330

معالم التوحيد في فاتحة الكتاب

معالم التوحيد في فاتحة الكتاب

Издатель

دار المأثور

Издание

الثانية

Год публикации

١٤٤١ هـ - ٢٠٢٠ م

Место издания

دار الأمل

Регионы
Египет
ثالثًا: بيان سبب تقديم العبادة على الاستعانة
لماذا قدم العبادة على الاستعانة؟
بعض أسرار تقديم العبادة على الاستعانة في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.
قال ابن القيم ﵀: «وَتَقْدِيمُ (الْعِبَادَةِ) عَلَى (الِاسْتِعَانَةِ) فِي الْفَاتِحَةِ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْغَايَاتِ عَلَى الْوَسَائِلِ، إِذِ الْعِبَادَةُ غَايَةُ الْعِبَادِ الَّتِي خُلِقُوا لَهَا، وَالِاسْتِعَانَةُ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا، وَلِأَنَّ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. مُتَعَلِّقٌ بِأُلُوهِيَّتِهِ وَاسْمِهِ اللَّهِ.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾. مُتَعَلِّقٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَاسْمِهِ الرَّبِّ، فَقَدَّمَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ عَلَى: (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) كَمَا قَدَّمَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى الرَّبِّ فِي أَوَّلِ الْسُورَةِ، وَلِأَنَّ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قَسْمُ الرَّبِّ فَكَانَ مِنَ الشَّطْرِ الْأَوَّلِ، الَّذِي هُوَ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِكَوْنِهِ أَوْلَى بِهِ، وَ(إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قَسْمُ الْعَبْدِ، فَكَانَ مِنَ الشَّطْرِ الَّذِي لَهُ، وَهُوَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُطْلَقَةَ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِعَانَةُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، فَكُلُّ عَابِدٍ لِلَّهِ عُبُودِيَّةً تَامَّةً مُسْتَعِينٌ بِهِ وَلَا يَنْعَكِسُ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَغْرَاضِ وَالشَّهَوَاتِ قَدْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى شَهَوَاتِهِ، فَكَانَتِ الْعِبَادَةُ أَكْمَلَ وَأَتَمَّ، وَلِهَذَا كَانَتْ قَسْمَ الرَّبِّ.
وَلِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ جُزْءٌ مِنِ الْعِبَادَةِ مِنْ غَيْرٍ عَكْسٍ، وَلِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ طَلَبٌ مِنْهُ، وَالْعِبَادَةَ طَلَبٌ لَهُ، وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ مُخْلِصٍ، وَالِاسْتِعَانَةَ تَكُونُ مِنْ مُخْلِصٍ وَمِنْ غَيْرِ مُخْلِص، وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ حَقُّهُ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَيْكَ، وَالِاسْتِعَانَةُ طَلَبُ الْعَوْنِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَهُوَ بَيَانُ صَدَقَتِهِ الَّتِي تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْكَ، وَأَدَاءُ حَقِّهِ أَهَمُّ مِنَ التَّعَرُّضِ لِصَدَقَتِهِ.
وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ شُكْرُ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَشْكُرَ، وَالْإِعَانَةُ فِعْلُهُ بِكَ وَتَوْفِيقُهُ لَكَ، فَإِذَا الْتَزَمْتَ عُبُودِيَّتَهُ، وَدَخَلْتَ تَحْتَ رِقِّهَا أَعَانَكَ عَلَيْهَا، فَكَانَ الْتِزَامُهَا وَالدُّخُولُ

1 / 365