فتاوى الطب والمرضى

فتاوى الطب والمرضى

مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن الله سبحانه أرسل إلينا رسوله ﷺ، وأنزل عليه كتابه العزيز؛ لينير للأمة الطريق، وتكون في سيرها إلى الله والدار الآخرة على هدى وبصيرة، وقد بلغ النبي ﷺ رسالة ربه، ونصح لأمته أعظم النصح، حتى وافاه اليقين، وكان العلماء من بعده هم ورثة الأنبياء، ورثوا عنهم العلم ونور النبوة، يبلغه سلفهم لخلفهم، وكل منهم يقوم في قومه مقام التعليم والإرشاد والهداية إلى طريق الهدى والسداد، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فكانوا بهذا حقيقين برفع الله لشأنهم، وإشادته سبحانه بهم، حيث قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (١) .
وجعل المرجع إليهم عند كل ما يعرض لنا مما لا نعلمه، فقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
ولما كانت حاجة الناس إلى العلم بهذا الدين - لتصحيح اعتقادهم

(١) سورة المجادلة الآية ١١
(٢) سورة النحل الآية ٤٣

1 / 5

وأعمالهم - فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ أمر الله سبحانه عباده أن يتعلموا هذا العلم، والله سبحانه رءوف بعباده، لطيف خبير بأحوالهم.
ومن كمال علمه سبحانه وحكمته علم أن طلب العلم غير ممكن لكافة الأمة على اختلاف قدراتهم وإمكاناتهم، وما قد يسببه ذلك من تعطيل لأسباب الرزق وانشغال عنها، فكان من عظيم حكمة الله أن جعل طلب العلم واجبا كفائيا على الأمة، فقال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١) .
فكانت الطائفة النافرة لطلب العلم والفقه في الدين هم أهل العلم، وكان الواجب عليهم إذ علموا العلم أن ينذروا قومهم: يعلموهم، ويفقهوهم في أمور دينهم، فكان جميع شرائح المجتمع المسلم بحاجة، بل بضرورة لأهل العلم حتى يتمكنوا من عبادة الله على بصيرة.
فالرجل والمرأة، والحر والعبد، والحاضر والمسافر، التاجر في تجارته، والجندي في جيشه، والمهندس في فنه، والطبيب في طبه، والصانع في صناعته، والفلاح في زراعته - كل هؤلاء وغيرهم بحاجة إلى علم العالم وإلى سؤاله عما يشكل عليهم من أمر دينهم.
وقد أوجب الله على أهل العلم البيان وحرم عليهم الكتمان، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (٢) .

(١) سورة التوبة الآية ١٢٢
(٢) سورة آل عمران الآية ١٨٧

1 / 6

وقد أبلى علماء الإسلام في هذا الباب أحسن البلاء، وبذلوا في سبيل نشر العلم النفس والنفيس، حتى وصلنا هذا الدين بعد مرور أكثر من أربعة عشر قرنا من بعثة النبي ﷺ، وكان من هؤلاء الأعلام أئمة علم عاصرناهم وعلمنا حرصهم واجتهادهم في تحري الحق ونشر العلم، فمنهم من قضى نحبه، فنسأل الله لنا وله المغفرة والرحمة، ومنهم من هو على قيد الحياة يمد المسلمين بالعلم النافع، نسأل الله لنا ولهم التوفيق والسداد، ومنهم سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، وسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀، وأصحاب المعالي مشايخ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وأعضاء هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.
وقد تم اختيار مجموعة من فتاوى هؤلاء الأئمة الأعلام فيما يتعلق بالطب وأحكام المرضى أشرف عليها أخونا فضيلة الشيخ العلامة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، عضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - جزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء - فكان ثمرة هذا الجهد الكتاب الذي بين أيدينا الآن، وهو [الفتاوى المتعلقة بالطب وأحكام المرضى] الذي رأت رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء طبعه ونشره بين المسلمين، يستفيد منه الطبيب والمريض على وجه الخصوص؛ لمسيس حاجتهم للعلم الذي حواه، وكذلك أيضا طلاب العلم والباحثون، وكل من احتاج إليه من المسلمين.
نسأل الله العلي القدير أن ينفع بهذا الجهد إخواننا المسلمين، وأن يجزي من أشرف عليه، ومن قام على طباعته ومراجعته ونشره بين

1 / 7

المسلمين خير الجزاء، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم.
كما أسأله سبحانه أن يوفق الجميع للفقه في الدين والتزام سنة سيد المرسلين ﷺ، وأن يوفق ولاة أمرنا ويصلح لهم البطانة، وينصر بهم دينه، ويعلي بهم كلمته، ويجعلهم هداة مهتدين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المفتي العام للمملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

1 / 8

تقديم المشرف
الحمد لله رب العالمين، بين الأحكام وأوضح الحلال والحرام. والصلاة والسلام على نبينا محمد خير الأنام، وعلى آله وصحبه البررة الكرام.
أما بعد:
فإن دين الإسلام - ولله الحمد - دين كامل شامل، شرع الله فيه أحسن الشرائع وأيسرها ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) .
ومن ذلك ما شرعه للمرضى من أحكام تتناسب مع حالتهم المرضية بحيث يؤدون ما أوجب الله عليهم بيسر وسهولة، كما أنه سبحانه أوجد من الأدوية النافعة ما يتعالجون به من مرضهم ما يكون سببا لشفائهم بإذن الله. وقد قال النبي ﷺ: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء (٢)» .
ولحاجة هؤلاء المرضى إلى بيان الأحكام الشرعية الخاصة بهم، والإجابة عن تساؤلاتهم؛ لذا فإن اللجنة الدائمة للإفتاء رأت أنه من المستحسن جمع الفتاوى الصادرة فيما يختص بالأدوية وأحكام المرضى في كتاب واحد؛ تيسيرا للاطلاع عليه عند الحاجة، ولتوزيعه على المستشفيات لتوجيه المرضى لديها بموجبه، حتى يكون الناس على بصيرة من دينهم، وتعاونا على البر والتقوى.

(١) سورة الحج الآية ٧٨
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب بني الإسلام على خمس، برقم ٨، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، برقم ٨.

1 / 9

نرجو الله أن ينفع بهذا العمل، ويشفي مرضى المسلمين. إنه سميع مجيب.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
كتبه: صالح بن فوزان الفوزان
المشرف على المجموع

1 / 10

أحكام تتعلق بطهارة المريض
(فائدة)
لا تيمم للنجاسة على البدن: إذا نوى بتيممه نجاسة على بدنه تضره إزالتها أجزأ على المذهب، والجمهور يرون: أنه لا يجزئ؛ لعدم ورود شيء من الأدلة، إنما جاءت نصوص التيمم في الأحداث ولم تجئ في النجاسات، ولأن عين النجاسة باقية. وقوى هذا الشيخ، وقال: قول الجمهور هو الصحيح.
[من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀]
التيمم بالتراب في المستشفيات
من محمد بن إبراهيم
إلى فضيلة الشيخ: حمد بن راشد؛ سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
بالإشارة إلى خطابكم لنا رقم (٣٢) وتاريخ ١٨ / ٣ / ١٣٨٨ هـ بخصوص وجود مرضى لا يتمكنون من استعمال الماء وهم في المستشفيات الحكومية، والممرضون يمنعونهم من إدخال التراب في حجرهم، وتطلبون منا عمل ما يلزم حوله.

1 / 15

ونحيطكم علما بأننا كتبنا لوزير الصحة بالنيابة بعدم منعهم من استعمال التراب وإدخاله في غرفهم في حدود مقتضى الحاجة. بارك الله فيكم. والسلام عليكم.
[من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀]
هل يضرب المتيمم بيديه الأرض ولو لم يكن فيها تراب؟
س: هل يضرب بيديه الأرض ولو لم يكن فيها تراب؟
ج: ما سمعته، مع أنهم ذكروا أشياء شبه هذا من إمرار الموسى على رأس من لا شعر له، وعلى من ولد مختونا، فالظاهر أنهم لو قالوه لانتقد كغيره. والضرب على الأرض مقصود به أن يأخذ التراب فيمره على الأعضاء كما يمر الماء.
[من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀]
(فائدة)
قوله: (إذا عدم الماء والتراب صلى الفرض فقط) لأنه محدث ولا يصلي نوافل. هذا مرادهم، والظاهر أن هذا مرجوح، اختيار الشيخ خلاف هذا.
[من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀]
(فائدة)
(المقدار الذي يتضرر بغسله والاكتفاء بمسح الجرح) الذي يتضرر

1 / 16

بغسله حول الجرح ولا يقدر، فيرجع فيه إلى العرف. إذا كان إذا غسل هذا سال إليه الماء فيجتنب.
والاكتفاء بالمسح وحده: وجهه أنه يكفي في بعض أعضاء الوضوء، كالرأس والخفين، فهو قائم مقام الغسل في الجملة، بدليل أنه يمسح على الجبيرة والحائل. أما إذا كان يخشى منهما جميعا فيتيمم للآية الكريمة والأحاديث.
وكثير من الناس يعدل إلى التيمم وهو قادر على الغسل أو المسح بلا ضرر، فصلاته باطلة.
[من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀]
(فائدة)
(إذا كان الجرح يتضرر بالتيمم أيضا) صورة أخرى، وهي ما إذا كان يتضرر بالتيمم، بأن كان الجرح في وجهه أو كفيه أو إذا استعمل التيمم - تضرر من الغبار، فإنه يسقط التيمم؛ لقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) .
[من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀]

(١) سورة التغابن الآية ١٦
(فائدة)
(لا يجب الترتيب ولا الموالاة في التيمم للجرح) الرواية الأولى عن أحمد: أنه إذا كان جرحه ببعض أعضاء وضوئه لزمه إذا توضأ مراعاة الترتيب. والرواية الأخرى عنه: أنه لا يجب الترتيب ولا الموالاة حينئذ، وهذا هو الذي نصره المجد في [شرحه]، واختاره كثير من الأصحاب،

1 / 17

وقال الشيخ: لا أصل له (١) في كلام أحمد، وقال: إن إدخال التيمم بين أعضاء الوضوء في الغسل بدعة. يعني: لم يرد به دليل لا من كتاب ولا سنة، بل ولا من كلام صحابي، وقد يقال: ما صدر شيء عن صدر هذه الأمة. فالحاصل: أنه لا يجب الترتيب، ثم هو أيضا فيه من الصعوبة ما فيه.
وهنا مسألة نظرية، وهي أن هذا الذراع لا يناله شيء من التيمم بالتراب إنما ينال الوجه والكفين. فيتركه حتى يفرغ وتنشف يديه ووجهه ثم يتيمم. والتيمم طهارة مستقلة ليست بعضا من أبعاض الغسل.
كذلك الموالاة لا تجب، سواء عن حدث أصغر أو أكبر، فلو أخر التيمم مدة تفيت الموالاة لم يضر.
لو توضأ ضحى وأخر التيمم إلى أن تزول الشمس صح ذلك على الراجح ولو عمدا.

(١) الترتيب
كيف يتيمم من على وجهه اللصوق؟
س: إذا كان على وجهه اللصوق فكيف يصنع إذا تيمم؟
ج: يمسح على هذا اللصوق كما يمسحه في الغسل.
[من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀]

1 / 18

فتاوى الطب والمرضى | Усуль