Кашиф Амин
الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين
فتأمل كم حوت هذه الآية من النكت العجيبة والفوائد الغريبة والمعاني المنيفة والأسرار اللطيفة مع الإيجاز الذي لا يماثل والاختصار الذي لا يساجل، ثم لما كان المعلوم من حال المشركين أنهم عند هذا السؤال يعدمون الجواب لأنهم إن أجابوا أن الله خير لزمهم الخروج عن عبادة الأصنام ودعوى إلاهيتها، وإن أجابوا أنها خير فقد قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر:3]، فترك عز وجل أن يحكي لهم جوابا يقولونه كما حكاه عنهم في آية {قل من يرزقكم من السماء والأرض{ بقوله {فسيقولون الله{، ولم يأمر الرسول بالجواب كما أمره في قوله {قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده {، لأن المقام في هذه الآية لا يقتضي أحد الأمرين لعدم وجود الجواب عندهم لما ذكرنا من التعليل ولعدم صحة أن يقال قل الله خير لأنه نفس المدعى، ولم يقرن قبله بما هم مقرون به حتى يكون برهانه كما في {قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده{، فلما كان الأمر كذلك مع علمه عز وجل إصرارهم على عبادة الأصنام واعتقاد إلاهيتها أخذ عز وجل في محاججتهم ومناظرتهم بالآيات المسرودة بعد هذه الآية إلى قوله {فتعالى الله عما يشركون} [الأعراف:190]، وذكر فيها عز وجل من الحجج الظاهرة والآيات الظاهرة إحدى وعشرين حجة بين أجناس عامة يدخل تحتها ما لا حصر له من الأنواع والمفردات، وبين أنواع عامة تتناول ما يدخل تحتها من المفردات المتفقات والمختلفات ما لا حصر له وبين جزئيات تتناول ما وضعت له وما ماثله في حقيقته وماهيته، وقدم الأعظم منها فالأعظم والأفهم فالأفهم كون ذلك أبلغ في اللطفية وأنجع في الوعظية على أن كلها عظيمة وجميعها فهيمة وحجتها قويمة، وضم كل من تلك الحجج إلى ما يشاكلها ويناسبها في العطف ويناسقها في المعنى، وجمعها في آية أحسن مبدأها ومختمها وفاصلتها وأتقن مبناها ومساقها تالية لمماثلتها، وأورد كل آية مصدرة بأم ومن ليفيد السؤال التوبيخي وطلب التعيين من فاعل تلك الأفعال العظيمة هل الله تعالى أم الأصنام ؟ وختم هذه الآية بما يقتضي عنادهم وتمردهم وذمهم على ذلك بأبلغ وجه فقال عز من قائل في الآية الأولى {أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أءله مع الله بل هم قوم يعدلون} [النمل:60]، فذكر في هذه الآية ست حجج لا يقدر الخصم على إنكار شيء، منها: وجوده في ذاته، ولا أن شيئا غير الله تعالى يقدر على شيء منها.
وقال في الآية الثانية: {أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون} [النمل:61]، فذكر في هذه الآية أربع حجج، وصدر الآية الأولى بالخلق وهذا بالجعل لما كانت الأولى لبيان موجد ذات السماوات والأرض ونحوهما، والثانية لما تضمنته من تصيير الأرض على تلك الأحوال، ومن جملتها وأعظمها آية أن جعل بين البحرين حاجزا مع كونهما معا من المائعات التي من شأنها الاختلاط، وذكر الجميع في الآيتين بصيغة الماضي كون ذلك قد وقع وإن كان فيها ما يستمر كإنبات الأشجار وإجراء الأنهار بخلاف الآيات التي ستأتي فأكثرها للحال أو الاستقبال فجعلها بصيغة المضارع.
فقال في الآية الثالثة: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أءله مع الله قليلا ما تذكرون} [النمل:62]، فذكر في هذا الآية ثلاث حجج متناسبة المعاني متناسقة المباني.
Страница 133