Муктамад в Усул Фикх

المعتمد في أصول الفقه

Издатель

دار الكتب العلمية

Издание

الأولى

Год публикации

١٤٠٣

Место издания

بيروت

ـ[المعتمد في أصول الفقه]ـ
المؤلف: محمد بن علي الطيب أبو الحسين البَصْري المعتزلي (المتوفى: ٤٣٦هـ)
المحقق: خليل الميس
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة: الأولى، ١٤٠٣
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

1 / 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَالَ الشَّيْخ الْجَلِيل الامام أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن عَليّ بن الطّيب الْبَصْرِيّ ﵀
أَحْمَده على آلائه وأشكره على نعمائه وأستعين بِهِ وَأَتَوَكَّل عَلَيْهِ وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الْأَبْرَار وَسلم
ثمَّ الَّذِي دَعَاني إِلَى تأليف هَذَا الْكتاب فِي أصُول الْفِقْه بعد شرحي كتاب الْعمد واستقصاء القَوْل فِيهِ أَنِّي سلكت فِي الشَّرْح مَسْلَك الْكتاب فِي تَرْتِيب أبوابه وتكرار كثير من مسَائِله وَشرح أَبْوَاب لَا تلِيق بأصول الْفِقْه من دَقِيق الْكَلَام نَحْو القَوْل فِي أَقسَام الْعُلُوم وحد الضَّرُورِيّ مِنْهَا والمكتسب وتولد النّظر الْعلم وَنفي توليده النّظر إِلَى غير ذَلِك فطال الْكتاب بذلك وبذكر أَلْفَاظ الْعمد على وَجههَا وَتَأْويل كثير مِنْهَا فَأَحْبَبْت أَن أؤلف كتابا مرتبَة ابوابه غير مكررة وَأَعْدل فِيهِ عَن ذكر مَا لَا يَلِيق بأصول الْفِقْه من دَقِيق الْكَلَام إِذْ كَانَ ذَلِك من علم آخر لَا يجوز خلطه بِهَذَا الْعلم وَإِن يعلق بِهِ من وَجه بعيد فَإِنَّهُ إِذا لم يجز أَن يذكر فِي كتب الْفِقْه التَّوْحِيد وَالْعدْل وأصول الْفِقْه مَعَ كَون الْفِقْه مَبْنِيا على ذَلِك مَعَ شدَّة اتِّصَاله بِهِ فبأن لَا يجوز ذكر هَذِه الْأَبْوَاب فِي أصُول الْفِقْه على بعد تعلقهَا بهَا وَمَعَ أَنه لَا يقف عَلَيْهَا فهم الْغَرَض بِالْكتاب أولى وَأَيْضًا فَإِن القارىء لهَذِهِ الْأَبْوَاب فِي أصُول الْفِقْه إِن كَانَ عَارِفًا بالْكلَام فقد عرفهَا على أتم استقصاء وَلَيْسَ يَسْتَفِيد من هَذِه الْأَبْوَاب شَيْئا وَإِن كَانَ غير عَارِف بالْكلَام صَعب عَلَيْهِ فهمها وَإِن شرحت لَهُ فيعظم ضجره وملله إِذْ كَانَ قد صرف عنايته وشغل زَمَانه بِمَا يصعب عَلَيْهِ فهمه وَلَيْسَ بمدرك مِنْهُ غَرَضه فَكَانَ الأولى حذف هَذِه الْأَبْوَاب من أصُول الْفِقْه

1 / 3

فحذاني إِلَى تأليف هَذَا الْكتاب مَا ذكرته وَأَن يقدم هَذَا الْكتاب أَيْضا زيادات لَا تُوجد فِي الشَّرْح وَأَنا إِن شَاءَ الله أذكر الْغَرَض بِهَذَا الْكتاب ثمَّ أذكر أقسامه وَعدد أبوابه وترتيبها ثمَّ أشرع فِي الْكَلَام فِيهَا بمعونة الله وَحسن توفيقه ﷺ َ - بَاب ذكر الْغَرَض من هَذَا الْكتاب ﷺ َ -
أعلم أَن الْغَرَض بِهَذَا هُوَ النّظر فِي أصُول الْفِقْه فَإِن قيل قَوْلكُم أصُول الْفِقْه يشْتَمل على الْأُصُول وعَلى الْفِقْه فَمَا الْفِقْه وَمَا الْأُصُول ثمَّ مَا أصُول الْفِقْه فيل أما قَوْلنَا فقه فَإِنَّهُ يسْتَعْمل فِي اللُّغَة وَفِي عرف الْفُقَهَاء أما فِي اللُّغَة فَهُوَ الْمعرفَة بِقصد الْمُتَكَلّم يَقُول فقهت كلامك أَي عرفت قصدك بِهِ وَأما فِي عرف الْفُقَهَاء فَهُوَ جملَة من الْعُلُوم بِأَحْكَام شَرْعِيَّة فَإِن قيل فَمَا الْأَحْكَام هَا هُنَا قيل هِيَ المنقسمة إِلَى كَون الْفِعْل حسنا مُبَاحا ومندوبا إِلَيْهِ وواجبا وقبيحا محرما مَحْظُورًا ومكروها وَلَيْسَت الْأَحْكَام هِيَ الْأَفْعَال لِأَن الْأَحْكَام مُضَافَة إِلَى الْأَفْعَال لقَوْل أَحْكَام الْأَفْعَال وَالشَّيْء لَا يُضَاف إِلَى نَفسه فَإِن قيل مَا الْحسن وَمَا الْمَنْدُوب إِلَيْهِ وَالْوَاجِب وَالْمحرم والمحظور والقبيح وَالْمَكْرُوه لأنكم إِن لم تبينوا ذَلِك لم تَكُونُوا قد بينتم الْأَحْكَام فَلَا تَكُونُوا قد بينتم الْفِقْه وَلَا يُمكن أَيْضا أَن تستدلوا على ان الْأَمر على الْوُجُوب أَو النّدب إِلَّا بعد أَن تعقلوا ذَلِك قيل لَهُ أما الْحسن فَهُوَ فعل إِذا فعله الْقَادِر عَلَيْهِ لم يسْتَحق الذَّم على وَجه وَأما الْمَنْدُوب إِلَيْهِ فِي عرف الْفُقَهَاء فَهُوَ فعل بعث الْمُكَلف من غير إِيجَاب وَإِذا أطلق أَفَادَ لِأَن الله ﷿ ندب إِلَيْهِ وَأما الْوَاجِب فَهُوَ فعل للإخلال بِهِ مدْخل فِي اسْتِحْقَاق الذَّم أَو للإخلال بِهِ تَأْثِير فِي اسْتِحْقَاق الذَّم وَأما الْقَبِيح فَهُوَ فعل لَهُ تَأْثِير فِي اسْتِحْقَاق الذَّم واما الْمحرم والمحظور فَهُوَ مَا منع من فعله بالزجر وَإِذا أطلق أَفَادَ أَن الله سُبْحَانَهُ حرمه وحظره وَلَك أَن تَقول إِنَّه مَا حرم فعله وحظر وَمعنى تَحْرِيم الله إِيَّاه

1 / 4

وحظره أَنه دلّ الْمُكَلف على قبحه أَو أعلمهُ ذَلِك واما الْمَكْرُوه فِي عرف الْفُقَهَاء مَا الأولى أَن لَا يفعل وَسَيَجِيءُ شرح ذَلِك فِي مَوضِع آخر وَإِنَّمَا ذكرنَا من الْآن مَا تمس الْحَاجة إِلَيْهِ فَإِن قيل فَمَا معنى قَوْلكُم فِي الْأَحْكَام إِنَّهَا شَرْعِيَّة قيل معنى ذَلِك أَنَّهَا مستفادة إِمَّا بِنَقْل الشَّرِيعَة لَهَا عَن حكم الأَصْل وَإِمَّا بامساك الشَّرِيعَة عَن نقلهَا عَن حكم الأَصْل وَهَذَا الْأَخير إِنَّمَا يتم لنا بِأَن يعرف الْحَظْر والاباحة فِي الأَصْل وَيعرف إمْسَاك الشَّرِيعَة عَن نقلهما وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يذكر الْحَظْر والاباحة فِي طرق الْفِقْه لِأَنَّهُ لَا بُد مِنْهُمَا وَإِن شرطنا فيهمَا إمْسَاك الشَّرِيعَة عَن نقلهما
فَأَما قَوْلنَا أصُول فَإِنَّهُ يُفِيد فِي اللُّغَة مَا يبتني عَلَيْهِ غَيره وَيتَفَرَّع عَلَيْهِ وَأما قَوْلنَا أصُول الْفِقْه فَإِنَّهُ يُفِيد على مُوجب اللُّغَة مَا يتَفَرَّع عَلَيْهِ الْفِقْه كالتوحيد وَالْعدْل وأدلة الْفِقْه ويفيد فِي عرف الْفُقَهَاء النّظر فِي طرق الْفِقْه على طَرِيق الاجمال وَكَيْفِيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا وَمَا يتبع كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا فَإِن قيل وَلم قُلْتُمْ إِنَّه يُفِيد فِي عرفهم مَا ذكرتموه فَقَط دون غَيره مِمَّا يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْفِقْه قيل أما أَنه يُفِيد فِي عرفهم مَا ذَكرْنَاهُ من الطّرق المجملة وَكَيْفِيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا فَلَا شكّ فِيهِ وَأما أَنه لَا يُفِيد غَيره مِمَّا يبتني الْفِقْه عَلَيْهِ فلأنهم لَا يسمون غَيره أصولا للفقه وَإِن يفرع عَلَيْهِ كالتوحيد وَالْعدْل والنبوات وأدلة الْفِقْه المفصلة أَلا ترى أَنهم لَا يسمون الْكتب المصنفة فِي هَذِه الْأَدِلَّة كتبا فِي أصُول الْفِقْه فَإِن قيل فَمَا طرق الْفِقْه قيل هِيَ مَا النّظر الصَّحِيح فِيهَا يُفْضِي إِلَى الْفِقْه فَإِن قيل وَإِلَى كم يَنْقَسِم قيل إِلَى قسمَيْنِ دلَالَة وأمارة وَالدّلَالَة هِيَ مَا النّظر الصَّحِيح فِيهَا يُفْضِي إِلَى الْعلم والإمارة هِيَ مَا النّظر الصَّحِيح فِيهَا يُفْضِي إِلَى غَالب الظَّن فَإِن قيل بينوا مَا الْعلم وَمَا الظَّن الصَّحِيح كَمَا بينتم مَا الدّلَالَة وَمَا الأمارة لِأَن جَمِيع ذَلِك قد دخل فِي تَفْسِير طرق الْفِقْه وَلِأَن معرفَة الْفرق بَين الدّلَالَة والأمارة مفتقر إِلَيْهَا فِي أصُول الْفِقْه لِأَن بَعْضهَا أَدِلَّة وَبَعضهَا أَمارَة قيل أما الْعلم فَهُوَ الِاعْتِقَاد الْمُقْتَضِي لسكون النَّفس إِلَى أَن معتقده على مَا اعتقده عَلَيْهِ

1 / 5

وَأما الظَّن فَهُوَ تَغْلِيب بِالْقَلْبِ لأحد مجوزين ظاهري التجويز وَأما النّظر فَهُوَ الْفِكر وَلَك أَن تَقول هُوَ الِاسْتِدْلَال وَالِاسْتِدْلَال هُوَ تَرْتِيب اعتقادات أَو ظنون ليتوصل بهَا إِلَى الْوُقُوف على الشَّيْء باعتقاد أَو ظن واما النّظر الصَّحِيح فَهُوَ تَرْتِيب للعلوم أَو للظنون بِحَسب الْعقل ليتوصل بهَا إِلَى علم أَو ظن وَالْفرق بَين كَامِل الْعقل وَمن لَيْسَ بكامل الْعقل ظَاهر فِي الْجُمْلَة وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع تَفْصِيله فَإِن قيل فَمَا معنى وصفكم أصُول الْفِقْه بِأَنَّهَا طرق الْفِقْه على جِهَة الاجمال قيل معنى ذَلِك أَنَّهَا غير مُعينَة أَلا ترى أَنا إِذا تكلمنا فِي أَن الْأَمر على الْوُجُوب لم نشر إِلَى أَمر معِين وَكَذَلِكَ النَّهْي والاجماع وَالْقِيَاس وَلَيْسَ كَذَلِك أَدِلَّة الْفِقْه لِأَنَّهَا مُعينَة نَحْو قَول النَّبِي ﷺ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَلِهَذَا كَانَ القَوْل بِأَن أصُول الْفِقْه كَلَام فِي أَدِلَّة الْفِقْه يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون كَلَام الْفُقَهَاء فِي أَدِلَّة الْفِقْه الْمعينَة كلَاما فِي أصُول الْفِقْه فَإِن قيل فَمَاذَا عنيتم بقولكم كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال هَا هُنَا قيل الشُّرُوط والمقدمات وترتيبها الَّذِي مَعَه يسْتَدلّ بالطرق على الْفِقْه فَإِن قيل فَمَا مرادكم بقولكم وَمَا يتبع كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال هَا هُنَا قيل هُوَ القَوْل فِي إِصَابَة الْمُجْتَهدين لِأَنَّهُ يتبع كَيْفيَّة استدلالهم أَن يُقَال هَل أَصَابُوا أم لَا ﷺ َ - بَاب فِي قسْمَة أصُول الْفِقْه ﷺ َ -
أعلم أَنه لما كَانَت أصُول الْفِقْه طرقا إِلَى الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَكَيْفِيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا وَمَا يتبع ذَلِك وَكَانَت الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة تلْزم الْمُجْتَهد وَغير الْمُجْتَهد وَجب أَن يكون لهَذَا طَرِيق ولذاك طَرِيق وَطَرِيق الَّذِي لَيْسَ بمجتهد فَتْوَى الْمُجْتَهد وَطَرِيق الْمُجْتَهد ضَرْبَان
احدهما الْبَقَاء على حكم الْعقل إِذا لم ينْقل عَنهُ شرع وَذَلِكَ يَقْتَضِي ذكر الْحَظْر والاباحة ليعلم مَا يجوز أَن ينْتَقل بِالشَّرْعِ عَن حكم الْعقل وَمَا لَا يجوز أَن ينْتَقل

1 / 6

وَالْآخر مَا يرد من حَكِيم أَو مَا هُوَ طَرِيق إِلَى وُرُود ذَلِك من حَكِيم كالاجتهاد وَمَا يرد من حَكِيم ضَرْبَان أَحدهمَا مستنبط كالقياس وَالْآخر غير مستنبط وَمَا لَيْسَ بمستنبط ضَرْبَان أَحدهمَا أَقْوَال وَالْآخر أَفعَال والحكيم الصَّادِر عَنهُ الْأَقْوَال إِمَّا أَن يكون حكيما لذاته وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ وَإِمَّا أَن يكون حكيما لِأَنَّهُ مَعْصُوم من الْخَطَأ وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا آحَاد الْأَنْبِيَاء وَالْآخر جمَاعَة الْأمة والأقوال إِمَّا أَن تكون أصلا فِي الافادة وَإِمَّا أَن تكون تَابِعَة لغَيْرهَا فِي الافادة كالحروف الَّتِي إِنَّمَا تغير فَوَائِد الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال فَتحصل فوائدها متراخية أَو متعقبة وَمَا يكون أصلا فِي الافادة إِمَّا أَن يُفِيد معنى مقترنا بِزَمَان وَهُوَ الْأَفْعَال وَإِمَّا أَن يُفِيد معنى غير مقترن بِزَمَان وَهُوَ الْأَسْمَاء وَيدخل فِي الْأَفْعَال الْأَمر وَالنَّهْي والأسماء إِمَّا أَن تكون شَامِلَة وَإِمَّا أَن تكون خَاصَّة وَإِمَّا أَن تدل على طَرِيق الْإِجْمَال أَو لَا على طَرِيق الْإِجْمَال وَهُوَ الْمُجْمل والمبين وَلَا يَخْلُو الْكَلَام إِمَّا أَن لَا يُفِيد رفع حكم دَلِيل شَرْعِي أَو يُفِيد ذَلِك وَهُوَ النَّاسِخ وَهَذِه الْأَفْعَال والأقوال نتكلم فِيهَا على وَجْهَيْن أَحدهمَا كَلَام فِي غَايَة الاجمال من غير تعْيين أصلا نَحْو أَن نبين فوائدها وَمَا ضعت لَهُ وَالْآخر كَلَام أقل إِجْمَالا من ذَلِك نَحْو أَن نَنْظُر هَل الْأَقْوَال الَّتِي عرفنَا فوائدها هِيَ الَّتِي فِي الْقُرْآن وَالسّنة فَقَط أَو يضم إِلَى ذَلِك مَا فِي كتب الْمُتَقَدِّمين من الْأَنْبِيَاء وَيدخل فِي ذَلِك أَبْوَاب سنذكرها
وَأما كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بالأدلة على الْأَحْكَام فالمرجع بِهِ إِلَى كَيْفيَّة تَرْتِيب الشُّرُوط والمقدمات الَّتِي مَعهَا يسْتَدلّ بالأدلة على الاحكام الشَّرْعِيَّة وَيصِح أَن يحمل مَعهَا خطاب الْحَكِيم إِذا تجرد على حَقِيقَته دون مجازه وعَلى مجازه مَعَ الْقَرِينَة وَذَلِكَ يُوجب أَن نتكلم فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز ليَصِح أَن نعلم مَا حَقِيقَة الْأَمر وَالنَّهْي والعموم فَيصح حمل ذَلِك على حقائقه وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن نقسم الْكَلَام قسْمَة تَنْتَهِي إِلَى الْحَقِيقَة وَالْمجَاز ونتكلم فِي إثباتهما وَحدهمَا وَنَذْكُر مَا يفصل بِهِ بَينهمَا وَنَذْكُر أحكامهما وَنَتبع الْكَلَام فِي كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال على الْأَحْكَام النّظر فِي المستدلين على الْأَحْكَام هَل هم مصيبون على اخْتلَافهمْ أم

1 / 7

لَا فحصلت أَبْوَاب أصُول الْفِقْه هَذِه أَقسَام الْكَلَام وَذكر الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وفوائد الْحُرُوف وَالْأَمر وَالنَّهْي والعموم وَالْخُصُوص والمجمل والمبين وَالْأَفْعَال والناسخ والمنسوخ وَالْإِجْمَاع وَالْأَخْبَار وَالْقِيَاس والحظر وَالْإِبَاحَة وطرق الْأَحْكَام وَكَيْفِيَّة الِاسْتِدْلَال بالأدلة وَصفَة الْمُفْتِي والمستفتي وإصابة الْمُجْتَهدين ﷺ َ - بَاب تَرْتِيب أَبْوَاب أصُول الْفِقْه ﷺ َ -
أعلم أَنه لما كَانَت أصُول الْفِقْه هِيَ طرق الْفِقْه وَكَيْفِيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا وَمَا يتبع كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا وَكَانَ الْأَمر وَالنَّهْي والعموم من طرق الْفِقْه وَكَانَ الْفَصْل بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز تفْتَقر إِلَيْهِ معرفتنا بِأَن الْأَمر وَالنَّهْي والعموم مَا الَّذِي يُفِيد على الْحَقِيقَة وعَلى الْمجَاز وَجب تَقْدِيم أَقسَام الْكَلَام وَذكر الْحَقِيقَة مِنْهُ وَالْمجَاز وأحكامهما وَمَا يفصل بِهِ بَينهمَا على الْأَوَامِر والنواهي ليَصِح أَن نتكلم فِي أَن الْأَمر إِذا اسْتعْمل فِي الْوُجُوب كَانَ حَقِيقَة ثمَّ الْحُرُوف لِأَنَّهُ قد يجْرِي ذكر بَعْضهَا فِي أَبْوَاب الْأَمر فَلذَلِك قدمت عَلَيْهَا ثمَّ نقدم الْأَوَامِر والنواهي على بَاقِي الْخطاب لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَن يعرف فَائِدَة الْخطاب فِي نَفسه ثمَّ نتكلم فِي شُمُول تِلْكَ الْفَائِدَة وخصوصها وَفِي إجمالها وتفصيلها ونقدم الْأَمر على النَّهْي لتقديم الْإِثْبَات على النَّفْي ثمَّ نقدم الْخُصُوص والعموم على الْمُجْمل والمبين لِأَن الْكَلَام فِي الظَّاهِر اولى بالتقديم من الْخَفي ثمَّ نقدم الْمُجْمل والمبين على الْأَفْعَال لِأَنَّهُمَا من قبيل الْخطاب وَلِأَن الْمُجْمل كالعموم فِي أَنه يدل على ضرب من الْإِجْمَال فَجعل مَعَه وَتقدم الْأَفْعَال على النَّاسِخ والمنسوخ لِأَن النّسخ يدْخل الْأَفْعَال وَيَقَع بهَا كَمَا يدْخل الْخطاب ونقدم النّسخ على الْإِجْمَاع لِأَن النّسخ يدْخل فِي خطاب الله سُبْحَانَهُ وخطاب رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ دون الاجماع ونقدم الْأَفْعَال على الاجماع لِأَنَّهَا مُتَقَدّمَة على النّسخ والنسخ مُتَقَدم على الاجماع وَلِأَن الْأَفْعَال كالأقوال فِي انها صادرة عَن النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا

1 / 8

قدمنَا جملَة أَبْوَاب الْخطاب على الاجماع لِأَن الْخطاب طريقنا الى صِحَّته وَلِأَن تَقْدِيم كَلَام الله سُبْحَانَهُ وَكَلَام نبيه أولى ثمَّ نقدم الْإِجْمَاع على الْأَخْبَار لِأَن الْأَخْبَار مِنْهَا آحَاد وَمِنْهَا تَوَاتر أما الْآحَاد فالإجماع أحد مَا يعلم بِهِ وجوب قبُولهَا وَهِي أَيْضا أَمَارَات فجاورنا بَينهَا وَبَين الْقيَاس وَأما الْمُتَوَاتر فَإِنَّهَا وَإِن كَانَت طَرِيقا إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع فانه يجب تَأْخِيرهَا عَنهُ كَمَا أخرناها عَن الْخطاب لما وَجب أَن نَعْرِف الْأَدِلَّة ثمَّ نتكلم فِي طَرِيق ثُبُوتهَا وَإِنَّمَا اخرنا الْقيَاس عَن الْإِجْمَاع لِأَن الْإِجْمَاع طَرِيق إِلَى صِحَة الْقيَاس وَأما الْحَظْر والاباحة فلتقدمه على الْخطاب وَجه غير أَنه لما كَانَ أَكثر الْغَرَض بِهَذَا الْكتاب الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة الْمَحْضَة قدمت على الْحَظْر والاباحة على الْكَلَام فِي طَرِيق الْأَحْكَام الَّذِي هُوَ أقل إِجْمَالا لأَنا تكلمنا قي الْحَظْر والاباحة على ضرب من الاجمال كَمَا تكلمنا فِي الْأَمر وَالنَّهْي فَجعلنَا الْحَظْر والاباحة فِي هَذِه الْجُمْلَة ثمَّ انتقلنا إِلَى الْكَلَام فِي الطّرق الَّتِي هِيَ اقل إِجْمَالا وقدمناه على كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا لِأَن كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا فرع عَلَيْهَا ثمَّ تكلمنا فِي كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بطرق الْأَحْكَام وَقدمنَا جملَة هَذِه الْأَبْوَاب على صفة الْمُفْتِي والمستفتي لِأَن الْمُفْتِي إِنَّمَا يجوز لَهُ أَن يُفْتِي إِذا عرف جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من الْأَدِلَّة وَكَيْفِيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا والمستفتي إِنَّمَا يجوز لَهُ أَن يستفتي إِذا لم يعرف ذَلِك فَصَارَ الْكَلَام فِي الْمُفْتِي والمستفتي فرعا عى الْمعرفَة بجملة مَا تقدم وَبعد ذَلِك نَنْظُر فِي إِصَابَة الْمُجْتَهد إِذا اجْتهد لنَفسِهِ أَو ليفتي غَيره
فقد أَتَيْنَا على ذكر الْغَرَض بِالْكتاب وَقِسْمَة أبوابه وترتيبها وَنحن نشرع فِي أَبْوَاب الْكتاب وَنَذْكُر كل بَاب فِي مَوْضِعه الَّذِي يَلِيق بِهِ إِن شَاءَ الله ﷿ ﷺ َ - بَاب فِي حَقِيقَة الْكَلَام وقسمته ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْكَلَام هُوَ مَا انتظم من الْحُرُوف المسموعة المتميزة وَقد دخل فِي

1 / 9

ذَلِك كل مَا هُوَ كَلَام كالحرفين فَصَاعِدا لِأَن الحرفين موصوفان بِأَنَّهُمَا من الْحُرُوف وَبِهَذَا الْحَد ينْفَصل الْكَلَام مِمَّا لَيْسَ بِكَلَام لِأَنَّهُ ينْفَصل مِمَّا لَيْسَ بحروف وَمن حُرُوف الْكِتَابَة لِأَنَّهَا غير مسموعة وَمن أصوات كَثِيرَة من الْبَهَائِم لِأَنَّهَا لَيست بحروف متميزة وَمن الْحُرُوف الْوَاحِد نَحْو الزَّاي من زيد لِأَنَّهُ لَيْسَ يُوجد فِي الْحَرْف الْوَاحِد انتظام وَمن حد الْكَلَام بانه الْمُفِيد يلْزمه أَن تكون الاشارة وَالْعقد كلامين وَمن شَرط فِي كَونه كلَاما وُقُوع الْمُوَاضَعَة عَلَيْهِ يلْزمه أَن لَا يكون الْحُرُوف الْمُؤَلّفَة كلَاما إِذا لم يَقع عَلَيْهَا الِاصْطِلَاح مَعَ أَن أهل اللُّغَة قسموا الْكَلَام إِلَى المهمل والمستعمل فوصفوا المهمل بِأَنَّهُ كَلَام وَإِن لم يوضع لشَيْء وَلَيْسَ يبعد أَن يشْتَرط فِي كَون الْحُرُوف كلَاما وُقُوع الِاصْطِلَاح عَلَيْهَا وَأَن يُوصف المهمل بِأَنَّهُ كَلَام على سَبِيل الْمجَاز لِأَن مَا سمعناه يصل بَين حرفين نَحْو التَّاء مَعَ التَّاء وَالْألف مَعَ الْألف لَا يُوصف بِأَنَّهُ مُتَكَلم فَإِن علم أَن ذَلِك مصطلح عَلَيْهِ وصف بِأَنَّهُ مُتَكَلم فَإِذا ثَبت ذَلِك قُلْنَا الْكَلَام هُوَ مَا انتظم من الْحُرُوف المسموعة المتميزة المتواضع على اسْتِعْمَالهَا فِي الْمعَانِي وَإِذا حددنا الْكَلَام بِهَذَا كَانَ الْكَلَام كُله مُسْتَعْملا وقسمناه هَكَذَا الْكَلَام مِنْهُ مَا يُفِيد صفة فِيمَا اسْتعْمل فِيهِ وَمِنْه مَا لَا يُفِيد صفة فِيمَا اسْتعْمل فِيهِ وَإِن حددناه بِالْحَدِّ الأول قُلْنَا فِي قسمته الْكَلَام ضَرْبَان مهمل ومستعمل فالمهمل لم يوضع فِي اللُّغَة لشَيْء والمستعمل هُوَ مَا وضع ليستعمل فِي الْمعَانِي وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا يُفِيد صفة فِيمَا اسْتعْمل فِيهِ والاخر لَا يُفِيد صفة فِيمَا اسْتعْمل فَالْأول كَقَوْلِنَا أسود وطويل وَالثَّانِي ضَرْبَان أَحدهمَا فِيهِ معنى الشُّمُول وَالْآخر لَيْسَ فِيهِ معنى الشُّمُول أما الأول فكقولنا شَيْء فَإِنَّهُ وضع لكل مَا يَصح أَن يعلم وَالْآخر أَسمَاء الْأَعْلَام كَقَوْلِنَا زيد وَذَلِكَ أَن من سمى ابْنه زيدا فَإِنَّهُ لَا يجب أَن يُشَارك بَينه وَبَين غَيره فِي الِاسْم والألقاب تجْرِي مجْرى الاشارة لِأَن اللقب لَا يُفِيد فِيهِ صفة مَخْصُوصَة وَلَا مَجْمُوع صِفَاته أَلا ترى أَنه ينقص بعض صِفَاته وأعضائه وَيزِيد لَهُ صفة أُخْرَى من طول وَسمن وَلَا يتَغَيَّر اسْمه وَيجوز أَن تَتَغَيَّر الألقاب على الشَّخْص مَعَ أَن

1 / 10

اللُّغَة بَاقِيَة وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن تَسْمِيَة هَذَا الشَّخْص زيدا لم تكن تُوضَع من واضعي اللُّغَة حَتَّى إِذا سلبناه عَنهُ كُنَّا قد خَالَفنَا لغتهم وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا سلبنا اسْم الطَّوِيل عَن الطَّوِيل وعوضناه مِنْهُ اسْم الْقصير لِأَن ذَلِك تَغْيِير لوضعهم فَلم يجز ذَلِك مَعَ أننا متكلمون بلغتهم
فَصَارَ الْكَلَام على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا مُسْتَعْمل بِوَضْع اهل اللُّغَة وَلَيْسَ بلقب وَالْآخر لقب فاللقب لَا يدْخلهُ الْحَقِيقَة والمجازعلى مَا سَنذكرُهُ وَمَا لَيْسَ بلقب يدْخلهُ الْحَقِيقَة وَالْمجَاز
فقد أَتَيْنَا على حد الْكَلَام وقسمته حَتَّى انتهينا إِلَى ذكر الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَنحن نذْكر معنى الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وتقسيمهما وَنَذْكُر احكامهما وَمَا ينْفَصل بِهِ أَحدهمَا من الآخر إِن شَاءَ الله ﷺ َ - بَاب فِي إِثْبَات الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَفِي حَدهَا ﷺ َ -
أما إثباتهما فِي اللُّغَة فَظَاهر فِي الْجُمْلَة لقَوْل أهل اللُّغَة هَذَا الِاسْم حَقِيقَة وَهَذَا الِاسْم مجَاز وَإِذا عرفنَا ماهيتهما تكلمنا فِي إثباتهما على التَّفْصِيل فَأَما حدهما فَهُوَ أَن الْحَقِيقَة مَا أفيد بهَا مَا وضعت لَهُ فِي أصل الِاصْطِلَاح الَّذِي وَقع التخاطب بِهِ وَقد دخل فِي هَذَا الْحَد الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة والعرفية والشرعية وَالْمجَاز هُوَ مَا أفيد بِهِ معنى مصطلحا عَلَيْهِ غير مَا اصْطلحَ عَلَيْهِ فِي أصل تِلْكَ الْمُوَاضَعَة الَّتِي وَقع التخاطب فِيهَا
فان قيل فَيجب إِذا قَالَ الْوَاضِع سموا هَذَا حَائِطا أَو قَالَ قد سميت هَذَا حَائِطا أَن لَا يكون قَوْله حَائِط فِي تِلْكَ الْحَال حَقِيقَة للحائط قيل كَذَلِك نقُول لِأَنَّهُ لم يتَقَدَّم ذَلِك مواضعة فَيكون قد أَفَادَ بقوله حَائِط مَا اقتضته تِلْكَ الْمُوَاضَعَة وَلَا يكون أَيْضا مجَازًا لِأَنَّهُ لم يتقدمه

1 / 11