600

Кашиф Амин

الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين

فانظر أيها المطلع وفقك الله تعالى وإيانا، هل وجدت كلاما في أكاليم البشر من سلف منهم ومن غبر هل تجد فيه ما يداني هذا الكلام أو يقرب إليه في كثرة جمله واختصارها، وإفادتها لكل معنى مراد، واحتراسها عن كل معنى لا يراد، لما فيه من الفساد وتناسق العطف بينها ومناسبته فيما عطف منها، وقطع العطف فيما لم يحسن منها، وخروج الكلام في كل جملة منها على مقتضى الحال بحيث لا يزيد على المعنى المراد منها ولا ينقص منه شيئا، وجزالة الألفاظ وسلامتها عن الغرابة والوحشة ومخالفة القياس وتناسبها وتناسب حروف كل جملة منها حتى لا يستثقل من النطق شيء منها، واشتمالها على ما يفوته التعداد من أنواع البدائع كما قد أشرنا إلى بعض من ذلك وحسن الإبتداء والتخلص واشتماله من المحاججة القولية مع البراهين العقلية على إثبات الصانع جل وعلا، وعلى كمال صفاته سبحانه وتعالى، وإثبات توحيده وعدله وحكمته بما لا يبقى معه شغب لمشاغب ولا ريب لمرتاب إلا على وجه العناد وعدم الإدراك للحقائق، فأين تبلغ فصاحة المفلقين من فصاحة هذا الكلام! وأين يتاه ببلاغة المصقعين عن بلاغة هذا الإلمام! وأين تبلغ أدلة المتكلمين ومقدمات المنطقيين مما بلغ إليه هذا المقال من البرهان وما قطعه من شبه أهل الضلال والبهتان! فسبحان من خلق سيد الكلام وأحكم آيه أي إحكام، فهذا ما ظهر في الشاهد الأول لناقص الفهم وقاصر العلم.

وأما الشاهد الثاني: فشأنه أبهر وبراهينه أظهر وفوائده أكثر، فلا نطيل الكلام في نشر ذلك مع وضوح أكثر ما هنالك، غير أنا نذكر ما لا بد منه ونحيل العلم بما عداه على القياس بما ذكر في الشاهد الأول.

Страница 129