Мизан усул

ميزان الأصول في نتائج العقول

Редактор

محمد زكي عبد البر

Издатель

مطابع الدوحة الحديثة

Издание

الأولى

Год публикации

1404 AH

Место издания

قطر

ميزان الأصول في نتائج العقول
«المختصر»
تصنيف
الشيخ الإمام علاء الدين شمس النظر أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي
(المتوفى سنة ٥٣٩ هـ) متعه الله من علمه
حققه وعلق عليه وينشره لأول مرة
الدكتور محمد زكي عبد البر
الأستاذ بكلية الشريعة - جامعة قطر
ونائب رئيس محكمة النقض بمصر (سابقا)

Неизвестная страница

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧]
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]

مقدمة / 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تقْديم
الحمد لله على ما وهبنا من نعمائه، ونحمده على ما أعطانا من آلائه، ونثني عليه الخير أعظم ثنائه.
والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله: بعثه هاديًا، وبشيرًا، ونذيرًا، الناسخ بشرعه كل شرع غابر.
ورضي الله عن أصحابه، الذين حازوا قصب السبق في نصرة الشريعة الغراء والحنيفية السمحة البيضاء، الباذلين نفوسهم في سبيل الله لإعلاء الدين والإيمان.
وأثاب الله من تبعهم بإحسان، الباذلين جهودهم في استنباط الأحكام، والبالغين ذروة الكمال في تبيان الحلال والحرام.
أما بعد - فإن إدارة إحياء التراث الإسلامي بدولة قطر يسرها أن يشاركها في مهمتها الأفراد والجماعات، فإن التراث الإسلامي، في كل مناحي المعرفة في، حاجة، لإحيائه ونشره، إلى جهود المئات بل الأُلوف.
وإنه ليسرها أن تقدم للعالم الإسلامي هذا العمل الرفيع المستوى، تحقيقًا وتعليقًا وطباعة، وهو نشر مخطوطة (ميزان الأصول في نتائج العقول - المختصر) لأول مرة، من تأليف الأصولي الفقيه المتكلم الإمام علاء الدين السمرقندي من علماء القرن السادس الهجري، وتحقيق الدكتور محمد زكي عبد البر الأُستاذ بكلية الشريعة بجامعة قطر. وقد سبق للمحقق نفسه أن نشر، لأول مرة أيضًا، مخطوطة "تحفة الفقهاء" للمؤلف نفسه، عندما كان أُستاذًا بكلية الشريعة في جامعة دمشق سنة ١٣٧٧ هـ - ١٩٥٨ م، في ثلاثة أجزاء، فقوبلت بالترحيب من الجامعات، إذ قررت كلية الشريعة بجامعة دمشق وكذا كلية الشريعة في عمان بالأردن تدريسه فيها. كما سبق لإدارة إحياء التراث الإسلامي بدولة قطر أن نشرت للمحقق نفسه كتابًا قيمًا بعنوان "تقنين الفقه الإسلامي". والكتاب الذى نقدمه اليوم يمتاز بما امتازت به "التحفة" من ترتيب وحسن عرض للأقوال المختلفة، وبيان وجه الخطأ أو الصحة في هذه الأقوال، مما ييسر على القاريء الإلمام بالموضوع في سهولة ويسر، وخصوصًا في هذا العلم -علم الأصول- الذي اتسم، في نظر بعض الناس، بالصعوبة لفظًا ومعنى.

مقدمة / 7

وقد قدم المحقق لنشر هذا الكتاب بمقدمة عن المؤلف، وعن الكتاب ونسخه ومنهجه في النشر، كما آثر أن ينشر تقديم أُستاذه وأحد أساتذة الجيل - المغفور له الشيخ علي الخفيف لكتاب "التحفة"، إحياء لذكرى هذا الرجل العظيم، ونفعًا للناس بما جاء في هذا التقديم من علم غزير وتوجيه سليم.
وموضوعات الكتاب هي موضوعات علم "أُصول الفقه". وقد رتبه المؤلف على أربعة فصول، الأول: (في بيان الأحكام). والثاني: "في بيان ما يعرف به الأحكام". والثالث: "التعارض بين الأدلة". والرابع: "أهلية الأحكام".
ولم يقتصر المحقق، أثابه الله، على مجرد نشر الكتاب مصححًا موثقًا، بل ترجم للأعلام، وشرح الألفاظ الغامضة، وفي بعض الأحيان يورد عبارات موضحة للمعنى إذا غمضت العبارة - كل ذلك من المصادر الأصلية المعتمدة.
وإننا لنرجو أن يمنح الله -بفضله وكرمه- المحقق القوة والتيسير كي ينشر بقية كتب الإمام "علاء الدين السمرقندي" محققة معلقًا عليها على هذا النحو الرفيع من الضبط والتعليق والنشر.
وهذا االكتاب، بين يدي القاريء، ينطق بما بذل فيه من جهد، حتى جاء موضوعًا وشكلًا، على هذا المستوى الرائع.
ولابد أن نشيد أيضًا بإدارة النشر بمطابع الدوحة الحديثة التي حملت عبء نشر هذا الكتاب، وقامت به على هذه الدرجة العالية من الكمال - أثاب الله أصحابها ومديرها، ووفقهم إلى جلائل الأعمال.
وإنا لندعو الله بصالح الدعاء، للمؤلف وللمحقق ولكل من يعين على نشر تراثنا الإسلامي- إنه سميع مجيب. وأن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه ويجعلنا مفاتيح خير في نشر العلم، وخدمة أهله.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين.
خادم العلم
عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري
مُدِيرُ إدَارة إحْيَاء التراث الإسْلامي

مقدمة / 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كلمَة افتتَاحيَّة (١)
لا يمكن لشيء -أي شيء- أن يستقل بحاضره عن ماضيه، فالماضي هو الذي يحوي سر النشوء والتطور، وهو الذي يهدي إلى الخصائص والصفات، وهو بهذا يكشف عن طريق المستقبل. فالماضي هو أساس الحاضر والمستقبل، ولا يمكن لشيء أن يعيش منبت الصلة عن ماضيه. وهذا القول يصدق في الجماد والحيوان والإنسان، ويصدق في الأفراد والجماعات. ولقد كان لكل أُمة من الأمم التي دخلت في الإسلام من بعد، ماضيها، بما فيه من أسرار وصفات وخصائص وعلائق، تختلف في أُمة عنها في أُخرى، بل تختلف في الأمة الواحدة من طائفة إلى أُخرى. فلما جاء الإسلام جمع هذه الأمم، التي دخلت فيه، على أُسس واحدة، فوحد بينها، فيما يجب، وبالقدر الذي يجب التوحد فيه، من عقيدة واحدة، وغاية في الحياة ومن الحياة واحدة، فصهر هذه الأمم جميعًا في بوتقته، وأخرج منها الأمة الإسلامية، بعد أن وحد بين طوائف العرب وجعل منها الأمة العربية. ولكن هذه الأمم لم تنقطع صلاتها بتاريخها قبل الإسلام، لأن ذلك غير ممكن، ومن ثم كان لها تاريخ قبل الإسلام، وتاريخ بعد الإسلام، وكانت دولة الإسلام قوية، فظلت الدولة الإسلامية متراصة متحدة متكاتفة، لا تذكر تاريخها الأول إلا كطور من أطوار حياتها جاء الإسلام فطفر بها منه درجات إلى أعلى، فهي لا تذكر ماضيها ذكر حنين عودة إليه وإنما تذكره ذكر عبرة وتدبر. ولكن شاء قدر الله أن يأتي على الدولة الإسلامية ضعف المسلمين في عقيدتهم وأخلاقهم، فضعفت، واختلط الأمر على بعض أبنائها -إما جهلًا منهم وإما بتأثير الأجانب- فنسبوا هذا الضعف إلى الإسلام، ومن ثم ارتفعت أصوات في

(١) نقلا عن "تحفة الفقهاء" للمؤلف نفسه، التي حققها ونشرها لأول مرة محقق هذا الكتاب نفسه (مطبعة جامعة دمشق، ١٣٧٧ هـ - ١٩٥٨ م)

مقدمة / 9

كل أُمة بالعودة إلى أصل قومها قبل الإسلام، من فرعونية أو آشورية أو غيرهما. وهي دعوات خطيرة تبغي تنحية الإسلام عن أن يكون أصلًا في حياتها، إلى أن يكون عرضًا جانبيًا لا يمسكها من الأساس، وإنما يربط بينها ربطًا غير موجّه، كرابطة اللون مثلًا، ومن ثم وجب على المخلصين محاربة هذه الدعوات، ومن وراءها من مسلمين جهلاء، وغير مسلمين يمكرون بالإسلام وبالمسلمين. فلكل أُمة مسلمة أن تذكر تاريخها قبل الإسلام، وأن تلتمس منه أسباب القوة، ولكن عليها أن تكمل ذلك بذكر الإسلام وما أضاف من أمجاد إلى أمجادها، وما دفع بها إلى أمام، وما وحد بينها وبين أخواتها، وما وصلت بها هذه الوحدة من عظمة، ثم تواصل السير مع أخواتها -أُمة واحدة- إلى أمام مستمسكة بالإسلام، بانية نهضتها عليه.
القرآن هو حبل الله المتين الذي جذب العرب المتفرقين في البوادي، المختلفين في الطبع والعادة والدين واللهجة، وسلكهم في أُمة واحدة، وجمعهم على دين واحد، وشريعة واحدة، ولسان واحد، وجمعهم على خُلُق واحد، ونهج في الحياة واحد، فكوَّن منهم دولة بعد أن أعطاهم عناصرها. وبالقرآن خرج العرب من بلادهم غازين: يفتحون في الشرق وفي الغرب، وتستسلم لهم قلاع الروم وحصون فارس. وبالقرآن دخل الناس في دين الله، ودولة الإسلام، أفواجًا. وعلى القرآن أقام العرب -والمسلمون- علومهم. فلما وهنت صلة العرب والمسلمين بالقرآن، وهنت دولتهم، وضعفت شوكتهم، واستذلهم من لم يرحمهم. وكما صلح أولنا يصلح آخرنا. ولا ملجأ لنا - في حياتنا السياسية، الداخلية والخارجية، وفي حياتنا الإجتماعية، والتعليمية، والتشريعية -إلا القرآن. فالقرآن- وهذه نعمة كبرى اختص الله بها الأمة الإسلامية - قد نظم الدين والدنيا: فحدَّ الصلة بين المسلم وبين ربه، ونظم العلاقة بين المرء وبين أُسرته في أحواله الشخصية. ورسم أُسس معاملاته مع أفراد مجتمعه ودولته، ووضع منهج السياسة، في السلم والحرب، بين الدولة الإسلامية والدول غير الإسلامية. والقرآن، لغة وعقيدة وشريعة، هو وحده القادر على أن يجمع بين المسلمين في مختلف أقطارهم. والقرآن، عقيدة وشريعة، هو وحده الذي يربط بين الدول الإسلامية: يشهد ذلك بالحس من زار البلاد العربية والإسلامية، فما يتلى القرآن إلا وتجتمع القلوب وتزول فوارق الجنس واللون والدم والمكان والمجتمع، فيلتفت الصيني إلى المراكشي ويناديه: أخي! فأى قوة أُخرى تصنع مثل هذا الصنيع؟

مقدمة / 10

فالقرآن إن أردنا الدين، أو الدنيا، أو أردناهما معًا هو ملجؤنا: منه نستمد أُصول الأخلاق، وأُصول السياسة، وأُصول التشريع، وأُصول التربية والتعليم.
والقرآن لا يحول بيننا وبين الأخذ في مضمار الحياة الحديثة، فما وضع إلا أُصولًا، وما سن إلا قواعد.
ولسنا نقصد بقصرنا كلامنا على القرآن إنكار غيره من أُصول، ولكن لأنه الكتاب الأكبر الذي ترجع إليه هذه الأصول، وعنه تتفرع، وإليه ترد.
فإلى القرآن، إن أردنا ديننا ودنيانا، نتخذه شعارًا ومبدأ وموئلًا وميزانًا: فنحتفظ بخصائصنا التي تميزنا عن غيرنا فلا ننماع، ونمسك بالحبل الأوحد المتين الأبدي الذي يربطنا، من الفؤاد، بالدول العربية والإسلامية، ثم لا يضيرنا في علاقاتنا بالدول الأخرى.
* * *
وإذا كان البناء على الإسلام هو الأصل، فإنه يجب أن نتجه إلى تراثه فنجمعه في إخلاص وقوة، وننشره على الناس في أمانة، وندعو الناس إليه في إيمان ويقين أن العودة إليه، والبناء عليه، هو الهضبة المستقرة التي ارتفعت بنا عن أغوار الماضي، ولن يعلو لنا بناء مستقر إلا عليها.
ومنذ الماضي اهتم المسلمون، أفرادًا وجماعات وحكومات، بذلك. وقد بذل الأفراد الذين اتجهوا إلى هذا وسعهم، وكذا الجماعات الأهلية. ولم تنفرد أُمة إسلامية بهذه العناية، بل وجد التراث الإسلامي من يهتم به وينشره على الناس في كل البلاد الإسلامية من الشرق إلى الغرب، مما يدل على التجاوب في هذه البلاد التى جمع بينها الإسلام، ووحد بين أهلها في منازعهم وأهوائهم.
وإنا لندعو أن تهتم الحكومات الإسلامية، والجامعة العربية، بنشر المخطوطات الإسلامية فما تغني الجهود الفردية في هذا الصدد، وننبه إلى وجوب أن يوكل هذا العمل إلى ذويه، وأن يرسم للعمل منهاج معين قائم على أساس علمي، حتى يؤتي المجهود ثمرته.

مقدمة / 11

أما نحن فإن إيماننا بالفقه الإسلامي يزداد على الأيام قوة. وكل ما نرجوه أن يأخذ الله بيدنا إلى ما نبغي من خدمة شريعته، وأن يقوي فينا هذا الإحساس، وأن يؤتينا العزم والتوفيق والرشاد.
والكتاب الذي ننشره اليوم هو "تحفة الفقهاء" لعلاء الدين السمرقندي: عثرنا عليه أثناء الاطلاع على مخطوطات الفقه الإسلامي، لتحضير رسالتنا للدكتوراه. وقد راعنا هذا الكتاب وعزمنا منذ يومئذ على القيام بنشره، وسنتكلم على الكتاب ومؤلفه ومنهجنا، في المقدمة التالية للتقديم الذي تفضل به أُستاذنا الجليل الشيخ على الخفيف. وإنا لنرجو أن يكون باكورة نتبعها بنشر مخطوطات أخرى (١). والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
القاهرة في مايو سنة ١٩٥٥.
الدكتور محمّد زكى عَبدِ البرّ

(١) وقد وفقنا الله سبحانه ويسر لنا نشر "تحفة الفقهاء" لأول مرة في ثلاثة أجزاء. وها نحن اليوم -بمعونة الله ﷾ ننشر لأول مرة أيضًا كتابه "ميزان الأصول".

مقدمة / 12

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تقْديم (١)
للأستاذ الجليل
الشيخ/ عَلي الخَفيف
أُستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق
بجامعة القاهرة
ووكيل تلك الكلية سابقًا
من خير ما يقدم المرء لأمته أن ينشر بعض ما طواه الزمن من تراث علمي كان فيما مضى ركنًا من أركان نهضتها، ومظهرًا من مظاهر عزتها وحضارتها، وثمرة يانعة من ثمار حياتها وثقافتها.
وخير ما يحييه ويبعثه من ذلك ما كان متصلًا بحياتها الإجتماعية وروابطها الإقتصادية والسياسية، يقوم عليه أمنها وتطيب به حياتها وذلك هو الفقه.
ولقد كان الفقه الإسلامي من أهم الأُسس والعوامل التي ساهمت في بناء الأمة الإسلامية وتكوين حضارتها واتساع عمرانها وامتداد سلطانها وانضواء الشعوب المختلفة تحت لوائها، لأنه فقه يقوم على العدالة ويشرع الحقوق ويصونها ويكفل الحرية ويلائم الفطر السليمة ويزيل الفوارق ويقضي على الطبقات ويساير التطور ويمسك بالأصول والقواعد العادلة، لا تسيطر عليه شهوات الأفراد ولا أطماع الأحزاب والجماعات ولا يخضع لهوى الأمراء والرؤساء، ذلك بأنه مستمد من شرع لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وإرشاد من رسول أمين لا ينطق عن الهوى، ولا يحيد عن الحق، فجاء أول ما جاء ثابت

(١) كتبه أستاذنا الجليل المغفور له الشيخ علي الخفيف تقديمًا لكتاب "تحفة الفقهاء" لعلاء الدين السمرقندي صاحب هذا الكتاب "ميزان الأصول" ونحن نعيد نشره هنا لفائدته - وتحية لذكرى أستاذنا الجليل طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه.

مقدمة / 13

القواعد راسخ الأساس سليم المبادئ صحيح النتائج متفقًا مع الأعراف الصحيحة والعادات الحسنة والأخلاق الكريمة، يهدف إلى الإصلاح لا الهدم، ويدعو إلى السمو وينأى بجانبه عن الركود والقعود.
ولقد كان هذا الفقه وليدًا لقيام الدولة الإسلامية وظهور دينها، منه استمدت أصوله وأحكامه، وبقدر حاجتها تعددت فروعه وامتدت أغصانه، فكان في عهده الأول على قدر الحاجة إليه حلولًا لما حدث من مسائل وما اشتجر من خلاف وما وجد من نزاع في تلك البيئة القصيرة المدى المحدودة الرقعة المتقاربة الأركان البدوية الحياة الخشنة العيش المتجانسة الميول والعادات، حتى إذا نعم عيشها ونما ثراؤها واتسعت أطرافها وامتدت حدودها فشملت أقطارًا وضمت أُممًا ودولًا تختلف في عاداتها وتقاليدها ومعيشتها وأناظيمها (١) وأقاليمها وأجوائها، نما الفقه الإسلامي بنمائها واتسع بإتساعها وامتدت فروعه بإمتداد حدودها وآتى أُكله وبدأت حلوله تقوم على أُصول تدرس وترتد إلى قواعد تبحث ومبادئ تؤسس وعندئذ تم للفقه الإسلامي نموه واكتمل له ازدهاره فتنوعت بحوثه وتفرعت مسائله
واتسعت جوانبه وامتدت حدوده وتعددت فروعه.
كان الفقه الإسلامي أول ما وجد عبارة عن طائفة من الأحكام والفتاوي التي صدرت من الرسول صلوات الله وسلامه عليه فيما عرض عليه من خلاف وما استفتي فيه من مسائل لا يتجاوزها إلى غيرها وكان فيها حاجات الناس يومئذ وكان وجوده بينهم كفيلًا بتكميل أي نقص وسد أية حاجة، فإذا حدث ما لم يكن قد رفع إليه فزعوا إليه فقضى بينهم فأسلموا لقضائه ولم يكن لهم فيه خيرة ولا عنه محيد.
ثم انضم إلى هذه الطائفة بعد وفاته ﷺ ما استنبطه أصحابه من أحكام وفتاوي لما استجد من الحوادث وما نزل بهم من وقائع مما لم يحدث ولم ينزل بهم في زمنه ﷺ مسترشدين بأحكامه وفتاويه التي حفظوها عنه مستهدين بهديه حين كان يشرع لهم ويقضي بينهم ويجتهد لهم.
وكانت هذه الطائفة من الأحكام تمتاز عن الأولى بالكثرة وتعدد الآراء ووجود الخلاف وكان أصحابها يعملون بها بظن أنها توافق حكم الله وإن احتملت أن تكون

(١) جمع "أنظومة" أي الأنظمة أو النظم (القاموس والمعجم الوسيط).

مقدمة / 14