المتأخرون، ولم يخض في شيءٍ منها السلفُ الصالحون، ومن ثَمَّ اختار الغزالي وغيره في العوام الذين لا أهلية فيهم لفهمها أنهم لا يخوضون فيها؛ أي: يحرم عليهم ذلك إن خافوا منه تمكُّنَ شبهةٍ منهم يعسر زوالها من قلوبهم.
تنبيه [تلازم مفهوم الإيمان والإسلام وتأويل ما ورد من تغايرهما]
مر أن الأظهر أن الإيمان والإسلام متلازما المفهوم (١)، فلا ينفك أحدهما عن الآخر وإن اختلف المفهومان، أو مترادفان، فلا يوجد شرعًا إيمانٌ من غير إسلامٍ ولا عكسه كما مر عن أهل الحق، وأن الإسلام يطلق على الأعمال شرعًا، كما يطلق على الانقياد لغةً وشرعًا، وأن الإيمان يُطلق عليها شرعًا باعتبار أنه يتعلق بها.
إذا تقرر ذلك. . فحيث ورد ما يدل على تغايرهما؛ كما في هذا الحديث وقولِهِ تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآيةَ؛ فهو باعتبار أصل مفهومهما، فأصح التفسيرين ما قاله ابن عباس وغيره: أنهم لم يكونوا منافقين، بل كان إيمانهم ضعيفًا (٢)، ويدل عليه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخره الدالُّ على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم، وحينئذٍ يؤخذ من الآية أنه يجوز نفي الإيمان عن ناقصه.
ومما يصرح به: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٣)، وفيه قولان لأهل السنة: أحدهما هذا، والثاني: لا ينفى عنه اسم الإيمان من أصله، ولا يطلق عليه مؤمن؛ لإيهامه كمال إيمانه، بل يقيد، فيقال: مؤمنٌ ناقصُ الإيمان.
وهذا بخلاف اسم الإسلام؛ لأنه لا ينتفي بانتفاء ركني من أركانه؛ بل ولا بانتفاء جميعها ما عدا الشهادتين؛ وكأن الفرق: أن نفيه يتبادر منه إثبات الكفر مبادرةً ظاهرة، بخلاف نفي الإيمان.
(١) أي: بالنسبة لأحد مَعْنَيَي الإسلام الذي هو الاستسلام والانقياد كما مر، فلا تغفل. اهـ "مدابغي"
(٢) قال الإمام ابن كثير رحمه اللَّه تعالى في "تفسيره" (٤/ ٢١٩): (فدل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه فأدبوا في ذلك، وهذا معنى قول ابن عباسِ ﵄، وإبراهيم النخعي وقتادة. . .).
(٣) أخرجه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
1 / 166
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]