Хасаис Кубра
الخصائص الكبرى
Издатель
دار الكتب العلمية
Год публикации
1405 AH
Место издания
بيروت
ـ[الخصائص الكبرى]ـ
المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر:
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1 / 1
خطْبَة الْكتاب
الْحَمد لله الَّذِي اطلع فِي سَمَاء النُّبُوَّة سِرَاجًا لامعا وقمرا منيرا وأطلع من اكمام الرسَالَة ثمرا يانعا وزهرا منيرا تبَارك اسْمه وتمت كَلمه وعمت نعمه وجمت حكمه وَجرى بِمَا كَانَ وَبِمَا يكون قلمه وأوجد الانام من الْعَدَم وَجعل الضياء وَالظُّلم وَخلق اللَّوْح والقلم وَقدر الْآجَال والارزاق والاعمال وَقسم أَحْمَده وَهُوَ الْمَحْمُود أزلا وابدا وأشكره مستزيدا من نعمه مسترفدا واستهديه وَمن يضلل الله فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدا واستنصره وَلنْ تَجِد من دونه ملتحدا واستكفيه وَله الْحول وَالْقُوَّة سرمدا واستعينه وَنعم الْمولى والنصير مؤيدا واعتصم بِهِ واستمسك بحبله وَمن استمسك بِهِ فَلَا انفصام لَهُ ابدا واشهد ان لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ إِلَهًا وَاحِدًا أحدا فَردا صمدا لم يتَّخذ صَاحِبَة وَلَا ولدا تنزه عَن سمات المحدثات فَلَا جسم وَلَا عرض وَلَا صَوت وَلَا انْتِقَال وَلَا يحويه مَكَان وَلَا زمَان وَلَا يخْطر بالبال وَلَا يُدْرِكهُ الْعقل وَلَا يُحِيط بِهِ الادراك وَلَا للذهن الى حَقِيقَته مجَال واشهد ان سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله نَبِي مَا ضل وَمَا غوى ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾ ﴿وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى عِنْدهَا جنَّة المأوى﴾ وَسمع صريف الاقلام بالمستوى وَكتب الرَّحْمَن اسْمه على الْعَرْش إِذْ اسْتَوَى وآذن باسمه فِي الْمُبْتَدَأ فِي الارض وَفِي السما وَيَوْم النشأة الاخرى سلم عَلَيْهِ الْحجر وَالشَّجر ودر لَهُ ضرع
1 / 3
الْجَذعَة بالدرر وحن الْجذع لفراقه حَتَّى خار خوار الْبَقر ونبع المَاء من اصابعه وَمن الارض انفجر وَانْشَقَّ لَهُ وَكَانَ يناغيه فِي مهده الْقَمَر وَحي لَهُ الْمَيِّت وَآمَنت لدعوته اسكفة الْبَاب وحوائط الْبَيْت وَأَشَارَ إِلَى السَّحَاب بالغيث فَأجَاب من غير ريث هيث ﷺ صَلَاة سعد عِنْد الْمَمَات وتسعف عِنْد أهوال المسئلة بالثبات وتجيز على الصِّرَاط اذا كثر الزالون والزالات وعَلى آله وَصَحبه نُجُوم الْهدى وليوث العدى وغيوث الندى مَا صَاح حاد وشدا وَرَاح شاد وَغدا وصاب غاد وَهدى وَغَابَ صَاد وبدا وصال باد وودى وسال وَاد وجدى
هَذَا كتاب مرقوم يشْهد بفضله المقربون وسحاب مركوم يحيى بوابله الأقصون وَالْأَقْرَبُونَ كتاب نَفِيس جليل مَحَله من الْكتب مَحل الدرة من الأكليل أَو مَوضِع السَّجْدَة من آي التَّنْزِيل كتاب أمرعت قطراته وأينعت ثمراته وعبقت زهراته وأشرقت انواره ونيراته وصدقت أخباره آيَاته كتاب بسقت فنونه وأورقت غصونه واتسقت اسانيده ومتونه كتاب يُؤجر قارئه ومستمعه ويحفظ بِهِ ان شَاءَ الله تَعَالَى مُؤَلفه فِيمَا يَأْتِيهِ ويدعه ويثبته بالْقَوْل الثَّابِت إِذا حَان مصرعه وَيكون لَهُ فِي عرصات الْقِيَامَة نور يسْعَى بَين يَدَيْهِ ويتبعه كتاب جمع فأوعى مَا كل عَن جمعه ووهى كل بَطل شَدِيد القوى كتاب فاق الْكتب فِي نَوعه جمعا واتقانا يشْرَح صُدُور المهتدين ايقانا ويزداد بِهِ الَّذين آمنُوا إِيمَانًا ديوَان مستوف لما تناسخته السفرة الْكِرَام البررة مستوعب لما تناقلته أَئِمَّة الحَدِيث بأسانيدها الْمُعْتَبرَة مُشْتَمل على مَا اخْتصَّ بِهِ سيد الْمُرْسلين من المعجزات الباهرة والخصائص الَّتِي أشرقت إشراق البدور السافرة وأوردت فِيهِ كلما ورد ونزهته عَن الاخبار الْمَوْضُوعَة وَمَا يرد وتتبعت الطّرق والشواهد لما ضعف من حَيْثُ السَّنَد ورتبته أقساما متناسقة وأبوابا متلاحقة بِحَيْثُ جَاءَ بِحَمْد الله كَامِلا فِي فنه وابلا مطرد جنه سابغة ذيوله سَائِغَة نيوله حلله ضافية ومناهله صَافِيَة وموارده كَافِيَة ومصادره وافية لَا تجمع وَارِدَة إِلَّا وَهِي فِيهِ مسموعة وَلَا تسمع شاردة إِلَّا وتراها فِي ديوانه مَجْمُوعَة قربت فِيهِ مَا كَانَ بَعيدا
1 / 4
وآنست مَا كَانَ فريدا وأهلت مَا كَانَ شَرِيدًا وَفتحت لكل غَرِيبَة وصيدا وشرحت بِهِ صُدُور قوم مُؤمنين وَقُلُوب طَائِفَة آمِنين وغظت بِهِ الجاحدين والمفسدين والطائفة المبتدعة والملحدين والفلاسفة المتمردين ورجوت بِهِ الْحسنى وَمن يهده الله فَهُوَ من المهتدين
1 / 5
بَاب خُصُوصِيَّة النَّبِي ﷺ بِكَوْنِهِ أول النَّبِيين فِي الْخلق وَتقدم نبوته واخذ الْمِيثَاق عَلَيْهِ
اخْرُج ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره وَأَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل من طرق عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذنَا من النَّبِيين ميثاقهم﴾ الْآيَة قَالَ كنت أول النَّبِيين فِي الْخلق وَآخرهمْ فِي الْبَعْث فَبَدَأَ بِهِ قبلهم
وَأخرج أَبُو سهل الْقطَّان فِي جُزْء من أَمَالِيهِ عَن سهل بن صَالح الْهَمدَانِي قَالَ سَأَلت أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ كَيفَ صَار مُحَمَّد ﷺ يتَقَدَّم الْأَنْبِيَاء وَهُوَ آخر من بعث قَالَ إِن الله تَعَالَى لما اخذ من بني آدم من ظُهُورهمْ ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم كَانَ مُحَمَّد ﷺ أول من قَالَ بلَى وَلذَلِك صَار يتَقَدَّم الْأَنْبِيَاء وَهُوَ آخر من بعث
وَأخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم عَن ميسرَة الْفجْر قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَتى كنت نَبيا قَالَ وآدَم بَين الرّوح والجسد
واخرج احْمَد وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِنِّي عِنْد الله فِي ام الْكتاب لخاتم النَّبِيين وَإِن آدم لَمُنْجَدِل فِي طينته
وَأخرج الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قيل للنَّبِي ﷺ مَتى وَجَبت لَك النُّبُوَّة قَالَ بَين خلق آدم وَنفخ الرّوح فِيهِ
1 / 7
واخرج الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَأَبُو نعيم من طَرِيق الشّعبِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قيل يَا رَسُول الله مَتى كنت نَبيا قَالَ وآدَم بَين الرّوح والجسد
وَأخرج أَبُو نعيم عَن الصنَابحِي قَالَ قَالَ عمر ﵁ مَتى جعلت نَبيا قَالَ وآدَم منجدل فِي الطين مُرْسل
وَأخرج ابْن سعد عَن ابْن ابي الجدعاء قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَتى كنت نَبيا قَالَ إِذْ آدم بَين الرّوح والجسد
وَأخرج ابْن سعد عَن مطرف بن عبد الله بن الشخير أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ مَتى كنت نَبيا قَالَ بَين الرّوح والطين من آدم
وَأخرج ابْن سعد عَن عَامر قَالَ قَالَ رجل للنَّبِي ﷺ مَتى استنبئت قَالَ وآدَم بَين الرّوح والجسد حِين اخذ مني الْمِيثَاق
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم عَن أبي مَرْيَم الغساني ان اعرابيا قَالَ للنَّبِي ﷺ أَي شَيْء كَانَ اول نبوتك قَالَ اخذ الله مني الْمِيثَاق كَمَا أَخذ من النَّبِيين ميثاقهم ودعوة أبي ابراهيم وبشرى عِيسَى وَرَأَتْ امي فِي منامها انه خرج من بَين رِجْلَيْهَا سراج اضاءت لَهُ قُصُور الشَّام
فَائِدَة فِي ان رِسَالَة النَّبِي ﷺ عَامَّة لجَمِيع الْخلق والانبياء واممهم كلهم من امته
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ فِي كِتَابه التَّعْظِيم والْمنَّة فِي ﴿لتؤمنن بِهِ ولتنصرنه﴾ فِي هَذِه الْآيَة من التنويه بِالنَّبِيِّ ﷺ وتعظيم قدره الْعلي مَا لَا يخفي وَفِيه مَعَ ذَلِك انه على تَقْدِير مَجِيئه فِي زمانهم يكون الْأَمر مُرْسلا إِلَيْهِم فَتكون نبوته
1 / 8
ورسالته عَامَّة لجَمِيع الْخلق من زمن آدم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَتَكون الْأَنْبِيَاء واممهم كلهم من أمته وَيكون قَوْله بعثت إِلَى النَّاس كَافَّة لَا يخْتَص بِهِ النَّاس من زَمَانه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة بل يتَنَاوَل من قبلهم أَيْضا ويتبين بذلك معنى قَوْله ﷺ كنت نَبيا وآدَم بَين الرّوح والجسد وَأَن من فسره بِعلم الله بِأَنَّهُ سيصير نَبيا لم يصل إِلَى هَذَا الْمَعْنى لِأَن علم الله مُحِيط بِجَمِيعِ الْأَشْيَاء وَوصف النَّبِي ﷺ بِالنُّبُوَّةِ فِي ذَلِك الْوَقْت يَنْبَغِي ان يفهم مِنْهُ أَنه امْر ثَابت لَهُ فِي ذَلِك الْوَقْت وَلِهَذَا رأى آدم اسْمه مَكْتُوبًا على الْعَرْش مُحَمَّد رَسُول الله فَلَا بُد أَن يكون ذَلِك معنى ثَابتا فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَو كَانَ المُرَاد بذلك مُجَرّد الْعلم بِمَا سيصير فِي الْمُسْتَقْبل لم يكن لَهُ خُصُوصِيَّة بِأَنَّهُ نَبِي وآدَم بَين الرّوح والجسد لِأَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء يعلم الله نبوتهم فِي ذَلِك الْوَقْت وَقَبله فَلَا بُد من خُصُوصِيَّة للنَّبِي ﷺ لأَجلهَا أخبر بِهَذَا الْخَبَر إعلاما لأمته ليعرفوا قدره عِنْد الله تَعَالَى فَيحصل لَهُم الْخَيْر بذلك
قَالَ فَإِن قلت أُرِيد ان افهم ذَلِك الْقدر الزَّائِد فَإِن النُّبُوَّة وصف لَا بُد ان يكون الْمَوْصُوف بِهِ مَوْجُودا وَإِنَّمَا يكون بعد بُلُوغ أَرْبَعِينَ سنة أَيْضا فَكيف يُوصف بِهِ قبل وجوده وَقبل إرْسَاله وَإِن صَحَّ ذَلِك فَغَيره كَذَلِك
قلت قد جَاءَ ان الله تَعَالَى خلق الْأَرْوَاح قبل الأجساد فقد تكون الْإِشَارَة بقوله كنت نَبيا إِلَى روحه الشَّرِيفَة اَوْ إِلَى حَقِيقَته والحقائق تقصر عقولنا عَن مَعْرفَتهَا وانما يعلمهَا خَالِقهَا وَمن امده بِنور الهي ثمَّ ان تِلْكَ الْحَقَائِق يُؤْتِي الله كل حَقِيقَة مِنْهَا مَا يَشَاء فِي الْوَقْت الَّذِي يَشَاء فحقيقة النَّبِي ﷺ قد تكون من قبل خلق آدم آتَاهُ الله ذَلِك الْوَصْف بِأَن يكون خلقهَا متهيئة لذَلِك وأفاضه عَلَيْهَا من ذَلِك الْوَقْت فَصَارَ نَبيا وَكتب اسْمه على الْعَرْش وَأخْبر عَنهُ بالرسالة ليعلم مَلَائكَته وَغَيرهم كرامته عِنْده فحقيقته مَوْجُودَة من ذَلِك الْوَقْت وَإِن تَأَخّر جسده الشريف المتصف بهَا واتصاف حَقِيقَته بالاوصاف الشَّرِيفَة المفاضة عَلَيْهِ من الحضرة الالهية وانما يتَأَخَّر الْبَعْث والتبليغ وكل مَا لَهُ من جِهَة الله تَعَالَى وَمن جِهَة تأهل ذَاته الشَّرِيفَة وَحَقِيقَته معجل لَا تَأْخِير فِيهِ وَكَذَلِكَ استنباؤه وايتاؤه الْكتاب وَالْحكم والنبوة وَإِنَّمَا الْمُتَأَخر تكونه
1 / 9
وتنقله إِلَى ان ظهر ﷺ وَغَيره من أهل الْكَرَامَة قد تكون افاضة الله تَعَالَى تِلْكَ الْكَرَامَة عَلَيْهِ بعد وجوده بِمدَّة كَمَا يَشَاء سُبْحَانَهُ وَلَا شكّ ان كل مَا يَقع فَالله عَالم بِهِ من الازل وَنحن نعلم علمه بذلك بالادلة الْعَقْلِيَّة والشرعية وَيعلم النَّاس مِنْهَا مَا يصل اليهم عِنْد ظُهُوره كعلمهم نبوة النَّبِي ﷺ حِين نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن فِي أول مَا جَاءَهُ جِبْرِيل وَهُوَ فعل من افعاله تَعَالَى من جملَة معلوماته وَمن آثَار قدرته وإرادته واختياره فِي مَحل خَاص يَتَّصِف بهَا فهاتان مرتبتان الأولى مَعْلُومَة بالبرهان وَالثَّانيَِة ظَاهِرَة للعيان وَبَين المرتبتين وسائط من أَفعاله تَعَالَى تحدث على حسب اخْتِيَاره مِنْهَا مَا يظْهر لَهُم بعد ذَلِك وَمِنْهَا مَا يحصل لَهُ كَمَال لذَلِك الْمحل وان لم يظْهر لأحد من المخلوقين وَذَلِكَ يَنْقَسِم إِلَى كَمَال يقارن ذَلِك الْمحل من حِين خلقه وَإِلَى كَمَا يحصل لَهُ بعد ذَلِك وَلَا يصل علم ذَلِك الينا إِلَّا بالْخبر الصَّادِق وَالنَّبِيّ ﷺ خير الْخلق فَلَا كَمَا لمخلوق اعظم من كَمَاله وَلَا مَحل أشرف من مَحَله فَعرفنَا بالْخبر الصَّحِيح حُصُول ذَلِك الْكَمَال من قبل خلق آدم لنبينا ﷺ من ربه سُبْحَانَهُ وانه أعطَاهُ النُّبُوَّة من ذَلِك الْوَقْت ثمَّ اخذ لَهُ المواثيق على الانبياء ليعلموا انه الْمُقدم عَلَيْهِم وانه نَبِيّهم ورسولهم وَفِي اخذ المواثيق وَهِي فِي معنى الِاسْتِخْلَاف وَلذَلِك دخلت لَام الْقسم فِي ﴿لتؤمنن بِهِ ولتنصرنه﴾ الْآيَة
لَطِيفَة أُخْرَى فِي أَن اخذ الْمِيثَاق من النَّبِيين لنبينا ﷺ وَعَلَيْهِم كَإِيمَانِ الْبيعَة الَّتِي تُؤْخَذ للخلفاء
وَهِي كَأَنَّهَا إِيمَان الْبيعَة الَّتِي تُؤْخَذ للخلفاء وَلَعَلَّ ايمان الْخُلَفَاء اخذت من هُنَا فَانْظُر هَذَا التَّعْظِيم الْعَظِيم للنَّبِي ﷺ من ربه ﷾ فاذا عرفت ذَلِك فالنبي ﷺ هُوَ نَبِي الْأَنْبِيَاء وَلِهَذَا ظهر ذَلِك فِي الْآخِرَة جَمِيع الْأَنْبِيَاء تَحت لوائه وَفِي الدُّنْيَا كَذَلِك لَيْلَة الاسراء صلى بهم
وَلَو اتّفق مَجِيئه فِي زمن آدم ونوح وابراهيم ومُوسَى وَعِيسَى وَجب عَلَيْهِم وعَلى أممهم
1 / 10
الْإِيمَان بِهِ ونصرته وَبِذَلِك أَخذ الله الْمِيثَاق عَلَيْهِم فنبوته عَلَيْهِم ورسالته اليهم مغنى حَاصِل لَهُ وَإِنَّمَا امْرَهْ يتَوَقَّف على اجْتِمَاعهم مَعَه فَتَأَخر ذَلِك الامر رَاجع إِلَى وجودهم لَا إِلَى عدم اتصافهم بِمَا يَقْتَضِيهِ وَفرق بَين توقف الْفِعْل على قبُول الْمحل وتوقفه على اهلية الْفَاعِل فَهُنَا لَا توقف من جِهَة الْفَاعِل وَلَا من جِهَة ذَات النَّبِي ﷺ الشَّرِيفَة وَإِنَّمَا هُوَ من جِهَة وجود الْعَصْر الْمُشْتَمل عَلَيْهِ فَلَو وجد فِي عصرهم لَزِمَهُم اتِّبَاعه بِلَا شكّ وَلِهَذَا يَأْتِي عِيسَى فِي آخر الزَّمَان على شَرِيعَته وَهُوَ نَبِي كريم على حَاله لَا كَمَا يظنّ بعض النَّاس أَنه يَأْتِي وَاحِدًا من هَذِه الامة نعم هُوَ وَاحِد من هَذِه الامة لما قُلْنَاهُ من اتِّبَاعه للنَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا يحكم بشريعة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ بِالْقُرْآنِ وَالسّنة وكل مَا فيهمَا من أَمر أَو نهي فَهُوَ مُتَعَلق بِهِ كَمَا يتَعَلَّق بِسَائِر الْأمة وَهُوَ نَبِي كريم على حَاله لم ينقص مِنْهُ شَيْء وَكَذَلِكَ لَو بعث النَّبِي ﷺ فِي زَمَانه أَو فِي زمَان مُوسَى وابراهيم ونوح وآدَم كَانُوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إِلَى أممهم وَالنَّبِيّ ﷺ نَبِي عَلَيْهِم وَرَسُول إِلَى جَمِيعهم فنبوته ورسالته أَعم وأشمل وَأعظم ومتفق مَعَ شرائعهم فِي الْأُصُول لِأَنَّهَا لَا تخْتَلف
وَتقدم شَرِيعَته ﷺ فِيمَا عساه يَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ من الْفُرُوع إِمَّا على سَبِيل التَّخْصِيص وَإِمَّا على سَبِيل النّسخ أَو لَا نسخ وَلَا تَخْصِيص بل تكون شَرِيعَة النَّبِي ﷺ فِي تِلْكَ الْأَوْقَات بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُولَئِكَ الْأُمَم مَا جَاءَت بِهِ انبياؤهم وَفِي هَذَا الْوَقْت بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِه الْأمة هَذِه الشَّرِيعَة والاحكام تخْتَلف باخْتلَاف الاشخاص والأوقات وَبِهَذَا بَان لنا معنى حديثين كَانَا خفِيا عَنَّا
أَحدهمَا قَوْله ﷺ بعثت إِلَى النَّاس كَافَّة كُنَّا نظن انه من زَمَانه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَبَان انه جَمِيع النَّاس أَوَّلهمْ وَآخرهمْ
وَالثَّانِي قَوْله ﷺ كنت نَبيا وآدَم بَين الرّوح والجسد كُنَّا نظن أَنه بِالْعلمِ فَبَان أَنه زَائِد على ذَلِك مَا شرحناه وَإِنَّمَا يفْتَرق الْحَال بَين مَا بعد وجود جسده ﷺ وبلوغه الْأَرْبَعين وَمَا قبل ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَبْعُوث إِلَيْهِم وتأهلهم لسَمَاع كَلَامه لَا بِالنِّسْبَةِ اليه وَلَا اليهم لَو تأهلوا قبل ذَلِك وَتَعْلِيق الْأَحْكَام على الشُّرُوط قد يكون
1 / 11
بِحَسب الْمحل الْقَابِل وَقد يكون بِحَسب الْفَاعِل الْمُتَصَرف فَهُنَا التَّعْلِيق إِنَّمَا هُوَ بِحَسب الْمحل الْقَابِل وَهُوَ الْمَبْعُوث اليهم وقبولهم سَماع الْخطاب والجسد الشريف الَّذِي يخاطبهم بِلِسَانِهِ وَهَذَا كَمَا يُوكل الْأَب رجلا فِي تَزْوِيج ابْنَته اذا وجدت كفوا فالتوكيل صَحِيح وَذَلِكَ الرجل أهل للوكالة ووكالته ثَابِتَة وَقد يحصل توقف التَّصَرُّف على وجود كفو وَلَا يُوجد إِلَّا بعد مُدَّة وَذَلِكَ لَا يقْدَح فِي صِحَة الْوكَالَة واهلية الْوَكِيل انْتهى كَلَام السُّبْكِيّ بِلَفْظِهِ وَالله اعْلَم
بَاب خصوصيته ﷺ بِكِتَابَة اسْمه الشريف مَعَ اسْم الله تَعَالَى على الْعَرْش وَسَائِر مَا فِي الملكوت
اخْرُج الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير وَأَبُو نعيم وَابْن عَسَاكِر عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لما اقْتَرَف آدم الْخَطِيئَة قَالَ يَا رب بِحَق مُحَمَّد لما غفرت لي قَالَ وَكَيف عرفت مُحَمَّدًا قَالَ لِأَنَّك لما خلقتني بِيَدِك ونفخت فِي من روحك رفعت رَأْسِي فَرَأَيْت على قَوَائِم الْعَرْش مَكْتُوبًا لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فَعلمت انك لم تضف إِلَى اسْمك إِلَّا احب الْخلق إِلَيْك قَالَ صدقت يَا آدم وَلَوْلَا مُحَمَّد مَا خلقتك
واخرج ابْن عَسَاكِر عَن كَعْب الاحبار قَالَ ان الله انْزِلْ على آدم عصيا بِعَدَد الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ ثمَّ اقبل على ابْنه شِيث فَقَالَ أَي بني انت خليفتي من بعدِي فَخذهَا بعمارة التَّقْوَى والعروة الوثقى فَكلما ذكرت الله فاذكر الى جنبه اسْم مُحَمَّد ﷺ فَإِنِّي رَأَيْت اسْمه مَكْتُوبًا على سَاق الْعَرْش وَأَنا بَين الرّوح والطين ثمَّ إِنِّي طفت السَّمَوَات فَلم أر فِي السَّمَوَات موضعا إِلَّا رَأَيْت اسْم مُحَمَّد مَكْتُوبًا عَلَيْهِ وَأَن رَبِّي اسكنني الْجنَّة فَلم ار فِي الْجنَّة قصرا وَلَا غرفَة إِلَّا اسْم مُحَمَّد مَكْتُوبًا عَلَيْهِ وَلَقَد رَأَيْت اسْم مُحَمَّد مَكْتُوبًا على نحور الْحور الْعين وعَلى ورق قصب آجام الْجنَّة وعَلى ورق شَجَرَة
1 / 12