Муснад

مسند السراج

Редактор

الأستاذ إرشاد الحق الأثري

Издатель

إدارة العلوم الأثرية

Издание

١٤٢٣ هـ

Год публикации

٢٠٠٢ م

Место издания

فيصل آباد - باكستان

مسند السراج
للإمام شيخ الإسلام
محمد بن إسحاق بن إبراهيم السراج الثقفي النيسابوري
المتوفى ٣١٣ هـ
حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه
الأستاذ إرشاد الحق الأثري
الناشر
إدارة العلوم الأثرية فيصل آباد - باكستان

1 / 1

كلمة الْمُحَقق
إِن الْحَمد لله نحمده، ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ، ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا، وَمن سيئات أَعمالنَا، من يهده الله فَلَا مضل لَهُ، وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله.
يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ.
يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَخلق مِنْهَا زَوجهَا وَبث مِنْهُمَا رجَالًا كثيرا وَنسَاء وَاتَّقوا الله الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام إِن الله كَانَ عَلَيْكُم رقيبًا.
يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدًا يصلح لكم أَعمالكُم وَيغْفر لكم ذنوبكم وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزًا عَظِيما، وَبعد:
لَا خلاف بَين أَئِمَّة الْمُسلمين فِي أَن القرنين، الثَّالِث وَالرَّابِع من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة يعتبران الْعَصْر الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخ الْإِسْلَام، إِذْ فِيهِ دونت عُلُوم الْقُرْآن الْكَرِيم، وَدون الحَدِيث النَّبَوِيّ الشريف، وَالْفِقْه الإسلامي ونشطت فِيهِ حَرَكَة الْعُلُوم الإسلامية.
وَفِي هَذَا الْعَصْر الذَّهَبِيّ نَشأ أَعْلَام الْمُحدثين أَبُو الْعَبَّاس السراج مُحدث خُرَاسَان ﵀.
اسْمه ومولده
وَهُوَ الإِمَام الْحَافِظ شيخ الْإِسْلَام أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مهْرَان بن عبد الله بن الْعَبَّاس السراج الثَّقَفِيّ مَوْلَاهُم النَّيْسَابُورِي، ولد سنة سِتّ عشرَة

1 / 3

وَمِائَتَيْنِ كَمَا ذكره الذَّهَبِيّ وَغَيره.
وَقَالَ الْخَطِيب: قَرَأت فِي كتاب أبي الْحسن الدَّارقطني بخطة أخبرنَا إِبْرَاهِيم ابْن مُحَمَّد بن يحيى قَالَ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس السراج: ولدت فِي سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ.
والسراج بِفَتْح السِّين وَتَشْديد الرَّاء وَبعد الْألف جِيم، هَذِه النِّسْبَة إِلَى عمل السُّرُوج وَهُوَ الَّذِي يُوضح على الْفرس، واشتهر بِهَذِهِ النِّسْبَة جمَاعَة، قَالَ السَّمْعَانِيّ: كَانَ من أجداد الإِمَام أبي الْعَبَّاس من يعْمل السُّرُوج.
شُيُوخه وتلامذته
سمع من إِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ وقتيبة بن سعيد وَمُحَمّد بن بكار وَبشر بن الْوَلِيد الْكِنْدِيّ وهناد بن السّري وَأحمد بن سعيد الدِّرَامِي وَعقبَة بن مكرم وسوار بن عبد الله وَأحمد بن منيع وَأحمد بن الْمِقْدَام وَعَمْرو بن زُرَارَة وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَأبي حَاتِم الرَّازِيّ وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي وَمُحَمّد بن سهل بن عَسْكَر وَمُحَمّد بن رَافع وَالْحسن بن عبد الْعَزِيز الجروي وسوار بن عبد الله الْعَنْبَري وأخيه إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق وَخلق كثير سواهُم من أهل خُرَاسَان وبغداد والكوفة وَالْبَصْرَة والحجاز والري، وَقَالَ الخليلي: أَنه كتب عَن ألف وَخمْس مائَة وَزِيَادَة.
وَحدث عَنهُ الإِمَام البُخَارِيّ وَمُسلم بِشَيْء يسير خَارج الصَّحِيحَيْنِ، وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ أحد شُيُوخه، وَأَبُو بكر بن أبي الدُّنْيَا، والحافظ أَبُو عَليّ النَّيْسَابُورِي وَالْحسن بن سُفْيَان وَعُثْمَان بن السماك وَأَبُو حَاتِم ابْن حبَان وَابْن خُزَيْمَة وَابْن عدي وَأَبُو أَحْمد الْحَاكِم وَالْقَاضِي يُوسُف بن قَاسم الميانجي وَعبد الله بن أَحْمد الصَّيْرَفِي وَعمر بن زارة الْكلابِي وَخلق سواهُم وأخرهم موتا سنة خمس وَتِسْعين وَثَلَاث مئة الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن مُحَمَّد الْخفاف الْقَنْطَرِي رَاوِي بعض مُسْنده عَنهُ.
ثَنَاء الْأَئِمَّة عَلَيْهِ وأخلاقه وفضائله
اتّفق الْحَافِظ وَالْأَئِمَّة على توثيقه، قَالَ الْخَطِيب: ورد السراج بِبَغْدَاد قَدِيما

1 / 4

وحديثًا وَأقَام بهَا دهرًا طَويلا ثمَّ رَجَعَ إِلَى نيسابور وَاسْتقر بهَا إِلَى حِين وَفَاته، وَكَانَ قد حدث بِبَغْدَاد شَيْئا يَسِيرا، وَكَانَ من المكثرين الثِّقَات الصَّادِقين الاثبات عَنى بِالْحَدِيثِ وصنف كتبا كَثِيرَة وَهِي مَعْرُوفَة مَشْهُورَة، وَذكر الْخَطِيب فِي تَارِيخه (ج١٠ ص١١٣) أَنه دخل بِبَغْدَاد سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ الخليلي فِي الْإِرْشَاد: ثِقَة مُتَّفق عَلَيْهِ من شَرط الصَّحِيح. وَقَالَ أَبُو سهل الصعلوكي الأوحد فِي فنه والأكمل فِي وَزنه قَالَ: وَكُنَّا نقُول: السراج كالسراج. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كَانَ من المكثرين الثِّقَات، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: السراج صَدُوق ثِقَة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمُزَكي: كَانَ السراج مجاب الدعْوَة.
وَكَانَ ﵀ أمارا بِالْمَعْرُوفِ ونهاء عَن الْمُنكر، قَالَ إِسْمَاعِيل بن نجيد: رَأَيْت أَبَا الْعَبَّاس السراج يَرك حِمَاره وعباس الْمُسْتَمْلِي بَين يَدَيْهِ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر يَقُول: يَا عَبَّاس غير كَذَا واكسر كَذَا، وَقَالَ أَبُو عمر والخفاف للْإِمَام السراج: لَو دخلت على الْأَمِير ونصحته، قَالَ: فجَاء وَعِنْده أَبُو عَمْرو، فَقَالَ أَبُو عَمْرو: هَذَا شَيخنَا وأكبرنا، وَقد حضر ينْتَفع الْأَمِير بِكَلَامِهِ فَقَالَ السراج: أَيهَا الْأَمِير! إِن الْإِقَامَة كَانَت فرادي وَهِي كَذَلِك بالحرمين، وَهِي فِي جامعنا مثنى مثنى، وَإِن الدَّين خرج من الْحَرَمَيْنِ، قَالَ فَخَجِلَ الْأَمِير وَأَبُو عَمْرو وَالْجَمَاعَة، إِذا كَانُوا قصدُوا فِي أَمر الْبِلَاد، فَلَمَّا خرج، عاتبوه، فَقَالَ: استحييت من الله أَن اسْأَل أَمر الدُّنْيَا، وأدع أَمر الدَّين.
وَكَانَ ﵀ شَدِيدا على أهل الْبدع والهواء وَكَانَ لَا يحدث أَوْلَاد الْكلابِيَّة، قَالَ الْحَاكِم: سَمِعت أَبَا سعيد بن أبي بكر يَقُول: لما وَقع من أَمر الْكلابِيَّة مَا وَقع بنيسابور كَانَ السراج يمْتَحن أَوْلَاد النَّاس، فَلَا يحدث أَوْلَاد الْكلابِيَّة، فأقامني

1 / 5

فِي الْمجْلس مرّة فَقَالَ: قل: أَنا أَبْرَأ إِلَى الله تَعَالَى من الْكلابِيَّة، فَقلت: إِن قلت هَذَا لَا يطعمي أبي الْخبز، فَضَحِك، وَقَالَ: دعوا هَذَا.
وَقَالَ الإِمَام أَبُو عبد الله الْحَاكِم: سَمِعت أبي يَقُول: لما ورد الزغفراني وَأظْهر خلق الْقُرْآن سَمِعت السراج يَقُول: العنوان الزغفراني - فيضج النَّاس بلعنته، فنزح إِلَى بخاري، وَكَانَ ﵀ يَقُول: من لم يقر بِأَن الله تَعَالَى يعجب ويضحك وَينزل كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: "من يسألني فَأعْطِيه" فَهُوَ زنديق كَافِر يُسْتَتَاب، فَإِن تَابَ وَإِلَّا ضربت عُنُقه، وَلَا يصلى عَلَيْهِ، وَلَا يدْفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين.
قَالَ الذَّهَبِيّ: وَقد كَانَ السراج ذَا ثروة وتجارة وبر ومعروف، وَله تعبد وتهجد إِلَّا أَنه كَانَ منافرًا للفقهاء أَصْحَاب الرَّأْي وَالله يغْفر لَهُ، قلت: سَبَب المنافرة بَينه وَبَين أهل الراي ظَاهر لِأَن أَكثر أهل الراي قد اصبحوا فِي هَذَا الْعَصْر معاونين لأهل الْبِدْعَة بل اخْتَار بَعضهم الْبِدْعَة مثل الْمُعْتَزلَة والجهمية والمرجئة وَغَيرهم.
وَكَانَ الإِمَام السراج ذَا ثروة وتجارة كَمَا قَالَ الذَّهَبِيّ، وَقد قَالَ نَفسه، حِين سَالَ عَنهُ الْخفاف يَا أَبَا الْعَبَّاس من أَيْن جمعت هَذَا المَال؟ فَقَالَ بغيبة دهر أَنا وأخواي إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، غَابَ أخي إِبْرَاهِيم أَرْبَعِينَ سنة وَغَابَ أخي أَرْبَعِينَ سنة، وغبت أَنا مُقيما بِبَغْدَاد أَرْبَعِينَ سنة أكلنَا الجشب، ولبسنا الخشن، فَاجْتمع هَذَا المَال.
وجدير بِالذكر أَن الإِمَام الذَّهَبِيّ ذكر عَن الإِمَام السراج أَنه قَالَ: ولدت سنة ثَمَانِي عشرَة وَمِائَتَيْنِ وختمت عَن رَسُول الله ﷺ اثْنَتَيْ عشر ألف ختمة وضحيت عَنهُ أثني عشر ألف أضْحِية، قلت لم يرد بِهِ الْأُضْحِية فِي أَيَّام التَّشْرِيق كَمَا زَعمه الذَّهَبِيّ وَغَيره بل المُرَاد بِهِ الصَّدَقَة الْعَامَّة وَقد ذكر الذَّهَبِيّ نَفسه عَن مُحَمَّد بن أَحْمد الدقاق أَنه قَالَ: رَأَيْت السراج يُضحي كل أُسْبُوع أَو أسبوعين أضْحِية عَن رَسُول الله ﷺ ثمَّ يَصِيح بأصحاب الحَدِيث فَيَأْكُلُونَ، وَبِهَذَا يظْهر كَظهر الشَّمْس نصف النَّهَار أَنه لم يرد بِهِ الْأُضْحِية الْمَعْرُوفَة، على أَن الإِمَام السراج قد توفى سنة ثَلَاث عشرَة وثلاثمائة وَله ٩٦ سنة فَكيف يُمكن أَن يُضحي عَنهُ صلى الله

1 / 6

عَلَيْهِ وَسلم اثْنَتَيْ عشر ألف أضْحِية؟ وَلَو سلمنَا أَنه كَانَ يُضحي فِي أَيَّام التَّشْرِيق أَيْضا فلاحجة فِيهِ وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع التَّفْصِيل.
وَكَانَ للْإِمَام السراج أخوانان أَحدهمَا إِسْمَاعِيل وَالثَّانِي إِبْرَاهِيم، وَإِسْمَاعِيل كَانَ ثِقَة عَالما مُخْتَصًّا بِأَحْمَد بن حَنْبَل توفّي سنة ٢٨٦، وَكَذَا أَخُوهُ إِبْرَاهِيم كَانَ شَيخا إِمَامًا ثِقَة نزل بَغْدَاد وَأقَام بهَا إِلَى حِين وَفَاته، وَهُوَ أكبر أخوانه توفّي سنة ٢٨٣، وَكَانَ الإِمَام السراج أَيْضا بِبَغْدَاد، وَلما توفّي أَخُوهُ إِبْرَاهِيم رَجَعَ إِلَى نيسابور، وَقد ذكر الْخَطِيب وَغَيره عَن أبي الْوَلِيد حسان بن مُحَمَّد الْفَقِيه يَقُول: سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس السراج يَقُول: وَا أسفا على بَغْدَاد. فَقيل لَهُ: مَا الَّذِي حملك على الْخُرُوج مِنْهَا؟ قَالَ: أَقَامَ بهَا أخي إِسْمَاعِيل خمسين سنة، فَلَمَّا توفى وَرفعت جنَازَته سَمِعت رجلا على بَاب الدَّرْب يَقُول للْآخر: من هَذَا الْمَيِّت؟ قَالَ: غَرِيب كَانَ هَاهُنَا، فَقلت: إِنَّا لله، بعد طول مقَام أخي بهَا، واشتهاره بِالْعلمِ وَالتِّجَارَة يُقَال: غَرِيب كَانَ هَاهُنَا، فحملتني هَذِه الْكَلِمَة على الِانْصِرَاف إِلَى الوطن، وَمَعَ ذَلِك كَانَ ﵀ يذكر بغدادًا وَيَقُول عِنْد حركاته إِذا قَامَ أَو قعد: يَا بَغْدَاد! وَا أسفي على بَغْدَاد، مَتى يقْضى لي الرُّجُوع إِلَيْك.
وَكَانَ ﵀ طلابًا للْعلم وَقد قيل لَهُ وَهُوَ يكْتب فِي كهولته عَن يحيى بن أبي طَالب: إِلَى كم هَذَا؟ فَقَالَ: أما علمت أَن صَاحب الحَدِيث لَا يصبر.
مصنفات الإِمَام السراج
وَقد صنف الإِمَام السراج كتبا كَثِيرَة كَمَا قَالَ الْخَطِيب، لَكِن الأسف لم نطلع على مصنفاته أَكثر من عشرَة كتب مِنْهَا:
(١) كتاب التَّارِيخ: ذكره الْخَطِيب والذهبي وَغَيرهمَا وَقَالَ السخاوي فِي الإعلان (ص٣٠٦): إِنَّه فِي الْكَلَام فِي أَحْوَال الروَاة. وَقد يذكر الْحَافِظ كثيرا عَنهُ وفيات الْمُحدثين ورواة الحَدِيث كَمَا لَا يخفى على من طلع التَّهْذِيب والإصابة، بل وَيذكر عَنهُ أَحْيَانًا وَالتَّعْدِيل، وَقد اقتبس عَنهُ الْخَطِيب فِي تَارِيخه ٢٣٦ موضعا،

1 / 7

وَكَذَا اقتبس مِنْهُ أَبُو نعيم فِي الحليلة فِيمَا يزِيد على مِائَتَيْنِ نَص. ويتناول هَذَا الاقتباسات على تواريخ وفياتهم وَأَحْيَانا سني موالدهم ومكانتهم وجرحهم وتعديلهم وَكُنَاهُمْ وألقابهم وأخلاقهم وأقوالهم كَمَا ذكره تَفْصِيلًا الدكتور أكْرم ضِيَاء الْعمريّ فِي موارد الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي تَارِيخه (ص ١٩٢، ٣٦١، ٣٦٢، ٥٥٨) فليراجعه من شَاءَ التَّفْصِيل.
وَقد اهتم إِمَام الْمُحدثين البُخَارِيّ بتاريخ الإِمَام السراج واستفاد مِنْهُ، قَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن جَعْفَر الْمُزَكي: سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس السراج يَقُول: نظر مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ فِي كتاب التَّارِيخ تصنيفي وَكتب مِنْهُ بِخَطِّهِ أطباقًا وقرأتها عَلَيْهِ، وَبِه يعلم أهمية كتاب التَّارِيخ للسراج ﵀، لَكِن الأسف أَنه مَفْقُود لم نطلع على أَيَّة نُسْخَة مِنْهُ فِي الْمكَاتب الْمَعْرُوفَة والفهارس المتداولة، وَلَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا، وَلَو أحد من خدام الْعلم جمع كَلَام الإِمَام السراج من الْمَوَارِد الْمُخْتَلفَة لَكَانَ فِي مُجَلد ضخم.
وَأعلم أَن هُنَا الْمُزَكي آخر غير أبي بكر مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يحيى الْمُزَكي النَّيْسَابُورِي، قَالَ الْخَطِيب: روى بِبَغْدَاد مصنفات أبي الْعَبَّاس السراج مثل كتاب التَّارِيخ وَكتاب الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات، وَغَيرهمَا من كتبه، وروى أَيْضا تَارِيخ البُخَارِيّ الْكَبِير وعدة من كتب مُسلم بن الْحجَّاج، وَقد روى الْخَطِيب عَن البرقاني عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمُزَكي عَن تَارِيخ السراج فِي غير وَاحِد من الْمَوَاضِع فِي تَارِيخه، وَكَذَا روى أَبُو نعيم فِي الحليلة عَن الْمُزَكي عَن السراج أَيْضا كَمَا ذكرنَا.
(٢) كتاب الْأَخْبَار: ذكره ابْن النديم فِي الفهرست ١٥٥، وَقَالَ: روى فِيهِ أَخْبَار الْمُحدثين والوزراء والولاة وَغير ذَلِك من سَائِر الْبلدَانِ وَجعله رجلا رجلا، لَكِن يُمكن أَن "كتاب الْأَخْبَار" هُوَ نفس كتاب التَّارِيخ، وَالله أعلم.
(٣) كتاب رسائل: ذكره ابْن النديم أَيْضا.
(٤) كتاب الْأَشْعَار المختارة والصحيحة مِنْهَا والمعارة: ذكره ابْن النديم أَيْضا.

1 / 8

وَقد روى الْخَطِيب فِي تَارِيخه (ج١٠ ص٣٢٥) عَن البرقاني أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المزكى أخبرنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق السراج قَالَ أَنْشدني عبد عبيد الله بن جرير بن جبلة هَذِه الأبيات:
مَا لَا يكون فَلَا يكون حِيلَة ... أبدا وَمَا هُوَ كَائِن سَيكون
سَيكون مَا هُوَ كَائِن فِي وقته ... وأخو الْجَهَالَة مُتْعب محزون
(٥) كتاب الْإِخْوَة والاخوات: ذكره الْحَاكِم فِي معرفَة عُلُوم الحَدِيث (ص١٥٣) وَذكره الْخَطِيب وَقَالَ: روى عَنهُ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمُزَكي كَمَا مر آنِفا.
(٦) حَدِيث البيتوتة الصَّغِيرَة: ذكره السَّمْعَانِيّ فِي التحبير (ج٢ ص٦٩) قَالَ فِي تَرْجَمَة أبي بكر مُحَمَّد بن أَحْمد البسطامي: كتبت عَنهُ بنيسابور وَمن جملَة مَا كتبت عَنهُ كتاب البيتوتة الصَّغِيرَة لأبي الْعَبَّاس السراج بروايته عَن الْمُحب عَن الْخفاف عَنهُ، وَسَماهُ الْأُسْتَاذ سزكين فِي تَارِيخ التراث الْعَرَبِيّ (ج١ ص٣٤١) الْجُزْء الْمَعْرُوف بالبيتوتة من حَدِيث أبي الْعَبَّاس من شُيُوخه، وَقَالَ: يُوجد فِي مخطوط كوبريلي.
(٧) الْمُسْتَخْرج على مُسلم: أَشَارَ إِلَيْهِ الذَّهَبِيّ فِي السّير، وَذكر عَن الإِمَام ابْن الأخرم أَنه قَالَ: اسْتَعَانَ بن السراج فِي التَّخْرِيج على صَحِيح مُسلم.
(٨) حَدِيث السراج: يُوجد مِنْهُ نُسْخَة فِي الظَّاهِرِيَّة فِي ٢١١ ورقة، وَهِي مَكْتُوبَة فِي الْقرن السَّادِس الهجري، جمعه أَبُو الْقَاسِم زَاهِر بن طَاهِر الشحامي عَن مشائخه عَن السراج، وَقد قَامَ بتخريج أَحَادِيثه وتصحيحه فَضِيلَة الْأُسْتَاذ الشَّيْخ مُحَمَّد أكْرم السندهي الْأُسْتَاذ فِي الجامعة السلفية بباكستان وَحصل الدكتورة عَلَيْهِ من كُلية الْمَدِينَة المنورة، وَقد كتب مِنْهُ أَحَادِيث السَّمْعَانِيّ كَمَا ذكره فِي التحبير (ج١ ص٢٠٧) .
(٩) التَّفْسِير: ذكره الْحَافِظ ابْن حجر فِي تَرْجَمَة أبي خلف وسَاق إِسْنَادًا وَقَالَ أخرجه أَبُو الْعَبَّاس السراج فِي تَفْسِيره. التَّعْجِيل ص٤٨١.
(١٠) الْمسند الْكَبِير: ذكره الذَّهَبِيّ فِي السّير والتذكرة، والسمعاني فِي الْأَنْسَاب وَغَيرهمَا، وهما الَّذِي نَحن بصدده بعون الله ﷿ وَحسن توفيقه.
والمسند فِي اصْطِلَاح الْمُحدثين ﵏ مَا دونت فِيهِ الْأَحَادِيث مرتبَة على

1 / 9

حُرُوف الهجاء فِي أَسمَاء الصَّحَابَة صَحِيحا كَانَ أَو حسنا أَو ضَعِيفا أَو على الْقَبَائِل أَو الأوطان أَو السَّابِقَة فِي الْإِسْلَام أَو الشرافة النسبية وَغير ذَلِك، وَقد يقْتَصر فِي بَعْضهَا على أَحَادِيث صَحَابِيّ وَاحِد أَو أَحَادِيث جمَاعَة مِنْهُم كمسند الْأَرْبَعَة أَو الشعرة، أَو طَائِفَة مَخْصُوصَة جمعهَا وصف وَاحِد كمسند المقلين ومسند الصَّحَابَة الَّذين نزلُوا مصرا، وَكَذَا مُسْند الشاميين إِلَى غير ذَلِك، وَالْمَسَانِيد كَثِيرَة جدا أشهرا وأعلاها مُسْند الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل، ومسند أبي يعلى - وَقد طبع بتحقيق مُنْذُ سنوات وَالْحَمْد لله على ذَلِك - ومسند الإِمَام بَقِي بن مخلد، ومسند الطَّيَالِسِيّ، ومسند الْحميدِي ومسند إِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ وَغَيرهَا من المسانيد.
وَقد يُسمى "الْمسند" لكَون أَحَادِيثه مُسندَة، كَمَا سمى الإِمَام البُخَارِيّ كِتَابه بالمسند، وَكَذَا سمى الإِمَام السراج كِتَابه بالمسند الْكَبِير وَهُوَ مُرَتّب على الْأَبْوَاب، وَجمع فِيهِ أَحَادِيثه ومروياته المرفوعة فِي بَاب بَاب على تَرْتِيب أَبْوَاب الْفِقْه عِنْد الْمُحدثين ﵏، وَلَا يخفى على طَالب السّنة المطهرة أَن تتبع الْأَحَادِيث وتخريجها من الْمسند لَيْسَ بسهل، وَلذَا قَامَ الإِمَام السراج فَجمع هَذَا الْمسند على الْأَبْوَاب، وَجمع فِيهِ طَرِيق المسانيد وَكتب الْجَوَامِع وَالسّنَن الَّتِي دون على الْأَبْوَاب ليسهل التناو مِنْهُ، وَصَارَ حِينَئِذٍ مُسْنده انفع من أَكثر الْكتب من السّنَن وَالْمَسَانِيد فجزاه الله أحسن الْجَزَاء.
ولابد من الذّكر بِأَن "الْمسند الْكَبِير" للسراج غير "الْمُسْتَخْرج على مُسلم" على حد علمي، لِأَن الْحَافِظ الذَّهَبِيّ ذكر هَذَا الْكتاب وَقَالَ: "الْمسند الْكَبِير على الْأَبْوَاب كَذَا فِي السّير (ج١٤ ص٣٨٩) وَكَذَا سَمَّاهُ الْحَافِظ فِي الْفَتْح (ج٧ ص٤١٩): بالمسند المبوب، وَالنُّسْخَة الَّتِي بَين أَيْدِينَا يَرْوِيهَا الْخفاف عَن الإِمَام السراج، وَقد يذكر الْحَافِظ فِي الْفَتْح وَفِي التغليق أَحَادِيث مُسْند السراج من طَريقَة عَن الْخفاف بِهِ، وَلم يقل فِي مَوضِع وَاحِد رَوَاهُ السراج فِي الْمُسْتَخْرج، والكتب فِي المستخرجات مَعْرُوفَة مَعْلُومَة عِنْد أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن وَلم يقل أحد أَن الْمُسْتَخْرج للسراج، هُوَ الْمسند الْكَبِير على الْأَبْوَاب على وَأَن السراج نَفسه لم يشر فِي مَوضِع وَاحِد فِي الْمسند، أَنه

1 / 10

خرجه على مُسلم، خلاف مُسْند أبي عوَانَة، انْظُر (ج١ ص٢٣٥، ٢٣٦، ج٤ ص٤٨٩، ج٥ ص١٥، ٧١) والمسند الْمُسْتَخْرج لأبي نعيم وَغَيرهمَا من المسندات المستخرجات، وَقد فرق بَينهمَا منيرة نَاجِي سَالم أَيْضا فِي تَحْقِيقه على التحبير فِي المعجم الْكَبِير (ج١ ص٢٠٧) وَالله أعلم.
وصف نُسْخَة الْمسند
وصلت إِلَيْنَا نُسْخَة وَاحِدَة من الْمسند الْكَبِير وَهِي مصورة من المكتبة الظَّاهِرِيَّة بِدِمَشْق، وَهِي مَكْتُوبَة فِي الْقرن السَّادِس أَو السَّابِع الهجرية، كتبه الإِمَام الْهمام شيخ الْإِسْلَام ضِيَاء الدَّين مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْمَقْدِسِي ﵀ لَكِن الأسف على أَن هَذِه النُّسْخَة نُسْخَة نَاقِصَة مُشْتَمِلَة على تِسْعَة أَجزَاء مُخْتَلفَة فَقَط بأجزاء أبي عَمْرو الْخفاف، فَمِنْهَا: آخر الْجُزْء الأول، والجزء الثَّالِث، وَالرَّابِع، ثمَّ الْجُزْء الثَّانِي من الْجُزْء الثَّانِي ثمَّ الْجُزْء التَّاسِع والعاشر وجزء بعض الْحَادِي عشر، وَالثَّانِي عشر، وجزء.
وَقد ذكر الشَّيْخ الكتاني فِي الرسَالَة المستطرفة (ص٦٤) أَن مُسْند الإِمَام السراج مرت على الْأَبْوَاب وَلم يُوجد مِنْهُ إِلَّا الطَّهَارَة وَمَا مَعهَا فِي أَرْبَعَة عشر جُزْءا وَهَكَذَا فِي بعض مسموعات هَذِه النُّسْخَة كَمَا ذكره فِي ورق ٥٢ سَمِعت وَهُوَ أَرْبَعَة عشر جُزْءا وَالله أعلم، وَعَلِيهِ سماعات الشَّيْخ الإِمَام أبي الْحجَّاج يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الْمزي، وَالْإِمَام شمس الدَّين الذَّهَبِيّ وَغَيرهمَا من الْحفاظ.
وجدير بِالذكر بِأَن فِي الْجُزْء الْعَاشِر أَحَادِيث مكررة أَكثر من مائَة حَدِيث، وَهِي مَوْجُودَة فِي الْجُزْء الرَّابِع، انْظُر رقم: ١٠٧٩إِلَى ١١٩٥. وَلَا يبعد أَن يكون هَذَا الِاخْتِلَاف والتكرار فِي الرِّوَايَة عَن الْخفاف وَالله ﷾ أعلم.
وَهَذِه الْأَجْزَاء التِّسْعَة رَوَاهَا عَنهُ الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن عمر بن الْخفاف وَعنهُ أَصْحَابه، ولنذكر أَولا إِسْنَاد هَذِه الْأَجْزَاء ثمَّ نذْكر تراجمهم إِن شَاءَ الله.

1 / 11