Менхадж аль-Мухаддисин с первого века хиджры до нашего времени

منهاج المحدثين في القرن الأول الهجري وحتى عصرنا الحاضر

Издатель

الهيئة المصرية العامة للكتاب

Издание

-

مقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم:
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم.
وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الذي بعثه الله في الأميين رسولًا منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.. أما بعد،
لقد أمرنا الله تعالى باتباع رسوله دون مراء، وطاعته دون جدال، فقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وحذرنا من مخالفته بالفتنة أو العذاب الأليم، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، فلا ينبغي لمؤمن أن يتردد في الاحتكام إلى شرعه، والالتزام بمنهجه وهديه. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
ولا يشك مسلم في أن شرع الله تعالى وهديه يتمثل في القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، وقال ﷺ: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه"، فالكتاب والسُّنَّة هما الشرع الحنيف، والدين القيم، من تمسك بهما رشد، ومن حكم بهما عدل، ومن عمل بهما أُجر، ومن التزم بهما هُدي إلى صراط مستقيم، قال ﷺ: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي".

1 / 7

ولقد أدرك السلف قدر السُّنَّة ومكانتها -فضلًا عن القرآن الكريم- فحفظوها في الصدور، ودونوها في السطور، ورَعَوْها حق رعايتها، فكانت مصدر قوتهم، وسر هيبتهم.
ومن الغريب والعجيب أننا في الوقت الذي نرى فيه عناية؛ بل ومفاخرة غير المسلمين بتراثهم الحضاري والثقافي والعلمي -نرى نابتة تزعم الانتساب إلى الإسلام تهاجم موروثها الديني، وتعمل جاهدة للنيل منه والحط من قدره؛ بل وتسعى للخلاص منه.
وهؤلاء وُلدوا في بلادنا، ويتكلمون بلغتنا؛ ولكنهم تغذوا فكر الكفرة والمشركين والملاحدة، فنمت أعوادهم مائلة إليهم، وجندوا أنفسهم الخبيثة وأقلامهم الملوثة للثرثرة في وسائل الإعلام والنشر المختلفة، ومن حين لآخر يختلقون المشاكل ليُسقطوا من بناء الإسلام لَبِنة، ومن مهابته في النفوس جزءًا، وقد اتخذت هذه الفئة الضالة مسالك شتى للوصول إلى أغراضهم، وللالتفات حول الإسلام جميعًا، فمنهم من جنَّد نفسه للنيل من قدسية القرآن الكريم، وسوء تأويله، ومنهم من جند نفسه للنيل من قدسية الحديث الشريف، أو التشكيك في الصحيح منه، وهؤلاء لا يخرجون عن ثلاثة أصناف: صنف جاهل غبي افتتن بحب الظهور، وصنف ملحد يدعو إلى الإلحاد لهوى في نفسه، وصنف مأجور لخدمة غير المسلمين الطامعين.
وقد قيض الله تعالى لهؤلاء وأمثالهم في كل عصر مَن يتصدى لهم، ويفضح أمرهم، ويحذِّر المسلمين منهم، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
ويوضح هذا البحث مدى عناية السلف والخلف -رجالًا ونساء- بالحديث النبوي الشريف، تدوينًا وتوثيقًا ورواية وغير ذلك، وأنهم بذلوا جهودًا كبيرة جدًّا من أجل خدمة السُّنَّة النبوية، والمحافظة عليها، والذود عنها في حياة النبي ﷺ وبعد مماته.

1 / 8

- وقد جاء هذا البحث في مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب:
المقدمة: فيها التنبيه على أهمية التمسك بالسُّنَّة النبوية باعتبارها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وأنها نالت عناية السلف في الصدر الأول للإسلام، والتنبيه أيضًا على أن هناك مشوشين يسعون للنيل من السُّنَّة المطهرة، وأن علماء المسلمين المتخصصين تعقبوا هذه الفئة الضالة، وفندوا كافة مزاعمهم، وردوهم على أعقابهم خاسرين.
التمهيد: وفيه فصلان:
الفصل الأول: منكرو السُّنَّة والرد عليهم، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مزاعم منكري السُّنَّة قديمًا والرد عليها.
المبحث الثاني: منكرو السُّنَّة حديثًا، وتفنيد مزاعمهم.
الفصل الثاني: مكانة السُّنَّة في التشريع الإسلامي.
الباب الأول: مناهج المحدثين في القرن الأول الهجري:
وفيه أحد عشر فصلًا:
الفصل الأول: مظاهر اهتمام الصحابة بالسُّنَّة.
الفصل الثاني: كتابة السُّنَّة في العهد النبوي.
الفصل الثالث: أشهر الصحف والكتابات في العهد النبوي.
الفصل الرابع: الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم.
الفصل الخامس: بواعث كتابة الحديث الشريف في القرن الأول الهجري.
الفصل السادس: مظاهر احتياط الصحابة في قبول الحديث الشريف.
الفصل السابع: منهج الصحابة في رواية الحديث الشريف.

1 / 9

الفصل الثامن: الصحابة المكثرون لرواية الحديث الشريف.
الفصل التاسع: أسباب تفاوت الصحابة في رواية الحديث الشريف.
الفصل العاشر: دور أمهات المؤمنين في خدمة الحديث الشريف.
الفصل الحادي عشر: أسباب تفاوت أمهات المؤمنين في الرواية.
الباب الثاني: مناهج المحدثين في القرن الثاني الهجري:
وفيه سبعة فصول:
الفصل الأول: المستجدات في هذا العصر.
الفصل الثاني: التدوين الشامل للسنة في هذا العصر، ومنهج العلماء في التصنيف.
الفصل الثالث: جهود التابعين في توثيق السُّنَّة وحفظها وتدوينها في النصف الأول من القرن الثاني الهجري.
الفصل الرابع: أشهر الصحف والكتابات في القرن الثاني الهجري.
الفصل الخامس: ضوابط الرواية عند التابعين.
الفصل السادس: التصنيف في القرن الثاني وبداية الثالث الهجريين.
الفصل السابع: الأئمة الأربعة، وأثرهم في علوم الحديث.
الباب الثالث: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري وحتى عصرنا الحاضر:
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري:
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: أهم المشكلات التي واجهت المحدثين في القرن الثالث الهجري.

1 / 10

المبحث الثاني: تدوين الحديث وعلومه في القرن الثالث الهجري.
المبحث الثالث: مناهج العلماء في تدوين الحديث في القرن الثالث الهجري.
المبحث الرابع: أئمة القرن الثالث الهجري، ومناهجهم.
وفيه: الإمام البخاري، والإمام مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد بن حنبل.
الفصل الثاني: مناهج المحدثين في القرن الرابع الهجري.
الفصل الثالث: منهج التصنيف في القرن الخامس وحتى سقوط الخلافة العباسية.
الفصل الرابع: منهج التصنيف من سقوط الخلافة العباسية حتى عصرنا الحاضر:
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: السُّنَّة من عام "٦٥٦هـ" حتى عام "٩١١هـ".
المبحث الثاني: دور العلماء في خدمة السُّنَّة بعد عام "٩١١هـ" وحتى آخر القرن الرابع الهجري.
المبحث الثالث: دور أشهر الممالك التي كان لها أثر ملموس في خدمة السُّنَّة في هذا العصر.
المبحث الرابع: جهود علماء المسلمين في خدمة السُّنَّة في العصر الحاضر.
والله الموفق والمستعان
دكتور/ علي عبد الباسط مزيد

1 / 11

التمهيد
الفصل الأول: منكرو السنة والرد عليهم
المبحث الأول: مزاعم منكري السنة قديما، والرد عليها
...
التمهيد:
وفيه فصلان:
الفصل الأول: منكرو السُّنَّة والرد عليهم
لأهمية السُّنَّة في بناء التشريع الإسلامي اهتمت بها الأمة اهتمامًا بالغًا، وسخروا لها كافة جهودهم وكل طاقاتهم، ابتداء من الصحابة رضوان الله عليهم، وتمخض عن هذا الاهتمام علوم عظيمة غايتها البحث في معاني الأحاديث النبوية الشريفة، وشكلها، وطريقة روايتها، وتمييز صحيحها من سقيمها، ولم يوجد رجل أو امرأة ممن روى الحديث الشريف إلا وله ترجمة خضعت لبحث دقيق من كل ناحية. ورغم ذلك ظهر في كل عصر من ينكر السُّنَّة، ويطالب بالاكتفاء بالقرآن الكريم، بحجة أن السُّنَّة لم تنقل إلينا كما ينبغي، وهذا افتراء يدحضه عديد من الأدلة، ونوضح ذلك من خلال المبحثين الآتيين:
المبحث الأول: مزاعم منكري السُّنَّة قديمًا، والرد عليها
من يتأمل كلام منكري السُّنَّة قديمًا يجدهم يركزون على عدة مزاعم؛ هي:
الأول: أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي يفهمه مَن عرف العربية، وتفقه فيها، وقد ورد إلينا ورودًا قطعيًّا لا شك فيه، فلا حاجة إلى السُّنَّة كي تبينه.
الثاني: أن الله تعالى قد نص في كتابه العزيز على أنه قد حوى كل شيء، وفيه تبيان كل شيء.
الثالث: أن السُّنَّة قد وردت إلينا ورودًا ظنيًّا؛ لأنها نقلت عن طريق الرواة الذين يخطئون وينسون ويكذبون، فالرواية باطلة، وما تنقله باطل لا يصح الاحتجاج به.

1 / 13

الرابع: كيف نسوي بين القرآن الكريم الذي ورد ورودًا قطعيًّا، والسُّنَّة التي وردت ورودًا ظنيًّا، ونخصص بها عام الكتاب، أو نقيد مطلقه؟ ١
وقد تصدى كثير من الأئمة والعلماء -قديمًا وحديثًا- بالرد على منكري السُّنَّة وتفنيد مزاعمهم.. ونتخير من هذه الردود رد الإمام الشافعي، والعالِم الحجة ابن أبي حاتم الرازي.
أولًا: رد الإمام الشافعي
يعتبر رد الإمام الشافعي من أبلغ الردود وأبين المناقشات قديمًا. ومجمل رده ومناقشته لهم ينحصر فيما يلي٢:
أولًا: أن الله تعالى نص في القرآن الكريم على السُّنَّة، وذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]، ونحوه قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] فالعطف هنا على مغاير، فالكتاب غير الحكمة، ولا يُسلَّم للمعترضين أن الكتاب والحكمة لفظان يدلان على معنى واحد، وأن الحكمة هي الكتاب.
فهذا الاعتراض مدفوع بما جاء في آيات أخرى، نحو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، فالحكمة هي السُّنَّة، وآيات الله هي القرآن الكريم، والمراد بالتلاوة القراءة، ولو صح قولهم لكانت الكلمات الثلاث "آياته، الكتاب، الحكمة" مترادفات، وهي جميعًا في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] والقول باشتمال آية واحدة على ثلاثة مترادفات غير معهود في الأسلوب القرآني، ويتنافى مع إيجاز القرآن وبلاغته٣.

١ المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص ١٨٩".
٢ راجع ذلك مفصلًا في: توثيق السُّنَّة في القرن الثاني الهجري "ص٧٧-١٠٢".
٣ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص١٩٢".

1 / 14

وإذا كان القرآن الكريم اشتمل على السُّنَّة، فيجب علينا أن نأخذ بها، وألا نكون كمن آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٨٥] .
ثانيًا١: قد فرض الله تعالى علينا اتباع النبي ﷺ فقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .
فهذه الآيات ونحوها تدل على أن هناك أحكامًا وأوامر للرسول ﷺ ليست في القرآن، ويجب علينا اتباعها تنفيذًا لأوامر الله تعالى في كتابه العزيز، ولا يمكن اتباعها إلا بأخذها من الرواة الذين نقلوها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب -كما يقول الأصوليون.
وليس المراد من حكم الرسول ﷺ وطاعته في الآيات هو الحكم بما أنزل الله في كتابه، وطاعته فيما يبلغهم من كتاب الله ﷿ كما يزعم لمعترضون، ولو سلمنا ذلك جدلًا، فإنا لا نجد السبيل إلى تطبيق أحكام الله ﷿ على الوجه الأكمل إلا إذا اقتدينا بالرسول ﷺ القدوة الحسنة والوقوف على سنته والأخذ بها، وطريقنا إليها هو الرواية عن رسول الله ﷺ.
ثالثًا: هناك بعض الأحكام التي نُسخت في القرآن الكريم وجاءت مكانها أحكام أخرى، ولم يبين هذا النسخ إلا السُّنَّة؛ مما يجعلنا في حاجة إلى الأخذ بها.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا

1 / 15

الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، فالآية تفرض وتقرر على المؤمنين أن يوصوا لوالديهم وأقربائهم إذا أحسوا بدنوِّ الأجل، وجاءت السُّنَّة بنسخ الوصية للوالدين والأقربن، فقال النبي ﷺ: "لا وصية لوارث" ١، ولا دليل على هذا النسخ إلا بالسُّنَّة، فتطبيق حكم الله على الوجه الأكمل لا يكون إلا بالأخذ بالسُّنَّة، وذلك حتى لا يُعمل بآية قد نسخ الشرع حكمها.
رابعًا: وصرحوا بما هو حق؛ ولكنهم سرعان ما حوَّروه إلى باطل، فقالوا: إن السُّنَّة تخصص العام في القرآن الكريم، والقرآن قطعي الورود، والسُّنَّة ظنية الثبوت؛ فلهذا تُرد السُّنَّة؛ لأن القرآن قطعي وهي ظنية.
وهؤلاء يعارضون أنفسهم بأنفسهم؛ لأنهم يتفقون -مع غيرهم- على أن حرمة الدم والمال مقطوع بهما، ومتفقون على أنه إذا شهد اثنان على إنسان بأنه قتل آخر عمدًا، فإنه يباح دمه ويُقتل قَصاصًا، وإذا شهد اثنان على إنسان بأنه انتهب مالًا عوقب ويؤخذ من ماله بقدر ما أخذ، وقد حكمنا بذلك بناء على ظننا أن الشاهدين صادقان، فهذا تخصيص قطعي بظني: القطعي هو حرمة الدم والمال، والظني هو شهادة الشهود، ومنكرو السُّنَّة يعترفون بذلك ويقبلونه، فلِمَ يرفضون السُّنَّة بحجة أنها ظنية والقرآن قطعي؟!

١ هذا الحديث جزء من حديث طويل في خطبة الوداع بدايته: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" الحديث، رواه أبو داود في "١٧" كتاب البيوع والإجارات: باب في تضمين العارية - حديث رقم "٣٥٦٥"، والترمذي في "٣١" كتاب الوصايا "٥" باب ما جاء لا وصية لوارث - حديث رقم "٢١٢٠" من حديث أبي أمامة، وقال الترمذي: وفي الباب عن عمرو بن خارجة، وأنس، وهو حديث حسن صحيح ... ثم رواه الترمذي من حديث عمرو بن خارجة بنحو حديث أبي أمامة مطولًا "٢١٢١" وقال: هذا حديث صحيح.
ورواه النسائي في المجتبى "٣٠" كتاب الوصايا "٥" باب إبطال الوصية للوارث - من حديث عمرو بن خارجة بالطرف المذكور فقط "٣٤٦١، ٣٤٦٢، ٣٤٦٣"، ورواه ابن ماجه في "٢٢" كتاب الوصايا "٦" باب لا وصية لوارث - من حديث عمرو بن خارجة بنحو حديث الترمذي "٢٧١٢"، ومن حديث أبي أمامة بالطرف المذكور "٢٧١٣"، ومن حديث أنس بن مالك مختصر أيضًا "٢٧١٤"، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة "٢/ ٣٦٨": هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.

1 / 16

ولا شك أن في الأخبار أو الأحاديث احتمال الخطأ والوهم والكذب؛ ولكن العلماء وضعوا ضوابط ومقاييس كثيرة للتثبت والتأكد من عدالة الرواة وضبطهم؛ بحيث يصبح نقل الحديث على وجه الصحة أكثر تأكيدًا من أداء الشهادة على الوجه الصحيح، ومنكرو السُّنَّة لا يختلفون في صحة الشهادة، فكيف يختلفون في صحة رواية السُّنَّة ونسبة الظن فيها أقل من نسبة الظن في الشهادة؟!
فالقرآن الكريم نص على اتباع الرسول ﷺ ويكون ذلك باتباع ما صدر عنه من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، ونحن لا نعرف ذلك إلا بالرواية التي نالت عناية فائقة من الأئمة العلماء الذين وضعوا كافة الأسس والضوابط والمقاييس التي تبين حال كل واحد من رواة الحديث الشريف من حيث العدالة والضبط والإتقان ... إلخ.
ثانيًا: مناقشة الإمام ابن أبي حاتم الرازي للمنكرين للسُّنَّة
عاش ابن أبي حاتم في القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجريين، وهو من أبرز الحريصين على نقل الرواية الصحيحة، وله مناقشات هامة في إثبات مشروعية الرواية في مقدمة كتابه "الجرح والتعديل" "١/ ١/ ١-١٣" ويمكننا توضيحها فيما يلي:
أولًا: قد جعل الله تعالى المسلمين عدولًا يُعتمد على شهادتهم وروايتهم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ومعنى الوسط: العدل، وهم كذلك بتمسكهم بمبادئ دينهم، فهم يشهدون يوم القيامة على الأنبياء بأنهم بلغوا عن ربهم رسالاته إلى الناس بناء على إخبار الله ورسوله لهم بذلك، وإذا كان الله تعالى جعلهم عدولًا وقَبِلَ روايتهم وأخبارهم التي رَوَوْها عن رسول الله ﷺ فإنه أحرى بنا أن نقبل روايتهم؛ لأنها نوع من الشهادة.

1 / 17