575

أكلت وأنا شربت وأنا دخلت وأنا خرجت ، إلى غير ذلك من الأفاعيل والحركات والسكنات التي هي لا محالة خاصة بالجسم ، مختصة بالمادة ، وأنت تنسبها إلى ذاتك وتدعيها لنفسك. فهذه إما مجازات كما يلوح من كلام بعضهم كصاحب المطارحات بناء على أن هذه أفعال بدنية ، وأنت تنسبها إلى نفسك لعلاقة المصاحبة والمحبوبية ، مثلا كما أن زيدا مثلا قد ينسب فعل عمرو إذا أحبه إلى نفسه ، فهذا باطل بالضرورة ، لأنا نعلم قطعا أن هذه الإسنادات ليست بمجازات ، بل حقائق ، فإنها من قبيل إن الجسم إذا جاء ، جاء معه لونه المصاحب له حقيقة لكن بالعرض. ومنه يظهر وحدة النفس ، حيث إن الفاعل في الكل واحد. بل يظهر أيضا كما ادعاه بعضهم تجردها عن المادة بالذات ، وكونها مع ذلك موسخة بأوساخ المادة ومتدرنة بخبائث الطبيعة من العادات الدنية والملكات الخسيسة والصفات الرذيلة ، فصارت من العالم الوسط الذي بين عالم المادة وعالم المجردات المحضة ، حتى تتطهر باتباع الأحكام الدينية وسلوك الشرائع الإلهية وإطاعة أنبياء الله تعالى وخلفائه عن هذه الأوساخ الخسيسة ، وتنفض عن ذيل قدسها هذه الآثار الطبيعية ، فتجرد بالكلية عن هذا العالم الدنيوي الخسيس ، وتتدرج إلى العالم الأعلى الشريف ، فتنجو من هذا السجن وتصير مجردة بالفعل. وفقنا الله تعالى لهذا بمنه وفضله بحق محمد وآله الطاهرين.

وكذلك لا سترة في أنه يصح لك أن تقول : أنا اشتهيت وتغذيت مما هو من أفعال النفس النباتية وأنا أحسست وغضبت مما هو من أفعال النفس الحيوانية وأنا أدركت وتعقلت مما هو من أفعال النفس الإنسانية فهذه أيضا إما مجازات لعلاقة المصاحبة مثلا ، فهو باطل كما مر ، فبقي أن تكون حقائق وفيه المطلوب. بل أن تقول : أنا اشتهيت فأحسست فتغذيت ، وأنا أحسست فاشتهيت ، وأحسست فغضبت ، وأدركت فحركت ، إلى غير ذلك من العبارات التي تجعل فيها فعل بعض هذه النفوس الثلاثة سببا لفعل أخرى منها ، وتدعي أن المبدأ للكل أنت نفسك وأنت شاعر به ، ولا يخفى أن فيه تنبيها واضحا على المطلوب عند ذي فطرة سليمة.

Страница 249