إعراب القراءات السبع وعللها
إعراب القراءات السبع وعللها
Редактор
د عبد الرحمن العثيمين، مكة المكرمة - جامعة أم القرى
Издатель
مكتبة الخانجي
Издание
الأولى
Год публикации
١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م
Место издания
القاهرة
¬• «أين كأبي عبد الله؟ لقد عدمه الشّام فكان كمكّة إذ فقد هشام. . .
فأصبح بطن مكّة مقشعرا ... كأنّ الأرض ليس بها هشام»
شيخ العربيّة (أبو العلاء المعرّىّ)
• «رأيته ببيت المقدس، وكان إماما، أحد أفراد الدّهر فى كلّ قسم من أقسام العلم والأدب، وكان إليه الرّحلة فى الآفاق، سكن حلب، وكان آل حمدان يكرمونه»
الحافظ المحدّث (ابن عدىّ الجرجانىّ)
• «وأمّا أبو عبد الله ابن خالويه فإنّه كان من كبار أهل اللّغة»
الإمام النّحوىّ (كمال الدّين ابن الأنباريّ)
تقديم / 5
¬تقديم
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين أمّا بعد:
فقد أحجم الباحثون عن تحقيق كتاب (إعراب القراءات السّبع وعللها) لأبى عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه الهمذانىّ (ت ٣٧٠ هـ) مع نشاط حركة التّحقيق والنّشر فى العقدين الماضيين واندفاع أعداد كبيرة من أساتذة الدّراسات الإسلاميّة فى الجامعات العربيّة وغيرها، واشتغال كثير من الباحثين بتحقيق التراث وإقدامهم على نشر كلّ غثّ وسمين دون تمييز، وإخراج بعض النّصوص بطريقة عشوائيّة غير منظمة ولا مسئولة.
وكان معهد المخطوطات العربيّة التابع للإدارة الثقافية فى المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم فى جامعة الدّول العربيّة بالقاهرة يتابع حركة التأليف والتّحقيق بنشرة شهرية يصدرها المعهد (أخبار التراث)، ومجلة متخصّصة، كانتا تسهمان إلى حدّ كبير فى التّعريف بالتّراث والعاملين على تحقيقه، وتقرب بين وجهات نظر المحققين حول كتاب ما من كتب التّراث.
وإن كان نشاط المعهد-سواء أكان فى القاهرة أم فى الكويت بعد ذلك-لم يحقّق رغبات الباحثين تحقيقا كما يرجوه الجميع، فقد كان إسهامه نافعا، وفائدة نشراته ظاهرة، لكنّ الظّروف السّياسية التى مرت بها وتمرّ بها الأمة العربيّة والإسلاميّة أدّت إلى اضطراب هذا النّشاط، بل توقفه تماما.
ومع اطّلاعى على كثير من النّشرات، واجتماعى بكثير من ذوى التّخصّص والدّراية، لا أعلم أحدا أقدم على تحقيق كتاب أبى عبد الله هذا، مع تقدّم مؤلّفه وشهرته وتمكّنه فى النّحو واللّغة، واحتلاله مكانة عالية فى الدّراسات القرآنية. عرفه العلماء فى وقتنا الحاضر من خلال ما طبع من مؤلفاته مثل: (إعراب ثلاثين سورة)
تقديم / 7
¬و(مختصر الشّواذ) وما طبع من كتاب (ليس) وكتاب (الرّيح) و(الألفات) ... وغيرها.
ولعلّ الذى صرف أنظار الباحثين عنه يرجع إلى أسباب من أهمها:
-أنّه دوّن اسمه فى فهارس المخطوطات، وعرّف به فى مؤلّفاته بكتاب (القراءات) ولا يعرف حقيقته وأنه فى تعليل قراءات السّبع والاحتجاج لها وإعرابها إلاّ عدد قليل من الباحثين. وقد كتب عنوانه واضحا فى جزئه الثانى (إعراب القراءات السّبع وعللها).وجزؤه الثانى متّصل بجزئه الأول، فهما فى مجلد واحد ولا يحمل جزؤه الأول عنوانا، ولا شكّ أن أهميّة كتاب إعراب وتعليل يشتمل على فوائد لغويّة ونحويّة وطرائف أدبيّة تختلف عن أهميّة كتاب قراءات دون تعليل، وفى كلّ خير.
-والأمر الثّانى: أنّ فى الكتاب خروما كثيرة فى مواضع مختلفة منه وهذا ما سأوضّحه فى وصف النّسخة إن شاء الله-وهى نسخة فريدة حسب علمى الآن، وهذه الخروم مجتمعة أقدّرها بما يقرب من ربع الكتاب، وهذا أمر يجعل أىّ باحث يفكّر فى نشره يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى.
وقد عرفت كتاب ابن خالويه منذ ما يزيد على عشر سنوات، وكنت كلّما قرأته ووقفت على هذه الخروم لم أقدم رجلا ... إنّما أخرتهما معا، وبقي الكتاب فى طيّ النّسيان برهة من الزّمن، ثم شاءت إرادة الله أن أزور مكتبة مرادملا بتركيا فى صيف عام ١٤٠٦ هـ فطلبت الاطلاع على أصله؛ لأننى قدّرت فى نفسى أن بعض هذه الخروم من خلل التّصوير، لكن هذا التقدير لم يكن فى محلّه فهذه الخروم موجودة فى أصله، وما قبل الكتاب وما بعده من الكتب فى المكتبة المذكورة لا علاقة له به، وترقيم النّسخة قديم لكنّه بعد هذه الخروم.
وجرى الحديث فى شأن نشر الكتاب مع شيخنا الأستاذ محمود محمد شاكر-متّعه الله بالصّحة والعافية وأسبغ عليه نعمه-فشجّعنى على العمل فيه
تقديم / 8
¬والمضى فى تحقيقه مع ما فيه من الخروم، ولم يأل الشّيخ جهدا فى مناصحتى وتوجيهى وإفادتى، وهذا دأبه مع طلاب العلم، ففضل نشره يعود-بعد توفيق الله-إليه.
وقد بذلت جهدى فى قراءة النصّ ومحاولة تصحيحه وتقويمه، وخرجت قراءاته غير السّبعية، وشواهده الشّعرية والنثرية، وبعض مسائله النحوية واللغوية، وعرفت بما يحتاج إلى تعريف من الأعلام والمواضع وما إليها قدر الإمكان.
أمّا الأحاديث الواردة فى الكتاب فاكتفيت بعزوها إلى مصادرها. والآن وقد أنهيت تحقيقه أقدّمه للقرّاء الكرام راجيا من الله تعالى أن ينفع به، ويجزل المثوبة لمؤلّفه ويتغمّده برحمته ورضوانه، وأن يجعل ما بذلته فيه من جهد ووقت مدّخرا عند الله.
ولا يفوتنى أن أشكر أخى الكريم محمد أمين الخانجى الذى أتعب نفسه معى لإخراج هذا الكتاب فى مكتبة الخانجى للطّباعة بأبهى حلّة وأحسن إخراج، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
وكتب الفقير إلى الله تعالى
عبد الرّحمن بن سليمان العثيمين
مكة المكرمة ١٤١١/ ٤/١٤ هـ
تقديم / 9
¬مؤلّف الكتاب
الحسين بن أحمد بن خالويه
(قبل ٢٩٠ - ٣٧٠ هـ)
مصادر ترجمته:
الفهرست لابن النّديم: ٩٢، ويتيمة الدّهر: ٨٨/ ١، تاريخ العلماء النّحويين: ٢٢٧، الرّجال للنجاشى: ٥٠، فهرست ما رواه ابن خير: ٣٤٢، ونزهة الألباء: ٣١٢، ٣١١، ومعجم الأدباء: ٢٠٠/ ٩، وإنباه الرّواة:
٣٢٤/ ١، وتلخيصه لابن مكتوم (مخطوط)، ومختصره لمجهول: (مخطوط)، ووفيات الأعيان: ١٧٨/ ٢، وطبقات الشافعية لابن الصّلاح (مخطوط)، ومسالك الأبصار ٤/مجلد (٢) ورقة: ٢٤٣ (نسخة دار الكتب)، والعبر: ٣٥٦/ ٢، ومرآة الجنان: ٣٩٤/ ٢، وإشارة التعيين: ١٠١، والوافى بالوفيات: ٣٢٣/ ١٢، وطبقات الشّافعية الكبرى: ٢٦٩/ ٣، وطبقات الشّافعية للأسنوى: ٤٧٥/ ١، والبداية والنهاية: ٢٩٧/ ١١، والبلغة: ٦٧، وطبقات القراء (غاية النهاية):
٢٣٧/ ١، لسان الميزان ٢٦٧/ ٢، نزهة الألباب فى الألقاب للحافظ ابن حجر:
٣١٢/ ١، وطبقات النّحاة واللّغويين لابن قاضى شهبة: ٣١٧، والنّجوم الزّاهرة:
١٣٩/ ٤، وبغية الوعاة: ٥٢٩/ ١، وتلخيص بغية الوعاة لابن حميد النّجدى:
١١٥، وطبقات المفسرين للدّاودى: ١٤٨/ ١، والفلاكة والمفلوكون للدّلجى:
١٠١، شذرات الذّهب: ٧١/ ٣، وأعلام النبلاء: ٥٤/ ٤.
تقديم / 11
¬اسمه ونسبه:
هو الحسين بن أحمد بن خالويه بن حمدان، أبو عبد الله (^١) الهمذانىّ النّحوىّ.
كذا ذكر مترجموه ما عدا القفطىّ ومن نقل عنه فإنه سمّاه الحسين بن محمد (^٢) وربّما قيل: الحسين بن خالويه اختصارا، وفى طبقات القراء (^٣): «ابن حمدون» بدل «حمدان».
ونسبته إلى (همذان) المدينة المعروفة من بلاد الجبال ببلاد فارس معروفة مشهورة.
قال الحافظ أبو سعد السّمعانىّ (^٤): «بالهاء والميم المفتوحتين والذّال المنقوطة بعدهما ... أقمت بها فى التّوجه والانصراف أربعين يوما وكان بها ومنها جماعة من العلماء والأئمة المحدثين عالم لا يحصى».
ويلقّب ب «ذو النّونين» لأنّه كان يمدّ نون (الحسين) و(ابن) فى آخر كتبه كذا قال الحافظ ابن حجر (^٥) .
ونقل السّيوطى (^٦) والدّلجّي (^٧) كلاهما عن ابن مكتوم قال: «إنه كان يلقب ب (ذو النونين) لأنّه كان يطولهما فى خطّه وهما نون «الحسين» ونون «ابن» قال: وقد رأيتهما طويلتين فى آخر كتاب (الجمهرة) بخطّه، وقد طوّلهما جدّا» رسمهما: (الحسين بن خالويه).
(^١) فى العبر: ٣/ ٣٥٦ «أبو عبيد الله»، وفى نزهة الألباء: «عبد الله بن خالويه».
(^٢) إنباه الرواه: ١/ ٣٢٤.
(^٣) غاية النهاية: ١/ ٢٣٧.
(^٤) الأنساب: ويراجع: معجم البلدان: ٥/ ٤١٠.
(^٥) الألقاب: ١/ ٣١٢.
(^٦) تحفة الأديب: ١/ ١٧٢.
(^٧) الفلاكة والمفلوكين: ١٠١
تقديم / 12
¬مولده:
لم تذكر المصادر مكان وزمان مولد ابن خالويه، إلاّ أنهم ذكروا أنّه ورد بغداد سنة أربع عشرة وثلاثمائة، روى ابن مسعر التّنوخى فى تاريخ العلماء النحويين (^١) عنه: أنّه قال: «دخلت بغداد سنة أربع عشرة وثلاثمائة بعد موت الزّجاج بسنتين» وقال الصّفدى (^٢): دخل بغداد وطلب العلم سنة أربع عشرة وثلاثمائة».
فلعل مولده بحدود التّسعين والثلاثمائة أو قبلها بقليل، فإنّ من شيوخ سماعه من توفى ٣٠٨ هـ وهو عبد الله بن وهب قال فى شرح المقصورة (^٣): «حدّثنا عبد الله بن وهب الحافظ بالدّينور ...».
وعبد الله بن وهب قال عنه الحافظ الذّهبيّ فى تذكرة الحفّاظ (^٤): «الحافظ الجوّال أبو محمد عبد الله بن محمد بن وهب الدّينورىّ ...» ثم ذكر وفاته سنة ٣٠٨ هـ.
فإذا صحّ أخذ ابن خالويه عنه وسماعه منه فإنى أقدر مولد ابن خالويه يكون فى حدود الخامسة والثمانين ومائتين، وبهذا يكون من المعمرين ولم ينقل أنه كان معمّرا.
لذلك فإننى أشكّ فى سماعه من ابن وهب (^٥)، فلعلّ بينهما واسطة، وأرجّح أن يكون الواسطة هو: ابن عقدة، وهو من شيوخ ابن خالويه.
جاء فى التذكرة (٤): «قال ابن عدىّ: كان ابن وهب يحفظ، وسمعت عمر
(^١) تاريخ العلماء النحويين: ٢٢٧.
(^٢) الوافى بالوفيات: ١٢/ ٣٢٣.
(^٣) شرح المقصورة: ٢٨٤.
(^٤) التذكرة: ٧٥٤.
(^٥) إلا أن يكون سماع حضور فى الثّانية والثّالثة والرّابعة من العمر كحضور بعض المحدثين.
تقديم / 13
¬ابن سهل يرميه بالكذب، وسمعت ابن عقدة يقول: «كتب إلى ابن وهب جزءين من غرائبه عن الثّورىّ فلم أعرف منهما إلا حديثين. كنت أتهمه».
وأما مكان ولادة ابن خالويه فهى فى بلاد فارس، وربما كانت همذان المدينة، أو إحدى القرى التابعة لها، اعتمادا على ما ورد فى نسبته إليها، وربما لا يكون مولده فيها، فيكون أصله منها، إلاّ أنّ المصادر تؤكّد قدومه إلى بغداد وذلك للتزود بالعلم سنة ٣١٤ هـ، كما سبق ولم تحدّد من أين قدم؟
رحلته فى طلب العلم:
دخل ابن خالويه بغداد كما أسلفت سنة ٣١٤ هـ، وبها حلّ، وأخذ فى طلب العلم، ولقى بها أشهر شيوخه، ثم انتقل إلى الشّام مارا بالموصل وميافارقين، ثم حمص، واستقر بحلب فى كنف سيف الدّولة الذى صدّره وجعله من كبار شيوخ مجلسه وأوكل إليه تأديب أولاده. وزار دمشق وبيت المقدس.
وأقدّر أن يكون دخل حلب ما بين سنتى ٣٣٤ - ٣٣٦ هـ (^١) واستمرّ بحلب، ألقى فيها عصا التّسيار، وتديّرها، فكانت موطنه، بها قضى جلّ حياته، ونشر فيها علمه، تدريسا، وتأليفا، قال القاضى ابن خلكان (^٢) ﵀:
«انتقل إلى الشّام واستوطن حلب، وصار بها أحد أفراد الدّهر فى كلّ قسم من أقسام الأدب، وكانت إليه الرّحلة».
نقل القفطىّ فى إنباه الرّواة عن ابن عدىّ قوله: «رأيته ببيت المقدس ...».
وذكر القفطىّ (^٣) أيضا أنه دخل اليمن نقلا عن كتاب «الأترجّة» فى ذكر
(^١) سأذكره مفصلا فى (فصل) تلاميذه إن شاء الله.
(^٢) وفيات الأعيان: ٢/ ١٧٨.
(^٣) إنباه الرواه: ١/ ٣٢٥.
تقديم / 14
¬شعراء أهل اليمن فى الجاهلية والإسلام لمسلم بن محمّد اللّحجىّ اليمنى وأقام بها وشرح ديوان ابن الحائك، وعنى به وذكر غريبه وإعرابه».
ثم قال: «قلت: ولم أعلم أنّ ابن خالويه دخل اليمن إلا من كتاب «الأترجة» هذا ...».
وأكّد عبد الباقى اليمنى والفيروزآبادى والجزرى دخوله اليمن فقالوا (^١):
«دخل اليمن وأقام بذمار ...».
وليس فى دخوله اليمن ما يستغرب ولا ما يستنكر، وشرحه لديوان ابن الحائك غير مستبعد أيضا، فقد نقل القفطىّ وغيره أنّ ابن الحائك (الحسن بن أحمد الهمذانى ت بعد ٣٤٤ هـ (^٢) كان يكاتب علماء بغداد منهم أبو بكر بن الأنبارى، وأبو عمر الزاهد غلام ثعلب، وأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه» (^٣) .
ولا أعلم أن ابن خالويه دخل الحجاز وأدى فريضة الحج اوزار مسجد رسول الله ﷺ وإذا ثبت أنه دخل اليمن فإن مروره بمكة وأداءه مناسك الحج ليس ببعيد.
وربما حجّ وزار مرارا لكنّ ذلك لم ينقل إلينا لعدم ارتباطها بأحداث مهمّة جديرة بالتّسجيل والوقوف عندها؛ لذلك أغفلها كلّ من كتب عن سيرته وأخباره، شأن كثير من العلماء فى ذلك، وخاصة إذا كان أداؤه للحج قبل تميّزه وشهرته.
ويظهر أنّ لابن خالويه تردّد على العراق فقد دخل بغداد بعد علوّ سنه وأملى بجامع المدينة (^٤) .ولعله دخل بلاد العجم بعد خروجه منها.
وكان من نتيجة هذا التّجوال أن اجتمع بشيوخ كانوا زينة المجالس، متصدّرى الدّروس فى الجوامع ودور العلم.
***
(^١) إشارة التعيين: ١٠١، والبلغة: ٦٧، وغاية النّهاية: ١/ ٢٣٧.
(^٢) أخباره فى إنباه الرواه: ١/ ٢٧٩، ومعجم الأدباء: ٧/ ٢٣١، وبغية الوعاة: ١/.
(^٣) إنباه الرّواه: ١/ ٢٧٩.
(^٤) الوافى بالوفيات: ١٢/ ٣٢٣.
تقديم / 15
¬طلبه العلم وأشهر شيوخه:
نشأ ابن خالويه حريصا على الطّلب، دءوبا على المطالعة، مكبّا على الإفادة شغوفا بالعلم، يشهد مجالس العلماء، ويحضر منتديات الأدباء، هذا كلّه وغيره له نماذج واضحة، وشواهد لائحة فى أغلب مؤلفاته، وفى ما نقل من سيرته، روى صلاح الدّين الصّفدى فى «تذكرته» قال (^١): قال ابن خالويه: حضرت مجلس أبي عبد الله محمّد بن إسماعيل القاضى المحامليّ وفيه زهاء ألف، فأملّ عليهم إن الأنصار قالوا للنّبى ﷺ: والله ما نقول لك ما قال قوم موسى لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] بل نفديك بأبنائنا وأمهاتنا، ولو دعوتنا إلى برك الغماد-بكسر الغين-فقلت للمستملى هو (الغماد) بضمّ الغين، فقال المستملى: قال النّحوى: (الغماد) بالضمّ أيّها القاضى، قال: وما برك الغماد؟ قال: سألت ابن دريد، فقال: هو بقعة فى جهنّم، قال القاضى: وكذا فى كتابى على الغين ضمّة ... قال ابن خالويه: وسألت أبا عمر عن ذلك فقال: برك الغماد بالكسر، والغماد بالضمّ، والغمار بالراء مع كسر الغين، وقد قيل: إن الغماد موضع باليمن ...».
وأمثال هذا المجلس فى مؤلفاته كثير.
ولابن خالويه عناية تامّة فى تقييد الفوائد على الشّيوخ ونسخ مؤلفاتهم وتدبّرها ثم التعليق عليها بما يراه، وسأعرض لهذا فى صدر ذكر مؤلفاته إن شاء الله تعالى.
ونظرا إلى تنوّع شيوخه وكثرتهم سأذكر جملة منهم، ويدخل فى عداد شيوخه كلّ من أسند إليه رواية، أو نقل عنه خبرا، أو حدث عنه بحديث، وحديثى عن شيوخه لا يدخل فى باب الحصر والاستقصاء والتتبع، وإنّما جمعت جملة منهم أثناء تتبّعى لآثاره، وقراءتى السّريعة لبعض ما وقفت عليه من أخباره، وأنما
(^١) النقل عن تحفة الأديب للسّيوطى: ١/ ١٧٢.
تقديم / 16