الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات
الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات
Издатель
مكتبة ابن تيمية
Издание
الأولى ١٤١٧ هـ
Год публикации
١٩٩٨ م
Место издания
القاهرة
ـ[الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات]ـ
المؤلف: أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد
الناشر: مكتبة ابن تيمية - القاهرة
توزيع: دار زمزم - الرياض
الطبعة: الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٨ م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1 / 1
حق على المحدث؛ أن يتورع في ما يؤديه، وأن يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته.
ولا سبيل إلى أن يصير العارف، الذي يُزكي نقلة الأخبار ويجرحهم، جهبذًا؛ إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن وكثرة المذاكرة، والسهر، والتيقظ، والفهم، مع التقوى والدين المتين، والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري، والإتقان، وإلا تفعل؛
فدع عنك الكتابة، لست منها ولو سودت وجهك بالمداد قال الله ﷿: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) .
فإن آنست - يا هذا - من نفسك فهمًا، وصدقًا، ودينًا، وورعًا، وإلا فلا تَتَعَنَّ.
وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب؛ فبالله لا تتعب.
وإن عرفت، أنك مُخلط، مُخبط، مُهمل لحدود الله، فأرحنا منك؛ فبعد قليل ينكشف البهرج، وينكب الزَّغَل، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
فقد نصحتك؛ فَعِلْم الحديث صلف، فأين علم الحديث؟! وأين أهله؟! كدت أن لا أراهم إلا في كتاب، أو تحت التراب.
الإمام الذهبي
" تذكرة الحفاظ " (١/٤)
1 / 7
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
اللهم صلِّ على محمد، وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمدٍ،
1 / 9
وعلى آل محمد، وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد.
لمَّا كان علم الحديث يعتمد على معرفة أحوال الرواة تعديلًا وتجريحًا، وأحوال الروايات تصحيحًا وتعليلًا، وكان السبيل إلى إدراك ذلك، اعتبار الروايات، وعرض بعضها ببعض، ليَظهر ما فيها من اتَّفاقٍ، أو اختلافٍ أو تفردٍ، ليُعامل كلٌّ بحسبه.
ولمَّا كان ذلك لا يتحقق إلا بكثرة البحث والتفتيش عن الأسانيد والروايات، في بطون الكتب، وصدور الرجال، كان للاعتبار عند المحدّثين أهميته البالغة، وضرورته القصوى.
فبالاعتبار، يُعرف الصحيح من الضعيف من الروايات، وذلك بالنظر في الطرق التي اعتُبِرت وسُبِرت، وعرضها على باقي الطرق والروايات في بابها، فيظهر الاتفاق، والذي هو مظنَّه الحفظ، والاختلاف أو التفرد، واللذان هما مظنَّتا الخطأ.
ثم تدور هذه الأحاديث في إطار قواعد وضوابط، تحوطها من كل جانب، وتعالجها من كل جهة، ومن خلالها يظهر الصحيح من الضعيف، والمحفوظ من غيره.
وبالاعتبار، يتبين حال رواة الحديث من حيث التوثيق والتجريح، فمن عُهد عليه الإصابة، وكثرة الموافقة للثقات، كان ثقةً مثلهم، ومن عُهِد عليه الخطأ، وكَثْرة المخالفة للثقات، أو التفرد والإِغْراب ورواية ما لا يعرفون، كان ضعيفًا في حفظه، وبقدر الموافقة والمخالفة بقدر ما
1 / 10
يُعرف حفظه وضبطه.
***
ولما كان الاعتبار عند المحدثين بهذا الشأن العظيم، بذله من أجله كل نفس ونفيس، وطاف البلدان، وسمعوا من أهل الأمصار، رغبة في تمييز الأحاديث، والوقوف على الصحيح منها والسقيم، ومعرفة ما أصاب فيه الرواة وما أخطئوا فيه.
فهذا؛ إمام واحد، من أجل اعتبار حديث واحد، طاف بلدنًا شتَّى، ودخل مدائن عدةً حتى وقف على علَّته، وهو الإمام شُعْبة بن الحجاج، عليه رحمة الله تعالى:
قال نصْر بن حمَّاد الورَّاق (١):
كنا قعودًا على باب شعبة؛ نتذاكر.
فقلت: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: كنا نتناوب رعيَّة الإبل على عهد رسول الله ﷺ، فجئتُ ذات يومٍ والنبي ﷺ حوله أصحابه؛ فسمعتُه يقول:
" من توضأ، فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين فاستغفر الله؛ إلا غفر له".
(١) رواه: ابن حبان في "المجروحين" (١/٢٩)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١/٤٨ـ ٤٩) والخطيب في "الرحلة" (٥٩) وكذا في "الكفاية" (ص. ٥٦٦ - ٥٦٧) والبيهقي في "القراءة خلف الإمام" (ص ٢٠٧ - ٢٠٨) .
1 / 11
فقلت: بخٍ بخٍ !
فجذبني رجل من خلفي، فالتفتُّ؛ فإذا عمر بن الخطاب، فقال الذي قبل أحسن!
فقلت: وما قبل؟!
قال: قال: "من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت".
قال: فخرج شعبة؛ فلطمني، ثم رجع فدخل؛ فتنحَّيت من ناحية، قال: ثم خرج؛ فقال: ما له يبكي بعد؟!
فقال له عبد الله بن إدريس: إنك أسأت إليه!
فقال شعبة: انظر؛ ماذا تحدث! ! إن أبا إسحاق حدثني بهذا الحديث، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: فقلنا لأبي إسحاق: من عبد الله بن عطاء؟ قال: فغضب، ومِسعرُ بن كِدَام حاضر، قال: فقلت له. لتصححن لي هذا، أو لأُحَرِّقن ما كتبتُ عنك! فقال مِسعر: عبد الله بن عطاء بمكة.
قال شعبة: فرحلت إلى مكة، لم أُرد الحج، أردت الحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء، فسألته، فقال سعد بن إبراهيم حدثني فقال لي مالك بن أنس: سعد بالمدينة، لم يحج العام.
قال شعبة: فرحلت إلى المدينة، فلقيت سعد بن إبراهيم، فسألته، فقال الحديث من عندكم؛ زياد بن مِخراق حدثني.
قال شعبة: فلما ذكر زيادًا، قلت أيُّ شيءٍ هذا الحديث؟ ! بينما
1 / 12
هو كوفي، إذ صار مدنيًا، إذ صار بصريًا! !
قال: فرحلت إلى البصرة، فلقيت زياد بن مِحراق، فسألته، فقال: ليس هو من بابَتِك!
قلت: حدثني به. قال لا ترده! قلت: حدثني به.
قال حدثني شَهْر بن حَوشَب، عن أبي ريحانة، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ.
قال شعبة: فلما ذكر شهر بن حوشب، قلت: دمَّر هذا الحديث؛ لو صح لي مثل هذا عن رسول الله ﷺ كان أحب إلى من أهلي ومالي والناس أجمعين! !
وهذا إمام آخر، طاف نحو طَوَفان شعبة بن الحجاج، من أجل اعتبار حديث واحد أيضًا:
قال محمود بن غَيْلان (١): سمعت المؤمل ذُكر عنده الحديث الذي يُروى عن أُبيّ، عن النبي ﷺ في
"فضل القرآن"، فقال حدثني رجل ثقة - سماه ـ، قال: حدثني رجل ثقة - سماه - قال:
أتيت المدائن، فلقيت الرجل الذي يَروي هذا الحديث، فقلت له: حدِّثني؛ فإني أريد البصرة. فقال: هذا الرجل الذي سمعناه منه هو بواسط في أصحاب القصب!
(١) "الكفاية" للخطيب (ص ٥٦٧ - ٥٦٨)، و(شرح الألفية) للعراقي (١/٢٧٠ - ٢٧١)، وكذا "التقييد والإيضاح" له (ص ١٣٤)، و"النكت" لابن حجر (٢/٨٦٢)
1 / 13
قال: فأتيت واسطًا، فلقيت الشيخ، فقلت: إني كنت بالمدائن، فدلني عليك الشيخ، وإني أريد أن آتي البصرة. قال إن هذا الذي سمعت منه هو بالكَلاء (١) !
فأتيت البصرة، فلقيت الشيخ بالكلاء، فقلت له: حدِّثني؛ فإني أريد أن آتي عَبَّادان. فقال إن الشيخ الذي سمعناه منه هو بعَبَّادان! فأتيت عَبَّادان، فلقيت الشخ، فقلت له: اتق الله؛ ما حال هذا الحديث؟ ! ! أتيت المدائن، فقصصت عليه، ثم واسطًا، ثم البصرة، فدُلِلْت عليك، وما ظننت إلا أن هؤلاء كلَّهم قد ماتوا! فأخبرني بقصة هذا الحديث؟ !
فقال: إنا اجتمعنا هنا، فرأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، وزهدوا فيه، وأخذوا في هذه الأحاديث، فقعدنا، فوضعنا لهم هذه الفضائل حتى يرغبوا فيه! !
يقول المعلمي ﵀ معلقًا على هذه القصة (٢):
"لعل هذا الرجل قطع نحو ثلاثة أشهر مسافرًا لتحقيق رواية هذا الحديث الواحد".
****
بل؛ قد يكون الواحد منهم قد اعتبر الرواية بالفعل، وعرف ما وقع فيها من الخطأ، وتحقق من كونها غير محفوظة، فيريد أن يتبين: مَن
(١) "الكلاء": اسم محِّلة مشهورة وسوق بالبصرة.
(٢) في "علم الرجال وأهميته" (ص ٢٣) بتعليقي.
1 / 14
ْ الراوي المخطئ فيها: هل هو فلان، أم فلان؟ فيقطع من أجل تحقيق ذلك مفاوز، ويطوف بلدانًا، ويدخل أمصارًا، ليسمع الحديث من غير وجه، ليقابل الأوجه بعضها ببعض، ويَزِنها بميزان الاعتبار،
حتى يتحقق من أن المخطئ في الرواية فلان، وليس غيره.
يقول محمد بن إبراهيم بن أبي شيخٍ المَلْطي (١):
جاء يحيى بن معين إلى عفان بن مسلم؛ ليسمع منه كتب حماد بن سلمة.
فقال له: ما سمعتَها من أحد؟
قال: نعم؛ حدثني سبعة عشر نفسًا عن حماد بن سلمة.
فقال: والله؛ لا حدثتك !
فقال: إنما هو درهم، والحدر إلى البصرة، وأسمع من التبوذَكِّي.
فقال: شأنك!
فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى موسى بن إسماعيل.
فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب عن أحد؟
قال: سمعتُها على الوجه من سبعة عشر نفسًا، وأنت الثامن عشر.
فقال: وماذا تصنع بهذا؟ !
فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ، فأردت أن أميز خطئه من خطأ
(١) "المجروحين" لابن حبان (١/٣٢) .
1 / 15
غيره: فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء؛ علمت أن الخطأ من حماد نفسه. وإذا اجتمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافهم؛ علمت أن الخطأ منه لا من حماد؛ فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه، وبين ما أُخطِئ عليه.
***
ولأجل هذا؛ لم يكونوا يتعجلون الحكم على الحديث، ولا يتسرعون في إطلاق الأحكام على الأسانيد والروايات، ولا يغترون بظواهر الأسانيد، بل كانوا أحيانًا يمضون الأيام الكثيرة والأزمنة البعيدة من أجل معرفة ما إذا كان الحديث محفوظًا، أم اعتراه شيء من الخطأ والوهم.
يقول الإمام الخطيب البغدادي (١):
"من الأحاديث؛ ما تخفى علته، فلا يوقف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومُضِيّ زمن بعيد".
ثم أسند عن الإمام علي بن المديني، أنه قال:
"ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة"!
****
ولهذا؛ ما كانوا يسارعون إلى رد نقد النقاد، لمجرد عدم علمهم بأدلتهم، إلا بعد البحث الشديد، واستفراغ الجهد في الوقوف على ما عليه اعتمدوا في نقدهم، فإذا سمعوا منهم حكمًا مجملًا، عاريًا عن
(١) "في الجامع" (٢/٢٥٧)
1 / 16