Маджалис Ваъзийа
المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم من صحيح الإمام البخاري
Редактор
أحمد فتحي عبد الرحمن
Издатель
دار الكتب العلمية
Издание
الأولى
Год публикации
١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م
Место издания
بيروت - لبنان
ترجمة السفيري
نسبه وموطنة ومذهبه
هو: شمس الدين محمد بن الشيخ زين الدين عمر بن الشيخ شهاب الدين السفيري الحلبي الشافعي، الإمام العلامة ولد بحلب سنة سبع وسبعين وثمانمائة.
وعرف به ناسخ كتابه هذا فقال: العالم العلامة والبحر الفهامة المحدث شيخ الإسلام شمس الدين محمد بن أحمد بن زين الدين بن شهاب الدين السفيري.
ثم قال: السفيري الأصل، حلبي المنشأ، الشافعي المذهب.
شيوخه وعلمه وسفره في تحصيل العلم
ومن أشهر شيوخه الحافظ الإمام جلال الدين السيوطي المتوفى سنة٩١١هـ، ونقل عنه كثيرًا في شرحه على صحيح البخاري.
والعلاء الموصلي.
والكمال ابن أبي شريف.
وكمال الدين محمد بن علي القاهري الشافعي قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية، الشهير بالطويل، قال صاحب الشذرات: وأخذ بحلب عنه الشمس السفيري.
وخليل بن نور الله المعروف بمنلا خليل الشافعي نزيل حلب، قال صاحب الشذرات: وأكب على القراءة عليه بها جماعة منهم الشمس السفيري.
والبدر السيوفي، وغيرهم.
وأما عن طلبه للعلم وإقباله عن شيوخه فقد قال نجم الدين الغزي في كتابه الكواكب السائرة، فقد أدرجه في الطبقة الثانية وقال: لازم العلاء الموصلي والبدر السيوفي في فنون شتى، وقرأ على الكمال بن أبي شريف في حاشيته على شرح العقائد النسفية، ورسالة العذبة له، وقدم مع أخيه الشيخ إبراهيم بن أبي شريف إلى دمشق فأجاز له ولبعض الدمشقيين، ثم إلى حلب فقرأ عليه بها رسالة مختصر الرسالة القشيرية له، وقرأ على أبي الفضل الدمشقي في شرحه النزهة في الحساب، وعلى الشيخ محمد الداديخي في شرح الشاطبية لابن القاصح، وعلى غيره.
ودرس بالجامع الكبير بحلب، والعصرونية، والسفاحية، وجامع تغري بردي، وسافر إلى القاهرة سنة سبع وعشرين وتسعمائة، واجتمع بها بشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وحضر الصلاة عليه لما مات في تلك السنة، واجتمع بآخرين منهم: الشيخ نور الدين البحيري، وصحب في صغره الشيخ عبد القادر الدشطوطي، حين قدم
1 / 17
حلب، وفي كبره الشيخ شهاب الدين الأنطاكي.
تلامذته الذين أجازهم
للسفيري تلامذة أجازهم لما اجتمعوا به وحملت لنا المراجع اسمين فقط.
فقد أجاز علاء الدين أبا الحسن علي بن سليمان بن أحمد بن محمد المرداوي السعدي ثم الصالحي الحنبلي.
وعبد العزيز بن عبد الواحد بن محمد بن موسى المغربي المكناسي المالكي وحدث أنه لما زار بيت المقدس ودمشق في سنة ٩٥١ هـ، ثم ورد حلب فاستجاز بها شمس الدين السفيري، وموفق الدين ابن أبي ذر.
مؤلفاته
له غير شرحه لصحيح البخاري كتاب بعنوان: «تحفة الأخيار في حكم أطفال المسلمين والكفار» ذكره صاحب كشف الظنون.
وفاته
توفي رحمه الله تعالى سنة ست وخمسين وتسعمائة (١) .
(١) انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (١/٣١٧)، وشذرات الذهب في المواضع الآتية (٤/٣٨)، (٤/٣١١)، (٤/١١٣)، (٤/٢٢٠)، (٤/٣٤٠)، (٤/٣٤٢)، وكشف الظنون (٦/٢٣٤)، والكواكب السائرة (٢/٥٦)، والموسوعة الذهبية في العلوم الإسلامية (٢٨/٦٣٥) .
1 / 18
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليه أتوكل (١)
الحمد لله رب العالمين، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
المجلس الأول
في ترجمة البخاري ﵁ ونفعنا به وفي ذكر شيء من فضائله
فإنه كان من أكابر العلماء، والأولياء والصالحين، وبذكر الأولياء والعلماء والصحابة تنزل الرحمة، كما تنزل على مجالس العلماء، فإن مجالس العلماء روضة من رياض الجنة، تنزل عليهم الرحمة كما ينزل المطر من السماء، تدخل العصاةُ مذنبين وينصرفون مغفورًا لهم، الملائكة تستغفر لهم، ما داموا جلوسًا عندهم، إن الله تعالى ينظر إليهم، فيغفر للعالم والمستمع والمحب لهم، فكيف لا تجب محبتهم وإكرامهم، والله تعالى بسببهم ينزل الرحمة على كل من حضر المجالس التي فيها ذكرهم، وكذا ذكر أهل الخير والصلاح فعليك بمجالسة العلماء تنتفع بالحضور عندهم، فإنه من جالس الأخيار سلم، ومن جالس الأشرار ندم، ومن جالس العلماء غنم، نفعنا الله بهم في الدارين.
نسب الإمام البخاري
ولنبدأ بنسبه فنقول:
أما نسبه فهو: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَة الجعفي.
وجده «بَرْدِزْبَة» كان فارسيًا مجوسيًا على دين قومه، مات ولم يسلم.
«بَرْدِزْبَة» لفظة بخارية ومعناه بالعربية: الزارع، وجده المغيرة والد «بَرْدِزْبَة» كان مجوسيًا، ولكنه أسلم على يد اليمان الجعفي والى بخارى، فلهذا يقال للبخاري الجعفي لكون جده المغيرة أسلم على يد اليماني الجعفي بمذهب من يرى أن من أسلم
(١) في الأصل: «توكل» ولعلها: «أتوكل»، كما أثبتناه.
1 / 46
على يد شخص كان ولاؤه له (١) .
وجده إبراهيم ولد المغيرة قال شيخ الإسلام ابن حجر (٢): لم نقف على شيء من أخباره.
وأما والده إسماعيل فإنه كان من خيار الناس ﵁ حضر الأكابر، وسمع منهم كالإمام مالك، وحماد بن زيد، وصحب عبد الله بن المبارك ومات والبخاري صغير فنشأ في حجر أمه.
وكانت ﵂ مجابة الدعوة، ومن كراماتها: أن البخاري ذهب بصره في صغره، فرأت أمه في المنام إبراهيم الخليل ﵊ فقال لها: يا هذه قد رَدَّ الله على ابنك بصره بكثرة دعائك أو بكائك، فأصبح وقد رَدَّ الله بصره عليه.
ولد ﵁ ببخارى بالإجماع يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشر ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائه، وحج ﵁ مع أمه وأخيه أحمد.
مناقب البخاري
وكان أخوه أسنَّ منه، فأقام هو بمكة يطلب العلم مجاورًا، ورجع أخوه أحمد إلى بخارى فمات بها.
وأما حفظة وسيلان ذهنه ففي الغاية والنهاية، نقل عنه ورَّاقُه (٣) أنه قال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب، قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل.
ونقل عنه أنه قال: أحفظ مائه ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح.
واتفق له حكاية عجيبة تدل على قوة حفظه وهي: أنه لما دخل بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد إلى إسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة نفس، لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري، فلما اجتمعوا وحضر في المجلس خلق كثير واطمأن المجلس
(١) يراد به أن نسبة جد الإمام البخاري إلى الجعفي من باب الاعتراف بالفضل الذي صنعه اليماني من أنه كان سببًا في إسلام جد البخاري.
(٢) هو: أبو الفضل، شهاب الدين أحمد بن على بن محمد الكناني العسقلاني ابن حجر، من أئمة الحديث وعلومه، وله باع في التاريخ والسير، أصله من عسقلان بفلسطين، مولده سنة (٧٧٣هـ) بالقاهرة، كان صبيح الوجه، فصيح اللسان، له مؤلفات كثيرة منها: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، وهو شرح عظيم الفائدة نقل منه السفيري بعض هذهه الفوائد في مواضع عدة من شرحه هذا، ولابن حجر أيضا في علم الرجال نهذيب التهذيب، وله جهود عظيمة ومباركة في خجمة السنة يعرفها القاصي والداني، وكانت وفاته بالقاهرة سنة (٨٥٢هـ) .
انظر: الأعلام (٤/٩٥) .
(٣) وهو: أبو جعفر محمد بن أبي حاتم وراق البخاري، والمراد بقوله «وراقه» أي: الذي يأتي له بالورق الذي يكتب عليه. انظر فتح الباري (٩/٥٦٨) .
1 / 47
بأهله، انتدب رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فمازال يلقي عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ والبخاري يقول له: لا أعرفه، فكان العلماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: فهم الرجل، من كان لم يدر القصة يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الحفظ، ثم انتدب رجل أيضًا من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول له: لا أعرفه، ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا.
فلما عرف أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول فقلت كذا وصوابه كذا، وحديثك الثاني كذا وصوابه كذا، والثالث والرابع على الولاة حتى أتى على تمام العشرة فرد كل سند إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقر الناس له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.
قال شيخ الإسلام ابن حجر: هنا [يخضع للبخاري] (١) فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب، فإنه كان حافظًا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة.
ذكر مشايخ البخاري
وأما مشايخه الذين كتب عنهم فقد نقل عنه أنه قال: كتبت عن ألف وثمانين نفسًا، ليس منهم إلا صاحب حديث.
ونقل عنه أنه قال: ما قدمت على شيخ إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به.
وأما الجماعة الذين قرؤوا عليه وأخذوا عنه الحديث فخلق كثيرون نحو مائة ألف أو يزيدون، أو ينقصون، وكان يحضر مجلسه أكثر من عشرين ألفًا يأخذون عنه.
ذكر تعظيم الناس للبخاري
وأما ثناء الناس عليه وتعظيمهم له فقد قال ابن خزيمة: «ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه وأحفظ» (٢) .
(١) ما بين [] هكذا بالأصل، وفي مقدمة فتح الباري (ص ٤٨٦) يقول ابن حجر: قلت: هنا يخضع العالمين ... إلى آخره. وانظر أيضًا تغليق التعليق (٥/٤١٥) .
(٢) انظر: التقييد (ص ٣٢)، وتذكرة الحفاظ (٢/٥٥٦)، وابن حجر في تغليق التعليق (٥/٤١١)، وفي مقدمة فتح الباري (ص ٤٨٥) .
1 / 48
وقال بعضهم: «هو آية من آيات الله يمشي على وجه الأرض» (١) .
وقال له الإمام مسلم مؤلف الصحيح: «أشهد أنه ليس في الدنيا مثلك» (٢) .
وكان مسلم كلما دخل يسلم ويقول: «دعني أقبل رجليك يا طبيب الحديث في علله، ويا أستاذ الأستاذين، ويا سيد المحدثين» (٣) .
وقال أبو عيسي الترمذي: «لم أر مثله جعله الله زين هذه الأمة» (٤) .
وقال عبد الله بن حماد: «وددت أن لو كنت شعرة في جسد محمد بن إسماعيل» (٥) .
وحكي أن أهل بغداد كتبوا إلى البخاري كتابًا يثنون عليه فيه ومن جملته:
(١) الذي قال ذلك رجاء الحافظ، قال الذهبي في السير (١٢/٤٢٧) يقول أبو عمرو المستنير بن عتيق سمعت رجاء بن المرجى الحافظ يقول: فضل محمد بن إسماعيل على العلماء كفضل الرجال على النساء، فقال له رجل: يا أبا محمد كل ذلك بمرة، فقال: هو آية من آيات الله يمشي على ظهر الأرض.
ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (٢/٢٥) من طريق محمد بن أبي حاتم، قال: سمعت أبا عمرو المستنير بن عتيق البكري، قال: سمعت رجاء بن المرجى يقول: ... فذكره.
(٢) حدث بذلك أبو عيسى الترمذي صاحب السنن المشهورة، ونقله عنه الحافظ ابن حجر. انظر: تغليق التعليق (٥/٤١١)، ومقدمة فتح الباري (ص ٤٨٥) .
(٣) رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث (١/١١٣) قال: حدثني أبو نصر أحمد بن محمد الوراق قال سمعت أبا حامد أحمد بن حمدون القصار يقول سمعت مسلم بن الحجاج ... فذكره.
ورواه أيضًا: الخطيب البغدادي (١٣/١٠٢)، وذكره ابن حجر في مقدمة فتح الباري (ص ٤٨٨)، وفي تغليق التعليق (٥/٤٢٩)، وانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/٤٣٢)، وابن مفلح في المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد (٢/٩٥)، وتهذيب الأسماء (١/٨٨) .
(٤) ذكره الذهبي في السير (١٢/٤٣٣) وعبارته: وقال أبو عيسى الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلما قام من عنده قال له: «يا أبا عبد الله جعلك الله زين هذه الأمة» قال الترمذي: استجيب له فيه.
وذكره الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (٩/٤٥) بعبارة قريبة من هذا ففيه: قال له أبو عيسى الترمذي: «قد جعلك الله زين هذه الأمة يا أبا عبد الله» .
(٥) رواه عنه الخطيب في تاريخ بغداد (٢/٢٨)، ونقله عنه الذهبي في السير (١٢/٤٣٧)، والنووي في تهذيب الأسماء (ص ٨٨) .
وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/٤٥٨)، والتقييد (١/٣٣)، ومقدمة فتح الباري (ص٤٨٥) .
1 / 49
المسلمون بخير ما بقيت لهم ... وليس بعدك خير حين تفتقد (١)
قال الحاكم: «ولوفتحنا باب الثناء عليه ممن تأخر عن عصره لفني القرطاس، ونفذت الأنفاس، فذاك بحر لا ساحل له» (٢) .
رحلته في طلب الحديث
وأما رحلته لأجل أخذ العلم والحديث من العلماء فقد رحل رحلات واسعات، وكتب عن شيوخ متوافرات، وافية متكاثرات، ونقل عنه أنه قال: «دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، لا أُحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين» (٣) .
كتابه الصحيح وسبب تأليفه
وأما كتابة الصحيح فليس بعد القرآن كتاب أصح منه، وهو أصح من صحيح مسلم على الصحيح، واسمه «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه» كذا سماه هو ﵁.
وروي عنه أنه قال: «صنفت كتاب الصحيح في ستة عشر سنة، وخرجت من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين الله ﷿» (٤) .
وسبب تصنيفه لهذا الكتاب ما نقل عنه أنه قال: «رأيت النبي ﷺ في المنام كأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذب بها عنه، فسألت بعض المعبرين فقال: أنت تذب الكذب عن حديثه ﷺ فهو الذي حملني على إخراج الصحيح» (٥) .
ونقل عنه أنه قال: «ما وضعت في كتابي هذا حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين» (٦) .
(١) رواه الخطيب في تاريخ بغداد (٢/٢٢) من طريق يحيى بن عمرو بن صالح الفقيه يقول: سمعت أبا العباس محمد بن عبد الرحمن الفقيه يقول: كتب أهل بغداد إلى محمد بن إسماعيل ... فذكره.
وانظر: تهذيب الكمال (٢٤/٤٥٨)، والتقييد (١/٣٣)، ومقدمة فتح الباري لابن حجر (ص٤٨٥) .
(٢) نقله عن الحاكم الحافظ ابن حجر في المقدمة (ص ٤٨٥) وقال: ذكر ذلك في كتابه الكنى.
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء (١٢/٤٠٧) .
(٤) ذكره النووي في تهذيب الأسماء (ص ٩١) .
(٥) ذكره النووي في تهذيب الأسماء (ص ٩٢) .
(٦) رواه عنه الخطيب في تاريخ بغداد (٢/٩)،، والمزي في تهذيب الكمال (٢٤/٤٤٣)، والذهبي في السير (١٢/٤٠٢)، وانظر: تهذيب التهذيب (٩/٤٢)، (ص ٩٢)، وطبقات الحفاظ (ص ٢٥٣) .
1 / 50
قيل: كان تصنيفه لهذا الكتاب بمكة المشرفة، والغسل بماء زمزم، والصلاة خلف المقام.
وقيل: كان بالمدينة الشريفة، وترجم أبوابه في الروضة المباركة، وصلى لكل ترجمة ركعتين (١) .
وله تصانيف كثيرة غير الصحيح نقل عنه ﵁ أنه قال: «أقمت بالبصرة خمس سنين مع كتبي، أصنف وأحج في كل سنة، وأرجع من مكة إلى البصرة، قال: وأنا أرجو أن الله يبارك للمسلمين في هذه المصنفات» ولقد بارك الله فيها.
زهده وورعه وفضله
وأما سيرته ومناقبه وشمائله وفضائله وزهده وروعة فكثيرة كلَّت الكتَّاب عن حصرها.
قيل: إنه كان عنده شيء من شعرات النبي ﷺ فجعله في ملبوسه.
ومن فضائله: أنه قال على سبيل التحدث بالنعمة: «إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحد من هذه الأمة» (٢) .
اسمع واتعظ يا من يغتاب الناس ويمزق أعراضهم: «أوحى الله إلى موسى ﵇ من مات تائبًا من الغيبة، فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصرًا عليها فهو أول من يدخل النار» .
وجاء في الحديث: «من كف لسانه عن أعراض الناس قال الله عثرته يوم القيامة» (٣) .
وحكي عن داود الطائي ﵁ أنه مر يومًا بموضع فوقع مغشيًا عليه فحل إلى
(١) رواه الخطيب في تاريخ بغداد (٢/٩) من طريق عبد القدوس بن همام يقول: سمعت عدة من المشايخ يقولون: حول محمد بن إسماعيل البخاري تراجم جامعه بين قبر النبي ﷺ ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين.
(٢) رواه عنه المزي في تهذيب الكمال (٢٤/٤٤٦)، والحافظ ابن حجر من طريقه في تغليق التعليق (٥/٣٩٧)، ونقله الذهبي في السير (١٢/٤٣٩) . وانظر: مقدمة فتح الباري (ص٤٨٠)، وصفة الصفوة (٤/١٧١) .
(٣) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١/٢٧٩، رقم ٤٥٤) عن أبي هريرة مرفوعًا: بطرف: «من أقال نادمًا أقاله الله تعالى عثرته يوم القيامة ومن كف ... فذكره» .
1 / 51
منزله فلما أفاق سئل عن ذلك فقال: «ذكرت أني اغتبت رجلًا في هذا الموضع، فذكرت مطالبته إياي بين يدي الله تعالى» .
قال بعضهم: «الغيبة فاكهة الفقراء، وضيافة الفساق، وبساتين الملوك، ومراتع النساء، ومزابل الأتقياء» .
وقال حاتم الأصم: «المغتاب والنمام قردا أهل النار، والكذب كلب أهل النار، والحاسد خنزير أهل النار» .
وحكي: أن عيسي ﵇ رأى إبليس وفي يده عسلًا، وفي الأخرى رمادًا، فسأله عن ذلك فقال: العسل أجعله في شفاه المغتابين، والرماد أجعله في وجوه الأيتام، حتى يرمدوا فيستقذرهم الناس فلا يفعلون معهم خيرًا.
ومنها: أن والده إسماعيل كان كثير المال، نقل عن والده أنه قال: لا أعلم في مالي درهمًا من حرام، ولا درهما من شبهة، فلما مات والده إسماعيل انتقل المال إليه، فكان يعطيه مضاربة، فقطع له غريم خمسة وعشرين ألفًا، فقالوا له: استعن عليه بالوالي، فقال: لن أبيع ديني بدنياي، ثم صالح غريمه على أن يعطيه كل شهر عشرة دراهم، وذهب ذلك المال كله (١) .
وحمل إليه بعض عماله بضاعة وكانت مطلوبة، فجاءت إليه التجار آخر النهار وطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهم فردهم، فقال لهم: انصرفوا الليلة، فجاءه من الغد تجارًا آخرون فطلبوا منه البضاعة تربح عشرة آلاف درهم، فردهم وقال: إني نويت البارحة أن أدفع إلى الأولين، فلا أغير نيتي ودفعها إليهم (٢) .
ونقل عنه أنه قال: كنت استغل كل شهر خمسمائة درهم فأنفقها في الطلب، وما عند الله خير وأبقى (٣) .
ومع كثرة هذا المال كان يأتي عليه نهار لا يأكل فيه، وكان أحيانًا يأكل لوزتين أو ثلاثًا، وكان يتصدق بماله على الفقراء.
(١) أورده الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (٥/٣٩٤) حكاية عن محمد بن أبي حاتم وراق الإمام البخاري، وذكره أيضًا في مقدمة فتح الباري (ص ٤٧٩) .
(٢) ذكره ابن حجر في تغليق التعليق (٥/٣٩٥) وعزاه إلى غنجار في تاريخه، وانظر: صفة الصفوة (٤/١٧٠) .
(٣) انظر: تغليق التعليق (٥/٣٩٥)، ومقدمة فتح الباري (ص ٤٨٠) .
1 / 52
طلبه العلم مع سعة ماله ﵁
وطلبه العلم مع سعة هذا المال نقل عنه أنه قال: ما أشريت من حين ولدت من أحد بدرهم ولا بعت أحدًا شيئًا، فسئل عن الورق الذي يكتب فيه والحبر فقال: كنت أوكل أنسانًا يشتري لي، فكيف لا يكون وليًا.
زهد البخاري
وقد زهد في الدنيا وآثر غيره على نفسه، وصبر على شدة الجوع مع كثرة ما معه من مال، وكل هذا من علامات الأولياء.
قال إبراهيم بن أدهم لرجل: أتحب أن تكون لله وليًا؟ قال: نعم، قال: لا ترغب في شيء من الدنيا والآخرة، وفرِّغ نفسك لله، وأقبل عليه بوجهك ليقبل عليك ويواليك.
بل كثير من أولياء الله يأتيهم رزقهم من غير تعب ولا تكلف، كما حكي عن عتبة الغلام أنه دعا ربه أن يهب له ثلاث خصال في دار الدنيا، دعا أن يمن عليه بصوت حزين، ودمع غزير، وطعام من غير تكلف، فكان إذا قرأ بكى وأبكى، وكانت دموعه جارية دهره، وكان يأوي إلى منزله فيصيب قوته، ولا يدري من أين يأتيه.
وحكي أن رابعة العدوية كانت تطبخ قدرًا فاشتهت بصلًا فجاء طائر في منقاره بصلة فألقاها إليها.
ومنها: أنه (١) وقف يصلي فلسعه زنبور سبع عشرة مرة، ولم يقطع صلاته (٢) .
وفاة البخاري وما ظهر من الكرامات عند وفاته
وكانت وفاته (٣) ﵁ ليلة السبت ليلة عيد الفطر، سنة ست وخمسين ومائتين، عن
(١) الكلام على البخاري ﵁.
(٢) رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٢/١٢) عن أبي سعيد بكر بن منير يقول: كان محمد بن إسماعيل يصلي ذات يوم فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء هذا الذي آذاني في صلاتي؟ فنظروا فإذا الزنبور قد ورمه في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته.
ورواه المزي في تهذيب الكمال (٢٤/٤٤٦)، وانظر: تهذيب التهذيب (٩/٤٣)، وتغليق التعليق (٥/٣٩٨)، ومقدمة فتح الباري (ص ٤٨٠)، وسير أعلام النبلاء (١٢/٤٤١) .
(٣) وفي سبب وفاته قال ابن حجر في تغليق التعليق (٥/٤٤١): قال محمد بن أبي حاتم وراق البخاري سمعت أبا منصور غالب بن جبريل وهو الذي نزل عليه البخاري بخرتنك يقول: أنه أقام أيامًا فمرض، واشتد به المرض، حتى وجه إليه رسول من سمرقند ليخرج، فلما وافى تهيأ للركوب، ولبس خفيه وتعمم، فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها، وأنا آخذ بعضده، ورجل آخر معي يقوده إلى الدآبة ليركبها فقال ﵀: أرسلوني فقد ضعفت، فدعا بدعوات ثم اضطجع، فقبض فسال منه عرق كثير، وكان أوصى أن يكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، قال: ففعلنا فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك ودامت أياما وجعل الناس يختلفون إلى القبر أيامًا يأخذون من ترابه إلى أن جعلنا عليه خشبًا مشبكًا.
وانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/٤٦٦، ٤٦٧) .
1 / 53