Собрание знаний и мудрости
جامع العلوم والحكم
Редактор
شعيب الأرناؤوط - إبراهيم باجس
Издатель
مؤسسة الرسالة
Издание
السابعة
Год публикации
١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م
Место издания
بيروت
مقَدّمة النّاشر
إن إحياء بعض كتب التراث الهامة بإعادة نشرها أو تهذيبها واختصار بعضها الآخر اختصارًا غير مخل، إن هو إلَّا محاولة القصد منها إفادة القارئ ومساعدته بجعلها سهلة قريبة المأخذ، محببة إلى النفس، فضلًا عن إظهارها بالمظهر الجميل الذي يشعر بأهميتها بين المؤلفات.
ولقد عمل مكتب التحقيق في "مؤسسة الرسالة" جاهدًا على تبني هذه الفكرة وتنفيذها فعلًا فأصدر مجموعة من هذه الكتب، أحدها هذا الكتاب الذي بين أيدينا.
وإن وجود الأستاذ الشيخ شعيب الأرنؤوط والأستاذ الشيخ نعيم العرقسوسي وغيرهما على رأس هؤلاء الذين يعملون بصمت، وبنفس رضية ولا يألون جهدًا في سبيل إنتاج تعتز به المؤسسة، يجعلنا نشعر باعتزاز بأن ما نقدمه لقرائنا هو مصدر اطمئنان وثقة نشكر الله عليه.
وأنا إذ أشكر العاملين في المؤسسة على ما يبذلونه من جهد أدعو الله العلي القدير أن يبارك لهم في أعمالهم وأن يوفقهم ويأخذ بأيديهم، فهم أهل فضل ومكرمة، وأن يجزيهم عن المؤسسة أحسن الجزاء.
إننا ندعو الله مخلصين أن يثيبنا على ما نقدم، آملين أن نوفق إلى خدمة القارئ، والله من وراء القصد.
رضوان دعبول
1 / 5
بسم الله الرَّحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي هدانا لدينِ الإِسلامِ، وأكرمنا بسنة خيرِ الأنامِ، ووفقنا لِطاعته ومرضاته، وصلى الله على سيدنا محمد النَّبيّ الأمي الذي يؤمن بالله وكَلِمَاتِه، بلغ الرِّسالةَ، وأدى الأمانةَ، ونَصَحَ للأُمَّةِ، وعلى آله وأصحابه الأخيار المُنْتَجَبِينَ، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.
وبعد، فهذا كتابٌ عظيم حافِل، يتضمَّنُ شرحَ خمسين حديثًا منتقاةٍ من جوامع كلمِهِ ﷺ، يَندرِجُ تحتها معانٍ كثيرةٌ في ألفاظٍ قليلة، وهي مما خصَّ الله به رسولَه ﷺ.
وقد أشار الإِمامُ أبو سليمان حَمْدُ بن محمد بن إبراهيم الخطابي المُتوفَّى سنة (٣٨٨) هـ إلى يسيرٍ من جوامع كَلِمِهِ ﷺ في كتابه "غريب الحديث" ١/ ٦٤ فقال: وقد أمدَّ اللهُ رسولَه ﷺ بجوامع الكَلِمِ التي جعلها رِدْءًا لِنبوته، وعَلَمًا لرسالته، لينتظِمَ في القليل منها عِلْمُ الكثيرِ، فَيَسْهُلُ على السامعين حِفظُهُ ولا يؤوْدُهُم حَمْلُهُ، ومن تتبع الجوامع من كلامه، لم يَعْدَم بيانَها، وقد وصفتُ منها ضروبًا، وكتبتُ لك مِن أمثلتها حروفًا تدلُّ على ما وراءها من نظائرها وأخواتها، فمنها في القضايا والأحكام قولُه: "المؤمِنونَ تتكافؤُ دماؤُهم، ويَسعَى بِذِمَّتِهم أدناهُم، وهُمْ يَدٌ على من سِواهم" وقوله: "المنيحةُ مردودةٌ، والعارِيَّة مؤدَّاةٌ، والدَّين مَقضِي، والزَّعيمُ غارِم". فهذان الحديثان على خِفَّةِ ألفاظهما يتضمنان عامةَ أحكام الأنفس والأموال. ومنها قولُه ﷺ: "سَلُوا الله اليقينَ والعافيةَ". فتأمَّل هذه الوصَيَّة الجامعة تجدها محيطةً بخير الدُّنيا والآخرة، وذلك أن مِلاك أمرِ الآخرةِ اليقينُ، وملاك أمر الدُّنيا العافيةُ، فكُلُّ طاعة لا يقين معها هَدَرٌ، وكل
1 / 7
نعمة لم تصحبها العافية كَدَرٌ، فصار هذا الكلام على وجازته وقِلَّة حروفه أحَدُ شطريه محيطًا بجوامع أمرِ الدين وشطره الآخر متضمنًا عامةَ مصالحِ الدُّنيا.
ثم أملى الإِمامُ الحافظُ المفتي شيخُ الإِسلام تقيُّ الدين أبو عمرو عثمانُ بنُ موسى الشَّهْرزُوري الشهير بابن الصَّلاح المتوفَّى ٦٤٣ هـ مجلسًا سمَّاه: الأحاديث الكلية جمع فيه الأحاديثَ الجوامعَ التي يُقال: إن مدارَ الدين عليها، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة، وقد اشتمل مجلسُه هذا على ستة وعشرين حديثًا.
ثم إنَّ الفقيه الإِمامَ الزاهدَ القُدوةَ أبا زكريا يحيى بن شرف النووي المتوفَّى سنة ٦٧٦ هـ أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابنُ الصلاح، وزاد عليها تمامَ اثنين وأربعين حديثًا، وسمَّى كتابه بالأربعين، واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها، وكَثُرَ حفظُها، ونفع اللهُ بها ببركةِ نيَّةِ جامعها وحُسْنِ قصده ﵀.
ثم إنَّ الحافظ ابن رجب ضَمَّ إلى ذلك كُلِّه ثمانية أحاديث أُخَرَ من جوامع الكلم الجامعة لأنواع العلومِ والحِكَمِ، فبلغت خمسين حديثًا. ثم استخارَ الله تعالى - إجابةً لجماعة من طلبة العلم - في جمع كتاب يتضمن شرح ما يَسَّرَ الله من معانيها، وتقييد ما يفتح به سبحانه من تبيين قواعدها ومبانيها.
وقد اعتنى في شرحه هذا بالتفقه بالأحاديث النبوية وتفسير غريبها، وشرحِ معانيها، وتأويلِ مختلفها، وبيان أحكامها، وما يَترتَّبُ عليها من الفِقه واختلاف العلماء، فكان من أَجَلِّ الشروح (^١) التي انتهت إلينا، وأكثرِها أهميةً، وأحفلِها بالفوائد.
(^١) وقد تولى شرح الأربعين النووية غير واحد من الأئمة منهم:
١ - أبو العباس أحمد بن فرج بن أحمد الإِشبيلي (ت ٦٩٩) هـ.
٢ - والإِمام أبو الفتح تقي الدين محمد بن علي بن وهب الشهير بابن دقيق العيد (ت =
1 / 8
وقد بدأه بمقدمة موجزةٍ أبانَ فيها عن الطريقة التي اتبعها في الشرح، فقال: اعلم أنه ليس من غرضي إلَّا شَرْحُ الألفاظ النبوية التي تضمنتها هذه الأحاديث الكلية، فلذلك لا أتقيَّدُ بألفاظِ الشيخ ﵀ في تراجم رواة هذه الأحاديث من الصحابة ﵃، ولا بألفاظه في العزو إلى الكتب التي يعزو إليها، وإنَّما آتي بالمعنى الذي يدلُّ على ذلك، لأني قد أعلمتُك أنه ليس لي غرض إلا في شرح معاني كلمات النَّبيِّ ﷺ الجوامع، وما تضمنته من الآداب والحِكَمِ والمعارفِ، والأحكامِ والشرائع.
وأُشير إشارةً لطيفَة قبل الكلام في شرح الحديث إلى إسناده ليُعْلَمَ بذلك صحته وقوته وضعفه، وأذكرُ بعضَ ما رُوي في معناه من الأحاديث إن كان في ذلك
= ٧٠٢) هـ وهو مطبوع.
٣ - والإِمام نجم الدين سليمان بن عبد القوي الحنبلي الطوفي (ت ٧١٠) هـ.
٤ - وتاج الدين عمر بن علي اللخمي الإسكندري الفاكهاني (ت ٧٣١) هـ.
٥ - وزين الدين سَرِيجا بن محمد المَلَطي (ت ٧٨٨) هـ.
٦ - والعلامة سعد الدين سعد بن عمر التفتازاني (ت ٧٩١) هـ وهو مطبوع.
٧ - وجمال الدين يوسف بن الحسن التبريزي (ت ٨٠٤) هـ.
٨ - والحافظ سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بابن الملقن (ت ٨٠٤) هـ.
٩ - والعلامة معين الدين عبد الرَّحمن بن صفي الدين (ت ٩٠٥) هـ.
١٠ - والحافظ جلال الدين عبد الرَّحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي (ت ٩١١) هـ.
١١ - العلامة أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر المكي الهيثمي (ت ٩٧٣) هـ وهو مطبوع.
١٢ - والعلامة مصلح الدين محمد السعدي العبادي (ت ٩٧٩) هـ.
١٣ - والعلامة نور الدين علي بن سلطان محمد القاري الهروي المكي (ت ١١١٤) هـ وهو مطبوع.
1 / 9
الباب شيء غير الحديث الذي ذكره الشيخ وإن لم يكن في الباب غيرُه أو لم يكن يَصِحُّ فيه غيره، نبهتُ على ذلك كُلِّهِ.
ويرى القارئ بإثر كل حديث تصدَّى المؤلفُ لشرحه جملةَ أشياء هي:
١ - تخريج الحديث من الصِّحاح والمسانيد والسنن والمعاجم مما وعته ذاكرته، وإيرادُ طرقه وألفاظه، والمقارنة بينها، والتدقيق في صحتها، وبيانُ درجته من الصحةِ أو الحسن أو الضعف، والمؤلف ﵀ إمامٌ في هذا الباب، فقد غلب عليه علمُ الحديث روايةً ودراية، وصرف مُعْظَمَ وقته فيه حتَّى صار لا يُعرف إلا به، ولم يُرَ أتقن منه فيه.
٢ - الاستشهادُ بالآيات القرآنية التي تجلو معنى الحديثِ الذي يَعْرِضُ له وتوضحه، ونقل ما هو مأثور عن السلف في بيان المراد منها، واحتفاله بذلك في إحلالها مرتبةَ الصدارةِ من شواهده.
٣ - إكثارُه من الاستشهادِ بالأحاديث النبوية مما ورد في المعنى الذي تضمنه الحديثُ الذي هو بصدد شرحه، يأتي بها على وجهها لا يَخْرِمُ منها حرفًا، وتخريجُها من مصادرها، وهو شيء كثير وعدد ضخم يدُلُّ على قوة حفظه، ودِقَّة فهمه، وسَعَةِ اطِّلاعه.
وهذه الأحاديث منها ما هو صحيح وهي الكثرة الكاثرة، وقد بين المؤلف درجتها إما بعزوها إلى مخرجيها من أصحاب الصحاح، وإما بالتنصيص على صحتها، ومنها ما فيه ضعفٌ خفيف وقد نبَّه على ضعفها في الأعم الأغلب، وهي من النوع الذي يصلح للمتابعات والشواهد، أو تكون واردة في غير العقائد والأحكام.
وقد ترخص غير واحدٍ من الأئمة ذوي التحقيق في رواية الأحاديث الضعيفة، وجواز العمل بها إذا كان ضعفُها غيرَ شديدٍ، وتَندَرِجُ تحتَ أصلٍ
1 / 10
عام في فضائل الأعمال وكرائم الأخلاق، والقصص والمواعظ، والترغيب والترهيب، وما إلى ذلك.
٤ - تفسيرُ غريب الحديث وشرح مضامينه بالاعتماد على الأحاديث التي ترد في موضوعه وفيها من التقييد والتخصيص والتوضيح وإزالة اللَّبس ما ليس في حديث الباب. وقد أسهب في الشرح إسهابًا مفيدًا ممتعًا، شحنه بالفوائد والفرائدِ مما تَمَسُّ حاجةُ الإِنسان إليه في شؤون دنياه وآخرته.
٥ - إيرادُ الأحكام الفقهية المستفادة من الحديث - وهي مما تشتد حاجةُ المكلف إليها - ونسبتُها إلى قائليها من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين مما يدل على اطلاعه الواسع على فتاوى السلف، وحفظِه لآثارهم العلمية، وما كانوا يجتهدون من مسائل، وتفهُّم لها، ومعرفةٍ بمراميها وغاياتها، وما اختلفوا فيه من هذه المسائل، فإنه يحتج لِكُلِّ قول منها بدليله، ثم يُرجح ما يراه أبلغَ في الحجة، وأوفق للنص.
٦ - ذكرُ طائفة من الحِكَمِ المأثورة عن السلف الصالح الذين وُصِفُوا بالعلم والتقوى والورع في نهاية شرحِ الحديث مما له صلة به، وهي حِكَمٌ مؤثِّرة تتغلغل إلى أعماقِ النفس، فتحدث فيها تغييرًا ملموسًا نحو الأفضل.
ويرى بعض أهل العلم أن هذا الكتاب بعامة، وفصول الأخلاقيات بخاصة تمثل الكثير من حياة ابن رجب، وأن هناك ترابطًا قويًا بين ما ذكره هو في كتابه، وما ذكره عنه من ترجموا له.
الطبعات السابقة لهذا الشرح:
وقد سبق لهذا الشرح أن طبع في الهند في بلدة (آمرتسر) ولم يرد وصفٌ للأصل المعتمدِ في الطبع، ولا السنةِ التي طُبِع فيها، وجاء في آخر صفحة منها بقلم مُصَحِّحَيْها عبد الغني وعبد الواحد الغزنوييْن ما نصه: ولما لم يَتَيَسَّرْ لنا
1 / 11
نسخةٌ صحيحة، فالمرجو من الناظزين أن يَعْذُرونَا في العثراتِ، ويرحم الله من عمَّا عن الخطأ والخطل، وسد ما رأى من الخلل.
ثم قامت بطبعه مكتبةُ مصطفى البابي الحلبي في مصر سنة (١٣٤٦) هـ. معتمدةً على الطبعة الهندية، فجاءت صورةً مطابقة لها بتصحيفاتها وتحريفاتها التي تزيد على الألف كما تبين لنا في المقابلة على الأصول الخطية النفيسة التي اعتمدنا عليها في هذه الطبعة.
وعن هذه الطبعة - أعني طبعة مصطفى البابي الحلبي - صوَّر الوراقون الذين يطمعون بالربح المادي ولو بطريقة غير مشروعة، وعمَّموها في الأسواق.
وقد نشر المرحوم العلامة أحمد شاكر ثمانية أحاديث من هذا الشرح في أربع رسائل، اقتصر فيها على تحقيق النَّصِّ، مع تعليقات قليلة تناول فيها مباحث في اللغة والحديث.
ثم قام الشيخ محمدٌ الأحمدي أبو النور بتحقيق هذا الشرح معتمدًا على عدة نسخ موجودة في دار الكتب المصرية، فأصدر منه سنة (١٣٨٨) هـ (١٩٦٩) م جزأين يتضمنان شرح عشرين حديثًا، ثم توقف عن إصدار ما تبقّى منه وهو ثلاثة أخماسه إلى يومنا هذا [¬*].
وكانت لي في أوائل انتحالي لهذه الصنعة رغبة قوية في تحقيق هذا الشرح الحافل الذي تتبدَّى منه وفرةُ محفوظِ المؤلف، ودِقَّةُ فهمه، واتساعُ دائرته في علوم السنة رواية ودراية وتفقهًا، وكان يَصرِفُنِي عن تحقيقه عدم وجود أصلٍ متقنٍ أعتمده، ثم شاء الله ﷾ أن يُحقق لي هذه الرغبة بعد عشرين عامًا أو تزيد، فيسَّرَ لي عدةَ أصول خطية نفيسة مقابلة ومصححة، وكلها قريبةُ عهد بالمؤلف ﵀، فالحمد لله حق حمده، ونسأله التوفيق لرشده، ونرغب إليه في المزيد من فضله.
- وصف الأصول المعتمدة:
- الأولى: نسخة مُصوَّرةٌ عن الأصل الخطي الموجودة في ظاهرية دمشق،
[¬*] (تعليق الشاملة): ثم أتم الشيخ محمد الأحمدي أبو النور تحقيق الكتاب، وهو منشور تامًا بـ «الشاملة»
1 / 12
وقد أحضرها إلينا الأستاذ سليمان الحرش فجزاه الله خيرًا، ورمزنا لها بِـ (أ)، وعدد أوراقها (٢٣١) ورقة، في كلّ صفحة خمسة وعشرون سطرًا، وفي كلّ سطر اثنتا عشرة كلمة تقريبًا، وخَطُّهَا نَسخيٌ واضحٌ ومقروء، وقد كتبت الأحاديث المشروحة بالأحمر، وهي غاية في الجودة والنفاسة، والخطأ فيها نادرٌ، جاء في حواشيها تصحيحات واستدراكات جيدة تزيد من قيمتها وتُعلي من شأنها.
وجاء في لوحة العنوان ما نصّه:
١ - كتاب شرح النواوية، تأليف الشيخ الإِمام العالم العلامة الرِّحْلَةِ محدث الشام الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرَّحمن بن الشيخ الإِمام العالم العلامة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى ورضي عنه.
٢ - الحمد لله رب العالمين: وجدتُ بخط شيخنا العلامة الشيخ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل البقاعي الشافعي تغمده الله تعالى برحمته ما صورتُه: قال كاتبُ هذه الأحرف لَطَفَ الله تعالى به: نسختُ هذا الشرح، وقرأتُ منه على مصنفه قطعةً بدمشق وهو ممسك بأصله، ثم توفي إلى رحمة الله تعالى، ولم أعلم أنه خلَّف بعده مثلَه، ثم إنَّ صاحبنا الشيخ عبد القادر الحجازي المدني الشهير بالحجار نسخ الشرحَ، وقرأه على الشيخ ﵀، ثم بعد ذلك نظم بيتًا من الشعر في مدح الشرح، فتممتُ عليه أبياتًا، والبيتُ الذي هو قوله:
هذا كتابٌ لو يُباع بوزنه … ذهبًا لكان البائعُ المغبونا
بل لو يُباعُ بوزنه دُرًّا ويا … قُوتًا كذلك لؤلؤًا مكنونا
رَجَعَ الذي قد باعه إن كان ذا … عقلٍ بصفقة خاسرٍ محزونا
كم دُرّ علمٍ نافع أبدى به … للنَّاس كان بصدره مخزونا
ما باع جوهر علمه الباقي بغا … لي الدر إلا أحمقًا مفتونا
يا ربِّ فارحمه وكُلَّ شيوخنا … والوالدين وقائلًا: آمينا
قال ذلك وكتبهُ إسماعيل البقاعي ثم الدمشقي عفا الله تعالى عنه … وبمنه
1 / 13
في رابع شوال سنة أربع وثمانمئة.
وذا خطّ العبد الفقير الضعيف عبد الرَّحمن بن يوسف الحنبلي عمَّا الله تعالى عنه وغفر له ..
قلت: وإسماعيل البقاعي هذا ترجمه الحافظ في "إنباء الغمر" ٥/ ١٦٥: فقال: إسماعيلُ بنُ علي بن محمد البقاعي ثم الدمشقي الناسخ، كان يشتغلُ بالعلم ويَصْحَبُ الحنابلة، ويميلُ إلى معتقدهم مع كونه شافعيًا، وكان يقرأ الحديثَ للعامة وينصحهم ويَعِظُهُم، ويكتب للنَّاس مع الدينِ والخير، وله نظم حسن أنشدني منه بدمشق، وقد كتب بخطه "صحيح البخاري" في مجلدة واحدة معدومة النظير، سلمت من الحريق إلا اليسير من حواشيها، فبيعت بأزيدَ من عشرين مثقالًا، وفرَّ في الكائنة إلى طرابلس، فأقام بها إلى آخر سنة خمس، ورجع فمات بدمشق في المحرم سنة (٨٠٦) هـ.
وقد كتبت هذه النسخة سنة (٨٥٢) هـ، أي: بعد وفاة المؤلف ﵀ بسبع وخمسين سنة، فقد جاء في خاتمة الورقة الأخيرة ما نصه:
تم الكتاب المبارك على يد أضعف عباد الله وأحوجهم إلى رحمته وغفرانه العبد الحقير المعترف بالتقصير محمد بن أحمد بن أبي بكر الحنبلى عفا الله عنه، وذلك في عاشر رمضان المعظم سنة اثنتين وخمسين.
ثم قوبلت وصححت سنة (٨٥٣) هـ. ففي الورقة الأخيرة أيضًا بخطٍّ مغاير ما نصه:
بلغ مقابلة وتصحيحًا بحمد الله تعالى وعونه حَسْبَ الطاقةِ في مجالس متفرقة آخِرُها السادسُ من شهرِ الله المحرم الحرام عامَ ثلاثة وخمسين وثمانمئة بمدرسة الضيائية تغمد الله تعالى واقفها بالرحمة والرضوان بسفح قاسيون بإمساك نسخة مع مالك هذه النسخة المباركة الفقير إلى الله تعالى شيخ … علاء الدين
1 / 14
البغدادي، والنسخة الممسكة مقابلة على قريبٍ من عشر نسخ، منها نسخة عليها خط المصنف تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه ومع ذلك:
إن تجد عيبًا فسُدَّ الخللا … جلَّ من لا عَيْبَ فيه وعلا
وكتب الفقير إلى الله تعالى سبحانه عبد الرَّحمن بن إبراهيم بن يوسف الحنبلي حامدًا لله ومصليًا على رسوله محمد …
قلت: والمدرسةُ الضيائية هي بسفح جبل قاسيون شرقي الجامع المظفري، بناها واقِفُها من ماله بمعونة أهل الخير وجعلها دار حديث الحافظُ المتقنُ الثبتُ ضياءُ الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة (٦٤٣) هـ، وأوقف فيها كتبه وأجزاءه، وكان بها كتب كثيرة نفيسة وأجزاء حديثية من وقف الشيخ موفق الدين، والبهاء عبد الرَّحمن، والحافظ عبد العزيز، وابن الحاجب، وابن سلام، وابن هامل، والشيخ علي الموصلي. وقد نُهبت في نكبة الصالح نوبة قازان التتري سنة (٦٩٩) هـ، وراح منها شيء كثير، ثم تمايلت وتراجعت.
وقد درَّس بها واقفها وبعدَه جماعةٌ من أهل العلم، منهم الشيخ تقي الدين، وشمس الدين خطيب جبل الصالحية، وشمس الدين بن الكمال المقدسي، وأبو العباس السعدي، ومحمد بن إبراهيم بن عبد الله المقدسي، وزين الدين الحراني، وشمس الدين القباقبي، وأحمد بن محمد بن عبد الرحيم.
قال الشيخ أحمد دهمان ﵀: أصبحت هذه المدرسة دارًا تستغل لمصالح الجامع المظفري (جامع الحنابلة) ولم يبق فيها من بنائها القديم إلَّا قوس إيوانها الشمالي.
قلتُ: وعبد الرَّحمن بن إبراهيم بن يوسف كان شيخًا ليوسف بن عبد الهادي، وقد ترجم له في "الجوهر المنضد" ص ٦٤، فقال:
1 / 15