Мадхкира Усуль аль-Фикх ала Равадат аль-Назир

مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر- ط عطاءات العلم

Издатель

دار عطاءات العلم (الرياض)

Издание

الخامسة

Год публикации

١٤٤١ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)

Место издания

دار ابن حزم (بيروت)

آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي (٦)
مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ هـ - ١٣٩٣ هـ)
إشراف
بكر بن عبد الله أبو زيد
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

1 / 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حقيقة الحكم وأقسامه
اعلم أنَّه ﵀ ترجم هذه الترجمة التي لفظها (حقيقة الحكم وأقسامه) ولم يبين حقيقة الحكم ولا أقسامه، وإنَّما ذكر منها الأقسام الشرعية فقط، ونحن نبين كل ذلك إن شاء اللَّه تعالى.
اعلم أنَّ الحكم في اللغة: هو المنع. ومنه قيل للقضاء: حكم؛ لأنه يمنع من غير المَقْضِيِّ.
تقول: حَكَمَه كنَصَرَه، وأحكمه كأكرمه، وحكَّمه بالتضعيف بمعنى منعه. ومنه قول جرير:
أَبَنِي حنيفة أَحْكِمُوا سفهاءكم ... إني أخافُ عليكمُ أن أغضبا
وقول حسان بن ثابت ﵁:
لنا في كل يومٍ مِن مَعَدٍّ ... سبابٌ أو قتالٌ أو هجاءُ
فنحكم بالقوافي مَنْ هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماءُ
ومن الحكم بمعنى المنع: حَكَمَةُ اللجام، وهي ما أحاط بحنكي الدابة، سُمِّيَتْ بذلك لأنَّها تمنَعها من الجري الشديد.
والحَكَمةُ أيضًا: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه، تمنعه من مخالفة راكبه، وكانت العرب تتخذها من القِدِّ والأبق وهو القنب. ومنه قول زهير:

1 / 5

القائد الخيل منكوبًا دوابرها ... قد أحكمت حكمات القِدِّ والأبقا
والحكم في الاصطلاح هو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. نحو: زيد قائم وعمرو ليس بقائم.
وهو ينقسم بدليل الاستقراء إلى ثلاثة أقسام:
١ - حكم عقلي: وهو ما يعرف فيه العقلُ النسبةَ إيجابًا أو سلبًا. نحو: الكل أكبر من الجزء إيجابًا. الجزء ليس أكبر من الكل سلبًا.
٢ - حكم عادي: وهو ما عرفت فيه النسبة بالعادة. نحو: السيقمونيا مسهل للصفراء، والسكنجبين مسكن لها.
٣ - حكم شرعي: وهو المقصود، وحَدَّه جماعة من أهل الأصول بأنه: خطاب اللَّه المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به.
فخرج بقوله: "خطاب اللَّه" خطاب غيره؛ لأنه لا حكم شرعيًّا إلا لله وحده جلَّ وعلا، فكل تشريع من غيره باطل، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام/ ٥٧]، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى/ ١٠]، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء/ ٥٩].
وخرج بقوله: "المتعلق بفعل المكلف" ما تعلق بذات اللَّه تعالى، نحو: "لا إله إلا اللَّه"، وما تعلق بفعله نحو قوله تعالى: ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام/ ١٠٢]، وما يتعلق بذوات المكلفين نحو: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ الآية [الأعراف/ ١١]، وما تعلق بالجمادات نحو: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف/ ٤٧].

1 / 6

وخرج بقوله "من حيث أنه مكلف به" خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل المكلَّف لا من حيث أنه مكلَّف به، كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار/ ١٢]، فإنه خطاب من اللَّه متعلق بفعل المكلف من حيث إن الحفظة يعلمونه، لا من حيث إنه مكلف به.
واعلم أنَّ عبارات الأصوليين اضطربت في تعريف الحكم الشرعي، وسبب اضطرابها أمران:
أحدهما: أنَّ بعضَ المكلفين غير موجود وقتَ الخطاب، والمعدوم ليس بشيء حتى يخاطب.
ثانيهما: زعمهم أنَّ الخطاب هو نفس المعنى الأزلي القائم بالذات المجردِ عن الصيغة.
وسنبين إن شاء اللَّه تعالى غلطهم الذي سبَّب لهم تلك الإشكالات في مبحث الأمر.
واعلم أنَّ الحكم الشرعيَّ قسمان:
أولهما: تكليفي، وهو خمسة أقسام: الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام.
والثاني: خطاب الوضع، وهو أربعة أقسام: العلل والأسباب والشروط والموانع.
وأدخل بعضُهم فيه الصحةَ والفساد، والرخصةَ والعزيمة، وبعضُهم يجعل الصحة والفساد من خطاب التكليف.

1 / 7

إذا علمت ذلك فهذه تفاصيل الأحكام الشرعية.
قال المؤلف (^١) ﵀:
(أقسامُ أحكام التكليف خمسة: واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحظور).
التكليف لغة: هو إلزام ما فيه كلفة، أي مشقة.
ومنه قول الخنساء:
يُكَلِّفُه القومُ ما نابهم ... وإنْ كان أصغرهم مولدًا
وقول علقمة بن عبدة التميمي:
تكلِّفني ليلى وقد شَطَّ وَلْيُها ... وعادت عوادٍ بيننا وخطوبُ
وحده في الاصطلاخ: قيل: "إلزام ما فيه مشقة".
وقيل: "طلب ما فيه مشقة".
فعلى الأول لا يدخل في حده إلا الواجب والحرام؛ إذْ لا إلزام بغيرهما، وعلى الثاني يدخل معهما المندوب والمكروه؛ لأنَّ الأربعة مطلوبة.
وأما الجائز فلا يدخل في تعريف من تعاريف التكليف؛ إذْ لا طلب به أصلًا، فعلا ولا تركًا، وإنَّما أدخلوه في أقسام التكليف مسامحةً

(^١) يعني ابن قدامة في كتابه "روضة الناظر وجنة المناظر" (١/ ١٤٦)، تحقيق د. عبد الكريم النملة، مكتبة الرشد، الطبعة السابعة.

1 / 8

وتكميلًا للقسمة المشار إليها بقول المؤلف (^١): (وجه هذه القسمة أن خطاب الشرع إمَّا أنْ يَرِدَ باقتضاءِ الفعلِ أو التركِ أو التخيير بينهما، فالذي يَرِدُ باقتضاءِ الفعل أمرٌ، فإن اقترن به إشعارٌ بعدم العقاب على الترك فهو ندب، وإلا فيكون إيجابًا، والذي يَرِدُ باقتضاء التركِ نهيٌ، فإن أشعر بعدم العقاب على الفعل فكراهةٌ، وإلا فحظرٌ).
كلامه واضح.
الواجب
ثم قال (^٢): (وحد الواجب: "ما تُوُعِّدَ بالعقاب على تركه".
وقيل: "ما يعاقب تاركه".
وقيل: "ما يلزم تاركه شرعًا العقاب").
اعلم أولًا: أنَّ الوجوب في اللغة هو سقوط الشيء لازمًا محلَّه، كسقوط الشخص ميتًا، فإنه يسقط لازمًا محلَّه لانقطاع حركته بالموت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج/ ٣٦] أي سقطت ميتة لازمة محلَّها، وقوله ﷺ في الميت: "فإذا وجب فلا تبكين باكية".
وقول قيس بن الخطيم:
أطاعت بنو عوفٍ أميرًا نهاهمُ ... عن السِّلْمِ حتى كان أول واجبِ
ويطلق الوجوب على اللزوم.

(^١) (١/ ١٤٦ - ١٤٨).
(^٢) (١/ ١٥٠).

1 / 9

وفي الاصطلاح عرَّفه المؤلف بأنه: "ما تُوُعِّدَ بالعقاب على تركه". والوعيد بالعقاب على تركه لا ينافي المغفرة، كما بيَّنه تعالى بقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء/ ٤٨].
وإن شئت قلت في حد الواجب: "ما أُمر به أمرًا جازمًا".
وضابطه: أن فاعله موعود بالثواب، وتاركه متوعد بالعقاب، كالصلاة والزكاة والصوم.
قال المؤلف (^١) ﵀:
(والفرض هو الواجب على إحدى الروايتين).
فحاصل كلامه أنَّ الفرض هو الواجب على إحدى الروايتين، وهو قول الشافعي ومالك، وعلى الرواية الأخرى فالفرض آكدُ من الواجب، فالفرضُ ما ثبت بدليل قطعيٍّ كالصلاة، والواجب ما ثبت بدليل ظنيٍّ كالعمرة عند من أوجبها، وهو قول أبي حنيفة.
وقيل: الفرضُ ما لا يسامَحُ بتركه عمدًا ولا سهوًا كأركان الصلاة، والواجب ما يسامَحُ فيه إن وقع من غير عمدٍ كالصلاة بالنجاسة عند من يقول بالمسامحة في ذلك.
واصطلح كثير من العلماء من مالكية وشافعية وحنابلة على إطلاق الواجب على السنة المؤكدة تأكيدًا قويًّا.

(^١) (١/ ١٥١).

1 / 10

فصل
قال المؤلف (^١) ﵀:
(والواجب ينقسم إلى معيَّن وإلى مبهم في أقسام محصورة. . .).
اعلم أن الواجب ينقسمُ ثلاثة تقسيمات:
١ - ينقسم باعتبار ذاته إلى واجب معيَّن لا يقومُ غيرُه مقامه، كالصوم والصلاة.
وإلى مبهم في أقسام محصورة، فهو واجبٌ لا بعينه، كواحدةٍ من خصال الكفارة في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة/ ٨٩]، فالواجب واحد منها لا بعينه، فأي واحد فعله الحانث أجزأه.
وزَعْمُ المعتزلة أنَّ التخيير مطلقًا ينافي ذلك الوجوب باطلٌ؛ لأنَّه لم يخير بين الفعل والترك تخييرًا مطلقًا حتى ينافي ذلك الوجوب، بل لا يجوز ترك بعضها إلا مشروطًا بفعل بعضٍ آخر منها، فلو ترك جميعها لكان آثمًا، ولا خيار له في ترك الجميع، ولا يجب عليه فعل جميعها إجماعًا.
فتبين أن الواجب واحدٌ منها لا بعينه؛ لأن كل واحد منها يفي بالمقصود الشرعي، ولا يحصل دون واحد منها.

(^١) (١/ ١٥٦).

1 / 11

وكذلك غير المحصورة، كإعتاق رقبة في الظهار أو اليمين، فإن الواجب في ذلك رقبة لا بعينها من غير حصر لما تجب منه.
ونظير ذلك تزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفأين الخاطبين، وعقد الإمامة لأحد الرجلين الصالحين؛ فإن كل ذلك يجب في واحد لا بعينه، ولا يمكن أن يقال فيه بإيجاب الجميع ولا بسقوط إيجاب الجميع كما ترى.
٢ - وينقسمُ الواجبُ -أيضًا- باعتبار وقته إلى مضيَّقٍ وموسَّع.
فالواجبُ المضيَّقٌ: هو ما وقتُه مضيَّق.
وضابطُ ما وقتُه مضيَّقٌ واجبًا كان أو غيره: هو ما لا يسع وقتُه أكثر من فعله، كصومِ رمضانَ في الواجب، وستة من شوال عند من يقول بأنَّها لابد أَن تكون متتابعة تلي يوم الفطر، وهو ظاهر حديث أبي أيوب، وحديث ثوبان، والأيام البيضِ في غير الواجب.
والواجبُ الموسَّعُ هو ما يسعُ وقتُه أكثر من فعله، كالصلوات الخمس. ومثالُه في غير الواجب: الوتر، وركعتا الفجر، والعيدان، والضحى.
والوقت في الاصطلاح: هو الزمن الذي قدَّره الشارع للعبادة.
وما زعمه بعضهم من أنَّ الواجب الموسع مستحيل، زاعمًا أنَّ التخيير في فعل العبادة ذات الوقت الموسع في أول الوقت ووسطه ينافي الوجوب، إذ الواجب حتمٌ، لا تخييرَ فيه، ولا يجوز تركه = فهو باطل -أي الزعم بأنَّ الواجب الموسع مستحيل-؛ لأن الواجب

1 / 12

الموسع من قبيل الواجب المبهم في واحد لا بعينه، كالصلاة يجب أن تؤدى في حصةٍ من حصص الوقت لا بعينها، كوجوب واحدةٍ من خصال الكفارة لا بعينها، فأي حصة من حصص الوقت من أوله أو وسطه أو آخره فعل فيها الصلاة أجزأته، كما أن أي واحدة من خصال الكفارة فعلها أجزأته.
وقد أجمع العلماءُ على أنَّ من أدى الصلاة في أول وقتها أنه يثاب ثواب الفرض، وتلزمه نية الفرض -محلُّ الاستدلال لزومُ نية الفرض مع جواز التأخير-؛ فدلَّ ذلك على بطلان قول من قال: إنه لو وجبت في أول الوقت لما جاز ترك أدائها إلى وسط الوقت أو آخره، وتبين أنها غير واجبة في أول الوقت، لأن التخيير في تركها في ذلك الوقت إلى ما بعده ينافي الوجوب، ولا شك أن ذلك كله باطل كما بينا.
٣ - وينقسم الواجبُ -أيضًا- باعتبار فاعله إلى واجب عينيٍّ وواجب على الكفاية.
فالواجب العيني: هو ما يَنْظُرُ فيه الشارع إلى ذات الفاعل، كالصلاة والزكاة والصوم؛ لأن كل شخص تلزمه بعينه طاعة اللَّه ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات/ ٥٦].
وأمَّا الواجب على الكفاية فضابطه أنه ما يَنْظُرُ فيه الشارعُ إلى نفس الفعل، بقطع النظر عن فاعله، كدفن الميت، وإنقاذ الغريق، ونحو ذلك؛ فإنَّ الشارع لم ينظر إلى عين الشخص الذي يدفن الميت أو ينقذ الغريق، إذ لا فرق عنده في ذلك بين زيد وعمرو، وإنما ينظر إلى نفس

1 / 13

Мадхкира Усуль аль-Фикх ала Равадат аль-Назир | Усуль