، وفينا من لا يستحل الدخول في الحرام . فقال : هؤلاء مماليكي ، وهن أحرار لوجه الله إن كان لابد من أن يأخذ كل واحد منكم بيد واحدة منهن ، ويتمتع ليلته بها ، فمن شاء زوجته بها ، ومن شاء غير ذلك فهو أبصر ، لأكون قد قضيت حق الضيافة . فلما سمعنا هذا ، وقد انتشينا ، طربنا ، وفرحنا ، وصحنا ، وأخذ كل واحد منا واحدة ، فأجلسها إلى جانبه ، وأقبل يقبلها ، ويقرصها ، ويمازحها . فتزوجت أنا بواحدة منهن ، وغيري ممن رغب في ذلك ، وبعضنا لم يفعل . وجلس معنا بعد هذا ساعة ، ثم نهض . فإذا بخدم قد جاءوا ، فأدخلوا كل واحد وصاحبته ، إلى بيت في نهاية الحسن والطيب ، مفروش بفاخر الفرش ، وفيه برذعة وطية سرية ، فبخرونا عليها ، ونومونا ، والجواري إلى جنوبنا ، وتركوا معنا شمعة في البيت ، وما نحتاج إليه من آلة المبيت ، وأغلقوا ، وانصرفوا ، فبتنا في أرغد عيش ليلتنا . فلما كان السحر ، باكرنا الخدم ، فقالوا : ما رأيكم في الحمام ؟ فقد أصلح ، فقمنا ودخلناه ، ودخل المرد معنا ، فمنا من أطلق نفسه معهم فيما كان امتنع عنه بالأمس . وخرجنا ، فبخرونا بالند العتيق ، وعطرونا بماء الورد والمسك والكافور ، وقدمت إلينا المرايا المحلاة . وأخبرنا غلماننا ، إن صورتهم في ليلتهم ، كانت كصورتنا ، وإنهم أتوا بجواري الخدمة الروميات ، فوطئوهن . فأقبل بعضنا على بعض ، نعجب من قصتنا ، وبعضنا يخاف أن تكون حيلة ، وبعضنا يقول : هذا في النوم نراه ؟ ونحن في الحديث ، إذ أقبل صاحب الدار ، فقمنا إليه ، وأعظمناه ، فأخذ يسألنا عن ليلتنا ، فوصفناها له ، وسائلنا عن خدمة الجواري لنا ، فحمدناهن عنده . فقال : أيما أحب إليكم ، الركوب إلى بعض البساتين للتفرج إلى أن يدرك الطعام ، أو اللعب بالشطرنج ، والنرد ، والنظر في الكتب ؟ فقلنا : أما الركوب فلا نؤثره ، ولكن اللعب بالشطرنج والنرد والدفاتر ، فأحضرنا ذلك ، وتشاغل كل منا بما اختاره . ولم تكن إلا ساعتين أو ثلاثة من النهار ، حتى أحضرنا مائدة كالمائدة الأمسية ، فأكلنا ، وقمنا إلى الفرش ، وجاء الغلمان المرد ، فغمزونا ، وغمزهم منا من كان يدخل في ذلك ، وزالت المراقبة . وانتبهنا فحملنا إلى الحمام ، وخرجنا فتبخرنا ، وأجلسنا في مجلسنا بالأمس . وجاء أولئك الجواري ، ومعهن غيرهن ، ممن هن أحسن منهن ، فقصدت كل واحدة ، صاحبها بالأمس ، بغير احتشام ، وشربنا إلى نصف الليل ، فحملن معنا إلى الفرش . وكانت حالنا هذه أسبوعا . فقلت لأصحابي : ويحكم ، أرى الأمر يتصل ، ومن المحال أن يقول لنا الرجل ارتحلوا عني ، وقد استطبتم أنتم مواضعكم ، وانقطعتم عن سفركم ، فما آخر هذا ؟ فقالوا : ما ترى ؟ قلت : أرى أن نفاتش الرجل ، فننظر إيش هو ؟ فإن كان ممن يقبل هدية أو برا ، عملنا على تكرمته وارتحلنا ، وإن كان بخلاف ذلك ، كنا معتقدين له المكافأة في وقت ثان ، وسألناه أن يحضرنا من نكتري منه ، ويبذرقنا ورحلنا . فتقرر رأينا على هذا . فلما جلسنا تلك العشية على الشرب قلت له : ة قد طال مقامنا عندك ، وما أضاف أحد أحسن مما أضفتنا ، ونريد الرحيل إلى مصر لما قصدناه ، من طلب التصرف ، وأنا فلان بن فلان ، وهذا فلان ، فعرفت نفسي والجماعة ، وقد حملتنا من أياديك ومننك ، ما لا يسعنا معه أن نجهلك ، ويجب أن تعرفنا نفسك ، فنبث شكرك ، ونقضي حقك ، ونعمل على الرحيل . فقال : أنا فلان بن فلان ، أحد أهل دمشق ، فلم نعرفه ، فقلنا : إن رأيت أن تزيدنا في الشرح . فقال : جعلت فداكم أنا رجل قواد . فحين قال هذا ، خجلنا ، ونكسنا رؤوسنا . فقال : جعلت فداكم مالكم ؟ إن لقيادتي خبرا ، أظرف مما رأيتموه . فقلنا : إن رأيت أن تخبرنا . فقال : نعم ، أنا رجل كان آبائي تناء تجارا ، عظيمي النعمة والأموال ، وانتهت النعمة إلى أبي ، وكان ممسكا ، مكثرا . ونشأت له ، وكنت متخرقا ، مبذرا ، محبا للفساد ، والنساء ، والمغنيات ، والشرب ، فأتلفت مالا عظيما من مال أبي ، إلا أنه لم يؤثر في حاله ، لعظمه . ثم اعتل ، وأيس من نفسه ، وأوصى ، فدعاني ، وقال : يا بني إني قد خلفت لك نعمة قيمتها مائة ألف دينار وأكثر ، بعد أن أتلفت علي خمسين ألف دينار ، وإن الإنفاق ، لا آخر له إذا لم يكن بإيزائه دخل ، ولو أردت تمحيق هذا المال عليك في حياتي ، أو الآن ، حتى لا تصل إلى شيء منه ، لفعلت ، ولكني أتركه عليك ، فاقضي حقي بحاجة تقضيها لي ، لا ضرر عليك فيها . فقلت : أفعل . فقال : أنا أعلم أنك ستتلف جميع هذا المال في مدة يسيرة ، فعرفني إذا افتقرت . ولم يبق معك شيء . تقتل نفسك . ولا تعيش في الدنيا ؟ فقلت : لا . قال : فتحمل على رأسك ؟ فقلت : لا . قال : فتحسن تتصرف ، وتكسب المال ؟ . قلت : لا . قال : فعرفني من أين تعيش ؟ قال : ففكرت ساعة ، فلم يقع لي إلا أن قلت : أصير قوادا . قال : فبكى ساعة ، ثم مسح عينيه ، وقال : لست أعيب عندك هذه الصناعة ، فإنها ما جرت على لسانك ، إلا وقد دارت في فكرك ، ولا دارت في فكرك ، وأنت تنصرف عنها أبدا بعدي ، ولكن أخبرني كيف يتم لك المعاش فيها ؟ فقلت : قد تدربت بكثرة دعواتي القحاب والمغنيات ، ومعاشرتي لشراب النبيذ ، فأجمعهم على الرسم ، فينفقون في بيتي ، ويعملون ما يريدون ، وآخذ منهم الدراهم ، وأعيش . فقال : إذا يبلغ السلطان خبرك في جمعة ، فيحلقون رأسك ، وذقنك ، وينادي عليك ، ويتفرق جمعك ، ويقتل معاشك ، ويقول أهل بلدك انظروا إلى فلان . كيف ينادى عليه ، وقد صار بعد موت أبيه قوادا . ولكن إن أردت هذه الصناعة فأنا أعلمك إياها ، وإن كنت لا أحسنها ، فلعلك تستغني فيها ، ولا تفتقر ، ولا يتطرق عليك السلطان بشيء . فقلت : افعل . قال : تحلف لي أنك تقبل مني . فحلفت . فقال : إذا مت ، فاعمل على أنك أنفقت جميع مالك ، وافتقرت ، وابتدئ فكن قوادا ولك ضياع وعقاب ، ودور وأثاث ، وآلة وجواري وقماش ، وخدم وجاه وتجارات ، واعمد لكل ما في نفسك أن تعمله إذا افتقرت ، فاعمله وأنت مستظهر على زمانك ، بما معك ، وجيها عند إخوانك ، بمالك ، واعمل على أنك قد أنفقته ، واجعل معيشتك مما تريد أن تحصله إذا افتقرت ، فإنك تستفيد بذلك أمورا : منها : أنك تبتدئ أمرك بهذا ، فلا ينكر عليك في آخره ، ومنها : أنك تفعل ذلك بجاه وعقار وضياع وأحوال قوية ، فلا يطمع فيك سلطان ، وإن طمع فيك رشوت ، وبذلت من قدرة وجدة ، فتخلصت . فقلت : كيف أعمل ؟ قال : تجلس ، إذا مت ، ثلاثة أيام للعزاء ، إلى أن تنقضي المصيبة ، فإذا انقضت ، نفذت وصيتي وتجملت بذلك عند الناس ، وقضيت حقي . ثم تظهر أنك قد تركت اللعب ، وأنك تريد حفظ مالك ، مع ضرب من اللذة . ثم تبتدئ فتشتري من الجواري المغنيات والسواذج ، كل لون ، ومن الغلمان المرد ، والخدم البيض والسود ، ما تحتاج إليه وتشتهيه ، ودارك ، وضياعك ، وآلتك ، كما خلفته . فإن احتجت إلى استزادة شيء ، فاستزد ، وتنوق . وعاشر من تريد أن تعاشره ، من غير أن تدخل إليك مغنية قيان ، ولا من تأخذ جذرا . وداخل الأمير ، والعامل ، وادعهما مرة في كل شهر أو شهرين ، وهاهما أيام الأعياد ، بالألطاف الحسنة ، وألقهما كل أسبوع دفعة ، واجتهد أن تعاشرهما على النبيذ في دورهما ، وألقهما بالسلام ، وقضاء الحق . واتخذ في كل يوم مائدة حسنة ، وادع القوم ، ومن يتفق معهم ، وليمن ذلك بعقل وترتيب . فإن ذلك أولا ، لا يظهر مدة طويلة ، فإذا ظهر ، صدق به أعدائك ، وكذب به إخوانك ، وقالوا : لعل هذا على سبيل المجون والشهوة ، وعلى طريق التخالع ، أو مسامحة الإخوان ، وإلا فأي لذة له في ذلك وهو ليس مخنثا ، ولا مجنونا ، ولا فقيرا فيحتاج إلى هذا ، فيبقى الخلاف فيك مدة أخرى ، وأنت مع هذا ، قد وصلت سلطانك ، ولعل العشرة بينكما قد وقعت ، فيستدعي مغنياتك ، وتسمعهن في منزله ، فيصير لك بمنادمته رسم ، وجاهك مع إخوانك باق ببرك وملاقاتك لهم ، فهم يحامون عليك العاقل منهم ، ويحافظ لك الآخر ، فتصير في مراتب ندماء الأمير ، وفي جملته ، وتصير قيادتك كالتشنيع عليك ، والعيب لك ، وتخرج عن حد القواد المحض ، الذين يؤذون دائما ، وتكبس منازلهم . قال : فاعتقدت في الحال ، أن الصواب ما قاله . ومات في علته ، فجلست ثلاثة أيام ، ثم نفذت وصيته ، وفرقتها كما أمرني ، ثم بيضت الدور ، وهي هذه ، وزدت فيها ما اشتهيت ، واستزدت من الآلات ، والفرش ، والآنية ، كما أردت ، وابتعت هؤلاء الجواري والغلمان والخدم ، من بغداد ، ودبرت أمري على ما قاله أبي ، من غير مخالفة بشيء منه . فأنا أفعل هذا منذ سنين كثيرة ، ما لحقني فيه ضرر ، ولا خسران ، وما فيه أكثر من إسقاط المروءة ، وقلة الحفل بالعيب . وأنا أعيش أطيب عيش وأهناه ، وألتذ أتم لذة مع هؤلاء الجواري ، والغلمان ، والخدم ، ومن يعاشرني عليهم . ودخلي بهم ، أكثر من خرجي ، ونعمي الموروثة باقية بأسرها ، ما بعت منها شيئا بحبة فضة فما فوقها . وقد اشتريت من هذه الصناعة عقارا جليلا ، وأضفته إلى ما خلف أبي علي ، وأمري يمشي كما ترون . فقلنا : يا هذا ، فرجت والله عنا ، واو جدتنا طريقا إلى قضاء حقك . وأخذنا نمازحه ، ونقول : فضلك في هذه الصناعة غير مدفوع ، لأنك قواد ابن قواد ، وما كان الشيخ ليدبر لك هذا ، إلا وهو بالقيادة أحذق منك . فضحك ، وضحكنا ، وكان الفتى أديبا خفيف الروح . وبتنا ليلتنا على تلك الحال . فلما كان من الغد ، جمعنا له بيننا ، ثلثمائة دينار من نفقاتنا ، وحملناها إليه . فأخذها ، ورحلنا عنه .
Страница 364