Хашия на Шарх Джам' аль-Джавами'
حاشية شيخ الإسلام زكريا الأنصاري على شرح جمع الجوامع
[حاشية شيخ الإسلام زكريا الأنصاري]
خطبة المؤلف
قال سيدنا ومولانا، قاضي القضاة، شيخ مشايخ الإسلام، ملك العلماء الأعلام، صدر مصر ومكة والشام، حسن الليالي والأيام، أبو يحيي زكريا الأنصاري، الشافعي، أمتع الله بوجوده الأنام وحشره في زمرة خير الأنام:
الحمد لله الذي أعلى معالم دين الإسلام، وبين لنا قوانين الشرع والأحكام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام، وعلى آله وصحبه البررة الكرام، وبعد: فهذه حاشية وضعتها على شرح جمع الجوامع في أصول الفقه والدين، لشيخنا الإمام المحقق، والحبر المدقق، أبي عبد الله محمد جلال الدين بن أحمد المحلي رحمه الله، تفتح منه مقفله، وتبين مجمله، وتبرز ما أهمله، مع بيان ما يرد عليه، والجواب عنه إن أمكن، وقد أتعرض فيها لكلام المصنف -رحمه الله- لإيضاح أو غيره، والله أسأل أن ينفع بها، فإنه قريب مجيب.
تعريف الحمد
بسم الله الرحمن الرحيم
صاحب المتن: نحمدك اللهم
بسم الله الرحمن الرحيم
الشارح: الحمد الله على إفضاله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله.
هذا ما اشتدت إليه حاجة المتفهمين لجمع الجوامع، من شرح يحل ألفاظه، ويبين مراده، ويحقق مسائله، ويحرر دلائله، على وجه سهل للمبتدئين، حسن للناظرين، نفع الله به آمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: «بسم الله الرحمن الرحيم: نحمدك اللهم»: أي نصفك بجميع صفاتك يا الله، إذ الحمد كما قال الزمخشري في الفائق: الوصف بالجميل، وكل من صفاته تعالى جميل، ورعاية جميعها أبلغ في التعظيم المراد بما ذكر، إذ المراد به إيجاد الحمد لا الإخبار بأنه سيوجد.
المحشي: قوله: «أي نصفك بجميع صفاتك» أي إجمالا، إذ الثناء التفصيلي
الشارح: وأتى بنون العظمة لإظهار ملزومها الذي هو نعمة من تعظيم الله له بتأهيله للعلم، امتثالا لقوله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث) الضحى: 11.
وقال ما تقدم دون نحمد الله الأخصر منه، للتلذذ بخطاب الله وندائه. وعدل عن الحمد لله - الصيغة الشائعة للحمد- إذ القصد بها الثناء على الله تعالى،
المحشي: لا يطيقه البشر (وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها) إبراهيم: 34.
وقيد الجميع أخذه من مدلول اللفظ مع معونة المقام، لا من مدلوله وحده كما يدل لذلك على اكتفائه في الاستدلال له بكلام الزمخشري، بل ضم إليه قوله: «وكل من صفاته تعالى جميل»، وقوله: «ورعاية جميعها أبلغ في التعظيم المراد بما ذكر» أي من نحمدك اللهم.
قوله: «سيوجد» صدر الفعل -هنا وفيما يأتي- بالسين، إشارة إلى أن الإخبار بالمذكورات بالنظر للمستقبل لا للحال، إذ لا يأتي فيه إنشاء بخلافه في الحال.
قوله: «وأتى بنون العظمة لإظهار ملزومها» إلى آخره: أي العظمة من لوازم التعظيم المذكور، وهو نعمة يطلب إظهارها لقوله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث) الضحى: 11، فمناسب الإتيان بنون العظمة لينتقل الذهن منها إلى ملزومها، فقوله: «من تعظيم الله له» بيان ل «ملزومها» المعلل إظهاره بقوله: «امتثالا»، ويجوز أن يقال: أتى بالنون للمتكلم ومن معه، رعاية للأبلغية، وتنبيها على استصغاره نفسه، واعترافه بعجزها عن قيامه بحق الحمد، وما عطف عليه، كما أشار إلى ذلك خبر: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك».
قوله: «الأخصر منه» أفعل التفضيل المعرف ب «أل» كالمضاف، لا يستعمل ب «من» فيؤول ذلك بأن «أل» زائدة أو جنسية لا معرفة، أو بأن «من» متعلقة بأخصر مقدرا مدلولا عليه بالمذكور، كما قيل بمثله في قول الشاعر:
Страница 3
ولست بالأكثر منهم حصى
قوله: «للتلذذ بخطاب الله وندائه»: الخطاب بالكاف والنداء باللهم لأن أصله ياألله حذفت ياؤه وعوض عنها الميم وشددت لتكون على حرفين كالمعوض عنه، وقد يقال فيه: لاهم بحذف «ال».
قوله: «إذ القصد بها» إلى آخره: التعليل لما تضمنه قوله: «الصيغة الشائعة للحمد» من أن صيغة الحمد لله تفيد إنشاء الحمد.
الشارح: لأنه مالك لجميع الحمد من الخلق لا الإعلام بذلك الذي هو من حملة الأصل في القصد بالخبر من الإعلام بمضمونه، إلى ما قاله لأنه ثناء بجميع الصفات برعاية الأبلغية كما تقدم، وهذا بواحدة منها، وإن لم تراع الأبلغية هناك بأن يراد الثناء ببعض الصفات، فذلك البعض أعم من هذه الواحدة لصدقه بها وبغيرها الكثير، فالثناء به أبلغ من الثناء بها في الجملة أيضا، نعم الثناء بها من حيث تفصيلها أوقع في النفس من الثناء به.
المحشي: قوله: «لا الإعلام بذلك الذي هو من جملة الأصل في القصد بالخبر من الإعلام بمضمونه» القصد بالخبر إما إعلام المخاطب بمضمون الخبر وهو الأصل، أو إعلامه بأن المخبر عالم بذلك المضمون، والأول يسمى فائدة الخبر، والثاني لازمها فقوله: «بذلك» أي بأنه مالك لجميع الحمد من الخلق.
وقوله: «الذي هو» إلى آخره: صفة «للإعلام»، وقوله: «من الإعلام» بيان «للأصل».
وقوله: «لأنه الثناء» إلخ، تعليل للعدول عن تلك الصيغة إلى ما قاله.
وقوله: «برعاية الأبلغية» قد يقال: برعايتها أيضا في الحمد لله فتشتمل جميع الصفات.
قلت: ينافيه الثناء فيها بصفة واحدة وهي الملكية، وقوله: «هناك» أي في نحمدك اللهم.
وقوله: «بأن يراد الثناء ببعض الصفات» قد يقال أو يطلق، إذ انتفاء رعاية الجميع منه التقييد بالبعض، فلو حذف هذا كان أولى وأخصر.
قوله: «فالثناء به» أي بذلك البعض «أبلغ من الثناء بها» أي بتلك الواحدة.
قوله: «أيضا» هو مصدر آض إذا رجع، وهو مفعول مطلق حذف عامله، كارجع إلى الإخبار بكذا رجوعا، أو حال حذف عاملها وصاحبها، كاخبر بكذا راجعا إلى الإخبار به.
وإنما تستعمل مع شيئين بينهما توافق ويغني كل منهما عن الآخر، فلا يجوز: جاء زيد أيضا، وجاء زيد ومضى عمرو أيضا ولا اختصم زيد وعمرو أيضا.
صاحب المتن: على نعم، يؤذن الحمد بازديادها.
الشارح: «على نعم»: جمع نعمة بمعنى إنعام، والتنكير للتكثير والتعظيم، أي إنعامات كثيرة عظيمة منها الإلهام لتأليف هذا الكتاب والإقدار عليه، وعلى صلة نحمد، وإنما حمد على النعم في مقابلتها لا مطلقا، لأن الأول واجب، والثاني مندوب.
ووصف النعم بما هو شأنها بقوله: «يؤذن الحمد» عليها «بازديادها» أي يعلم بزيادتها، لأنه متوقف على الإلهام له، والإقدار عليه، وهما من جملة النعم، فيقتضيان الحمد، وهو مؤذن بالزيادة المقتضية للحمد أيضا وهلم جرا.
المحشي: قوله: «على نعم» أي لأجلها، ولا ينافيه قول الشارح «و«على» صلة نحمد».
قوله: «بمعنى إنعام» أي لأن الحمد في الحقيقة إنما هو على الإنعام الذي هو من أفعاله تعالى، لا على المنعم به، ولأن الحمد على المنعم به إنما هو باعتبار صدوره عنه.
قوله: «وإنما حمد على النعم» أي على إنعامات الله تعالى، ليوافق ما قدمه آنفا.
قوله: «في مقابلتها» أي سواء وقعت عليه أم على غيره.
Страница 4
قوله: «لأن الأول» أي الحمد في مقابلة النعمة لفظا أو نية واجب، أي بمعنى أنه يقع واجبا، لا بمعنى أنه إذا أنعم الله تعالى على عبد بنعمة، يجب عليه أن يحمده عليها بالحمد الذي ذكره، وهو الحمد اللفظي، أو بالحمد المنوي. قوله: «بقوله» بدل مما قبله أو «الباء» فيه بمعنى «في».
قوله: «وهلم جرا» الأحسن فيه ما قاله العلامة الجمال بن هشام.
الشارح: فلا غاية للنعم حتى يوقف بالحمد عليها (وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها) إبراهيم: 34 وازداد وزاد، اللازم مطاوعا زاد المتعدي تقول: زاد الله النعم علي، فازدادت وزادت.
المحشي: بعد إطلاعه على كلام غيره فيه، وتوقفه في أنه عربي: إن معنى هلم: تعال، لا بمعنى المجيء الحسي، ولا بمعنى الطلب حقيقة، بل بمعنى الاستمرار على الشيء، وبمعنى الخبر، وعبر عنه بالطلب كما في قوله تعالى: (ولنحمل خطاياكم) العنكبوت: 12، (فليمدد له الرحمن مدا) مريم: 75.
«وجرا»: مصدر جره إذا سحبه، ببقائه مصدرا، أو جعله مؤكدة، وليس المراد الجر الحسي، بل التعميم كما في السحب في قولهم: هذا الحكم منسحب على كذا، أي شامل له، فكأنه قيل هنا: واستمر إيذان كل حمد، بزيادة النعم استمرارا أو مستمرا، كما يقال: كان عام كذا وهلم جرا، أي واستمر ذلك في بقية الأعوام.
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
صاحب المتن: ونصلي على نبيك محمد.
الشارح: «ونصلي على نبيك محمد» من الصلاة عليه المأمور بها، وهي الدعاء بالصلاة أي الرحمة عليه، أخذا من حديث: «أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد» إلى آخره، رواه الشيخان إلا صدره فمسلم.
والنبي: إنسان أوحي إليه بشرع ، وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بذلك فرسول أيضا، أو وأمر بتبليغه وإن لم يكن له كتاب، أو نسخ لبعض شرع من قبله كيوشع، فإن كان له ذلك فرسول أيضا قولان، فالنبي أعم من .......
المحشي: قوله: «ونصلي» حقه أن يقول بعده: ونسلم خروجا من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر.
قوله: «أخذا من حديث «أمرنا الله أن نصلي عليك»» استدل به على أن صلاتنا عليه مأمور بها، وعلى أن معناها دعاؤنا له بها، لا بقيد الرحمة. قوله: «وفي الثالث» إلى آخره قضيته أن من أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه ليس بنبي ولا رسول.
الشارح: الرسول عليهما، وفي الثالث أنهما بمعنى، وهو معنى الرسول على المشهور. وقال: «نبيك» دون رسولك لأن النبي أكثر استعمالا ولفظه بالهمز من النبأ أي الخبر، لأن النبي مخبر عن الله، وبلا همز وهو الأكثر قيل: إنه مخفف المهموز بقلب همزته ياء، وقيل: إنه الأصل من النبوة، بفتح النون وسكون الباء، أي الرفعة، لأن النبي مرفوع الرتبة عن الخلق.
ومحمد علم منقول من اسم مفعول المضعف، سمي به نبينا بإلهام من الله تعالى تفاؤلا بأنه يكثر حمد الخلق له، لكثرة خصاله الجميلة. كما روي في السير أنه قيل لجده عبد المطلب، وقد سماه في سابع ولادته لموت أبيه قبلها: لم سميت ابنك محمدا وليس من أسماء آبائك ولا قومك؟ قال: رجوت أن يحمد في السماء والأرض.
وقد حقق الله رجاءه كما سبق في علمه تعالى.
المحشي: قوله: «لأن النبي مخبر عن الله» يحتمل أن يكون فعيلا بمعنى فاعل كما هو الظاهر، وأن يكون فعيلا بمعنى مفعول، لأنه مخبر بالإيحاء إليه بواسطة وبدونها، وهو أنسب بالقول المشهور من الأقوال الثلاثة التي ذكرها، لوجود مأخذ التسمية في كل نبي، ولو غير رسول، لأن من لم يؤمر بتبليغ، لا يلزم كونه مخبرا لغيره.
صاحب المتن: هادي الأمة لرشادها.
Страница 5
الشارح: «هادي الأمة» أي دالها بلطف «لرشادها» يعني لدين الإسلام، الذي هو لتمكنه في الوصول به إلى الرشاد، وهو ضد الغي، كأنه نفسه، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) الشورى: 52 أي دين الإسلام.
المحشي: قوله: «وقيل: إنه الأصل» عرفه ليفيد أنه أصل للمهموز، ولو نكره لتوهم أن كلا منهما أصل.
قوله: «من اسم مفعول المضعف» أي مضعف العين، بأن نقل المجرد إلى باب التفعيل، لا المضعف الذي لم تسلم حروفه الأصول من التضعيف، كمس، وظل.
قوله: «بلطف» قيد في معنى الهداية، فقد فسرها الراغب بالدلالة بلطف قال: وأما قوله تعالى: (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) الصافات: 23 فهو على التهكم.
قوله: «وهذا مأخوذ من قوله تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) الشورى: 52» أي من حيث إن كلا منهما مجاز، سواء أجعل مجازا مرسلا
التعريف بالآل
صاحب المتن: وعلى آله، وصحبه ما قامت الطروس والسطور،
الشارح: «وعلى آله» هم كما قال الشافعي: أقاربه المؤمنون من بني هاشم والمطلب ابني عبد مناف لأنه صلى الله عليه وسلم: «قسم سهم ذوي القربى وهو خمس الخمس بينهم، تاركا منه غيرهم من بني عميهم نوفل وعبد شمس مع سؤالهم له» رواه البخاري. وقال: «إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» رواه مسلم. وقال: «لا أحل لكم أهل البيت من الصدقات شيئا، ولا غسالة الأيدي، إن لكم في خمس الخمس ما يكفيكم أو يغنيكم» أي بل يغنيكم.
المحشي: أم استعارة، لأن الاستعارة مجاز علاقته المشابهة.
قوله: «لأنه صلى الله عليه وسلم» إلى آخر الأحاديث، دل أولها: على أن خمس الخمس
الشارح: رواه الطبراني في معجمه الكبير، والصحيح جواز إضافته إلى الضمير كما استعمله المصنف. «وصحبه» هو اسم جمع لصاحبه، بمعنى الصحابي، وهو كما سيأتي: من أجتمع مؤمنا بسيدنا محمد، وعطف الصحب على الآل - الشامل لبعضهم- لتشمل الصلاة باقيهم.
«ما» مصدرية ظرفية.
«قامت الطروس» أي الصحف جمع طرس بكسر الطاء.
«والسطور» من عطف الجزء على الكل، صرح به لدلالته على اللفظ الدال على المعنى.
المحشي: لأقاربه المؤمنين من بني هاشم والمطلب، وثانيها: على أن الصدقات لا تحل لآله، وثالثها: على أن من لا تحل له الصدقات من قسم بينهم خمس الخمس، فدل مجموعها على أن آله هم أقاربه المؤمنون من بني هاشم والمطلب.
وقوله «نوفل وعبد شمس» هما وهاشم والمطلب أولاد عبد مناف بن قصي.
قوله: «والسطور من عطف الجزء على الكل» صحيح إذ الطرس الصحيفة وهي الكتاب. قاله الجوهري.
صاحب المتن: لعيون الألفاظ ......
الشارح: «لعيون الألفاظ» أي للمعاني التي يدل عليها باللفظ.
«ويهتدى بها» كما يهتدي بالعيون الباصرة.
«وهي» العلم المبعوث به النبي الكريم.
Страница 6
المحشي: وغيره. فما قيل: «إنه غلط فاحش لأن الطرس الورق، ذوالسطر حال فيه، والحال ليس جزء المحل «غلط فاحش، نعم يحتمل أن يراد بالطروس الورق بلا سطور مجازا، من باب إطلاق الكل على جزئه، فلا يكون ذلك من عطف الجزء على الكل، وفي قول المصنف «ما قامت الطروس والسطور» جناس القلب، لاختلاف اللفظين في ترتيب الحروف، نظير: «اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا».
قوله: «لعيون الألفاظ» متعلق ب «الطروس والسطور»، بمعنى ما قامت طروس وسطور عيون الألفاظ، ويحتمل تعلقه ب «قامت» وفيه على التقديرين
صاحب المتن: مقام بياضها وسوادها ......
الشارح: «مقام بياضها» أي الطروس. «وسوادها» أي سطور الطروس.
المعنى: نصلي مدة قيام كتب العلم المذكور، قيام بياضها وسوادها اللازمين لها،
المحشي: استعارة، إما تحقيقية: بأن استعار لمعاني الألفاظ لفظ العيون، لكونها أدل وأجل ما في الحيوان، ويكون إضافة العيون للألفاظ قرينة الاستعارة، ثم رشح الاستعارة-بالبياض والسواد- لملاءمتها المستعار منه.
أو بالكناية: بأن شبه الألفاظ بذوي عيون باصرة من حيث إنها ذوات أجزاء، بعضها أشرف من بعض، ويكون إثبات العيون لها استعارة تخييلية، والترشيح بحاله. وذكر الطروس والسطور تجريد لملاءمتها المستعار له.
قوله: «ويهتدى بها» أي بالمعاني قوله: «وهي» أي المعاني.
قوله: «أي الطروس» أي سطور الطروس، ليس تفسيرا لبياضها وسوادها، وإلا لكان المعنى نصلي مدة قيام الطروس والسطور مقام الطروس
الشارح: وقيامها بقيام أهل العلم لأخذهم إياه منها كما عهد، وقيامهم إلى الساعة لحديث الصحيحين: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله» أي الساعة، كما صرح به في بعض الطرق. قال البخاري: «وهم أهل العلم». أي لابتداء الحديث في بعض الطرق بقوله: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين».
وأبد الصلاة بقيام كتب العلم المذكور، لأن كتابه هذا - المبدوء بما هي منه- من كتب ما يفهم به ذلك العلم.
المحشي: والسطور ولا معنى له، بل ذلك تفسير لضميريهما كما هو ظاهر كلامه، ولا ينافيه عود الضميرين إلى الكتب في قوله «المعنى نصلي» إلخ لأن الكتب عبارة عن الطروس والسطور، لا يقال في تفسيره الضميرين بذلك رجوع إلى التوقيت بمدة قيام الشيء بقيام عرضه وذلك دور، لأن العرض متوقف على محل يقوم به، ومحله هنا صار متوقفا عليه، لأنا نقول جهة التوقف مختلفة، لأن توقف العرض على المحل إنما هو من جهة.
أنه لا يقوم بنفسه، بل بمحله، وتوقف محله هنا عليه، إنما هو من جهة التوقيت المذكور.
وقوله: «المعنى نصلي» الخ، بيان للمقصود، مع قطع النظر من جهة التشبيه الحاصل بواسطة العيون، وبياضها وسوادها، وهذا كله جري على كلامه، وإيضاح له، وإلا فالأولى أن يراد بعيون الألفاظ نفسها أو خيارها، إذ عين الشيء يقال لنفسه ولخياره، قاله الجوهري وغيره وبضميري - بياضها وسوادها- العيون بمعنى حواس البصر، على طريق الاستخدام، والمعنى: نصلي مدة قيام كتب العلم، قيام بياض العيون وسوادها، اللازمين لها، لمشابهتها الكتب حفظا ولازما، لأن الكتب تحفظ الألفاظ المفيدة للعلم، كما أن العيون تحفظ مرئياتها، وبياض الكتب وسوادها لازمان لها، كما أن بياض العيون وسوادها لازمان لها، وقيام كتب العلم بقيام أهله، لأخذهم إياه منها بنظرهم فيها بحواس البصر، وقيامهم إلى الساعة. قوله: «المبدوء بما هي» أي بشيء الصلاة منه.
التعريف بجمع الجوامع
صاحب المتن: ونضرع إليك عن إكمال جمع الجوامع.
الشارح: «ونضرع» بسكون الضاد بضبط المصنف، أي نخضع ونذل «إليك» يا ألله.
Страница 7
«في منع الموانع» أي نسألك غاية السؤال من الخضوع والذلة أن تمنع الموانع، أي الأشياء التي تمنع، أي تعوق «عن إكمال» هذا الكتاب «جمع الجوامع » تحريرا، بقرينة السياق الذي إكماله لكثرة الانتفاع به -فيما أمله- خيور كثيرة، وعلى كل خير مانع. وأشار بتسميته بذلك إلى جمعه كل مصنف جامع فيما هو فيه، فضلا عن كل مختصر، يعني مقاصد ذلك من المسائل والخلاف فيها، دون الدلائل وأسماء أصحاب الأقوال إلا يسيرا منهما فذكره لنكت ذكرها في آخر الكتاب.
المحشي: قوله: «بضبط المصنف» أسنده إليه تقوية للرد على من زعم أنه بتشديد الضاد وفتحها، وأن أصله: نتضرع بتاء.
قوله: «أي نسألك» إلى آخره تفسير ل «نضرع» بالمعنى العرفي لا اللغوي، بقرينة تفسيره له ب «نخضع ونذل»، لكنه قد يشكل بجعل «من الخضوع والذلة» بيانا لغاية السؤال إن جعلت «من» بيانية، فإن جعلت بمعنى «باء» المصاحبة فلا إشكال. قوله: «بقرينة السياق» هي ما يؤخذ من لاحق الكلام، الدال على خصوص المقصود أو سابقه، وكل منهما هنا، إذ كل من «نضرع» و«الآتي من فن الأصول» إلى آخره.
ظاهر في أنه إنما سأل المنع عن إكماله تحريرا، لا تأليفا مجردا. قوله: «الذي إكماله» إلى آخره، صفة ل «جمع الجوامع» و«إكماله» مبتدأ خبره «خيور» وأخبر بها مع أنها جمع عن المفرد، لأنه هنا مصدر، وهو يطلق على الكثير والقليل، ولأنه مفرد مضاف إلى معرفة فيعم، وما بينهما تعليل لإكماله. وقوله: «فيما أمله» متعلق ب «كثرة الانتفاع».
قوله: «وعلى كل خير مانع» بين به سر التعبير بالموانع دون المانع، لأنه إذا كان هناك خيور، وعلى كل خير مانع، فهناك موانع سأل الله منعها. قوله: «فيما هو فيه» متعلق ب «مصنف» وإن وصف أي مصنف في فن جمع الجوامع فيه، والذي جمع الجوامع فيه فن أصول الفقه، وفن أصول الدين. قوله: «فضلا عن كل مختصر» أي إذا كان قد جمع كل مصنف جامع، فجمعه لكل مختصر أولى. «وفضلا» مصدر منصوب، إما بفعل محذوف هو حال من مصنف أو صفة له، وإما على الحال. هذا وفي استعماله في الإثبات -كما هنا- نظر، لقول ابن هشام: «إنه لا يستعمل إلا في النفي نحو : فلان لا يملك درهما، فضلا عن دينار، أي لا يملك درهما ولا دينارا، وأن عدم ملكه للدينار، أولى من عدم ملكه للدرهم».
صاحب المتن: الآتي من فن الأصول بالقواعد القواطع.
الشارح: «الآتي من فن الأصول» بإفراد فن، في نسخة بتثنيته وهي أوضح أي فن أصول الفقه، وفن أصول الدين المختتم بما يناسبه من التصوف.
والفن: النوع، وفن كذا من إضافة المسمى إلى الاسم، كشهر رمضان ويوم الخميس. ومن وما بعدها بيان لقوله «بالقواعد القواطع» قدم عليه رعاية للسجع.
والقاعدة: قضية كلية، يتعرف منها أحكام جزئياتها نحو: الأمر للوجوب حقيقة، والعلم ثابت لله تعالى.
المحشي: قوله: «المختتم بما يناسبه من التصوف» اعتذار على المصنف في اقتصاره هنا على فني الأصول، بأن ما ذكر آخر الكتاب من التصوف، ليس مقصودا بالذات، بل بالعرض، فهو تابع ورديف.
قوله: «وفن كذا من إضافة المسمى إلى الاسم» يجوز أيضا أن يكون من إضافة العام إلى الخاص، وإن كان الأول أقعد. قوله: «والقاعدة قضية كلية، يتعرف منها أحكام جزئياتها» أي جزئيات موضوعها، إذ موضوعها أمر كلي، كالأمر فيما مثل به للقاعدة من أصول الفقه بقوله: «نحو الأمر للوجوب حقيقة» إذ يندرج فيه جزئياته كأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، ولها أحكام، وهي كون كل منها للوجوب حقيقة، والقضية الكلية تشتمل على تلك الأحكام بالقوة.
الشارح: والقاطع بمعنى المقطوع بها ك (عيشة راضية) الحاقة: 21، من إسناد ما للفاعل إلى المفعول به، لملابسة الفعل لهما.
Страница 8
والقطع بالقواعد بقطعية أدلتها، المبنية في محالها كالعقل المثبت للعلم والقدرة لله تعالى، والنصوص والإجماع المثبتة للبعث والحساب، وكإجماع الصحابة المثبت لحجية القياس وخبر الواحد، حيث عمل كثير منهم بهما متكررا شائعا، مع سكوت الباقين، الذي هو في مثل ذلك من الأصول العامة وفاق عادة، وفي ما ذكره من الأصول قواعد قواطع تغليب، فإن من أصول الفقه ما ليس بقطعي، كحجية الاستصحاب ومفهوم المخالفة، ومن أصول الدين ما ليس بقاعدة، كعقيدة أن الله موجود، وأنه ليس بكذا مما سيأتي.
المحشي: وتعرفها منها بالفعل ، بأن يحمل موضوعها في المثال «على أقيموا» مثلا فتحصل قضية، وتجعل صغرى، والقضية الكلية كبرى فيقال: «أقيموا» أمر، والأمر للوجوب حقيقة، ينتج أقيموا للوجوب حقيقة. وكالعلم فيما مثل به للقاعدة من أصول الدين بقوله: «والعلم ثابت لله تعالى» إذ يندرج فيه جزئياته، كالعلم بأحوال زيد، والعلم بأحوال عمرو، والعلم بأحوال بكر، ولها أحكام هي كون كل منها ثابتا لله تعالى، فيركب من ذلك قياس. فيقال: العلم بأحوال زيد مثلا علم، والعلم ثابت لله تعالى، ينتج العلم بأحوال زيد ثابت لله تعالى. ويقال للقاعدة: القانون، والأصل، والضابط ولا جناس في قول المصنف «بالقواعد القواطع»، والقول بأن فيه جناسا مضارعا، لاتفاق الكلمتين في عدد الحروف والهيئات، واختلافهما في حرف مع التقارب مخرجا، أو جناسا لاحقا، لاتفاقهما في العدد والهيئات واختلافهما في الآخر مردود، إذ يشترط في كل منهما الاتفاق في الترتيب أيضا، وفي الثاني عدم تقارب الحرفين المختلفين مخرجا.
قوله: «والنصوص والإجماع» لم يأت فيه بالكاف مع أنه المناسب لسابقه ولاحقه لأنه من نوع سابقه، لأن كلا منهما متعلق بأصول الدين، ولاحقه متعلق بأصول الفقه. قوله: «وخبر الواحد»: معطوف على القياس. قوله: «الذي هو» إلى آخره، صفة ل «سكوت الباقين»، وقوله: «هو» مبتدأ خبره «وفاق»، وما بينهما بيان لمثل ذلك. قوله: «وفيما ذكره من أن الأصول قواعد قواطع تغليب» أي نظرا إلى الدليل كما قرره أولا.
وإلا فلو نظر إلى وجوب العمل أيضا، كان ما جعله ظنيا قطعيا أيضا، إذ القطع قد يكون بالنظر إلى الدليل كالمتواتر، وقد يكون بالنظر إلى الدلالة، وإن كان الدليل ظنيا، وقد يكون بالنظر إلى وجوب العمل، كمظنون المجتهد، فإنه قطعي للعمل لا تجوز مخالفته، لكن الشارح مشى على ما رجحه المصنف في شرح المختصر، فقد حكى فيه خلافا: هل مسائل أصول الفقه كلها قطعية، أو بعضها قطعي وبعضها ظني، ثم قال: والأول هو رأي القاضي وأكثر المتقدمين، والثاني هو الأظهر عندنا.
صاحب المتن: البالغ من الإحاطة بالأصلين مبلغ ذوي الجد والتشمير الوارد من زهاء مائة مصنف منهلا يروي
الشارح: «البالغ من الإحاطة بالأصلين» لم يقل الأصولين الذي هو الأصل، إيثارا للتخفيف من غير إلباس. «مبلغ ذوي الجد» بكسر الجيم أي بلوغ أصحاب الاجتهاد «والتشمير» من تلك الإحاطة. «الوارد» أي الجائي.
«من زهاء مائة مصنف» بضم الزاي والمد، أي قدرها تقريبا من زهوته بكذا أي حزرته. حكاه الصغاني، قلبت الواو همزة لتطرفها إثر ألف زائدة كما في كساء. «منهلا» حال من ضمير الوارد.
المحشي: وقول المصنف «من الإحاطة» بيان ل «مبلغ ذوي الجد والتشمير» كما أشار إليه الشارح بقوله «من تلك الإحاطة» فإنه متعلق ب «بلوغ» لا ب «التشمير» ولم يصرح بذلك ولا بتوجيه تقديم البيان على المبين، اكتفاء بما قدمه في قول المصنف «من فن الأصول». قوله: «من غير إلباس» أي في التعبير بالأصلين، بخلاف التعبير بالأصولين، فإنه ملبس بالجمع.
قوله: «منهلا» حال من ضمير الوارد فيه من المبالغة ما ليست في جعله مفعولا للوارد كما تقول: ورد المنهل، وإن كان الثاني أنسب بما قدمه، من تقديم البيان على المبين، بأن يجعل من «زهاء مائة مصنف» بيانا لما بعده،
Страница 9
صاحب المتن: ويمير، المحيط بزبدة ما في شرحي على المختصر والمنهاج الشارح: «يروي» بضم أوله، أي كل عطشان إلى ما هو فيه «ويمير» بفتح أوله يعني يشبع كل جائع إلى ما هو فيه من مار أهله: أتاهم بالمير، أي الطعام الذي من صفاته أنه يشبع، فحذف معمول الفعلين، للتعميم مع الاختصار بقرينة السياق، والمنهل: عين ماء تورد، ووصفه بالإرواء والإشباع كماء زمزم، فإنه يروى العطشان ويشبع الجوعان.
ومن استعمال الجوع والعطش في غير معناهما المعروف -كما هنا- قول العرب: جعت إلى لقائك: أي اشتقت، وعطشت إلى لقائك، أي اشتقت. حكاه الصغاني.
المحشي: والمعنى عليه أنه وصف كتابه بأنه ورد منهلا يروي ويمير، هو قريب من مائة مصنف في الأصول، فروي منه وامتار أي حمل الميرة وشبع، فشبه الكتب التي استمد منها كتابه بمنهل يروي ويمير من ورده، وإن كان المير إنما يكون من بعض المناه، كماء زمزم ، وشبه كتابه لكثرة ما فيه، بمن ورد ذلك المنهل، وكل منهما استعارة تحقيقية، ثم رشحها بذكر الإرواء والمير، وعلى ما قرره ففي «منهلا يروي ويمير» استعارة تحقيقية أيضا، حيث استعار لكتابه لما احتوى عليه من قواعد الأصلين، التي يتفرع عليها ما لا يحصى لفظ المنهل، الذي من شأنه أن من ورده نال غرضه منه، ثم رشح الاستعارة بما ذكر.
قوله: «ويمير»: بفتح أوله، يجوز أيضا ضمه من أمار. قوله: «والإشباع» عدل إليه عن تعبيره بالمير، الذي هو مصدر يمير، لأنه المقصود، دون الإتيان بالميرة الذي هو معنى المير.
صاحب المتن: مع مزيد كثير.
الشارح: «المحيط» أيضا «بزبدة» أي خلاصة «ما في شرحي على المختصر» لابن الحاجب «والمنهاج» للبيضاوي، وناهيك بكثرة فوائدهما.
«مع مزيد» بالتنوين بضبط المصنف «كثير» على تلك الزبدة أيضا.
المحشي: قوله: «ومن استعمال الجوع والعطش في غير معناهما المعروف» إلخ، أي أما معناهما المعروف بالجوع عرض يخلقه الله تعالى عند خلو المعدة من المأكول، والعطش عرض يخلقه الله تعالى عند خلوها من الماء. قوله: «أيضا» زاده هنا تنبيها على أن كتابه أحاط بزبدة ما في شرحيه، كما أحاط بزبدة غيرهما من الكتب، المشار إليها بقوله «زهاء مائة مصنف». قوله: «وناهيك بكثرة فوائدهما» صيغة مدح مع تأكيد طلب، مثل: حسبك من رجل، وناهيك من رجل.
قال الجوهري وغيره: «يقال: ناهيك من رجل، ونهيك منه، ونهاك منه وتأويله أنه بجده وغنائه ينهاك عن تطلب غيره» انتهى. فمعنى كلام الشارح أنهما بكثرة فوائدهما ينهيانك عن تطلب غيرهما، والباء متعلقة بمحذوف، وهي مع مدخولها خبر ناهيك، بمعنى نهايتك وكفايتك: أي كفايتك حاصلة بكثرة فوائدهما، ويحتمل زيادتها، وخبر ما.
ما ينحصر فيه الكتاب
صاحب المتن: وينحصر في مقدمات ...
الشارح: «وينحصر» جمع الجوامع، يعني المعنى المقصود منه «في مقدمات» بكسر الدال.
المحشي: قبلها مدخولها، أي كافيك كثرة فوائدهما، ويحتمل عكسه، أي كثرة فوائدهما كافيتك.
قوله: «بضبط المصنف» اسنده إليه تقوية لدفع توهم أنه مضاف ل «كثير».
قوله: «وينحصر» إلى آخره، هو باعتبار لازمه من تقسيم الكل إلى أجزائه، وهو تفصيله وتحليله إليها، فلا يصدق المقسم على أقسامه ضرورة أن الكل لا يحمل على الجزء، من حيث هو جزء، بخلاف تقسيم الكلي إلى جزئياته، فهو هنا ممتنع، وهذا بخلاف انقسام أصول الفقه إلى أنواعه فإنه من تقسيم الكلي إلى جزئياته لا من تقسيم الكل إلى أجزائه.
Страница 10
قوله: «يعني المعنى المقصود منه» أي بالذات أو بالعرض، دفع لايراد الخطبة، وما وصف به الكتاب بعد تمام المقصود منه.
صاحب المتن: وسبعة كتب
الشارح: كمقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منه، من قدم اللازم بمعنى تقدم ومنه (لا تقدموا بين يدي الله) الحجرات: 1 وبفتحها على قلة: كمقدمة الرحل في لغة، من قدم المتعدي أي في أمور متقدمة أو مقدمة على المقصود بالذات، للانتفاع بها فيه، مع توقفه على بعضها كتعريف الحكم وأقسامه، إذ يثبتها الأصولي تارة، وينفيها أخرى، كما سيأتي.
«وسبعة كتب» في المقصود بالذات خمسة في مباحث أدلة الفقه الخمسة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال.
المحشي: قوله: «أي في أمور متقدمة أو مقدمة» فيه مع ما قبله لف ونشر مرتب.
قوله: «مع توقفه على بعضها» أشار به مع ما قبله، إلى أن المصنف جمع بين مقدمة العلم، وهي ما يتوقف عليه الشروع في مسائله، كمعرفة حده وغايته وموضوعه، ومقدمة الكتاب: وهي ما قدمت أمام المقصود، لارتباط له بها، وانتفاع بها فيه، سواء توقف المقصود عليها أم لا. قوله: «إذ يثبتها الأصولي تارة، وينفيها أخرى» أي وكل من إثباتها ونفيها، متوقف على تصورها، المفاد بتعريفها.
قوله: «بين هذه الأدلة عند تعارضها» بيان لمناسبة ذكر التعادل والتراجيح عقب الأدلة.
الشارح: والسادس في التعادل والتراجيح بين هذه الأدلة عند تعارضها، والسابع في الاجتهاد الرابط لها بمدلولها، وما يتبعه من التقليد، وأحكام المقلدين، وآداب الفتيا، وما ضم إليه من علم الكلام، المفتتح بمسألة التقليد في أصول الدين، المختتم بما يناسبه من خاتمة التصوف.
المحشي: قوله: «الرابط لها بمدلولها» أي عند المجتهد، بيان لمناسبة ذكر الاجتهاد عقب ما ذكر. قوله: «وما يتبعه» معطوف على الاجتهاد وكذا قوله: «وما ضم إليه من علم الكلام». قوله: «المختتم بما يناسبه من خاتمة التصوف» قد يقال: لم ذكر هنا خاتمة، وتركها فيما مر؟ ويجاب: بأن كلامه ثم ناظر إلى المعاني، وهنا إلى المباني والتراجم، بقرينة قوله: «المفتتح بمسألة التقليد».
تعريف أصول الفقه
صاحب المتن: الكلام في المقدمات: أصول الفقه: دلائل الفقه الإجمالية.
الشارح: «الكلام في المقدمات» افتتحها بتعريف أصول الفقه، ليتصور طالبه بما يضبط مسائله الكثيرة، ليكون على بصيرة في تطلبها، إذ لو تطلبها قبل ضبطها لم يأمن فوات ما يرجيه، وضياع الوقت فيما لا يعنيه، فقال: «أصول الفقه» أي الفن المسمى بهذا اللقب، المشعر بمدحه، بابتناء الفقه عليه، إذ الأصل ما يبتنى عليه غيره.
المحشي: الكلام في المقدمات: قوله: «على بصيرة في تطلبها» أشار به إلى أن الشارع في علم لابد أن يتصوره بوجه ما، وإلا لامتنع الشروع فيه، وإلى أن تصوره ليكون على بصيرة إنما يكون بتعريفه، كما أن تصوره ليكون على زيادة بصيرة، إنما يكون بذلك مع تصوره بموضوعه.
قوله: «المسمى بهذا اللقب المشعر بمدحه» إلى آخره، بيان لكونه لقبا، وأنه يشعر بمدح لا بذم، إذ اللقب علم يشعر بمدح أو ذم، ولما كان كل من أسماء العلوم كالأصول والفقه والنحو، تطلق تارة على معلومات معينة.
نحو: زيد يعلم الفقه، أي يعلم تلك المعلومات، وتارة على إدراكها، عرف جماعة أصول الفقه: بأنه دلائل الفقه الإجمالية، وطرق استفادة جزئياتها، وحال مستفيدها. وآخرون: بأنه معرفتها. وقد ذكرهما المصنف باختصار مخل، ورجح منهما الأول لما نقله عنه الشارح بعد، والأوجه: أن دلائل الفقه اللإجمالية التي اقتصر عليها لا تصلح تعريفا لأصول الفقه، لأنها موضوعه، لكونها يبحث فيه عن أحوالها العارضة لها، من عموم وخصوص.
Страница 11
وأمر ونهي، وغيرها، فلا يعرف بها، لأن تعريف العلم غير موضوعه، ولكل علم مبادئ، وموضوع، ومسائل، فمبادئه: تعريفه، وتعريف أقسامه، وفائدته وما منه استمداده.
وموضوعه: ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، كالأدلة كما عرفت.
ومسائله: ما يطلب نسبة محموله إلى موضوعه في ذلك العلم ، كعلمنا هنا بأن الأمر للوجوب، والنهي للتحريم.
قال المصنف في «منع الموانع»: «وإنما لم أقل أصول الفقه دلائله، لئلا يتوهم عود الضمير إلى الأصول، ولأن التعريف يجتنب فيه الإضمار ما أمكن.
صاحب المتن: دلائل الفقه الإجمالية.
الشارح: «دلائل الفقه الإجمالية» أي غير المعينة كمطلق الأمر والنهي، وفعل النبي والإجماع والقياس والاستصحاب المبحوث عن أولها، بأنه للوجوب حقيقة، والثاني أنه للحرمة كذلك، والباقي بأنها حجج، وغير ذلك مما يأتي - مع ما يتعلق به- في الكتب الخمسة.
المحشي: ولتغاير الفقهين لأن الأول أحد جزئي لقب مركب من متضائفين والثاني العلم المعروف. قال: وهذا هو المعتمد عندي». قوله: «أي غير المعينة» أي غير المفصلة، قوله: «كمطلق الأمر» إلى آخره، أي الخالي ذلك عن قرينة تفيد المراد منه، وعن كون متعلقه خاصا، قوله: «وغير ذلك» أي كالعام والخاص، والمطلق والمقيد المبحوث عنها بما يأتي في محالها فغير معطوف على مطلق الأمر، ويجوز عطفه على مدخول الباءات المذكورة وعلى أخبار أن في المحال المذكورة وتمثيله كالسبكي للأدلة الإجمالية بالأمثلة المذكورة، ظاهر في أن المراد بالدليل المبحوث عنه هو المفرد، الذي هو موضوع القضية، لا القضية التي هي قاعدة، وهو الموافق لما سيأتي، من أن الدليل عند الأصوليين: ما يمكن التوصل إلى آخره، كالعالم.
الشارح: فخرج الدلائل التفصيلية، نحو (وأقيموا الصلاة) البقرة: 43، (ولا تقربوا الزنا) الإسراء: 32 وصلاته صلى الله عليه وسلم في الكعبة كما أخرجه الشيخان، والإجماع على أن لبنت الابن السدس مع بنت الصلب، حيث لا عاصب لهما، وقياس الأرز على البر في امتناع بيع بعضه ببعض إلا مثلا بمثل يدا بيد كما رواه مسلم، واستصحاب الطهارة لمن شك في بقائها، فليست أصول الفقه، وإنما يذكر بعضها في كتبه للتمثيل.
المحشي: فإنه بالنظر إلى أحواله من تغير وتجدد، يتوصل به إلى المطلوب وهو حدوث العالم، لكنه ينافي قول المصنف قبل «الآتي من فن الأصول بالقواعد»، لأن المعتبر في القاعدة: التوصل بالفعل، وفي الدليل: التوصل بالقوة، بقرينة قولهم: «ما يمكن»، فإن حملت القاعدة على الدليل فلا منافاة، قوله: «فخرج الدلائل التفصيلية نحو أقيموا الصلاة» ليس بين الإجمالية والتفصيلية تغاير بالذات، بل بالاعتبار، إذ هما شيء واحد له جهتان، كأقيموا الصلاة، له جهة إجمال: هي كونه أمرا، وجهة تفصيل: هي كون متعلقه خاصا، وهو إقامة الصلاة، فالأصولي يعرف الدلائل من الجهة الأولى، والفقيه من الثانية، وتبع في جمعه دليل على دلائل المصنف، وهو جائز، لكنه نادر، كوصيد ووصائد.
تعريف الأصولي
صاحب المتن: وقيل: معرفتها.
والأصولي العارف بها، وبطرق استفادتها ومستفيدها.
الشارح: «وقيل» أصول الفقه «معرفتها» أي معرفة دلائل الفقه الإجمالية، ورجح المصنف الأول بأنه الأقرب إلى المدلول لغة، إذ الأصول لغة: الأدلة كما في تعريف جميعهم، الفقه بالعلم بالأحكام لا نفسها، إذ الفقه لغة: الفهم،
المحشي: إذ شرط اطراد جمع فعيل على فعائل، كونه مؤنثا، كسعيد علم امرأة، وبذلك بطل قول من زعم: أن جمع دليل على دلائل لحن.
Страница 12