Махасин ат-Та'виль
محاسن التأويل
كذب ، وتلا عنه إذا صدق. وهكذا قال الراغب في تفسيره : تلا عليه كذب ، نحو روى عليه ، وقال عليه ( ويقولون على الله الكذب ) [آل عمران : 75]. وقال : الآية معطوفة على ما تقدم من ذكر اليهود ، وهي منطوية على أمرين : ذم اليهود في تحري السحر وإيثاره ، وتبرئة لسليمان عليه السلام مما نسبوه إليه ، وتخرصوه عليه. وذلك أنهم زعموا أن سليمان عليه السلام ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام ، وبني لها المعابد ، كما تراه في الفصل الحادي عشر من سفر الملوك الثالث. فانظر إلى هذه الجرأة العظيمة والقحة الكبيرة ، ولما تنبه عقلاء أهل الكتاب المتأخرون لمثل هذه الفري ، اعترفوا بأنه ليس كل قول من الأقوال المندرجة في كتبهم المقدسة إلهاميا ، بل بعضها كتب على طريقة المؤرخين ، يعني بلا إلهام ، كما في «إظهار الحق». والمراد بالشياطين شياطين الإنس ، وهم المتمردة العصاة الأشرار الأقوياء ، الدعاة إلى الباطل. وقوله ( على ملك سليمان ) أي على عهد ملكه من تلك الأقاصيص المختلقة عليه. وقوله تعالى : ( وما كفر سليمان ) تنزيه لساحته عليه السلام من الردة والشرك وعبادة الأوثان التي نسبوها إليه ، وتكذيب لمن تقولها ، وقال كثيرون : هذا تبرئة من السحر ، وأنه تعالى كنى عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفر ، وأن من كان نبيا كان معصوما عنه. وإنما كان كفرا لكونه يكون بالتوجه إلى الأفلاك والشياطين وعبادتها ، وزعم أنها مؤثرة دونه تعالى.
والمعنى الأول أصرح وأوضح. وقوله تعالى : ( ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) عنى بالشياطين من ذكرناهم قبل وهم خبثاء الإنس وأشرارهم. كما في قوله تعالى ( وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ) [البقرة : 14] وقوله ( شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ) [الأنعام : 112] والذي يعين هذا المعنى قوله ( تتلوا ) لأن تلاوة شياطين الجن ، لا يسمعها أحد. ومعنى «تتلو» تقص كما تقدم. وقوله : ( يعلمون الناس السحر ) يعين هذا المعنى أيضا ، إذ لا يتعلم أحد السحر إلا من شياطين الإنس. والمراد بقوله ( كفروا ) كفرهم بآيات الله المنزلة ، أو عبادتهم غيره تعالى ، أو كفرهم باستعمال السحر والشغودة ، تعمية على الحق ، وتغشية للبصائر. وجملة قوله ( يعلمون الناس السحر ) حالية من ضمير ( كفروا )، أو خبر ثان ل ( لكن )، أو مستأنفة. هذا على تقدير كون الضمير للشياطين. وأما على تقدير رجوعه إلى فاعل ( اتبعوا ) فهي إما حال منه أو استئنافية. وقوله تعالى : ( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما
Страница 364