Ибн Хазм: его жизнь, эпоха, взгляды и юриспруденция

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Издатель

دار الفكر العربي

Место издания

القاهرة

الإمام محمد ابو زهرة

ابن حزم

حياته وعصره - آراؤه وفقهه

ملتزم الطبع والنشر

دار الفكر العربي
١١ ش جواد حسني - القاهرة
تليفون: ٣٩٢٥٥٢٣

1

-

Неизвестная страница

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للناس أجمعين، والهادي إلى الصراط المستقيم، قد نزل عليه القرآن الكريم بأكمل شريعة، وأهدى طريقة، نزل به الروح الأمين، وبينه الرسول الحكيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد : فقد وفقني المولى العليم الحكيم، فكتبت في الأئمة الأربعة المجمع على إمامتهم، والمتبعة طريقتهم في الاجتهاد والاستنباط، والمقتدى بهم من لم يبلغ شأو المجتهد، ولا غاية المقتصد، فرضي بالاتباع مع معرفة الدليل، أو التقليد من غير دليل.

ثم وفقني الله من بعد، فكتبت في إمام بلغ رتبة الاجتهاد، فاجتهد وتخبر، وعاد بالفقه غض الإهاب رحب الجناب، كما كان في عهده الأول، ولكنه في جملة ما اجتهد وبحث واستنبط لم يخرج عما وصل إليه الأئمة الأربعة إلا في القليل من مسائل الفقه، ولم يصل ما انفرد به إلى حد الكثير، وبعض هذا الذي انفرد به عن الأئمة الأربعة له أصل عند غيرهم كالإمامية، ذلكم هو الإمام تقي الدين بن تيمية.

وكان حقاً علي إذا لاحظت سبق الزمان أن أسبقه بابن حزم، فهو يسبقه بثلاثة قرون إلا قليلا، ولكنا أخرنا القول فيه، لا لتأخير رتبته، وإنما أخرناه لأنه نوع آخر من الفقه، ليس من نوع ما جاء به الأربعة، وإن كان الأصل واحداً، فليس من لونه، وإن اتحد المعدن. وكلهم ملتمسين من كتاب الله وسنة رسوله، وكلهم وارد وزدهم الصافي الذي فيه الشفاء والرحمة للمؤمنين.

إن ابن حزم فقيه ظاهري، أحيا فقه داود الأصبهاني، وسلك به مسلكاً اتسم بسمته فوسع رحابه وأيد فروعه بالأدلة، وناقض مخالفیه في

3

أقوال صارمة ، وجدل غلب فيه الإفحام والإلزام، وصال وجال، وعاضد أقوال الظاهرية بأقوال بعض الأئمة إن وجد فيها نصيراً، وأفاض في شرح فقه الصحابة والتابعين، وأخرج من ذلك كنوزاً نافعة، وكشف عن معين لا ينضب ماؤه، ولا ينقطع وراده، واستخرج من ذلك الخضم الزخار من الآثار السلفية نفائس انفرد باستخراجها وكشفها.

فكان لا بد بعد أن تكلمنا في فقه الأئمة الأربعة ومن قاربهم أن نتجه إليه؛ لنعرف ما جاء به، ولنبين النوع الذي أمد به ينابيع الفقه الإسلامي، واللون الذي اختص به من بين جمهورهم.

وإن ابن حزم فوق أن فقهه لون من الاستنباط غير ما عليه الأئمة الأربعة، ومن قاربهم هو في شخصه نوع منفرد بين الفقهاء، فهو الباحث والمحدث المجيد، وهو عالم الملل والنحل المجادل فيها الأريب، وهو الشاعر الثائر، الذي يقارب بشعره فحول الشعراء، ويمتاز نثره بالبراعة في المعنى، وجودة الخيال، ونصاعة اللفظ وإشراق الأسلوب، ويجمع فيما كتب من نثر فني بين جودة التعبير، وحسن التصوير، وسلامة المعنى وعمق التفكير، يصف خلجات النفوس ونبضات القلوب في عبارات فياضة بالأحاسيس وصور بيانية رائعة، حتى إنه ليعد في الصف الأول بين الناثرين، ولم يكن نثره ضجة ألفاظ، بل كان معنى جميلاً عميقاً، في ديباجة أنيقة مشرقة.

وليس ابن حزم لوناً جديداً في فقهه، وكونه أديب الفقهاء فقط، بل هو رجل من بلد كان فردوس زمانه في البلاد الإسلامية، ولا نملك منه الآن إلا الذكرى، إنه من الأندلس التي ما زال ذكرها يدمى القلوب، ويذهب بالنفس حسرات، يثير العبرات، ويلقي بالنفس المؤمنة أشد أنواع الحزن، إنها مأساة التاريخ الإسلامي.

ودراستنا لابن حزم، وقد سرنا وراء الفقه من المشرق إلى المغرب، هي تذكير بذلك الفقيد الحبيب، إقليم الأندلس الخصيب، ((فإن الذكرى تنفع المؤمنين )) .

4

وإنا لنضرع إلى الله العلى القدير أن يوفقنا لتجلية نواحى ذلك الفقيه العظيم، وذلك المحدث الحافظ، وذلك العالم المتسع الأفق، البعيد مدى الفكر، وذلك الناثر الشاعر الذى يهز بشعره ونثره الفنى أعطاف القلوب، ويمتع الآذان والنفوس، وإنه لولا توفيق الله تعالى ما جلينا حقيقة، ولا اهتدينا إلى فكرة؛ إنه الهادى إلى سواء السبيل.

٢٦ من ربيع الثانى سنة ١٣٧٣ هـ

٣ من يناير سنة ١٩٥٤ م محمد أبو زهرة

5

-

Неизвестная страница

تمهيد

١ - قال أبو مروان بن حيان في وصف ابن حزم "كان يحمل علمه، ومجادل من خالفه فيه على استرسال في طباعه وبذل بأسراره، واستناد على العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده، ليبيننه للناس ولا يكتمونه فلم يك يلطف صدعه(١)، بما عنده من تعريض، ويرقه بتدريج، بل يصك به معارضه صك الجندل، ينشقه متاعقه(٢)، إنشاق الخردل، فنفر عنه القلوب، وتوقع به الندوب، حتى استهدف إلى فقهاء وقته، فمالوا على بغضه ورد أقواله، فأجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه، وطفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيرونه عن بلادهم ... وهو في ذلك غير مرتدع ولا راجع إلى ما أرادوا به، يبث علمه فيمن ينتابه من بادية بلده من عامة المقتبسين منهم، من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون الملامة، يحدثهم ويثقفهم ويدرسهم، ولا يدع المثابرة على العلم، والمواظبة على التأليف، والإكثار من التصنيف حتى كمل من مصنفاته في فنون العلم وقر بعير، لم تعد أكثرها بادية لتزهيد الفقهاء وطلاب العلم فيها، حتى لأحرق بعضها بإشبيلية ومزقت علانية، لا يزيد مؤلفها في ذلك إلا بصيرة في نشرها، وجدالا للمعاندة فيها، إلى أن مضى لسبيله، وأكثر معايبه فيما زعموا عند المنصف له جهله بسياسة العلم التي هي أعوص من إتقانه"(٣).

٢ - ذلك هو ابن حزم في نظر المؤرخين الذين عاصروه ، وتلك منزلته بين علماء عصره، علم واسع غزير، وفضل كبير، ولكن حدة في الجدل، وصراحة في القول، ومنهاج اختص به، جعل فقهاء عصره ينفرون منه، ويحرضون عليه الأمراء والحكام فينفونه .

(١) أي قوله الذي يصدع فيه بالحق الذي يعتقده.

(٢) المتلعق الذي يقول من غير حجة.

(٣) معجم الأدباء لياقوت = ١٢ ص ٤٨، طبع فريد الرفاعي.

10

ولا ندري أكان سبب اختلاف الفقهاء عليه استطالته بفضل القول عليهم ، وأنه يلحن بالحجة حيث لا يجدون له ردًا، أم كان سبب ذلك مخالفة المذهب المعروف عندهم، وهو مذهب مالك، والإتيان بفقه لم يألفوه، ومنهاج لم يعرفوه، وتشدده في الدفاع عما اختار، وعنفه في الرد عليهم، لا يهمه أأصاب القول الرأي فأدحضه، أم صاحب الرأي فجرحه، وأنه يقول ما يرى لا يهمه بأي خطاب يقول، ما دام يحرر ما يراه رأيًا، وهو فوق ذلك يحس برفعة قدر على الناس، فلا يدنون منه، ولا يعمل على إدنائهم.

ولعل السببين اجتمعا فكونا ذلك البغض الذي سكن قلوب فقهاء عصره وغيرهم، وقد يكون هناك فوق ذلك سبب آخر هو أنه كان يتسامى عليهم بما أنعم الله عليه من بسط في الرزق، وسعة في العيش، فما كان يعيش على عطايا الأمراء، بل كان يعيش مما خافته له أسرته من فضل مال، فكان لذلك أثره في نفوسهم، وكان هو بهذا الاعتبار يجعل لنفسه مقامًا فوقهم، والعين تكره النظر إلى من هو أعلى منها، والنفس لا تحب من يتسامى عليها.

٣ - ألب أولئك الفقهاء الأمراء عليه كما يذكر المؤرخون ، ولكن يظهر من ثنايا الحقائق التاريخية أن الأمراء لم يكونوا في حاجة إلى التأليب عليه، بل كانوا في حاجة إلى إيجاد سبب لاضطهاده. ففتح الفقهاء الباب لهم، وجاوبوهم في بغضائهم، والتقى حول ذلك العالم القوي نوعان من البغضاء؛ بغضاء العلماء أو النظراء، والثاني بغضاء الأمراء لأسباب تتصل بالملك والسلطان؛ ذلك أن ابن حزم كان من أشياع بني أمية يذكر مفاخر لهم في الشرق والغرب، ولا يذكر خصومهم بما يستحقون من رفيع المنزلة وعظم القدر، حتى لقد اتهم بأنه ناصبي يناصب عليًا وبني هاشم العداء، فلما دالت دولة بني أمية، وخلف من بعدهم على الحكم خلف فيهم تشيع لآل علي ناصبوه العداوة ثم جاء من بعدهم من عاداه أيضًا، وأرادوا علة لكيدهم، فوجدوها في مباغضته للفقهاء، واتهامهم له، فأنزلوا به الأذى ونفروا الناس منه، ولكن العلم كالنور والهواء لا يقع في قبضة أحد، ولا يحول أحد دون انتشاره وذيوعه، لقد أحرقوا كتبه، فقال في الذين أحرقوها ومن أوعزوا إليهم :

8

فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي تضمنه القرطاس، بل هو في صدري

يسير معي حيث استقلت ركابي وينزل إذ أثوى ويدفن في قبري

دعوني من إحراق رق وكاغد وقواوا بعلم كي يرى الناس من يدري

وإلا فعودوا في المكاتب بدأة فكم دون ما تبغون لله من ستر(١)

٤ - حياة كلها نضال ، تلك حياة هذا العالم القوي وإنه وإن كان قد ولد في عيش ناعم لم تكن حياته ناعمة. ولقد اتسعت آفاق فكره، فقد درس الفلسفة، والأخبار، والأنساب، واللغة والأدب، وحفظ من الشعر القديم والإسلامي الكثير ودرس الحديث وحفظ وجمع، وكتابه المحلى يفيض بما يدل على مقدار علمه بالصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم وفتاوى الصحابة وأقضيتهم وآثار التابعين وفتاويهم وأقضيتهم، فهم في هذا بحر لا تكدره الدلاء، وقد كان عالماً بالملل والنحل قديمها وإسلاميها، وقد ذاد عن الإسلام فيما هوجم به من اليهود والنصارى الذين كانوا يصاقبون الديار الإسلامية بالأندلس، إذ قد فتحت رحابها لكل من يأوي إليها، فيعيش في كنف أمرائها، حراً غير مقيد يدرس ويدارس. ويناقش ويجادل، فتصدى ابن حزم لرد افترائهم وكشف اللثام عما يدسون من آراء.

وقد دون في بطون الكتب تلك المساجلات والردود في قول محكم، وعبارات جزلة هي بين لغة العلم ولغة الأدب، وكان البصير بالتاريخ في عمومه وخصوصه، فهو يعلم تاريخ الملوك وتاريخ النحل، وكيف بدأت، وكيف عاشت، وكيف انتهت، يعرف ذلك بعقل مدرك للأسباب قبل المسببات، وللغايات قبل مظاهرها، وأودع ذلك كله في كتبه بقلم مبين.

٥ - ولابن حزم فوق ما سبق دراسات نفسية درس فيها النفوس وتعمق في سبر أغوارها في عبارات كاشفة موفقة، فهو جليل النفوس، ويدرس الأفكار كيف تدخل في الطوائف والجماعات، ثم يحلل نفوس الآحاد، حتى أنه ليكتب في الحب والعشق، وكيف يبتدىء في القلوب يغزوها، وحسبك كتابه ((طوق الحمامة)) لتعرف إلى أي مدى كان يتغلغل ذلك الفقيه في دراسة

(١) الذخيرة لابن بسام المجلد الأول من القسم الأول من ١٤٤ طبع كلية الآداب بالقاهرة.

9

النفس العاشقة ، وما يثير فيها عوامل الصبابة والهوى، وقد استمد ذلك مما درس بالتجربة والعيان، لا بالظن والتخيل، فلم يلجأ إلى بطون الكتب يستخرج دفائها. وإنما جأ إلى الحس مع العلم يستقرى ما يسجله ويثبته في وقائع هذا الوجود، وقد سهل له ذلك أنه كان يعيش في صدر حياته في بيت فاكه في النعيم؛ تغدو وتروح في أبهائه الجوارى الحسان، فاستطاع أن يختبر نفسه، ويحصى عمل غيره، ودون ذلك في عبارات كأنها النمير العذب يجري في الجداول والرياض.

٦ - هذا عرض لمظاهر مختلفة لحياة ذلك العالم النابغة، وهي وإن كانت مظاهر جلية تتبدى للقارئ في كل صفحة من آثاره وكل رسالة من رسائله، قد انبعثت عن شخصية تعددت نواحيها، وتباينت اتجاهاتها، وكل صفحة من صفحات كتبه تكشف عن جانب من جوانب نفسه.

فحياته الشخصية ليست ساذجة كحياة من درسنا من الأئمة الذين درسنا حياتهم، فحياتهم رضى الله عنهم نمط فكري واحد، وإن كانت لهم آراء في نواح غير الفقه، فهي على هامش تفكيرهم، وليست في صميم اتجاههم، أما ابن حزم فطراز آخر، فأنت تجده في الأدب ناثراً فنياً ممتازاً لا يقل عن أي كاتب من كتاب عصره وبلده، وربما امتاز عليهم بجودة الفكرة مع جزالة الديباجة، وجمال الصورة البيانية، وهو فوق ذلك السياسي الذي نشأ في بيت الوزارة، وكان له هو شأن في الوزارة، ثم هو المحدث والفقيه والمؤرخ، وكل تلك نواح في صميم نفسه، وإن كانت المقادير مختلفة وهي متمازجة، تعاونت فكونت تلك الشخصية العبقرية.

فلا بد عند دراسة حياته من بيان العوامل المؤثرة التي وجهته إلى تلك النواحي المتشعبة المتلاقية، وتلك الاتجاهات المختلفة غير العادية، وأحياناً يكون مظهرها مختلفاً متضارباً وعند الفحص نجد المجرى متحداً في المنبع، وإن اختلف المصب إلى شعب، وقد يكون بعضها كدراً، وبعضها رائقاً صافياً بحسب ما صادف كل شعبة في اتجاهها.

٧ - ولقد يبدو بادى الرأي وجه التخالف بين مظهرين وجدناهما في

10