Книга Судей
كتاب القضاء
Издание
الثانية
Год публикации
1404 AH
كتاب القضاء من مؤلفات الأستاذ الأكبر العلامة المحقق شيخ الفقهاء الحاج ميرزا محمد حسن الآشتياني قدس الله سره الشريف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين كتاب القضاء بالمد والقصر وهو لغة لمعان كثيرة منها الخلق ومنه قوله تعالى فقضيهن سبع سماوات اي خلقهن ومنها الحكم ومنه قوله تعالى والله يقضي بالحق اي يحكم ومنها الاتمام ومنه قوله تعالى فإذا قضيتم مناسككم اي أتممتم ومنها الامر كقوله عز وجل وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه أي أمر إلى غير ذلك وفي المسالك انه سمى القضاء قضاء لان القاضي يتم الامر بالفصل ويمضيه ويفرغ عنه وسمى حكما لما فيه من منع الظالم عن ظلمه انتهى وعرفا على ما في الدروس ولاية شرعية على الحكم في المصالح العامة من قبل الإمام (عليه السلام) وعن جماعة منهم الشهيد في المسالك انه ولاية الحكم شرعا لمن له أهلية الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية على أشخاص معينة من البرية باثبات الحقوق واستيفائها للمستحق ولا يبعد كون الأول أولى من الثاني لأعمية مورده من خصوص اثبات الحقوق كالحكم بالهلال ونحوه وكيف كان أصل ثبوته وتشريعه في الجملة مما لا إشكال فيه بل الأدلة الثلاثة من الكتاب والسنة والاجماع دالة عليه بل ربما قيل كما هو الحق بدلالة العقل عليه أيضا من حيث توقف النظام عليه بل لا يبعد دعوى الضرورة عليه فأصل ثبوته مما لا ينبغي أن يرتاب فيه إلا انا نذكر جملة من الآيات والاخبار تيمنا.
فنقول أما الآيات الواردة في باب الحكومة فكثيرة قال الله تبارك وتعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل وقال تعالى يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى وقال تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله وقال تعالى فإذا تنازعتم في شئ فردوه إلى الله ورسوله إلى غير ذلك.
Страница 2
وأما الروايات فقد تجاوزت حد الاستفاضة بل التواتر مثل قول الصادق عليه السلام في خبر أبي خديجة إياكم ان يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضيا فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه الخ وقوله عليه السلام القضاة أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة رجل قضى بجوز وهو يعلم فهو في النار ورجل قضى بجوز وهو لا يعلم أنه قضى بجور فهو في النار ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة وقول أمير المؤمنين وإمام المتقين (عليه السلام) لشريح يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي أو شقي وقول الصادق (عليه السلام) اتقوا الحكومة إنما هي للامام العالم بالقضاء العادل بين المسلمين كنبي أو وصي إلى غير ذلك من الروايات الواردة في ذلك ثم إن دلالة جملة من تلك الروايات على كون القضاء من مناصب النبي وأوصيائه (عليهم السلام) مما لا إشكال فيه وإنما الاشكال في دلالة الآيات على ذلك وأظهر منها دلالة حسب ما صرح به جماعة أيضا قوله تعالى يا داود إنا جعلناك الآية وقد استشهد بها على كون القضاء منصبا من مناصب النبوة والإمامة وغصنا من شجرة الرياسة العامة وجه الدلالة انه فرع عز وجل جواز الحكومة على كونه خليفة فينتفي بانتفائها وهو المطلوب وفيه أولا نمنع من تفريعه تعالى الجواز على كونه خليفة بل إنما فرع وجوبها على الخلافة حسبما هو قضية ظاهر الامر فلا يدل على انتفاء الجواز لغيرها وثانيا نمنع من دلالتها على وجوبه عليهما فضلا عن دلالتها على انتفاء الجواز للغير لاحتمال أن يكون المتفرع على الخلافة وجوب الحكومة بالحق فيكون المتفرع عليها وجوب الحكومة باعتبار القيد أي بمعنى انك انما (لما خ) جعلناك خليفة فيجب عليك الحكم بالحق فيكون في سياق قوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل فيكون الحكم في الآية ناظرا إلى القيد لا القيد والمقيد معا فلا دلالة للآية على أصل وجوبه على الخليفة لكونه واردة في مقام بيان حكم آخر هذا ولكن يمكن أن يجاب عنه بان هنا معنا ثالثا دقيقا يتم بملاحظته الاستدلال وهو أن يكون المتفرع على الخلافة الجواز نظرا إلى ورود الامر مقام رفع الحظر فلا يدل إلا على الجواز على ما هو المحقق في مثله لان الحكم بمعنى إلزام الناس سلطنة عليهم فالأصل عدم جوازه فتدل الآية بمقتضى قضية التفريع المتضمن لمعنى الشرطية في المقام على انتفاء الرخصة في حق غير الخليفة والحاصل ان في الآية احتمالات ثلاثة أحدها أن يكون المتفرع على الخلافة وجوب الحكم بالحق أعني القيد والمقيد فلا دلالة لها على هذا التقدير على انتفاء الرخصة لغير الخليفة ثانيها أن يكون المراد منها تفريع وجوب الحكم بالحق باعتبار القيد فلا دلالة لها على هذا التقدير أيضا على المطلوب ثالثها أن يكون المراد تفريع الجواز على الخلافة بملاحظة كون الأصل في الحكم الحرمة وورود الامر في مقام رفع الحظر فيدل على انتفاء الجواز في حق غير الخليفة إذا عرفت أن في الآية احتمالات ثلاثة فإن لم يكن أحدها ظاهرا أو كان ولكن الاحتمالين الأولين فلا دلالة لها على ما رامه الجماعة من دلالتها على اختصاص القضاء بالنبي ووصيه وكونه من مناصبهما وإن كان الثالث أظهر فيدل على المطلوب والانصاف انه أظهر من الأولين فالآية بذلك البيان من الأدلة على اختصاص الحكم بالخليفة نبيا كان أو وصيا هذا ويمكن أن يستفاد كون الحكم من مناصب الخليفة من لفظها من غير احتياج إلى البيان المذكور بأن يقال إن مقتضى جعل الله شخصا خليفة هو ثبوت جميع ما يجوز له لهذا الشخص فتدل الآية بالنظر إلى لفظة الخليفة بمعونة الأصل المتقدم على كون الحكم من مناصب الخليفة فافهم.
قوله وكذا لا ينعقد لغير العالم المستقل بأهلية الفتوى ولا يكفيه فتوى العلماء الخ.
أقول إنك بعدما عرفت من دلالة جملة من الروايات بل بعض من الآيات أيضا حسبما مر على كون القضاء
Страница 3
من مناصب النبي والامام فاعلم أن الاذن عن الأئمة في القضاء لمن جامع شرايط الافتاء معلوم بحيث لا يعتريه ريب ويدل عليه مضافا إلى الأخبار الكثيرة المتقدمة إلى بعض منها الإشارة الاجماع بقسميه محققا منقولا فهذا مما لا اشكال فيه إنما الكلام فيما قد نقل عن بعض أفاضل المتأخرين ومال إليه بعض مشايخنا من جواز القضاء للمقلد فنقول ان الكلام في قضاء المقلد في ثلاث مقامات أحدها فيما لو استقل بالحكم والقضاء ثانيها فيما لو صار منصوبا من المجتهد وبعبارة أخرى في جواز نصب المجتهد كما ينصب الامام ثالثها فيما لو صار وكيلا عن المجتهد والفرق بين هذا المعنى وسابقه مما لا يكاد إن يخفى ثم إن كلامنا في تلك المقامات إنما هو في زمان غيبة الإمام (عليه السلام) وأما زمان حضوره فنصب القضاة منه وكلما فعله فهو حق لأنه معصوم عن الخطأ فلا ثمرة مهمه (1) لنا في البحث عنه.
أما المقام الأول فالحق فيه عدم الجواز لنا مضافا إلى الاجماع المدعى في كلام جماعة منهم ثاني الشهيدين في المسالك البالغ حد الاستفاضة المعتضد بالشهرة المحققة بل عدم الخلاف في المسألة الأصل وتقريره ان القضاء وهو الالزام بغير ما يقتضيه التكليف سلطنة على الملزم غير مجوزة إلا بدليل توضيح ذلك أن إلزام المكلف يكون تارة بما يقتضيه تكليفه كما في موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأخرى يكون بما لا يقتضيه تكليفه إن صار تكليفه بعد اثبات وجوب التزامه بالالزام المذكور.
أما الأول فلا إشكال في جوازه لكل من يتأتى عنه مجتهدا كان أو مقلدا وإن كان مقتضى الأصل الأولي عدم جوازه لكن قد دل العقل والنقل على حسنه كذلك وإن خالف فيه بعضه فذهب إلى اختصاصه بالامام وعدم جوازه لغيره حتى المجتهد لكنه موهون جدا حسبما قرر في محله فلا نزاع لنا فيه فما يظهر من بعض الاعلام من التمسك في المقام بما دل على جواز الالزام بالمعروف والحق لكل آحاد الأنام خروج عن محل الكلام.
وأما الثاني فلما لم يعتبر فيه جهة اقتضاء التكليف فيحتاج في الخروج عن مقتضى الأصل فيه إلى دليل غير ما دل على جواز الالزام بالمعروف.
فنقول ما يمكن أن يصير دليلا للخصم في المقام ومخرجا عن الأصل المزبور ليس إلا أحد أمور ثلاثة على سبيل منع (مانعة خ) الخلو أحدها الآيات الدالة على أصل تشريع الحكم وفصل الخصومة كقوله تعالى وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الخ وقوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله (آه) وغيرهما فإنها باطلاقها شاملة للمجتهد والمقلد كليهما ثانيها ما دل بظاهره على انحصار رفع الخصومة والقضاء بين الناس إذا كانت الشبهة موضوعية بالبينة والايمان لأنه باطلاقه أيضا شامل للمجتهد والمقلد كليهما ثالثها ما دل على نصب القضاة عموما أو خصوصا أما الأمر الأول فالحق عدم دلالته على المطلب أصلا أما قولك انها بمقتضى الاطلاق شاملة للمجتهد والمقلد ففيه أولا انا نمنع من شمولها للمجتهد والمقلد وكونها مسوقة لبيان حال الحاكم من أنه أي صنف من الأصناف لما قد عرفت من أن جل تلك الآيات بل كلها مسوقة لبيان وجوب كون الحكم حقا لا لبيان أصل أصل وجوب الحكم فالاطلاق وارد لبيان حكم القيد أي وجوب كون الحكم حقا وعدلا وبما أنزل الله لا لبيان حكم القيد وقد تقرر في محله ان الشرط في التمسك بالاطلاق عدم وروده لبيان حكم آخر وكون المتكلم في مقام البيان فافهم وثانيا نسلم كون الآيات دالة على جواز الحكم بالحق لكل من عرف الحق من المجتهد والمقلد لكن نقول المراد
Страница 4
من الحق هنا هو الحق الواقعي الذي كان معلوما حقيقته عند الحاكم والمحكوم عليه معا وبعبارة أخرى كان الطريق إليه اعتقاد الحاكم والمحكوم عليه لا ما كان حقا عند الحاكم باطلا عند المحكوم عليه الدليل على ما قلنا مع أن مقتضى القاعدة هو مراعاة اعتقاد الحاكم فقط حيث إن الطريق إلى متعلق الخطاب هو اعتقاد من خوطب به أما انصراف الآيات إلى ذلك وظهورها فيما إذا كانت حقيقة المحكوم به معلومة محققة معروفة عند الحاكم والمحكوم عليه فتأمل أو انه لو لم يكن المراد ذلك بل كان المراد ظاهره أي الحق عند الحاكم لما وجب قبوله على المحكوم عليه حيث إنه مخاطب أيضا بعدم قبول الحكم الباطل وحكم الجاهلية والشيطان والمفروض انه بعدما كان اعتقاده مخالفا لاعتقاد الحاكم يعتقد كون حكمه باطلا يجب رده فلا بد من أن يكون المراد من الحق في المقام هو ما ثبت حقيته عند الطرفين أي ما كان مقتضى تكليف المحكوم عليه أيضا فإن شئت قلت إنه كما يجب على الحكام الحكم بالحق ويكون الطريق لهم إليه اعتقادهم كذلك يجب على غيرهم الالتزام بالحكم بالحق وعدم قبول ما كان باطلا ومن المعلوم ان الطريق إلى احراز الحق في هذا الخطاب اعتقاد المترافعين فإنهم مأمورون بالرجوع إلى من كان عارفا بأحكام الله وعالما بها ولا يتنجز هذا الخطاب في حقهم إلا بعد علمهم بكون المرجع حقا.
فان قلت إنه لا داعي إلى صرف الآيات عن ظاهرها بعدما كانت قضية ظاهرها هي كفاية الحقية عند الحاكم نظرا إلى القاعدة المذكورة وما ذكر من أن الداعي إليه هو لزوم التعارض فممنوع فإنه بعدما وجب على الحاكم الحكم بالحق عنده لزم قبوله على المحكوم عليه وإلا لزم لغويته وهذا باب واسع يدخلونه في كثير من المقامات كما ذكروه في آية الكتمان والنفر وغيرهما.
قلت ما ذكر من أنه لو وجب على شخص بيان شئ للغير لوجب على الغير قبوله وإلا لزم اللغوية فإنما هو فيما لم يجب على هذا الغير عدم قبول ما لم يكن حقا عنده وإلا لوقع التعارض فكما أنت تقول إن وجوب الالزام بالحق علي يدل على وجوب الالتزام لما ذكر من اللغوية فنحن نقول أيضا ان وجوب رد الباطل أيضا علينا الذي طريق ثبوته اعتقادنا يدل على قبول قولنا وإلا لزم اللغوية فتأمل.
فان قلت هب ان المراد من الحق في المقام هو ما ثبت حقيقته لكل من الحاكم والمحكوم لكنا نثبت حقية المحكوم به بأدلة البينة والايمان.
قلت أولا إن ظاهر الآيات هو الحق في الحكم الكلي لا الموضوع الخارجي وبعبارة أخرى المراد من الآيات الالزام بحكم الله في مقابل حكم الجاهلية فأدلة البينة غريبة (عرية خ) عن المقام حيث إن الحكم بالبينة والايمان إنما هو في الموضوعات الخارجية دون الأحكام الكلية والمراد من الآيات هو الحكم بالحق في الشبهة الحكمية أي الحكم بما أنزل الله وجاء به ومعلوم ان ملكية زيد وعدمها التي هي مدلول البينة لم يكن مما أنزل الله به.
فان قلت: إن وجوب الحكم بمقتضى البينة أيضا حكم كلي قد ثبتت حقيته بأدلة حجيتها والحكم بخلاف مقتضاها حكم باطل فكيف يقال بعدم تصور الحقية في الحكم الكلي بالنظر إلى البينة.
قلت قد التبس عليك الامر فإنه فرق واضح بين كون الحكم في الواقعة حقا الذي هو المحكوم به للحاكم وبين كون أصل حكمه بمقتضى البينة الذي هو فعل الحاكم حقا والذي ينفع في المقام إنما هو الأول دون الثاني كما لا يخفى وثانيا ان المراد من الحق في المقام هو ما ثبت حقيته مع قطع النظر عن حكم الحاكم وأما ما ثبت حقيته بملاحظة حكم الحاكم من جهة قيام البينة فليس مشمولا للآيات كما لا يخفى فالاستدلال بما دل على حجية البينة في مقام القضاء موهون جدا مضافا إلى ما سيجئ من عدم عموم وإطلاق له بحيث يشمل المجتهد والمقلد.
Страница 5
فان قلت سلمنا ان المراد من الآيات الآمرة بالحكم بالحق هو ما ثبت حقيته عند كل من الحاكم والمحكوم عليه لكن هذا المقدار أيضا يكفينا لأنا نفرض الكلام فيما لو كان الحاكم والمحكوم مقلدين لمجتهد واحد فيجوز له من الحكم بالحق كما يجوز للمجتهد.
قلت بعد تسليم كون المراد من الآيات المعنى المذكور يكون مساقها مساق أدلة الأمر بالمعروف فقد عرفت أنه يجوز لكل من يتأتى عنه ذلك مجتهدا كان أو مقلدا وهذا مما لا إشكال فيه بل يمكن دعوى الاجماع عليه إنما الكلام في تأثير إلزام المقلد في وجوب الالتزام على الملتزم من غير أن يقتضي تكليفه ذلك كما في المجتهد والحاصل انه قد يجب إلزام الشخص على شئ من جهة اقتضاء تكليفه الالتزام به مع قطع النظر عن الالزام فيكون وجوب الالزام حينئذ متفرعا على وجوب الالتزام وهذا مما يشترك فيه المجتهد والمقلد بل يجب على كل أحد من باب الأمر بالمعروف والالزام بالحق وقد يجب إلزامه بشئ من غير ملاحظة اقتضاء تكليفه ذلك فيكون وجوب التزامه متفرعا على وجوب الالزام المذكور وهذا هو محل النزاع في المقلد فكل من يقول بجواز حكم المقلد فلا بد من أن يثبت وجوب الالتزام بإلزامه وإن لم يقتضه تكليف الملزم (الملتزم خ) ومعلوم انه لا يكفيه تلك الآيات لأن مفادها وجوب الالزام فيما اقتضى تكليف الملتزم الالتزام به مع قطع النظر عن الالزام المذكور حسبما عرفت من كون المراد بالحق منها هو ما كان حقا عند المحكوم عليه أيضا.
نعم لو صدر هذا الالزام عن التزام (الالزام خ) بما ثبت حقيته عند المحكوم عليه من المجتهد كان حكما أي لا بد من أن يترتب عليه آثار الحكم لما قد دل من جوب الالتزام بإلزامه مطلقا سواء اقتضاه تكليف الملتزم أم لا فالالتزام بالالزام المذكور وان اقتضاه نفس تكليف الملتزم أيضا إلا أن هذه الجهة غير ملحوظة إذا كان الملزم هو المجتهد لما قد دل على وجوب الالتزام بالزامه مطلقا فالحيثيتان وإن اجتمعتا في محل واحد إلا أن المناط فيهما مختلف وأما لو صدر من المقلد فلا يكون حكما بمعنى ان يجب عليه ترتيب آثار الحكم لعدم دليل يدل على وجوب الالتزام بإلزامه مع قطع النظر عن اقتضاء التكليف وإن شئت قلت إن هنا شيئين أحدهما جواز الالزام والحكم للمقلد ثانيهما وجوب ترتيب الأثر عليه وصحته ونفوذه أما الأول فلا يجوز له إلا إذا كان الملتزم به حقا أي اقتضاه تكليف الملتزم مع قطع النظر عن إلزامه ولا يجوز في غيره وأما الثاني فيتوقف على اثبات كون إلزام المقلد بمجرده وإن لم يقتضه تكليف الملزم (الملتزم خ) مؤثرا في وجوب الالتزام وقد عرفت أن الآيات قاصرة عن إفادة ذلك حيث إن قضية ظاهرها كما عرفت هو وجوب الالزام فيما لو كان الملزم به حقا عند المحكوم عليه وما نحن بصدد اثباته ونفيه في المقام هو الثاني وأما الأول فيدل على جوازه للمقلد فيما لو كان الملزم به حقا عند الملتزم كل ما دل على حسن الأمر بالمعروف من الأدلة الأربعة هذا وثالثا نسلم دلالتها على وجوب الالزام بالحق وإن لم يكن ثابتا عند المحكوم عليه لكن نقول بلزوم تقييدها بما دل من الآيات والاخبار التي قد تقدم إلى شطر منها الإشارة على كون القضاء من مناصب الخليفة وغصنا من شجرة رياستها العامة وبعبارة أخرى مقتضى التمسك بتلك الآيات هو كون القضاء حكما شرعيا واجبا على كل أحد ومقتضى غيرها من الآيات والاخبار هو كونه من المناصب العامة للإمام (عليه السلام) محتاجا إلى الاذن منه فبينهما تناف فلا بد من أن يرجع إذا إلى ما دل على الاذن في زمان الغيبة من قبل الإمام (عليه السلام) وانه هل يشمل المقلد أو يختص بالمجتهد فيرجع إلى الأمر الثالث وسيجئ ما عليه من الكلام فلا مناص للاستدلال بالآيات أصلا كما لا يخفى ثم إنه يظهر بما ذكرنا في الآيات حال التمسك بالأخبار الواردة بهذا المضمون فلا نحتاج إلى تطويل في المقال وأما الأمر الثاني ففيه مضافا إلى أخصية تلك الأدلة
Страница 6
من المدعى كما لا يخفى عدم كونها في مقام بيان الحاكم وانه من أي صنف من الأصناف بل غاية ما دلت عليه هو انه لا بد من الحكم والفصل بالبينة والايمان وأما الحاكم من أي صنف من الأصناف فتلك الأدلة غير ناظرة إلى بيانه ومهملة بالنسبة إليه فلا إطلاق لها من تلك الجهة حتى يتمسك بها (به خ) وقد يتمسك أيضا بأدلة وجوب العمل بالبينة كقوله (عليه السلام) لابنه إسماعيل إذا شهد عندك المسلمون فصدقهم إلى غير ذلك فإنها بعمومها شاملة للمقلد أيضا وفيه أن تلك الأدلة وإن تشمل المقلد أيضا إلا أنها في مقام التمسك بالبينة في عمل نفس الشخص واما إلزام الغير بمقتضاها كما هو محل الكلام فلا دلالة فيها على ذلك أصلا كما لا يخفى فلم يبق في المقام ما ينفعنا إلا الأمر الثالث وهو ادعاء شمول الاذن الواصل من أئمة الأنام لمثل هذا العوام فبالحري أن نذكر جملة من الاخبار الموهمة (المتوهمة خ) دلالتها على الاذن للمقلد حتى يتضح لك الحال ويرتفع الغبار.
فنقول منها قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي خديجة إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم (قاضيا خ) فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه.
ومنها مقبولة عمر بن حنظلة قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك فقال (عليه السلام) من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنما يأخذه سحتا وإن كان حقه ثابتا (حقا ثابتا له خ) لأنه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله تعالى أن يكفر به قلت فكيف يصنعان قال ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حاكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله الخبر ومنها ما رواه الحلبي قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشئ فيتراضيان برجل منا فقال ليس هو ذاك إنما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط الخبر إلى غير ذلك ثم إن جل المستدلين بالروايات إنما استدلوا برواية أبي خديجة وبعضهم تمسك برواية الحلبي أيضا ولكن لم أر أحدا تمسك بمقبولة عمر بن حنظلة إلا الفاضل القمي رحمه الله والحق عدم إمكان التمسك بها بل هي من وجوه الرد عليهم كما سنشير إليه وكيف كان وجه الاستدلال انه أمر في رواية أبي خديجة بالتحاكم إلى من علم شيئا من قضاياهم ومن المعلوم إن المراد من العلم ليس هو خصوص الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع وإلا لزم عدم جواز التحاكم إلى المجتهد أيضا لكون أكثر أحكامه ظنية نظرا إلى ظنية مباديها ومداركها فلا بد أن يكون المراد منه هو الاعتقاد الأعم من الجازم وما ثبت اعتباره بالدليل وإن لم يكن جازما وهذا نظير ما ذكروه في تعريف الفقه بأنه العلم بالأحكام الشرعية الخ من أن المراد منه الاعتقاد الأعم من العلم والظن ومعلوم ان هذه القضية صادقة في حق المقلد فإنه بعدما قلد مجتهده في كون عشر رضعات محرما وحصل له الظن بالتحريم يكون هذا الاعتقاد معتبرا في حقه فيجب على الغير التحاكم إليه بمقتضى الرواية وكذا قوله في رواية الحلبي فيتراضيان برجل منا غاية الأمر خروج من لم يعرف الاحكام أصلا لا باجتهاده ولا بالتقليد منه بقيام الاجماع على اشتراط المعرفة في الجملة فبقي المجتهد والمقلد داخلين فيه هذا غاية ما يمكن أن يوجه به الروايتان للدلالة على المقصود لكن الحق عدم دلالتهما على ذلك أما أولا فلان إطلاقهما وارد في مورد حكم آخر أي في مقام عدم جواز التحاكم إلى الطاغوت كما هو صريح الثانية بل الأولى أيضا فالمقصود منهما انه لا بد من المرافعة من أن يرجع إلى الشيعة دون الطاغوت واما ان المرجع من الشيعة هو كل من يعرف الحكم أو خصوص المجتهد
Страница 7
فهما ساكتتان عنه غير واردتين لبيانه.
فان قلت أليس شيوخكم تمسكوا برواية أبي خديجة في اشتراط الفقاهة والاجتهاد في القاضي وهذا الذي ذكرته مناف لما فهموه من الرواية.
قلت نمنع من تمسك الشيوخ بالرواية على اشتراط الاجتهاد في القاضي وإنما تمسكوا بها لاثبات أصل الاذن من الامام لشيعتهم في زمان الغيبة وأما اشتراط الاجتهاد فإنما جاؤوا به من مقبولة عمر بن حنظلة كما يظهر من المراجعة إلى كتبهم. نعم ربما يتمسك بها بعض المتأخرين لاثبات اشتراط الاجتهاد أيضا وأما ثانيا فلان المراد من المعتقد بحكم الله حسبما هو المراد من العالم على ما بنى عليه المستدل هو من يعتقد بحكم الله باعتقاد الناظرين على ما عرفت من أن مقتضى القاعدة كون الطريق إلى الموضوع في القضية المأمور بها هو اعتقاد المأمور والمخاطب لا من اعتقد بكون معتقده حكم الله وإن لم يكن حكم الله باعتقاد الناظرين إلا إذا كانا شريكين في الاعتقاد. نعم هو في اعتقاد الناظر معتقده حكم الله لا كون معتقده حكم الله لأنه لا يكون معتقدا بحكم الله عند الناظر إلا إذا اعتقد بكون معتقده حكم الله ولهذا قد فرض بعض المحققين القائل بالجواز الحكومة للمقلد فيما لو كان المتداعيان والمقلد الحاكم مقلدين لمجتهد واحد وقال في بعض كلام له بعد استدلاله برواية أبي خديجة حسبما عرفته من كون المراد من العلم فيها الأعم من الاعتقاد الجازم وما ثبت اعتباره من الاعتقاد الغير الجازم ما حاصله انه كما يجوز للمترافعين والمتداعيين كالزوج والزوجة في أن عشر رضعات محرم مثلا الالتزام بالحرمة فيما إذا كانا مقلدين لمجتهد يعتقد ذلك من دون أن يتحاكما إلى أحد كذا يجوز تحاكمهما إلى مقلد كان شريكا معهما في التقليد أي مقلدا لمن يقلدانه فيحكم بينهما بما قلده من المجتهد من نفوذه للحرمة فالرواية تدل إذا على جواز الرجوع إليه لكونه أيضا عالما بشئ من قضاياهم بالمعنى المتقدم انتهى ملخص كلامه وحاصل مراده قدس سره ولقد أجاد فيما أفاد وجاء بما فوق المراد ولكن يرد عليه بعد تسليم دلالة الرواية على جواز الرجوع إلى المقلد في الفرض المزبور انه لا دلالة لها على كون الرجوع في تلك الصورة من جهة كون إلزامه مؤثرا في وجوب الالتزام بالملتزم به مع قطع النظر عن كون مقتضى تكليف المحكوم عليه الالتزام بالملتزم به كما هو محل النزاع فلعله كان من اقتضاء تكليفه ذلك مع قطع النظر عن الالزام المذكور فيكون التكليف بالرجوع إليه من جهة وجوب اتباع الحق والمعروف وهو خارج عن الفرض.
فإن قلت انا نثبت وجوب الالتزام بالالزام المذكور مع قطع النظر عن شئ آخر في هذا الفرض ويتم القول في الباقي بالاجماع المركب وطريق اثبات المدعى هنا ان مقتضى جعل الامام شخصا قاضيا على ما هو مقتضى الرواية هو وجوب الالتزام بإلزامه مع قطع النظر عن اقتضاء تكليف الملتزم وإلا لما احتاج إلى جعله قاضيا حيث إن الالزام بالمعروف غير محتاج إلى جعل من الامام فيكون قوله (عليه السلام) في الرواية فإني قد جعلته قاضيا دليلا على وجوب الالتزام بإلزامه وإن لم يقتضه تكليف الملتزم وهذا نظير التوقيع الشريف عن الامام عجل الله فرجه وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله فإن التعليل بأنهم حجته يدل على وجوب قبول قولهم مع قطع النظر عن اقتضاء التكليف ذلك كما لا يخفى.
قلت الظاهر من التعليل بالجعل والحجة وإن كان ما ذكر ابتداء الا انه بملاحظة كون المعهود عند أهل الزمان والمركوز في أذهانهم انه لا بد من كون القاضي منصوبا من جانب السلطان وانه لا يسمع بمقالته من دون النصب وان قال حقا يصير الظاهر من التعليل ان السلطان العالم العادل بين المسلمين قد أوجب الرجوع إلى هؤلاء وجعلهم
Страница 8
منصوبين منه فلا بد من أن يسمع مقالتهم لان الجعل قد حصل فلا دلالة للتعليل المذكور على كون وجوب الالتزام بالزامهم من جهة تأثير الالزام مع قطع النظر عن حقية الملتزم به عند المحكوم عليه فتأمل واما ثالثا فلان جعل العلم بمعنى مطلق الاعتقاد الشامل للظن خلاف الظاهر فلا داعي إلى ارتكابه بل قد يمكن أن يدعى عدم استعماله فيه ابدا وأوهن منه ما ذكره الفاضل القمي من أن المراد من العلم الظن بعلاقة وجوب العمل فان استعمال العلم في خصوص الظن مما لم يعهد بينهم (منهم خ) هذا واما رابعا فلانه بعد تسليم صحة الاستعمال المذكور لا يكفي المستدل ذلك ولا يغنيه من جوع لعدم اشتراط حصول الظن من فتوى المجتهد ظنا شخصيا للمقلد بالاجماع بل لا بد من أن يرجع إليه وإن لم يحصل له ظن بل وان حصل الظن على الخلاف فلا بد من أن يقولوا بتعميم اخر وهو كون المراد من العلم الأعم من الاحتمال الواجب العمل وفساده غني عن البيان واما ما تخليه من أنه لو أبقى العلم على ظاهره لخرج المجتهد أيضا منه فخيال فاسد لأنا نقول إن المراد من العلم في مثل هذه القضايا هو العلم العرفي ولا ريب في صدقه على من علم وعرف كثيرا من الاحكام وإن كان ظانا في الباقي بعدما كان مقصوده الأولى تحصيل العلم بالواقعة ومعلوم ان المجتهد ليس جميع مستنبطاته ظنية بل كثير منها قطعية علمية يعلم بموافقة جملة منها للواقع وإن لم يعرفها بعينها فقوله (ع) يعلم شيئا من قضايانا صادق في حقه قطعا بخلاف المقلد فإنه لا يطلق عليه العالم عند العرف فصدق العالم على المجتهد لا يتوقف على حصول العلم بمعنى الاعتقاد أو خصوص الظن بعد ما عرفت من أن المراد من العالم هو العالم العرفي وهذا أمر ظاهر بعد المراجعة إلى العرف الا ترى انهم يقولون فلان عالم بالنحو أو الصرف أو غيرهما مع أنه لم يكن جازما بأكثر مسائله (مسائلها خ) فإن شئت قلت إن التصرف انما وقع في النسبة لا في الكلمة فبعد ما كان هذا النحو من الاطلاق شايعا عند العرف لا احتياج لنا إلى صرف الكلمة عن ظاهرها فادعاء كون المراد من العلم هو الظن الواجب العمل ضعيف جدا نعم لو قال أحد بان المراد من الحكم الأعم من الظاهري والواقعي والمقلد وإن لم يكن عالما بالحكم الواقعي لكنه عالم بالحكم الظاهري كالمجتهد في مظنوناته لم يكن في الضعف كسابقه وإن كان هو أيضا ضعيفا فافهم واما خامسا فلانه بعد تسليم ذلك كله و كون الرواية شاملة باطلاقها للمقلد والمجتهد كليهما نقول إنه لا بد من تقييد اطلاقها بمقبولة عمر بن حنظلة لكونها أخص منها لأن الظاهر من فقراتها الثلاث وهو قوله روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا هو اعتبار العلم كما لا يخفى فادعاء كونها أعم أيضا نظرا إلى صدق المعرفة والنظر في حق المقلد كما صدر عن بعض الأفاضل مما لا يصغى إليه بعد ما عرفت من الظهور على خلافه.
فان قلت بعد تسليم كون المقبولة ظاهرة في اعتبار العلم وعدم كفاية التقليد نمنع من دلالتها على اعتبار الاجتهاد حيث إنه أعم منه والعام لا يدل على الخاص مضافا إلى حصول العلم الضروري لكل أحد بان المنصوبين من قبل الأئمة (ع) في زمان حضورهم الذاهبين إلى البلدان البعيدة والقريبة بل الموجودين في بلدهم (ع) لم يكونوا كلهم مجتهدين عالمين بالأحكام باعتبار ملكة الاستنباط بل انما كانوا سئلوا الامام من الاحكام و علموا بها من جهة جوابه (ع) وهذا مما لا يحتاج فيه إلى قوة الاستنباط بل لا مدخل لها فيه فالقول باعتبار الاجتهاد كما هو المطلوب مما يدل عليه المقبولة بل تدل على عدمه سيما بملاحظة ما ذكرنا أخيرا.
قلت لسنا قائلين بدلالة المقبولة على اعتبار الاجتهاد في الحاكم وانما نقول بدلالتها على اعتبار العلم فيه ولكنا نقول أنه لا يمكن تحصيل العلم بالأحكام الشرعية في زماننا هذا الا بملكة الاجتهاد فاعتبار الاجتهاد ليس من جهة دلالة المقبولة عليه بل من جهة عدم حصول العلم في زماننا هذا وأشباهه الا به فاعتبار الملكة انما هو من جهة
Страница 9
عدم تحقق الموضوع في هذه الأزمنة الا به وأين هذا من اعتبار الاجتهاد في القاضي مطلقا فنصب الأئمة (ع) من لا يعلم بالحكم الا من قولهم لا ينافي ما نقول به في زماننا ومن هنا يعلم فساد ما تمسك به بعض الذاهبين إلى كفاية التقليد في الحاكم من انا نعلم ضرورة بعدم الاجتهاد لكل من نصبه الإمام (ع) في زمان حضوره فيدل على كفاية التقليد وعدم اعتبار الاجتهاد هذا كله مضافا إلى ربما يدعى من دلالة المقبولة على اعتبار الاجتهاد لمكان قوله (ع) نظر في حلالنا وحرامنا لأن الظاهر منه اعتبار النظر والاجتهاد في الحلال والحرام مضافا إلى أن العالمين بالأحكام من قول الإمام (عليه السلام) كان لهم عام وخاص ومطلق ومقيد ومعارض وسليم عن المعارض وأمر ونهي ومجمل ومبين و محكم ومتشابه إلى غير ذلك كزماننا هذا فالقول بعدم الاجتهاد لهم فاسد جدا غاية الأمر سهولة الخطب في ذلك الزمان وصعوبته في زماننا هذا لكنك خبير بفساد هذه الدعوى حيث إن استنباط الحكم من الطرق المتعارفة عند أهل اللسان بحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد والمجمل على المبين إلى غير ذلك لا يكون اجتهادا قطعا نعم انكار وجود الاجتهاد في زمان الأئمة (عليهم السلام) مطلقا حتى للغائبين عن حضوره عليه السلام خلاف الانصاف مضافا إلى دلالة بعض الروايات عليه فالأولى في الجواب ما ذكرنا من أن اعتبار الاجتهاد في زماننا من جهة عدم امكان تحصيل العلم بدونه واما دعوى دلالة لفظ نظر عليه فضعيفة جدا للمنع عن كونه بمعنى الاجتهاد كما لا يخفى.
فان قلت إن المراد من الاحكام إن كان هو الكل كما هو مقتضى الجمع المضاف حيث لا عهد فيخرج المجتهد أيضا لعدم وجود مجتهد كان عالما بجميع الاحكام بل ظانا بها. ولازمه عدم جواز الحكم له وهو مخالف للاجماع بل الضرورة فلا بد من طرح الرواية وإن كان البعض فيشمل اطلاقها المقلد أيضا فانا نفرض حصول العلم للمقلد في بعض المسائل من قول مجتهده.
قلت بعد تسليم كون الجمع المضاف مفيدا للعموم إما أولا فلا بد من أن يخرج عن هذا الظاهر و صرفه إلى غيره بقرينة فهم الأصحاب فنقول ان المراد منه ليس الجميع ولا البعض بل الجنس ولا شك في عدم صدقه في حق المقلد وصدقه في حق المجتهد واما ثانيا فبان نقول إن العموم بحاله الا ان المراد منه العموم العرفي لا الحقيقي ولا ريب في صدقه في حق من علم كثيرا من الاحكام وإن لم يعلم كلها.
فان قلت إن ما ذكرته في رواية أبي خديجة في مقام الرد على المستدل بها لجواز الحكومة من أن الامر بالرجوع إلى العالم بالحكم يقتضي اعتبار اعتقاد المخاطب في ذلك فلا يدل على وجوب الرجوع الا بالنسبة إلى من علم المخاطب بكونه عالما بحكم الله فيخرج عن محل الفرض يجئ بعينه فيما نحن فيه أيضا فنقول ان الامر بالرجوع إلى من جمع فيه الصفات المذكورة في المقبولة انما يقضي بوجوب الرجوع إلى من جمع فيه الصفات باعتقاد المأمور لقضية ما ذكر في المشهورة فيخرج عن محل الفرض لكونها داخلة حينئذ في عداد الأمر بالمعروف.
قلت بعد الغض عما ذكرنا أخيرا في المشهورة من أن المراد من العلم فيها هو العلم العرفي ولا ريب في صدقه في حق المجتهد ان في مقام قرينة على كون المراد من العلم والمعرفة هو العلم باعتقاد الحاكم دون المحكوم عليه وهي فرض الراوي تعارض الحكمين (الحاكمين خ) في الحكم لان التعارض لا يمكن الا بان يكون المراد من المعرفة هي المعرفة باعتقادهما وإلا فلا يمكن تعارض الحاكمين العارفين بالحكم في نظر المحكوم عليه لأنه مستلزم للتناقض في اعتقاده وكذا جواب الإمام (عليه السلام) بالرجوع إلى الأفقه والأعدل مطلقا من غير تقييد له بصورة التوافق في الاعتقاد يصير قرينة على كون المراد من العارف في المقام من كان عارفا بالحق باعتقاد نفسه فافهم وتأمل.
Страница 10
فان قلت إن ظاهر الرواية حسبما هو قضية العطف بالواو هو اعتبار جميع الأوصاف الثلاثة فلا بد بناء عليه ان نقول باشتراط كون الحاكم راويا أيضا وهذا الشرط خلاف الاجماع في زماننا وأشباهه فلا بد من أن نقول بكونها واردة في حق الرواة فلا تدل على جواز حكومة المجتهد أيضا.
قلت أولا ان المراد من راوي الحديث كونه محتملا له وإن لم ينقله لغيره ومعلوم ان المجتهدين في زماننا أيضا متحملون للأحاديث وثانيا ان ذكر وصف الرواية (روى خ) ليس من جهة اعتباره في الحاكم بل من جهة عدم تحقق العالم بالحكم في تلك الأزمنة الا بهذا الوصف فاعتباره من جهة عدم الانفكاك بينه وبين العالم دائما أو غالبا فيكون القيد واردا مورد الغالب.
فان قلت هب ان المراد بالعارف بالحكم في المقبولة هو من عرفه بالاجتهاد لكنه لا يدل على نفيه من غيره لعدم المفهوم للقيد واللقب فيكون المقبولة مع المشهورة من قبيل المطلق والمقيد المثبتين فلا داعي لحمل المشهورة على المقبولة والقول بان المراد منها هو المجتهد لما تقرر في مسألة المطلق والمقيد من أن الشرط في حمل المطلق على المقيد هو ثبوت التنافي بينهما ولا تنافي في المثبتين كما لا يخفى فبقي المشهورة باطلاقها شاملة للمجتهد والمقلد فتعين الرجوع إليها.
قلت ما ذكرته من أن القيد لا مفهوم له كلام متين لكنه من المقرر في محله أيضا انه لو كان القيد واللقب في مقام التحديد يكون له مفهوم قطعا لان القيود في التحديدات لا بد أن تكون احترازية والا لما صح الطرد والمنع فوقوعه في مقام التحديد قرينة على كون المراد منه المفهوم والا لاختل الغرض المسوق له القيد ومعلوم ان الإمام عليه السلام في مقام تحديد من يجب الرجوع إليه من الشيعة فلا يمكن ان يق بان ما يذكره من القيد لا مفهوم له بل لا بد من أن يق ما ان ما يذكره من القيود احترازية فظهر بما ذكرنا فساد ما توهمه بعض من أن المقبولة مع المشهورة من المثبتين فلا قاضي بحمل إحديهما على الأخرى وان كانتا من المطلق والمقيد وجه الفساد انه قد تقرر في محله وجوب حمل المطلق على المقيد فيما ثبت فيه اتحاد المكلف به وقد عرفت مما ذكرنا من كون الإمام عليه السلام في مقام تحديد المرجع ان المرجع إما مطلق العالم على ما هو مدلول المشهورة أو خصوص المجتهد كما هو مدلول المقبولة ولا يمكن ان يكون المعين للمرجعية هو مطلق العالم باطلاقه وخصوص فرد منه بخصوصه فلا بد من حمل المطلق على المقيد حسبما هو المقرر في محله فكما انه لو علم باتحاد التكليف في قوله أعتق رقبة واعتق رقبة مؤمنة لا بد من حمل المطلق على المقيد لان وجوب عتق الرقبة المؤمنة تعيينا حسبما هو ظاهر الامر به ينافي وجوب عتق الرقبة مطلقا فكذا في ما نحن فيه بعد العلم بان الإمام (عليه السلام) في مقام تحديد المرجع فبعد العلم باتحاد المرجع لا بد من حمل المطلق في المشهورة على المقيد في المقبولة كما لا يخفى.
ثم إن في المقبولة دلالة واضحة على ما انعقد عليه الاجماع من عدم جواز نقض حكم الحاكم ووجوب الامضاء عليه من جهات عديدة إحديها ايجاب الرجوع إلى من كان جامعا للصفات المذكورة في الرواية فإنه يدل على حكومة إلزام الحاكم على ما هو مقتضى تكليف المحكوم عليه ثانيتها قوله (عليه السلام) بعد ذلك فليرضوا به حاكما فاني قد جعلته عليكم حاكما وفيه دلالة ظاهرة على عدم جواز النقض سيما بملاحظة التعليل ولفظة عليكم ثالثتها تصريح الإمام (عليه السلام) بعد حكمه بعم جواز النقض بان الراد على الخ هذا.
وهنا دقيقة يجب التنبيه عليها وهي ان مقتضى نفس القضاء والحكم بعدما جعله الإمام (عليه السلام) حاكما مع قطع النظر عن شئ آخر هو عدم جواز نقضه لأنه بعدما انفصل الامر بفصل الحاكم كيف يجوز الوصل بل لا يعقل الوصل
Страница 11