فقال المأمون: لا تثريب اليوم عليك، قد عفوت عنك، ورددت عليك مالك وضياعك، فأنشدت أقول:
رددت مالي ولم تبخل علي به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي
أمنت منك وقد خولتني نعما ... نعم الحياتان من موت ومن عدم
فلو بذلت دمعي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسل النعل من قدمي
وإن جحدتك ما وليت من نعم ... إني إلى اللؤم أول منك بالكرم
فقال المأمون: إن من الكلام كلاما كالدر، وهذا منه، وأمر لي بمالي وخلع علي، وقال: يا عم إن أبا إسحاق والعباس أشار بقتلك.
فقلت: إنهما نصحاك يا أمير المؤمنين، ولكن فعلت ما أنت أهله، ودفعت ما خفت أنا بما رجوت.
فقال المأمون: لقد مات حقدي بحياة عذرك، وقد عفوت عنك.
ثم سجد المأمون طويلا، ثم رفع رأسه، ثم قال: يا عم أتدري لم سجدت؟ قلت له: شكرا لله تعالى على ما أوقعك علي وملكك إياي في ديك تفعل بي ما تشاء.
فقال: أخطأت! ولكن أشكر الله تعالى على ما ألهمني من العفو عنك من قبل نفسي، ثم قال: وأعظم من عفوي عنك أنني لم أجرعك مرارة امتنان الشافعين، فحدثني بما كان من أمرك.