591

فيكون مع افتراقها من غير أن تكون بصفة واحدة منسوبة إلى شيء واحد ، فلم لا يكون كذلك الآن ، ويكون (1) كلها منسوبة إلى جسم أو جسماني ، فنقول : لأن ، هذا الذي ليس بجسم يجوز أن يكون منبع القوى يفيض (2) عنها بعضها في الآلة ، وبعضها يختص بذاته ، وكلها يؤدي إليه نوعا من الأداء ، واللواتي تكون في الآلة تجتمع في مبدأ يجمعها في الآلة ذلك المبدأ ، وهو فائض عن الغني عن الآلة ، كما تبين حاله (3) في حل الشبهة. وأما الجسم فلا يمكن أن يكون (4) هذه القوى كلها فائضة منه ، فإن نسبة القوى إلى الجسم ليس على سبيل الفيضان ، بل على سبيل القبول ، والفيضان يجوز أن يكون على سبيل مفارقة للفيض عن المفيض ، والقبول لا يجوز أن يكون على تلك السبيل (5)» انتهى ملخص ما ذكره دليلا على ما اختاره ومحصله .

وأقول : لما كان مبنى هذا المذهب المختار عنده على أن النفس المدبرة للبدن إنما هي ذات واحدة بالعدد ، وأن اختلاف أفعالها إنما هو لاختلاف قواها ، وأن تلك القوى فائضة عن تلك الذات الواحدة ، بين الثاني بقوله أولا : «قد بان مما ذكرناه أن الأفعال المتخالفة هي لقوى متخالفة» وبين الأول والثالث بما ذكره بعد ذلك ، فإنه متضمن لكون النفس ذاتا واحدة رباطا لتلك القوى وفائضا عنه تلك القوى ، وكأن قوله «قد بان مما ذكرناه في الفصول المتقدمة» كالفصل الذي عقده لبيان أن اختلاف أفاعيل النفس لاختلاف قواها. ويخدشه أنه في ذلك الفصل أيضا وإن ادعى ذلك ، لكنا لم نظفر فيه بذكر ما يمكن أن يكون دليلا على أن اختلاف الأفاعيل مطلقا كما هو ظاهر إطلاق كلامه هنا أو أن اختلاف أفاعيل النفس كما هو مقصوده هنا وفيما تقدم إنما هو لقوى متخالفة. بل لا يظهر منه فيه ولا في شيء من الفصول المتقدمة على ما تصفحنا كلامه ما يدل على ما هو مطلوبه هنا ، وهو أنه لا يمكن أن تكون النفس التي هي الذات الواحدة تفعل بنفسها أفعالا مختلفة باختلاف الآلات من غير توسط القوى في ذلك ، كما هو مبنى المذهب الأول من المذاهب التي نقلها ، حيث إنه في كل موضع ذكر أن اختلاف أفعال

Страница 265