الحدود والتعزيرات عند ابن القيم
الحدود والتعزيرات عند ابن القيم
Издатель
دار العاصمة للنشر والتوزيع
Издание
الثانية ١٤١٥ هـ
ـ[الحدود والتعزيرات عند ابن القيم]ـ
المؤلف: بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (المتوفى: ١٤٢٩هـ)
الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع
الطبعة: الثانية ١٤١٥ هـ
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]
Неизвестная страница
حقوق النشر محفوظة
النشرة الثانية ١٤١٥ هـ
دار العاصمة
المملكة العربية السعودية
الرياض - ص ب ٤٢٥٠٧ - الرمز البريدي ١١٥٥١ هاتف ٤٩١٥١٥٤-٤٩٣٣٣١٨- فاكس ٤٩١٥١٥٤
1 / 4
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على توالي نعمه وعظيم إفضاله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته. وأشهد أن محمدًا عبده المجتبى ونبيه المصطفى. صلى الله وسم عليه وعلى آله وأصحابه وبعد:
فإنه في ليلة الخامس والعشرين من شهر الله المحرم من عام أربعمائة وألف من الهجرة النبوية منَّ الله تعالى علي بمناقشة رسالتي باسم (الحدود والتعزيرات عند ابن قيم الجوزية/ دراسة وموازنة) (١) وذلك في قاعة المعهد العالي للقضاء بمدينة الرياض، وكانت هذه الرسالة تقع في ثمان وثمانمائة صفحة بقسميها.
وقد طبعت القسم الأول منها باسم (ابن قيم الجوزية حياته وآثاره) في كتاب مستقل. ثم أعدته مع زيادات هامة في مقدمة كتابي الموسوعي لفقه ابن قيم الجوزية (٢) .
والآن أحتسب عند الله تعالى تقديم كتابي هذا، الحدود والتعزيرات عند ابن
قيم الجوزية/ دراسة وموازنة. والذي يمثل الموضوع الرئيسي للرسالة. راجيًا من
(١) مقدمة لنيل الشهادة العالمية العالية. وبالاصطلاح الغرب الوافد (ماجستير) . وقد حصلت على تقدير (ممتاز) .
(٢) طبع منه جزآن الأول والثاني، والبقية تحت الطبع.
1 / 5
الله تعالى أن ينفعني به ومن شاء من عباده.
وإن هذا الموضوع في دراسته التحليلية هو في الواقع واحدة من ثمار تتبعي لفقه ابن قيم الجوزية من كتبه المطبوعةِ والتي تبلغ واحدًا وثلاثين كتابًا في قرابة ستين مجلدًا في نحو عشرين ألف صحيفة.
والآن أضع إمام الناظر في هذا الكتاب طلائعه المثلة لمفاتيح التصور للبحث ودوافعه، وتفسير عنوانه. ومسالك البحث فيه. وتبيانها كالآتي:
موضوع البحث:
لقد تحصّل لي من السير في ذلك المشروع المبارك (التقريب لفقه ابن قيم الجوزية) . أن لابن القيم رحمه الله تعالى مباحث عزيزة المطلب: في الحدود والتعزيرات منتشرة في أربعة عشر كتابًا من مؤلفاته (١) عالجها من ناحيتين: أولاهما: من ناحية حكمتها وأسرارها التشريعية.
والثانية: من ناحية أحكامها الفقهية.
وقد أولى ذلك عناية فائقة، وبسط الكلام في الكثير منها أشد البسط فنالت من تحقيقاته وآرائه وتحريراته: النصيب الأوفى والحظ الأوفر. وحسبي في هذه الدراسة أن أتناول ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في هذه الجزئية من مباحثه بالدراسة
(١) هي: ١- أحكام أهل الذمة ٢- أعلام الموقعين عن رب العالمين ٣- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ٤- إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان ٥- بدائع الفوائد ٦- تهذيب سنن أبي داوود ٧- الداء والدواء ٨- روضة المحبين ونزهة المشتاقين ٩- الروح ١٠- زاد المعاد في هدى خير العباد ١١- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ١٣- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة ١٣- المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ١- الوابل الصيب في الكلم الطيب.
1 / 6
والتحقيق والموازنة والترجيح بين رأيه وغيره من المذاهب. مبينًا ما التقى فيها مع غيره وما انفرد به عن المذاهب الفقهية المشهورة: الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) .
وبذلك تبرز مكانته (٥) العلمية بجلاء.
دوافع البحث:
والغاية التي دفعتني الى اختيار مباحث " الحدود والتعزيرات" من بين عامة مباحثه، لتكون موضوعًا لهذه الرّسالة، هي في وجوه متعددة منها ما يلي:-
الأول: أن القاضي أحوج ما يكون الى مباحث ابن القيم في ذلك، إذ أنه رحمه الله تعالى من أولئك العلماء الأفذاذ الذين انطلقوا من ربقة التقليد ونهجوا في
(١) نسبة الى إمام المذهب: أبي حنيفة النعمان بن ثابت التيمي مولاهم الكوفي ولد سنة ٨٠ هـ وتوفي سنة ١٥٠ هـ (انظر: تاريخ بغداد/ للخطيب البغدادي ١٣/٣٢٣ وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/١٦٨) .
(٢) نسبة الى إمام المذهب: مالك بن أنس الأصبحي نسبًا. إمام دار الهجرة وعالم المدينة ولد سنة ٩٥ هـ وتوفي سنة ١٧٩ هـ (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٢٠٧، الأعلام للزركلي ٦/١٢٨) .
(٣) نسبة الى إمام المذهب: محمد بن إدريس بن العباس القرشي الشافعي. عالم قريش ولد سنة ١٥٠ هـ وتوفي سنة، ٢٠٤ هـ (انظر: تذكرة الحفاظ ١/٣٦٧، الأعلام للزركلي٦/٢٤٩) .
(٤) نسبة الى إمام المذهب: أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني إمام أهل السنة ولد سنة ١٦٤ هـ وتوفي سنة ٢٤١ هـ انظر (تاريخ بغداد ٤/٤١٣، تذكرة الحفاظ ٢/٤٣١، طبقات الحنابلة ١/٤ الأعلام للزركلي ١/١٩٢) .
(٥) كثر في لسان الأدباء والمحدثين التعبير بلفظ "شخصي" بمعنى عظيم وذو مكانة وقد رغبت عن هذا اللفظ لأنه محدث لا يساعد على معناه المراد منه وضعه اللغوي. (انظر: المعجم الوسيط لأحمد الزيات ورفيقاه ١/٤٧٨، ط مجمع اللغة العربية بمصر وانظر: تقويم اللسانين للهلالي ص ١٠٥/١٠٦ط الأولى الرباط سنة ١٣٩٨ هـ) .
1 / 7
البحث والتحقيق منهج الاستدلال والمناقشة. وهذا ما يتطلبه القاضي المنصف المتطلب للصواب والحكم بين الناس بالحق.
الثاني: أن أحكام الحدود والتعزيرات هي من أهم أعمال القضاء إذ عليها المدار لحفظ الضروريات:
ففي حد الردة حفظ الدين.
وفي حد الزنا حفظ الأنساب.
وفي حد الخمر حفظ العقل.
وفي حد القذف حفظ الرض.
وفي حد السرقة حفظ المال.
وابن القيم رحمه الله تعالى قد أفصح عن جل أحكام هذه الحدود وحكمها وأسرارها وتحقيق ما يلائم سياسة الأمة بالعدل وحالة العمران في كل زمان ففي تقريبها تحقيق لذلك.
الثالث: أنه رحمه الله تعالى لم يؤلف في ذلك تأليفًا مستقلًا- حسب التتبع بل هي أبحاث متناثرة في كتبه المتكاثرة. والوقوف على الكثير منها قد يكون صعبًا لذلك ولوجود طائفة منها في غير مظنته. إذ أنه رحمه الله تعالى يكثر الاستطراد لأدنى مناسبة، لسيلان ذهنه وفقه نفسه.
ومن هنا يعم الناظر شدة الحاجة ومبلغ الأهمية لجمعها في صعيد واحد وترتيبها على النسق المعروف في المدونات الفقهية تيسيرًا للقارئ وتوفيرًا لجهده
الرابع: أنه قد كثر الشغب في الأزمان المتأخرة من المستشرقين وتلامذتهم بالتنديد بالعقوبات الإسلامية المقدرة على الجرائم الأخلاقية من أنها: وحشية
1 / 8
وتعسف إلى أمثال هذا الطيش وتلك القلاقل والبداءات بغيًا من أنفسهم للصد عن دين الله وشرعه وتحكيمه في أموال الناس وأعراضهم وسائر أحوال مدنيتهم.
وإن ابن القيم رحمه الله تعالى قد أبان من حكمة التشريع وأسراره لهذه العقوبات ما أماط اللثام وأزهق الباطل، ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة. وقد نظرت في مباحث حكمة التشريع عند جماعة من أهل العلم فلم أر عالمًا يفري فريه قد ضرب من الحق بعطن أمثال هذا الإمام: في مباحثه العزيزة وتحقيقاته المنيفة.
فكأنما أعطى رحمه الله تعالى نسخة من إيراداتهم، فكر عليها بالنقض حتى أصبحت في حساب الوساوس والأحلام الرديئة.
ومن المعلوم أن تقرير ذلك من أهل العلم لم يكن الا ردًا للباطل وزيادة في تثبيت الإيمان، وإلا فمقتضى الإيمان وموجب الإسلام: التسليم لأوامر الله ونواهيه سواء علمنا حكمة التشريع أم لا.
هذه جملة من الأسباب التي دفعتني الى اختيار "الحدود والتعزيرات عند ابن قيم الجوزية" موضوعًا للرسالة. وأرجو أن تكون أسبابًا مقنعة للتدليل على سلامة الاختيار وأحقيته عند أنصار ابن القيم وخصومه على السواء
تسمية الرسالة:
ولما كانت تسمية الكتاب أو الرسالة من المتعين على أهل الإسلام أن يراعوا
في ذلك الأصالة في اللسانين: لسان الشريعة المطهرة، واللغة العربية الكرمة كالشأن في سائر محرراتهم وألفاظهم.
ولما كانت تسمية الرسالة ينبغي أن توحي بموضوعها وفلكة مغزلها الذي تدور عليه حتى تكون التسمية كالإطار العام للرسالة.
1 / 9
لما كان الأمر لا بد أن يكون كذلك فقد وسمت هذه الرسالة بما يلي: (الحدود والتعزيرات عند ابن قيم الجوزية/ دراسة وموازنة) .
إيضاح هذه التسمية:
فلفظ (الحد والتعزير) لفظان جاريان في اللغة والاصطلاح (١) وجعلهما الفصل الأول في عنوان الرسالة يفيد موضوعها.
ولفظ (عند ابن قيم الجوزية) يقيد الإطلاق في الفصل الأول. فيتقيد الموضوع بحدود ما ذكره ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى.
ولفظ (دراسة) من ألفاظ القرآن الكريم في بضع آيات (٢) كما في قوله تعالى: (٣) (كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) والدراسة هنا تعني القراءة ومعاهدة المقروء والتفهم (٤) .
وأما لفظ (موازنة): فهي تأتي في اللغة بمعنى المقارنة بين الشيئين والمحاذاة. قال الرازي (٥):
(وازن بين الشيئين موازنة ووزانًا، وهذا يوازن هذا إذا كان على زنته أو كان محاذيه) .
(١) يأتي بيان معناهما.
(٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم/ لمحمد فؤاد عبد الباقي ص/٢٥٦ ط بيروت.
(٣) الآية رقم ٧٩ سورة آل عمران.
(٤) انظر: مختار الصحاح للرازي ص/٢٠٣ ط الأولى سنة ١٩٦٧ م بيروت والمعجم الوسيط إخراج أحمد الزيات ورفقاه جلد اص/٢٧٩ ط مجمع اللغة العربية بمصر. ومعجم متن اللغة لأحمد رضا ٢/٤٠٠ ط مكتبة الحياة في بيروت سنة ١٣٧٧ هـ.
(٥) انظر: مختار الصحاح ص/٧١٩. والرازي هو: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر المتوفى سنة ٦٦٦ هـ. (انظر: الأعلام للزركلي ٦/ ٢٧٩) .
1 / 10
قال ابن فارس (١):
(هذا يوازن ذاك أي هو محاذيه، ووزين الرأي: معتدلة، وهو راجح الوزن
إذا نسبوه إلى رجاحة الرأي وشدة العقل) .
وهذا المدلول اللغوي (موازنة) يوافق المعنى المراد من ذكرها في عنوان هذه الرسالة وهو: ذكر خلاف (٢) العلماء بجانب آراء ابن القيم واختياراته حتى تحصل المعرفة لمدى قوة اختيار ابن القيم وانتخابه للرأي الذي رآه في مسألة ما من بين الآراء والمذاهب.
سبب العدول عن لفظ (مقارنة) إلى لفظ (موازنة):
تبين من بيان معنى لفظ (موازنة) لغة وإيضاح مدلولها في عنوان الرسالة أن هذا يعني ذكر (خلاف العلماء في المسألة بجانب رأي ابن القيم) .
وعلم خلاف الفقهاء: فن مستقل بنفسه اشتهر باسم (علم خلاف الفقهاء) واشتهرت كتبه باسم (كتب الخلافيات) (٣) .
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة ٦/١٠٧ ط الثانية سنة ١٣٩٢ هـ بمطبعة الحلبي بمصر. وابن فارس هو: أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا القزويني المتوفى سنة ٣٩٥ هـ (انظر: الأعلام للزركلي ١/ ١٨٤) .
(٢) يقرر الشاطبي في كتابه: الموافقات ٤/١١٠- ١٤٤ التفريق بين الخلاف والاختلاف. فالخلاف ما كان عن هوى وضلال في العقائد والأديان والاختلاف ما صدر عن مجتهدي أمة
محمد ﷺ. وهذه التفرقة التي قال بها الشاطبي محض اصطلاح ذكره لم يلتزمه العلماء
في مدوناتهم فهم يذكرونها على سواء. (انظر هذا البحث مبسوطا في كتاب: مجموعة بحوث فقهية لعبد الكرم زيدان ص/٢٧٣- ٣٠٣ ط مؤسسة الرسالة بيروت سنة ١٣٩٦) .
(٣) مثل: كتاب الإفصاح لابن هبيرة. والمغني لابن قدامة. ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة للدمشقي. وأول من وضع علم خلاف الفقهاء: أبو زيد عبيد الله بن عمر الدبوسي الحنفي
المتوفى سنة ٤٣٠ في كتابه (تأسيس النظر) كما ذكره ابن خلكان في تاريخه (وفيات الأعيان) =
1 / 11
وقد اشتهر في لسان هذا العصر باسم (الفقه القارن) وكتبه باسم (كتب الفقه
المقارن) .
وهذا إطلاق سليم من حيث مدلوله اللغوي فإن المقارنة في اللغة جمع شيء إلى شيء فتقول قارنت بين الشيئين (١) .
لكنها في عرف الوقت الحاضر من مصطلحات (علم الحقوق الحديث) (٢)، يقصد بها مقارنة شريعة رب الأرض والسماء بقوانين البشر الموضوعة المختلقة المصنوعة (٣) .
فانتقل هذا الاصطلاح الحقوقي من المقارنة بين الشريعة والقانون إلى المقارنة بين أقوال فقهاء الإسلام. فأصبح هذا الاصطلاح من المشترك المعنوي وفي ضوء هذا يمكن لنا أن نقوم حكم نقل هذا الاصطلاح بهجر اسم (علم خلاف الفقهاء) واستبداله باسم (علم الفقه المقارن) .
فنقول: أن هذه بلوى وقع في شراكها كثير من أهل الإسلام حيث استبدلوا الكثير من مصطلحات العلوم الإسلامية. وامتحنوا المسلمين بأسماء جديدة تبعدهم عن تراثهم وتوحي بغرابة كتب أسلافهم على أفهامهم وعلومهم وثقافتهم.
وقد وقع من هذا الشيء الكثير وعمت البلوى بانتشاره وإدخاله في مؤلفات علماء الإسلام.
جلد ١ ص/٣١٧. (انظر المدخل الفقهي العام ٢/٩٥٥ لمصطفى الزرقا ط مطبعة طربين بدمشق سنة ١٣٨٧ هـ) والبداية والنهاية لابن كثير ١٢/ ٥١. ومفتاح السعادة لطاش كبري
زادة ١/٣٠٦- ٣٠٨) .
(١) انظر: مختار الصحاح للرازي ص/٥٣٢. ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس ٥/٧٦.
(٣) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا ٢/٩٥٥ حاشية.
(٣) انظر: في التنديد بخطورة المقارنة بين الأديان ص/٧٣- ٨٦ من كتاب أخطاء المنهج الغربي الوافد. لأنور الجندي. ط أولى سنة ١٩٧٤ م دار الكتاب اللبناني. بيروت.
1 / 12