Фатава Кубра
الفتاوى الفقهية الكبرى
Издатель
المكتبة الإسلامية
Издание
الأولى
Место издания
مصر
•
Империя и Эрас
Османы
[مُقَدِّمَةُ الفاكهي جامع الفتاوى]
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ أَحْمَدَ أَعْلَم هَذِهِ الْأُمَّةِ وَشِهَابهَا الَّذِي يُزِيل عَنْهَا مِنْ دُجَى الْإِشْكَال كُلّ ظُلْمَة وَنَيِّرهَا الْوَقَّاد الَّذِي يُجْلِي بِفُتْيَاهُ ظُلْم الْمَسَائِل الْمُدْلَهِمَّة وَيُبَيِّن الصَّوَاب مِنْهَا فَلَمْ يَكُنْ أَمْرُهَا عَلَيْنَا غُمَّة نَحْمَدهُ حَمْد مَنْ نَالَ مِنْ الْعُلُوم أَوْفَر نَصِيب وَنَشْكُرهُ شُكْر مَنْ اجْتَهَدَ فِيهَا وَكَانَ فِي اجْتِهَاده ذَا سَهْم مُصِيب وَنَشْهَد أَنْ لَا إلَه إلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً نَعْتَدّهَا لِلْجَوَابِ فِي يَوْم السُّؤَال وَنَتَّخِذهَا ذَخِيرَة فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَل وَالْحَال وَنَشْهَد أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله الَّذِي لَيْسَ لِمِلَّتِهِ عَلَى طُول الْمَدَى دُرُوس وَلَا لِعُلَمَاء أُمَّته مَزِيَّة إلَّا بِمَحَاسِن الْوُجُوه الْبَادِيَة فِي مُصَنَّفَاتهمْ وَالدُّرُوس صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ عَلِمُوا وَعَلَّمُوا وَتَلْقَوْا شَرِيعَته الْغَرَّاء وَفَهِمُوا مَا حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا.
(أَمَا بَعْد) فَإِنَّ أَكَابِر الْعُلَمَاء مَا زَالَتْ تُدَوَّن أَقْوَالهمْ وَتُنْقَل أَحْوَالهمْ لَا سِيَّمَا فَتْوَاهُمْ فِي الْعَوِيصَات الَّتِي لَا يُهْتَدَى إلَيْهَا وَآرَاؤُهُمْ فِي الْمُدْلَهِمَّاتِ الَّتِي لَا يُعَوَّل إلَّا عَلَيْهَا وَاسْتِنْبَاطهمْ فِي الْمُعْضِلَات مَا هُوَ الْحَقّ الصَّرِيح وَالْمَذْهَب الصَّحِيح.
وَكَانَ مِمَّنْ انْتَشَرَتْ فَتْوَاهُ شَرْقًا وَغَرْبًا وَعَجَمًا وَعَرَبًا سَيِّدنَا وَشَيْخنَا الْإِمَام الْعَالِم الْعَلَّامَة الْحَبْر الْبَحْر الْحُجَّة الْفَهَّامَة مُفْتِي الْمُسْلِمِينَ صَدْر الْمُدَرِّسِينَ بَقِيَّة الْمُجْتَهِدِينَ بَرَكَة بِلَاد اللَّه الْأَمِين أَحْمَدُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ حَجَرٍ الشَّافِعِيُّ فَسَّحَ اللَّه لِلْمُسْلِمِينَ فِي مُدَّتِهِ وَنَفَعَنَا اللَّه بِعُلُومِهِ وَأَعَادَ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَته أَعْظِمْ بِهِ عَالِمًا كَتَبَ الْفَتَاوَى بِقَلَمِهِ فَوَقَّعَ عَنْ الْبَارِي وَأَطْلَعَ كَوَاكِب أَلْفَاظه فِي آفَاقهَا فَقِيلَ هَذِي النُّجُوم الَّتِي يَسْرِي بِهَا السَّارِي فَرُبَّ قَضَايَا لَا يَكْشِف إشْكَالَهَا غَيْرُ فَتْوَاهُ وَأُمُور يَنْحَلُّ الْحَقّ بِبَيَانِهَا وَيُنْتَظَر جَدْوَاهُ فَإِنَّهُ لَا سِيَّمَا حِينَ اتَّخَذَ مَكَّةَ وَطَنًا وَآثَرَهَا سَكَنًا انْتَشَرَ صِيتُهُ فِي الْآفَاق وَوَقَعَ عَلَى سَعَة عِلْمه وَصِحَّة اسْتِنْبَاطه وَبَاهِر فَهْمِهِ الِاتِّفَاقُ فَقَصَدَهُ الْأَئِمَّة وَغَيْرهمْ بِالْفَتَاوَى مِنْ سَائِر الْأَقَالِيم الْمَشْهُورَة لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ حَدِيث فَضْله عِنْدهمْ مِنْ كُلّ طَرِيق صَحِيحَة مَأْثُورَة كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَحَلَبَ وَبِلَادِ الْأَكْرَادِ وَالْعِرَاقَيْنِ وَالْبَصْرَةِ وَنَجْدٍ وَالْحَسَا وَالْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَنِ وَالسَّوَاحِلِ وبر عَجَم وَحَضْرَمَوْتَ وَالْهِنْدِ وَالسِّنْدِ وَدَلْهَى وَأَعْمَالِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا الْقَادِمِينَ إلَى الْحَجِّ مِنْ الْبِلَادِ الشَّاسِعَة الْمَهْجُورَة.
فَحِين إذْ رَأَيْت ذَلِكَ وَمَا يَقَع فِي خِلَالِ تِلْكَ الْفَتَاوَى مِنْ الْمُهِمَّاتِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا وَالْمُعْضِلَاتِ الَّتِي مَا سَارَ أَحَدٌ
1 / 2
فِي حَلِّهَا كَسَيْرِهَا وَالْأَبْكَارِ الَّتِي لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ وَلَا جَانٌّ وَالْأَفْكَارِ الَّتِي حَكَّتْ أَفْكَارَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي صِحَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالْبُرْهَانِ وَالنُّقُولِ الَّتِي طَالَمَا خَفِيَ قَبْلَ إظْهَارِهَا خَبَايَا زَوَايَاهَا عَلَى الْأَعْيَانِ وَالتَّرَاجِيحِ وَالنُّقُودِ وَالرُّدُودِ الَّتِي عَوَّلَ عَلَى فَضْلِهِ فِيهَا الْمُتَنَازِعُونَ وَانْتَهَى إلَى قَوْلِهِ فِيهَا الرَّاسِخُونَ أَرَدْت جَمْعَ الْمُهِمِّ فَبَادَرْت إلَى تَتَبُّعِهَا وَبَذَلْت فِيهِ الْجَهْدَ الْجَهِيدَ وَتَفَرَّغْت لِجَمْعِهَا الْأَزْمِنَةَ الطَّوِيلَةَ صَوْنًا لَهَا مِنْ حَاسِدٍ عَنِيدٍ أَوْ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ إلَى أَنْ ظَفِرْت مِنْهَا بِالْكَثِيرِ الطَّيِّبِ وَالْوَلِيِّ الْوَسْمِيِّ الصَّيِّبِ وَالْفَوَائِدِ الْفَرَائِدِ وَالْأَوَابِدِ الْعَوَائِدِ فَدَوَّنْتهَا فِي هَذَا الدِّيوَانِ لِيَعُمَّ النَّفْعُ بِهَا فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ وَالْأَزْمَانِ وَلِيَعُودَ عَلَى بَرَكَةِ جَمْعِهَا وَحِفْظِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهَا فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَلَا يُجْدِي فِيهَا غَيْرُهَا لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ بَدَائِعِ التَّحْرِيرِ وَوَاضِحَاتِ الْبَرَاهِينِ لَا سِيَّمَا فِي الْوَقَائِعِ الَّتِي لَا نَقْلَ فِيهَا.
وَلَا كَلَامَ لِمَنْ سَبَقَهُ يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي قَوَادِمِهَا وَخَوَافِيهَا وَلِيَحْصُلَ لِي إنْ شَاءَ اللَّهُ ثَوَابُ ذَلِكَ الْجَزِيلِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ فِي حَدِيثِهِ الَّذِي أَرْوَى بِهِ الْغَلِيلَ وَشَفَى بِهِ الْعَلِيلَ حَيْثُ أَفَادَ فِيهِ أَنَّ «الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» وَأَنَّ الْمُعِينَ عَلَى عَمَلٍ كَعَامِلِهِ حَقَّقَ اللَّهُ لِي فِي ذَلِكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَمَلْت وَأَعْظَمَ مِمَّا قَصَدْت وَجَعَلَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى أَنْ أَرْضَاهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَإِلَى أَنْ أَلْقَاهُ إنَّهُ بِكُلِّ خَيْرٍ كَفِيلٌ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَرَتَّبْتُهَا لِيَسْهُلَ الْكَشْفُ مِنْهَا عَلَى الْمُضْطَرِّينَ وَالظَّفَرُ بِمَا فِي زَوَايَاهَا عَلَى الْمُسْتَرْشِدِينَ وَإِذَا اشْتَمَلَ السُّؤَالُ عَلَى مَسَائِلَ مُخْتَلِفَةِ الْأَبْوَابِ فَغَالِبًا أَجْعَلُ كُلَّ مَسْأَلَةٍ بِمَا يَلِيقُ بِهَا وَقَدْ أَذْكُرُهَا جَمِيعًا فِي أَنْسَبِ الْأَبْوَابِ بِمُعْظَمِهَا لِارْتِبَاطِ الْجَوَابِ فِيهَا بِمَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي الْبَيْعِ.
فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي بَعْضِ الْأَسْئِلَةِ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ بِمَا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ لَكِنْ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرَادِ وَالتَّبَعِ فَذَكَرْتُهُ لِارْتِبَاطِ الْكَلَامِ فِيهِ بِمَا قَبْلَهُ مَعَ أَنَّ الْأَحَقَّ بِهِ بَابُ الْقَضَاءِ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِيهَا كَثِيرَةٌ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ عَلَى ذِكْرٍ مِنْك هَذَا، وَقَبْلَ الْخَوْضِ فِي الْمَقْصُودِ أُقَدِّمُ شَيْئًا مِنْ تَرْجَمَةِ شَيْخِنَا - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ وَنَفَعَ بِعُلُومِهِ وَأَعَادَ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَتِهِ - لِنَعْلَمَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَثِيرًا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ فَأَقُولُ: هُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ مُحَمَّدٍ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ عَلِيٍّ نُورِ الدِّينِ بْنِ حَجَرٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ الْمَوْجُودِينَ الْآنَ بِالشَّرْقِيَّةِ الْإِقْلِيمِ الْمَشْهُورِ مِنْ أَقَالِيمِ مِصْرَ وَالْمُسْتَفَاضُ أَنَّهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَكِنْ امْتَنَعَ شَيْخُنَا مِنْ كِتَابَةِ الْأَنْصَارِيِّ تَوَرُّعًا سُمِّيَ جَدُّهُ بِحَجَرٍ لِمَا أَنَّهُ مَعَ شُهْرَتِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ بِأَنَّهُ مِنْ أَكَابِرِ شُجْعَانِهِمْ وَأَبْطَالِ فُرْسَانِهَا كَانَ مُلَازِمًا لِلصَّمْتِ لَا يَتَكَلَّمُ إلَّا لِضَرُورَةٍ حَاقَّةٍ وَإِلَّا فَهُوَ مَشْغُولٌ عَنْ النَّاسِ بِمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهِ فَلِذَلِكَ شَبَّهُوهُ بِحَجَرٍ مُلْقًى لَا يَنْطِقُ فَقَالُوا: حَجَرٌ ثُمَّ اُشْتُهِرَ بِذَلِكَ رَآهُ شَيْخُنَا وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ وَالْعِشْرِينَ وَأَمِنَ الْخَرَفَ وَكَانَتْ لَهُ فِي هَذَا السِّنِّ عِبَادَاتٌ خَارِقَةٌ.
أَصْلُ وَطَنِهِ سَلْمُنْتُ مِنْ بِلَادِ بَنِي حَرَامٍ الْآنَ ثُمَّ لَمَّا كَثُرَتْ الْفِتَنُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ انْتَقَلَ مِنْهَا إلَى الْغَرْبِيَّةِ فَسَكَنَ مَحَلَّةَ أَبِي الْهَيْتَمِ وَاسْتَوْطَنَهَا اسْتِرَاحَةً مِنْ شَرِّ أَهْلِ الشَّرْقِيَّةِ.
وَفِتَنِهِمْ وَتَعَرُّضِ السَّلَاطِينَ لَهُمْ لِتَعَرُّضِهِمْ لَهُمْ وَإِنَّمَا آثَرَهَا لِأَنَّ أَهْلَهَا كَانُوا عَلَى غَايَةٍ مِنْ الدِّيَانَةِ وَاتِّبَاعِ طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ وَفِيهِمْ حُفَّاظٌ كَثِيرُونَ لِلْقُرْآنِ مُدَاوِمُونَ لِقِرَاءَتِهِ وُلِدَ شَيْخُنَا بِهَا سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعمِائَةٍ فِي أَوَاخِرِهَا فَمَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فِي حَيَاةِ جَدِّهِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ حَفِظَ الْقُرْآنَ وَكَثِيرًا مِنْ الْمِنْهَاجِ ثُمَّ مَاتَ جَدُّهُ فَكَفَلَهُ شَيْخَا أَبِيهِ الْعَارِفَانِ الْكَامِلَانِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَمَعْرِفَةً الشَّمْسُ الشِّنَّاوِيُّ وَشَيْخُهُ الشَّمْسُ بْنُ أَبِي الْحَمَائِلِ مِنْ أَعْظَمِ تَلَامِذَةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ الشَّرَفِ الْمُنَاوِيِّ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
وَلِذَا كَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا يُبَالِغُ فِي تَعْظِيمِهِ وَيَقُولُ أَخِي وَسَيِّدِي وَلَمَّا كَفَلَاهُ بَالَغَ ابْنُ أَبِي الْحَمَائِلِ فِي وِصَايَةِ تِلْمِيذِهِ الشِّنَّاوِيِّ بِهِ فَنَقَلَهُ مِنْ بَلَدِهِ إلَى مَقَامِ الْعَارِفِ بِاَللَّهِ السَّيِّدِ الشَّهِيرِ أَحْمَدَ الْبَدْوِيِّ - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - فَقَرَأَ عَلَى عَالِمَيْنِ كَانَا بِهِ مِنْ مَبَادِئِ الْعُلُومِ ثُمَّ نَقَلَهُ إلَى الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ أَوَّلَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَتِسْعمِائَةٍ ثُمَّ سَلَّمَهُ لِرَجُلٍ صَالِحٍ مِنْ تَلَامِذَتِهِ وَتَلَامِذَةِ شَيْخِهِ الْمَذْكُورِ بِإِشَارَةِ شَيْخِهِ الْمَذْكُورِ فَحَفَّظَهُ حِفْظًا بَلِيغًا وَأَقْرَأَهُ مَتْنَ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرَهُ وَجَمَعَهُ بِعُلَمَاءِ مِصْرَ مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ فَأَخَذَ عَنْ تَلَامِذَةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ وَأَجَلُّهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا بَلْ أَكْثَرَ الْأَخْذَ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ بَقِيَّتِهِمْ قَالَ: مَا اجْتَمَعْت بِهِ قَطُّ إلَّا قَالَ أَسْأَلُ اللَّهُ أَنْ يُفَقِّهَكَ فِي الدِّينِ وَحَاجَجْت بَعْضَ أَكَابِرِ مَشَايِخِي فِي وُجُودِ الْقُطْبِ وَالْأَوْتَادِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعْنَا
1 / 3
بِشَيْخِ الْإِسْلَامِ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَنَصَرَنِي عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ نُصْرَةً تَامَّةً وَدَعَا لِي.
وَأَخَذَ أَيْضًا الشَّيْخُ عَنْ الْإِمَامِ الزَّيْنِيِّ عَبْدِ الْحَقِّ السَّنْبَاطِيِّ وَسَمِعَ عَلَيْهِ وَعَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ مُجَلِّي وَمَنْ فِي طَبَقَتِهِمَا بَعْضَ كُلٍّ مِنْ الْكُتُبِ السِّتَّةِ فِي جَمْعٍ كَثِيرِينَ وَأَجَازُوا لَهُ بِبَاقِيهَا وَبِغَيْرِهَا وَعَنْ الشَّمْسِ الْمَشْهَدِيِّ وَالشَّمْسِ السَّمَنُّودِيِّ وَابْنِ عِزِّ الدِّينِ الْبَاسِطِيِّ وَالْأَمِينِ الْعُمَرِيِّ وَشَيْخِ وَالِدِهِ السَّابِقِ الشَّمْسِ بْنِ أَبِي الْحَمَائِلِ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ عُمِّرُوا كَثِيرًا وَأَدْرَكُوا ابْنَ حَجَرٍ وَأَهْلَ عَصْرِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اشْتَغَلَ بِحَلِّ مُتُونِهِ فَبَذَلَ جَهْدَهُ فِيهَا إلَى أَنْ أَجَازَهُ مَشَايِخُهُ الشِّهَابُ أَحْمَدُ الرَّمْلِيُّ وَالشَّيْخُ نَاصِرُ الدِّينِ الطَّبَلَاوِيُّ وَتَاجُ الْعَارِفِينَ الْإِمَامُ الْبَكْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَوَاخِرَ سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ بِالْإِفْتَاءِ وَالتَّدْرِيسِ وَعُمْرُهُ دُونَ الْعِشْرِينَ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ مِنْهُ لِذَلِكَ وَفِي خِلَالِ تِلْكَ الْمُدَّةِ قَرَأَ النَّحْوَ عَلَى الشَّمْسِ الْبَدْرِيِّ وَالشَّمْسِ الْحَطَّابِيِّ وَالشَّمْسِ اللَّقَانِيِّ وَالشَّمْسِ الضَّيْرُوطِيِّ وَالشَّمْسِ الطُّهَوِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَالتَّصْرِيفَ لِلْغَزِّيِّ عَلَى الطَّبَلَاوِيِّ والجارْبُرْدِيُّ عَلَى الْحَطَّابِيِّ.
وَكَانَ يَقُولُ فِي إقْرَائِهِ لِهَذَا الدَّرْسِ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ جَمٍّ مِنْ الْفُضَلَاءِ لِي زَمَانٌ مَا طَالَعْت لِقَارِئٍ فِي هَذَا الْعِلْمِ إلَّا لِهَذَا الدَّرْسِ وَالْمَعَانِي وَالْبَيَانِ عَلَى الشَّمْسِ الْمُنَاوِيِّ وَالشَّمْسِ الدُّلَجِيِّ قَالَ شَيْخُنَا وَهُوَ أَعْلَمُ مَنْ رَأَيْت فِي هَذَا الْعِلْمِ وَعِلْمِ الْأَصْلَيْنِ عَلَيْهِ وَعَلَى الشَّيْخِ نَاصِرِ الدِّينِ الطَّحَّانِ وَالطَّبَلَاوِيِّ وَالْبَكْرِيِّ وَالشِّهَابِ بْنِ عَبْدِ الْحَقِّ وَالشَّمْسِ الْعَبَّادِيِّ وَالشِّهَابِ الْبُرُلُّسِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَالْمَنْطِقِ عَلَى النُّورِ الطُّهَوِيِّ وَالْمُحَقِّقِ الشَّيْخِ عُبَيْدٍ الشِّنْشَوْرِيِّ وَالدُّلَجِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَالْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ عَلَى إمَامِ وَقْتِهِ فِيهِمَا الشَّمْسِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْفَرَضِيِّ وَغَيْرِهِ كَالشِّهَابِ الصَّالِحِ الْبَطَوِيِّ.
وَحَضَرَ الطِّبَّ عِنْدَ إمَامِ وَقْتِهِ فِيهِ الشِّهَابِ الصَّائِغِ الْحَنَفِيِّ وَالتَّصَوُّفَ عَلَى الْعَبَّادِيِّ وَابْنِ الطَّحَّانِ وَالْبَكْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَلَازَمَ إمَامَ مُحَقِّقِي زَمَنِهِ الْإِمَامَ نَاصِرُ الدِّينِ اللَّقَانِيُّ فِي عِدَّةِ عُلُومٍ مُدَّةً مَدِيدَةً كَالْمَنْطِقِ لِلْغَزِّيِّ فَفِي الْقُطْبِ وَحَوَاشِيهِ وَالْأَصْلَيْنِ وَشَرْحِ الْعَقَائِدِ وَشَرْحِ الْمَوَاقِفِ وَشَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِلْمَحَلِّيِّ فَالْعَضُدِ وَالْمَعَانِي وَالْبَيَانِ وَالْمُخْتَصَرِ فَالْمُطَوَّلِ وَالنَّحْوِ التَّوْضِيحِ وَالصَّرْفِ شَرْحُ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ والجارْبُرْدِيُّ.
وَفِي حَالِ قِرَاءَتِهِ النَّحْوَ شَرَحَ أَلْفِيَّةِ ابْنِ مَالِكٍ شَرْحًا مَزْجًا مُتَوَسِّطًا حَاوِيًا لِأَكْثَرِ شُرُوحِهَا وَالتَّوْضِيحِ وَحَوَاشِيهِ وَفَرَغَ مِنْهُ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَفِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَلْزَمَهُ شَيْخُهُ الشِّنَّاوِيُّ بِالتَّزَوُّجِ فَقَالَ لَا أَمْلِك شَيْئًا فَقَالَ هِيَ بِنْتُ أُخْتِي وَالْمَهْرُ مِنْ عِنْدِي فَزَوَّجَهُ بِهَا وَهِيَ بِنْتُ ابْنِ عَمِّهِ شَقِيق أَبِيهِ ثُمَّ حَجَّ هُوَ وَشَيْخُهُ الْبَكْرِيُّ آخِرَ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَجَاوَرَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَخَطَرَ لَهُ فِيهَا أَنْ يُؤَلِّفَ فِي الْفِقْهِ فَتَوَقَّفَ إلَى أَنْ رَأَى فِي النَّوْمِ الْحَارِثَ بْنَ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيَّ وَهُوَ يَأْمُرُهُ بِالتَّأْلِيفِ فَاسْتَبْشَرَ وَأَلَّفَ قَالَ وَأَذْكَرَنِي ذَلِكَ مَا كُنْت رَأَيْتُهُ أَيَّامَ الطَّلَبِ فَإِنِّي رَأَيْتُ امْرَأَةً فِي غَايَةِ الْجَمَالِ كَشَفَتْ لِي عَنْ أَسْفَلِ بَطْنِهَا وَقَالَتْ اُكْتُبْ عَلَى هَذَا مَتْنًا بِالْأَحْمَرِ وَشَرْحًا بِالْأَسْوَدِ ثُمَّ انْتَبَهْت فَفَزِعْت حَتَّى قِيلَ لِي فِي تَعْبِيرِهِ سَتَظْهَرُ مُؤَلَّفَاتُكَ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ خَفَائِهَا الْكُلِّيِّ ظُهُورًا عَظِيمًا فَاسْتَبْشَرْت وَابْتَدَأْت فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَلَمَّا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ اخْتَصَرَ مَتْنَ الرَّوْضِ.
وَشَرَحَهُ شَرْحًا مُسْتَوْعِبًا لِمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَالْجَوَاهِرِ وَكَثِيرٍ مِنْ شُرُوحِ الْمِنْهَاجِ وَالْأَنْوَارِ ثُمَّ حَجَّ بِعِيَالِهِ هُوَ وَشَيْخُهُ الْمَذْكُورُ آخِرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمَعَهُ شَرْحُ الْمُخْتَصَرِ الْمَذْكُورُ فَجَاوَرَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَلْحَقَ فِي هَذَا الشَّرْحِ مِنْ كُتُبِ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا فَرَآهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْأَعَاجِمِ فَأَعْطَى مَبْلَغًا كَثِيرًا لِكِتَابَتِهِ إذَا وَصَلُوا مِصْرَ فَلَمَّا وَصَلُوهَا أُرِيدَ اسْتِنْسَاخَهُ لَهُ فَحَاسَدَهُ بَعْضُ حَاسِدِيهِ فَتَرَصَّدَ لَهُ إلَى أَنْ أَخْرَجَ الْكِتَابَ لِيَكْشِفَ مِنْهُ ثُمَّ اشْتَغَلَ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيْهِ فَلَمْ يَرَهُ فَكَأَنَّمَا وَقَعَ فِي بِئْر أَوْ أُحْرِقَ لِوَقْتِهِ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَبَرٌ حَتَّى أَصَابَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِلَّةٌ خَطِيرَةٌ لَا زَالَتْ تُلَازِمُهُ إلَى أَنْ تَكَادَ تُزْهِقُ نَفْسَهُ وَهَكَذَا ثُمَّ تَعَافَى مِنْهَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ثُمَّ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ فَعَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا حَجَّ بِعِيَالِهِ هُوَ وَشَيْخُهُ أَيْضًا سَنَةَ أَرْبَعِينَ ثُمَّ جَاوَرَا سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ ثُمَّ عَزَمَ شَيْخُهُ وَأَقَامَ هُوَ بِمَكَّةَ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَنِ يُؤَلِّفُ وَيُفْتِي وَيُدَرِّسُ فَشَرَحَ إيضَاحَ النَّوَوِيِّ.
ثُمَّ شَرَحَ الْإِرْشَادَ شَرْحَيْنِ ثُمَّ شَرَحَ الْعُبَابَ وَإِلَى الْآنَ لَمْ يُكَمَّلْ لَكِنْ نَسْأَلُ اللَّهَ إكْمَالَهُ فَإِنَّهُ جَمَعَ الْمَذْهَبَ جَمْعًا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ مَعَ غَايَةٍ مِنْ التَّحْرِيرِ وَالتَّدْقِيقِ وَالتَّنْقِيحِ مُسْتَوْعِبًا لِمَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَب مَعَ بَيَان الرَّاجِح وَالْجَوَابِ عَنْ الْمُشْكِلِ مِمَّا تَقَرُّ بِهِ الْعُيُونُ ثُمَّ شَرَحَ الْمِنْهَاجَ وَلَهُ فِي
1 / 4
خِلَالِ ذَلِكَ تَأْلِيفٌ نَحْوَ الْخَمْسِينَ مُؤَلَّفًا يَأْتِي كَثِيرٌ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْفَتَاوَى لِأَنَّ أَكْثَرَهَا فِي مَسَائِلَ يَقَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاصِرِيهِ فِيهَا تَخَالُفٌ فَتَكُونُ فِي حُكْمِ الْفَتَاوَى فَلِذَا ذَكَرْت كَثِيرًا مِنْهَا هُنَا وَمِنْ طَرِيقِ مَا سَمِعْته مِنْهُ أَنَّهُ لَمَّا وَلِيَ بَعْضُ أَقْرَانِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ طَيَّشَهُ عَلِمَهُ فَرَآهُ يَوْمًا فِي طَيْشِهِ فَأَنْشَدَ ارْتِجَالًا لِنَفْسِهِ
إذَا أَنْتَ لَا تَرْضَى بِأَدْنَى مَعِيشَةٍ ... مَعَ الْجِدِّ فِي نَيْلِ الْعُلَا وَالْمَآثِرِ
فَبَادِرْ إلَى كَسْبِ الْغِنَى مُتَرَقِّبًا ... عَظِيمَ الرَّزَايَا وَانْطِمَاسَ الْبَصَائِرِ
فَلَمْ تَمْضِ تِلْكَ السَّنَة إلَّا وَقَدْ عُزِلَ وَأُصِيبَ بِمَصَائِب عَظِيمَة سَمِعْته يَقُول قَاسَيْت فِي الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ مِنْ الْجُوع مَا لَا تَحْتَمِلهُ الْجِبِلَّة الْبَشَرِيَّة لَوْلَا مَعُونَة اللَّه وَتَوْفِيقه بِحَيْثُ إنِّي جَلَسْت فِيهِ نَحْو أَرْبَع سِنِينَ مَا ذُقْت اللَّحْم إلَّا فِي لَيْلَة دُعِينَا لِأَكْلٍ فَإِذَا هُوَ لَحْم يُوقَدُ عَلَيْهِ فَانْتَظَرْنَاهُ إلَى انْبِهَارِ اللَّيْل ثُمَّ جِيءَ بِهِ فَإِذَا هُوَ يَابِس كَمَا هُوَ نِيءٌ فَلَمْ أَسْتَطِعْ مِنْهُ لُقْمَة وَقَاسَيْت أَيْضًا مِنْ الْإِيذَاء مِنْ بَعْض أَهْل الدُّرُوس الَّتِي كُنَّا نَحْضُرُهَا مَا هُوَ أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ الْجُوع إلَى أَنْ رَأَيْت شَيْخَنَا ابْنَ أَبِي الْحَمَائِلِ السَّابِق قَائِمًا بَيْن يَدِي سَيِّدِي أَحْمَدَ الْبَدْوِيِّ فَجِيءَ بِاثْنَيْنِ كَانَا أَكْثَر إيذَاء لِي فَضَرَبَهُمَا بَيْن يَدَيْهِ بِأَمْرَيْنِ فَمُزِّقَا كُلّ مُمَزَّقٍ وَكَذَلِكَ أُوذِيَ بِمَكَّةَ كَثِيرًا فَصَبَرَ فَكَفَاهُ اللَّه شَرّ الْمُؤْذِينَ
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
(سُئِلَ) ﵁ عَمَّا لَوْ كَانَ مَعَ الشَّخْصِ إدَاوَةٌ أَوْ كُوزٌ فِيهِ مَاءٌ فَأَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ، فَلَقِيَ فِيهِ قَلِيلَ نَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ مِثْلَ الْحِمَّصَةِ فَهَلْ يَنْجُسُ الْمَاءُ إذَا كَانَ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ أَوْ غَيْرِهِ؟ وَهَلْ إذَا مَسَّتْ الْأَجْنَبِيَّةُ وُضُوءَهُ هَلْ يَبْطُلُ الْوُضُوءُ بِهِ؟ وَمَا السَّبَبُ لِذَلِكَ؟ وَهَلْ إذَا جَاءَتْ الرِّيحُ بِشَيْءٍ فَأَلْقَتْهُ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ مَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ وَهَلْ إذَا كَانَ الْإِنَاءُ فِيهِ أَثَرُ لَبَنٍ وَلَمْ يَمْتَزِجْ بِالْمَاءِ فَتَوَضَّأَ أَجْزَأَهُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - إذَا كَانَ الْمَاءُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ وَإِنْ قَلَّتْ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَجُوزُ الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتْهُ الْأَجْنَبِيَّةُ وَمِمَّا أَلْقَتْ الرِّيحُ فِيهِ تُرَابًا وَمِمَّا فِيهِ أَثَرُ لَبَنٍ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ بِهِ تَغَيُّرًا كَثِيرًا وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَ فِي الْجَوَابِ عَنْهَا جَمَاعَةٌ صُورَتُهَا شَخْصٌ تَنَجَّسَ ثَوْبُهُ فَأَعْطَاهُ فَاسِقًا، وَأَمَرَهُ بِتَطْهِيرِهِ مِنْ تِلْكَ النَّجَاسَةِ فَغَابَ عَنْهُ الْفَاسِقُ بِالثَّوْبِ ثُمَّ جَاءَ بِهِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْغَسْلِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ طَهَّرَهُ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي طَهَارَةِ الثَّوْبِ الْمَذْكُورِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ الْأَوَّلُ فَقَالَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي طَهَارَتِهِ لِأُمُورٍ أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَئِمَّةَ ﵃ قَالُوا بِعَدَمِ قَبُولِ قَوْلِهِ فِي نَجَاسَةِ الْإِنَاءِ وَقِيَاسُهُ عَدَمُ قَبُولِ قَوْلِهِ فِي طَهَارَةِ الثَّوْبِ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّيْخَ جَمَالَ الدِّينِ الْإِسْنَوِيَّ ﵀ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بَحْثًا: أَنَّ قَوْلَ الْفَاسِقِ فِي تَغْسِيلِ الْمَيِّتِ لَا يُقْبَلُ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ الْأَذْرَعِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّوَسُّطِ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ لَهُ، وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي عَدَمِ قَبُولِ قَوْلِهِ فِي تَطْهِيرِ الثَّوْبِ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْفَاسِقَ لَوْ أَخْبَرَ مَنْ جَهِلَ الْقِبْلَةَ أَنَّهُ رَأَى الْكَعْبَةَ فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ وَهُوَ عَلَى جَبَلٍ أَوْ بِنَاءٍ عَالٍ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ، وَطَهَارَةُ الثَّوْبِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ كَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَقِيَاسُهُ عَدَمُ قَبُولِهِ قَوْلَهُ فِي طَهَارَةِ الثَّوْبِ انْتَهَى جَوَابُ الْأَوَّلِ، وَأَجَابَ الثَّانِي فَقَالَ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي طَهَارَةِ الثَّوْبِ لِأُمُورٍ أَيْضًا أَحَدُهَا: أَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ فِي طَهَارَةِ الثَّوْبِ هُوَ الْأَفْسَحُ لِلنَّاسِ الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّيْخَ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيَّ نَقَلَ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْإِمَامِ الْمُتَوَلِّي، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ نَقَلَ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ لَهُ أَنَّ الْفَاسِقَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَكَاةِ الْحَيَوَانِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ الْإِمَامُ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ الرِّفْعَةِ ﵀ وَهُوَ بِعُمُومِهِ كَالصَّرِيحِ فِي قَبُولِ قَوْلِهِ فِي تَطْهِيرِ الثَّوْبِ إذْ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي تَطْهِيرِ الثَّوْبِ لَمَا قُبِلَ فِي ذَكَاةِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّ تَذْكِيَتَهُ سَبَبٌ لِطَهَارَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
كَمَا أَنَّ إيرَادَهُ عَلَى الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ، وَإِزَالَةَ عَيْنِ النَّجَاسَةِ سَبَبٌ لِطَهَارَةِ الثَّوْبِ وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ مِنْ أَهْلِ الطَّهَارَةِ لِلثَّوْبِ كَمَا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْفَاسِقَ لَوْ أَخْبَرَ بِعَدَمِ الْمَاءِ جَازَ التَّيَمُّمُ الْأَمْرُ الرَّابِعُ: أَنَّ النَّوَوِيَّ أَيْضًا نَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْجُمْهُورِ: أَنَّ إخْبَارَ الصَّبِيِّ يُقْبَلُ فِيمَا
1 / 5
طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ فَالْفَاسِقُ مِثْلُهُ الْأَمْرُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْقُدْوَةَ بِالْفَاسِقِ صَحِيحَةٌ اعْتِمَادًا عَلَى إخْبَارِهِ عَنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَلَا يُشْتَرَطُ مُشَاهَدَتُنَا لِطَهَارَتِهِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: صَلَّى ابْنُ عُمَرَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ وَكَفَى بِهِ فَاسِقًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْجَمِّ الْغَفِيرِ لَمْ يُشَاهِدُوا طَهَارَةَ الْحَجَّاجِ مَعَ تَحَقُّقِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ فَاقْتَضَى مَقَامُ التَّوْسِيعِ وَالتَّسْهِيلِ عَلَى الْأُمَّةِ اعْتِمَادَهُ فِي ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّضْيِيقَ لَا يُتَلَقَّى مِنْ التَّوْسِيعِ فَقَدْ يُمْنَعُ أَيْضًا إلْحَاقُ قَوْلِهِ: بُلْت فِي الْإِنَاءِ بِقَوْلِهِ: ذَبَحْت الشَّاةَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ لِمُعَارَضَتِهِ لِأَصْلِ الطَّهَارَةِ الَّذِي رَاعَوْا فِيهِ التَّوْسِيعَ.
الْأَمْرُ السَّادِسُ: أَنَّ فِي اشْتِرَاطِ عَدَالَةِ الْمَأْمُورِ بِطَهَارَةِ الثَّوْبِ مَشَقَّةٌ وَالْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ لِمَا فِي الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ الْمُطَهِّرِ مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَلِمَا يَشْهَدُ لَهُ مِنْ مَنْقُولِ الْمَذْهَبِ الْأَمْرُ السَّابِعُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ اعْتِمَادُ خَبَرِ الْفَاسِقِ عَنْ حَاجَتِهِ وَتَوَقَانِهِ إلَى النِّكَاحِ حَتَّى يَجِبَ إعْفَافُهُ الْأَمْرُ الثَّامِنُ: أَنَّ قِيَاسَ الْأَوَّلِ لِإِخْبَارِهِ بِالتَّطْهِيرِ عَلَى إخْبَارِهِ بِنَجَاسَةِ الْإِنَاءِ مَمْنُوعٌ بِتَضَمُّنِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ فِيمَا إذَا أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْإِنَاءِ لِلتَّوْسِيعِ عَلَى الْأُمَّةِ فِي التَّمَسُّكِ بِأَصْلِ الطَّهَارَةِ لِقُوَّتِهِ بِحَيْثُ لَا يُقَاوِمُهُ خَبَرُ الْفَاسِقِ فَلَا يُتَلَقَّى مِنْهُ التَّضْيِيقُ بِالْمَنْعِ مِنْ رَدِّ الثَّوْبِ إلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ بِخَبَرِ الْفَاسِقِ عَنْ تَطْهِيرِهِ لَهُ حَيْثُ أَمْكَنَ، وَقَدْ اكْتَفَوْا بِإِمْكَانِ طُهْرِ فَمِ الْهِرَّةِ الْمَعْلُومِ نَجَاسَتُهُ حَيْثُ غَابَتْ فَلَمْ يَحْكُمُوا بِنَجَاسَةِ قَلِيلٍ وَلَغَتْ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَمَلًا بِأَصْلِ طَهَارَةِ الْمَاءِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ اسْتِمْرَارُ نَجَاسَةِ فَمِهَا كَمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إزَالَةِ الْفَاسِقِ لِلنَّجَاسَةِ وَلَوْ عَوَّلُوا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَلَمْ يَكْتَفُوا بِخَبَرِهِ لِمَا صَحَّحُوا الْقُدْوَةَ بِالْفَاسِقِ إلَّا بِشَرْطِ مُشَاهَدَةِ طَهَارَتِهِ كَمَا سَبَقَ.
الْأَمْرُ التَّاسِعُ: أَنَّ النَّوَوِيَّ أَيْضًا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُقْبَلُ قَوْلُ الْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ فِي الْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَحَمْلِ الْهَدِيَّةِ كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الصَّبِيِّ فِيهِمَا قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَدَلِيلُهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ النَّبِيَّ قَبِلَ هَدَايَا الْكُفَّارِ الْمَحْمُولَةَ عَلَى أَيْدِي بَعْضِهِمْ إلَيْهِ اهـ.
فَإِذَا رَجَعَ إلَى إخْبَارِ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ بِذَلِكَ لِإِفَادَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ ظَنًّا بِهِ، فَكَيْفَ لَا يَرْجِعُ بِإِخْبَارِ الْفَاسِقِ عَمَّا هُوَ أَهْلٌ لَهُ إلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ صِحَّةِ تَوْكِيلِ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ وَفَاسِقٍ وَصِحَّةِ مُعَامَلَتِهِمَا عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمَا ظَاهِرٌ فِي الرُّجُوعِ إلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ وَالتَّعْوِيلُ عَلَى قَوْلِهِمَا أَتَيْنَا بِالتَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْأَمْرُ الْعَاشِرُ: أَنَّ الْإِمَامَ بَدْرَ الدِّينِ الزَّرْكَشِيّ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الْخَادِمِ فِي الْكَلَامِ عَلَى إخْبَارِ الْفَاسِقِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مَا لَوْ أَخْبَرَ الْفَاسِقُ عَنْ فِعْلِهِ كَقَوْلِهِ: بُلْت فِي هَذَا الْإِنَاءِ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيمَا لَوْ وُجِدَتْ شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ فَقَالَ كِتَابِيٌّ أَنَا ذَبَحْتهَا تَحِلُّ اهـ.
فَأُنِيطَ قَبُولُ خَبَرِهِ بِالتَّنْجِيسِ النَّاشِئِ عَنْ فِعْلِهِ مِنْ قَبُولِ خَبَرِ الْكَافِرِ بِمُقْتَضَى الْحِلِّ وَالطَّهَارَةِ النَّاشِئَيْنِ عَنْ فِعْلِهِ: فَالْفَاسِقُ أَوْلَى فَانْظُرْ إلَى السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ احْتِمَالِ عَدَمِ إتْيَانِهِمْ بِالشَّرْطِ فِي الذَّكَاةِ؛ وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ أَكْلِهَا لِعَدَمِ مُشَاهَدَتِهِ لِذَبْحِهَا مِنْهُمْ بَلْ عَوَّلُوا عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِيَّتِهِمْ لَهُ رُجُوعًا إلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ الْأَمْرُ الْحَادِيَ عَشَرَ أَنَّ مَا نَقَلَهُ فِي الْجَوَابِ الْأَوَّلِ عَنْ التَّوَسُّطِ لِلْإِمَامِ الْأَذْرَعِيِّ لَمْ أَرَهُ فِيهِ بَلْ تَضَمَّنَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ التَّصْرِيحَ بِهِ فَإِنَّهُ قَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ عِبَارَةِ أَصْلِ الرَّوْضَةِ اسْتِحْبَابُ كَوْنِ غَاسِلِ الْمَيِّتِ أَمِينًا كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَكَثِيرُونَ فَإِنْ صَحَّ عَنْهُ مَا ذُكِرَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ بِأَنَّ الْمَيِّتَ غُسِّلَ فَلَوْ أَخْبَرَ أَنَّهُ غَسَّلَهُ قُبِلَ قَوْلُهُ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْكَمَالُ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ (بِأَنَّ الْفَاسِقَ إذَا غَسَّلَ الْمَيِّتَ وَقَعَ الْمَوْقِعُ) وَقَالَ فِي الْمِنْهَاجِ: (وَلْيَكُنْ الْغَاسِلُ أَمِينًا) قَالَ الْإِمَامُ الْأَذْرَعِيُّ فَأَشْعَرَ بِالْوُجُوبِ وَوُجِّهَ بِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُوثَقُ بِهِ، وَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ إلَّا فِي مَسَائِلَ لَمْ يَعُدُّوا هَذَا مِنْهَا اهـ. كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَقَدْ يُدَّعَى أَنَّ سُكُوتَهُمْ عَنْ عَدِّهَا لِلْعِلْمِ بِصِحَّةِ غُسْلِهِ فَهُوَ أَهْلٌ لَهُ وَلِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِمْ بِصِحَّةِ اسْتِئْجَارِ مَنْ يُغَسِّلُ الْمَيِّتَ فَأَغْنَى ذَلِكَ مَعَ ذَكَرِهِمْ لِقَبُولِ خَبَرِهِ فِي الذَّبَائِحِ عَنْ ذِكْرِهَا اهـ.
الْأَمْرُ الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ قَالَ لَوْ مَرَّ مُجْتَازُونَ بِمَيِّتٍ فِي صَحْرَاءَ لَزِمَهُمْ الْقِيَامُ بِهِ؛ فَإِنْ تَرَكُوهُ أَثِمُوا فَإِنْ كَانَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَثَرُ غُسْلٍ وَلَا تَكْفِينٍ وَجَبَ عَلَيْهِمْ غُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَثَرُ الْغُسْلِ وَالْكَفَنِ وَالْحَنُوطِ دَفَنُوهُ وَإِطْلَاقُ هَذَا النَّصِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي غَسَّلَهُ كَانَ فَاسِقًا أَمْ لَا فَإِذَا اكْتَفَيْنَا بِوُجُودِ أَثَرِ الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ
1 / 6
وَالْحَنُوطِ مَعَ أَنَّ تَقْدِيمَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الَّتِي عَلَى قُبُلِ الْمَيِّتِ وَدُبُرِهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْغُسْلِ عَلَى الرَّاجِح كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْأَصْحَابِ، فَقَبُولُ قَوْلِهِ فِي تَطْهِيرِ الثَّوْبِ مَعَ وُجُودِ أَثَرِ الْغُسْلِ عَلَيْهِ أَوْلَى.
الْأَمْرُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ الشَّيْخَ نُورَ الدِّينِ السَّمْهُودِيَّ حَكَى عَنْ شَيْخِهِ شَرَفِ الدِّينِ يَحْيَى الْمُنَاوِيِّ أَنَّهُ حَكَى عَنْ شَيْخِهِ أَبِي زُرْعَةَ وَلِيِّ الدِّينِ الْعِرَاقِيِّ (- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) أَنَّهُ إذَا تَنَجَّسَ لَهُ ثَوْبٌ يَأْمُرُ فَتَاهُ بِتَطْهِيرِهِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِ حَالَةَ التَّطْهِيرِ فَإِذَا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَهَّرَهُ لَبِسَهُ وَحَالُ الْفَتَيَانِ لَا يَخْفَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجَابَ الثَّالِثُ فَقَالَ: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنْ أَخْبَرَ بِأَنَّ الثَّوْبَ طَهُرَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَهَّرَهُ قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: بُلْت فِي هَذَا الْإِنَاءِ أَوْ أَنَا مُتَطَهِّرٌ أَوْ مُحْدِثٌ وَكَمَسْأَلَةِ مَا إذَا أَخْبَرَ بِأَنَّ الْمَيِّتَ غُسِّلَ فَلَوْ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ غَسَّلَهُ قُبِلَ قَوْلُهُ وَكَمَسْأَلَةِ الْمُتَوَلِّي الْمَذْكُورَةِ وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلِ عَدَمِ قَبُولِ قَوْلِ الْفَاسِقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَظَهَرَ لَنَا مِنْ جَوَابِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ قَبُولُ قَوْلِ الْفَاسِقِ فِي تَطْهِيرِ الثَّوْبِ. فَهَلْ جَوَابُكُمْ كَذَلِكَ؟ فَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ الْمُنَاوِيُّ أَنَّ الْفَاسِقَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي مَسَائِلَ لَا تَخْفَى عَلَى الْفَقِيهِ الْمُطَّلِعِ عَلَى كُتُبِ الْأَئِمَّةِ وَفَتَاوِيهِمْ فَلَعَلَّ مَسْأَلَتَنَا أَنْ تَكُونَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَوْضِحُوا لَنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ بِجَوَابٍ شَافٍ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ.
(فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ - الْمُعْتَمَدُ مِنْ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ وَهُوَ الثَّالِثُ وَمِنْ ثَمَّ جَرَيْت عَلَى التَّفْصِيلِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَعِبَارَتِي مِنْ شَرْحِ الْعُبَابِ (وَخَرَجَ بِعَدْلِ الرِّوَايَةِ الصَّبِيُّ) وَلَوْ مُرَاهِقًا نَعَمْ تَصِحُّ رِوَايَةُ الصَّبِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ كُلُّ مَا سَمِعَهُ فِي صِبَاهُ عَلَى الصَّحِيحِ فَعَلَيْهِ لَوْ أَخْبَرَ بَعْدَ بُلُوغِهِ عَمَّا شَاهَدَهُ فِي صِبَاهُ مِنْ تَنَجُّسِ إنَاءٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا قُبِلَ، وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي أَيْضًا
وَأَمَّا الْفَاسِقُ وَالْكَافِرُ وَالْمَجْهُولُ فَلَا تُقْبَلُ أَخْبَارُهُمْ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى - كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ - الِاحْتِيَاطَ بِاجْتِنَابِ مَا أَخْبَرَ الْمُمَيِّزُ بِتَنَجُّسِهِ سِيَّمَا إنْ جُرِّبَ بِالصِّدْقِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ نَحْوُ فَاسِقٍ جُرِّبَ صِدْقُهُ لِأَنَّ خَبَرَهُمْ يُوَرِّثُ شُبْهَةَ مَنْ أَخْبَرَ مِنْهُمْ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: بُلْت فِي هَذَا الْإِنَاءِ قُبِلَ كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ قَالَ: أَنَا مُتَطَهِّرٌ أَوْ مُحْدِثٌ وَكَمَا يُخْبِرُ الذِّمِّيُّ عَنْ شَاتِهِ أَنَّهُ ذَكَّاهَا وَكَإِخْبَارِهِ عَنْ فِعْلِهِ بِالْأَوْلَى إخْبَارُهُ الْمُتَوَاتِرُ إذْ الْقَبُولُ حِينَئِذٍ مِنْ حَيْثُ إفَادَتُهُ الْعِلْمَ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِخْبَارُ وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ نَحْوِ الْفَاسِقِ مِمَّنْ ذُكِرَ: طَهَّرْت الثَّوْبَ مَقْبُولٌ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ طَهُرَ وَبِهِ أَفْتَى الْمُنَاوِيُّ وَغَيْرُهُ بَلْ صَدْرُ كَلَامِهِ صَرِيحٌ فِي اعْتِمَادِ قَوْلِهِ مُطْلَقًا، وَفَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إخْبَارِهِ بِالنَّجَاسَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِ خُرُوجٍ عَنْ الْأَصْلِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ وَبِالْمَشَقَّةِ لِكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْغَسَّالِينَ مَعَ فِسْقِهِمْ وَحَيْثُ قُبِلَ إخْبَارُهُ بِالطَّهَارَةِ بِأَنْ يَقُولَ: طَهَّرْته فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ مَدْلُولَهَا عِنْدَ الْمُخْبِرِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: غَمَسْته فِي الْمَاءِ وَهُوَ مِمَّا يَطْهُرُ بِالْغَمْسِ.
وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي تَغْسِيلِ الْمَيِّتِ بَحْثٌ مِنْ عِنْدِهِ اسْتَدَلَّ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ إلَّا فِي مَسَائِلَ لَمْ يَعُدُّوا هَذِهِ مِنْهَا وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا سَكَتُوا عَنْ عَدِّهَا لِكَوْنِهَا فِي مَعْنَى مَا ذَكَرُوهُ وَمِنْ قَبُولِ خَبَرِهِ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ، فَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا إذَا أَخْبَرَ بِأَنَّهُ غُسِّلَ وَطُهِّرَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: غَسَّلْته أَوْ طَهَّرْته.
وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْجُمْهُورِ فِي الْأَذَانِ (يُقْبَلُ قَوْلُ الصَّبِيِّ فِيمَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ كَالْغُرُوبِ لَا النَّقْلُ كَالْإِفْتَاءِ وَالتَّدْرِيسِ وَالْمُعْتَمَدُ) بَلْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: (الصَّوَابُ مَا فِيهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ) وَفِي غَيْرِهِ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ خَبَرِهِ مُطْلَقًا إلَّا فِيمَا رَأَى وَفِي نَحْوِ قَوْلِهِ فِي هَدِيَّةٍ وَدُخُولِ دَارٍ وَإِجَابَةِ صَاحِبِ وَلِيمَةٍ اهـ.
كَلَامُ شَرْحِ الْعُبَابِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُجِيبُ الثَّالِثُ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْأَمْرِ الْعَاشِرِ وَالْحَادِيَ عَشَرَ وَغَيْرِهِمَا لَكِنْ فِي كَلَامِهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ لَا بَأْسَ بِالْإِشَارَةِ لِبَعْضِهَا: مِنْهَا قَوْلُهُ هُوَ الْأَفْسَحُ لِلنَّاسِ كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِمَّا مَرَّ عَنْ الْمُنَاوِيُّ وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا إنْ قَالَ: طَهَّرْته إذْ الْأَفْسَحُ لِلنَّاسِ إنَّمَا هُوَ الْقَبُولُ حِينَئِذٍ لَا مُطْلَقًا وَمِنْهَا مَا نَقَلَهُ عَنْ الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي قَبُولِهِ فِي الذَّكَاةِ، وَإِطْلَاقُهُ مَرْدُودٌ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا أَخْبَرَ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ: ذَكَّيْتهَا كَمَا قَدَّمْته فِي عِبَارَةِ شَرْحِ الْعُبَابِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ: لَوْ أَخْبَرَ الْفَاسِقُ بِعَدَمِ الْمَاءِ جَازَ التَّيَمُّمُ وَهُوَ بَاطِلٌ بَلْ يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ، وَخَبَرُ الْفَاسِقِ لَا يَصِلُ لِظَنِّ الْعَدَمِ إلَّا إنْ وَقَعَ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ هُنَا لِمَا عَلِمْت مِنْ تَصْرِيحِهِمْ بِوُجُوبِ الطَّلَبِ، وَإِنْ ظَنَّ الْعَدَمَ وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ فِي الرَّابِعِ
1 / 7
عَنْ الْمَجْمُوعِ.
وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَمِنْهَا مَا قَالَهُ فِي الْأَمْرِ الْخَامِسِ وَهُوَ إخْبَارُهُ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ بَلْ الْحُجَّةُ فِيهِ لَنَا وَمِنْهَا: قَوْلُهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّوْسِيعَ إلَخْ وَهُوَ كَلَامٌ كَمَا تَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ يَعُودُ بِالْبُطْلَانِ عَلَى مَا قَالَهُ أَوَّلًا مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِ فِي الطُّهْرِ قِيَاسًا عَلَى قَبُولِ قَوْلِهِ فِي الذَّكَاةِ وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ فِي الْأَمْرِ السَّادِسِ وَهُوَ عَيْنُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْأَمْرِ السَّابِعِ وَهُوَ إخْبَارُهُ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ بَلْ الْحُجَّةُ فِيهِ لَنَا أَيْضًا وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ فِي الثَّامِنِ مِنْ رَدِّ قِيَاسِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُصِبْ كُلٌّ مِنْهُمَا بَلْ إنْ أَخْبَرَ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ قُبِلَ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَإِنْ أَخْبَرَ لَا عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ لَمْ يُقْبَلْ فِيهِمَا وَفَرْقُ الثَّانِي بَيْنَهُمَا مُجَرَّدُ خَيَالٍ لَا أَثَرَ لَهُ
وَإِنَّمَا اكْتَفَوْا بِإِمْكَانِ طُهْرِ فَمِ الْهِرَّةِ فِي عَدَمِ تَنَجُّسِ مَا وَلَغَتْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ فَلَا يَنْجُسُ بِالشَّكِّ وَإِنْ حَكَمْنَا بِبَقَاءِ نَجَاسَةِ فَمِ الْهِرَّةِ بِالِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ أَضْعَفُ مِنْ الْيَقِينِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ تَعَارَضَا نَجَاسَةَ فَمِهَا بِالِاسْتِصْحَابِ، وَطَهَارَةَ الْمَاءِ بِالْيَقِينِ فَحَكَمْنَا بِكُلٍّ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ لِبَقَائِهِ عَلَى حَالِهِ وَلَمْ نَحْكُمْ بِأَنَّ الْأَضْعَفَ وَهُوَ الِاسْتِحْبَابُ يُنَجِّسُ الْأَقْوَى وَهُوَ تَيَقُّنُ الطَّهَارَةِ عَلَى أَنَّ قِيَاسَ مَسْأَلَةِ الْهِرَّةِ أَنَّ الثَّوْبَ حَيْثُ غَابَ عَنَّا، وَأَمْكَنَ تَطْهِيرُهُ لَا يُنَجِّسُ مَا وَقَعَ فِيهِ مَعَ الْحُكْمِ بِبَقَائِهِ عَلَى نَجَاسَتِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ فَمِ الْهِرَّةِ وَالثَّوْبِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إنْ أَمْكَنَ طُهْرُهُ فِي الْغَيْبَةِ لَمْ يُنَجِّسْ مَا وَقَعَ فِيهِ لَا مِنْ حَيْثُ إخْبَارُ الْفَاسِقِ بَلْ لِإِمْكَانِ طُهْرِهِ وَلَوْ بِوُقُوعِهِ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ وَإِنْ لَمْ يَغِبْ عَنَّا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَيُنَجِّسُ مَا وَقَعَ فِيهِ فَانْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِمَسْأَلَةِ الْهِرَّةِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ عَوَّلُوا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ إلَخْ جَوَابُهُ إنَّمَا صَحَّ الِاقْتِدَاءُ بِالْفَاسِقِ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ إخْبَارُهُ عَنْ طَهَارَتِهِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ وَهُوَ مَقْبُولٌ كَمَا مَرَّ. وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ فِي الْأَمْرِ التَّاسِعِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ مِمَّا اُسْتُثْنِيَ لِلْحَاجَةِ وَجَرَيَانِ الْمُسَامَحَةِ فِيهِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ بِلَا إنْكَارٍ فَلَا يُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي صِحَّةِ مُعَامَلَتِهِ لِأَنَّ يَدَهُ قَرِينَةٌ شَرْعِيَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا فِيهَا مِلْكٌ لَهُ أَوْ تَحْتَ وِلَايَتِهِ، فَاكْتَفَيْنَا فِي جَوَازِ مُعَامَلَتِهِ بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ الشَّرْعِيَّةِ لَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْعَاشِرِ وَالْحَادِيَ عَشَرَ صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَإِطْلَاقُ هَذَا النَّصِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي غَسَّلَهُ كَانَ فَاسِقًا أَمْ لَا؟ كَلَامٌ لَا مَعْنَى لَهُ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ إذَا بَانَ أَنَّ الَّذِي غَسَّلَهُ فَاسِقٌ وَقَعَ الْمَوْقِعَ بِلَا نِزَاعٍ، وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَا لَوْ قَالَ الْفَاسِقُ: هَذَا الْمَيِّتُ غُسِّلَ أَوْ أَنَا غَسَّلْت هَذَا الْمَيِّتَ فَيُقْبَلُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ دَلَالَةً لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: (مَعَ أَنَّ تَقْدِيمَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ إلَخْ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ إزَالَتَهَا بِغَسْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْحَيِّ وَلَا فِي الْمَيِّتِ وَإِنَّمَا سَكَتَ النَّوَوِيُّ عَنْ الِاسْتِدْرَاكِ فِي بَابِ الْجَنَائِزِ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُ فِي بَابِ الْغُسْلُ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى إعَادَتِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَيِّتَ يُحْتَاطُ لَهُ أَكْثَرُ وَيُرَدُّ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، بَلْ الْحَيُّ هُوَ الَّذِي يُحْتَاطُ لَهُ فِي مِثْلِ هَذَا لِمُبَاشَرَتِهِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا فَإِذَا اكْتَفَوْا فِيهِ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ ذَلِكَ وَكَوْنُهُ مُكَلَّفًا بِإِزَالَتِهَا فَلَا أَقَلَّ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ مِثْلَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلَى مِنْهُ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ لِأَنَّ الْفَتَى لَمْ يُخْبِرْهُ بِأَنَّهُ طَهُرَ بَلْ بِأَنَّهُ طَهَّرَهُ، وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِقَبُولِ خَبَرِهِ حِينَئِذٍ.
وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْأَوَّلُ مِنْ جَمِيعِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُهُ الْإِطْلَاقُ الَّذِي زَعَمَهُ مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ لِأَنَّ جَمِيعَهُ إنَّمَا هُوَ مَفْرُوضٌ فِيمَا لَيْسَ بِإِخْبَارٍ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِعَدَمِ الْقَبُولِ حِينَئِذٍ فَظَهَرَ بِجَمِيعِ مَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ التَّفْصِيلُ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ يَبْعُدُ عَادَةً كَذِبُهُ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ إخْبَارِهِ عَنْ فِعْلِ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ فِيهِ ذَلِكَ فَقَبِلْنَا الْأَوَّلَ مِنْهُ عَمَلًا بِتِلْكَ الْقَرِينَةِ الَّتِي أَبْعَدَتْ احْتِمَالَ كَذِبِهِ فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا لَوْ سَقَطَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ مَيْتَةٌ نَحْوَ ذُبَابٍ، فَصَبَّ شَخْصٌ هَذَا الْمَاءَ وَهِيَ فِيهِ فِي مَاءٍ آخَرَ وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ فَهَلْ هُوَ مِثْلُ مَا لَوْ أَوْقَعَ مَيْتَةً فِي الْمَاءِ أَمْ لَا؟ وَعَمَّا لَوْ خَلَطَ زَبَادًا فِيهِ شَعْرَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ بِزَبَادٍ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ أَوْ لَا شَيْءَ فِيهِ فَهَلْ يُنَجِّسَانِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ - بِقَوْلِهِ أَمَّا الْأُولَى: فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ فِيهَا أَنَّهُ كَمَا لَوْ أَوْقَعَ مَيْتَةً فِي الْمَاءِ فَيَتَنَجَّسُ الْمَاءَانِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَبَحَثَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ مَحَلَّ الْعَفْوِ عَنْ قَلِيلِ شَعْرِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ مَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ فَعَلَيْهِ يُنَجَّسُ الزَّبَادَانِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ الْمَاءِ الْقَلِيلِ الَّذِي خَالَطَهُ شَيْءٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ
1 / 8
فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ فَسَلَبَ الطَّهُورِيَّةَ ثُمَّ زَالَ التَّغَيُّرُ بِنَفْسِهِ فَهَلْ يَعُودُ طَهُورًا كَالْمَاءِ الْكَثِيرِ الَّذِي يَنْجُسُ بِالْمُخَالِطِ الْمُتَغَيِّرِ أَحَدُ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ إذَا زَالَ التَّغَيُّرُ بِنَفْسِهِ أَمْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ أَنَّ الَّذِي يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ عَوْدُ الطَّهُورِيَّةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَمِنْ ثَمَّ قُلْت فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: (وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ بِمَا مَرَّ ثُمَّ زَالَ تَغَيُّرُهُ عَادَتْ طَهُورِيَّتُهُ) . اهـ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَنَاطُوا سَلْبَ الطَّهُورِيَّةَ بِوُجُودِ التَّغَيُّرِ بِشَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ قَلِيلِ الْمَاءِ وَكَثِيرِهِ، فَإِذَا زَالَ مَا بِهِ سَلْبُ الطَّهُورِيَّةِ عَادَتْ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا مَا لَمْ يَخْلُفْهَا شَيْءٌ آخَرُ، وَهُنَا لَمْ يَخْلُفْ تِلْكَ الْعِلَّةَ أَعْنِي: التَّغَيُّرُ شَيْءٌ آخَرُ يَقْتَضِي سَلْبَ الطَّهُورِيَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا لَوْ خَافَ شَخْصٌ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُشَمَّسِ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمُسَخَّنِ عِنْدَ خَوْفِ الضَّرَرِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَوْ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؟ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الْكَرَاهَةِ فِي اسْتِعْمَالِ الْمُشَمَّسِ فِي الْبَدَنِ مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرُوهَا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ بِالْكَرَاهَةِ.
وَقَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ بِعَدَمِهَا كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْمَرَاغِيُّ فِي شَرْحِ الزُّبَدِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ الْمُخْتَارُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَصَحَّحَهُ فِي تَنْقِيحِهِ، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: (أَنَّهُ الصَّوَابُ) وَقَالَ فِيهِ لَوْ بَرَدَ الْمَاءُ هَلْ تَزُولُ الْكَرَاهَةُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
ثَالِثُهَا: إنْ قَالَ طَبِيبَانِ أَنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ كُرِهَ وَإِلَّا فَلَا اهـ. قَالَ السَّائِلُ: فَإِنْ كَانَ فِي التَّحْرِيمِ نَصٌّ عِنْدَ خَوْفِ الضَّرَرِ فَبَيِّنُوهُ لَنَا؟ وَإِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ إنَّمَا كَانَ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْمُسَخَّنِ فَأَوْضِحُوا ذَلِكَ؟ - جَزَاكُمْ اللَّهُ تَعَالَى خَيْرًا - فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ التَّحْرِيمِ فِي الْمُشَمَّسِ مُشْكِلٌ عَلَيْنَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁ (أَنَّ الْمُضْطَرَّ. إذَا خَافَ مِنْ الطَّعَامِ الْمُحْضَرِ إلَيْهِ أَنَّهُ مَسْمُومٌ) جَازَ لَهُ تَرْكُهُ وَالِانْتِقَالُ إلَى الْمَيْتَةِ إذْ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ.
وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورُ نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ اهـ. وَهُوَ مُشْكِلٌ أَيْضًا بِقَوْلِهِمْ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَنَّهُ إذَا خَافَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مَحْذُورًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ وَمُقْتَضَاهُ: جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَوْ نَدْبُهُ، وَإِنْ خَافَ مَحْذُورًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا صَرَّحَ بِحُرْمَةِ اسْتِعْمَالِهِ حِينَئِذٍ بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ فَالْمَقْصُودُ التَّفَهُّمُ وَالِانْتِفَاعُ لَا الِاعْتِرَاضُ عَلَى كَلَامِ الْعُلَمَاءِ بِالِاسْتِشْكَالِ مِنْ غَيْرِ إحَاطَةٍ وَاطِّلَاعٍ كَمَا يَقَعُ ذَلِكَ لِبَعْضِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وَالطِّبَاعِ - آجَرَكُمْ اللَّهُ وَزَادَكُمْ كَمَالَ الِاطِّلَاعِ -.
(فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ: الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدَّمَةٍ وَهِيَ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ لِمَ لَا؟ قَالُوا بِتَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ الْمُشَمَّسِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ وَأَجَابَ بِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلَّا نَادِرًا بِخِلَافِ اسْتِعْمَالِ الْمَسْمُومِ اهـ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ عَقِبُهُ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ بَلْ يَحْصُلُ أَيْ الضَّرَرُ لِمَنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: مَتَى خَافَ الضَّرَرَ حَرُمَا. كَلَامُ الزَّرْكَشِيُّ فَهُوَ نَاقِلٌ عَنْ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ التَّصْرِيحَ بِالتَّحْرِيمِ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِضَرَرِ الْمُشَمَّسِ وَأَنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ وَهَذَا نَصٌّ فِي التَّحْرِيمِ أَيْضًا، وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ السُّبْكِيّ مَتَى شَهِدَ طَبِيبَانِ أَوْ طَبِيبٌ وَاحِدٌ بِأَنَّهُ يُوجِبُ الْبَرَصَ تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ أَوْ التَّحْرِيمِ اهـ.
وَيُؤَيِّدُ التَّحْرِيمَ قَوْلُهُ فِي الْحَلَبِيَّاتِ: اسْتِعْمَالُ الْمَرِيضِ الْمَاءَ مَعَ ظَنِّ تَرَتُّبِ ضَرَرٍ يُخَافُ مِنْهُ حَرَامٌ وَمَعَ الشَّكِّ أَوْ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ جَائِزٌ نَعَمْ هَذَا، وَلَك أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَالْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ الَّذِي مَرَّ عَنْ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُ بِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْعَدْلَيْنِ أَوْ الْعَدْلَ بِنَاءً عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِهِ الَّذِي يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ تَارَةً يُخْبِرَانِ بِضَرَرِ الْمُشَمَّسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَتَارَةً يُخْبِرَانِ بِضَرَرِهِ لِإِنْسَانٍ بِخُصُوصِهِ لِمُقْتَضٍ قَامَ بِمِزَاجِهِ فَالْأَوَّلُ: هُوَ مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ لَا الْحُرْمَةِ لِأَنَّ مَا نَدَرَ تَرَتُّبُ الضَّرَرِ عَلَيْهِ لَا يَحْرُمُ. كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَجَعَلَ مِنْهُ الْمُشَمَّسَ إذْ هُوَ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا بِالنِّسْبَةِ لِمِزَاجٍ مَخْصُوصٍ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الضَّرَرُ إلَّا نَادِرًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ رَئِيسُ الْأَطِبَّاءِ ابْنُ النَّفِيسِ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ.
وَالثَّانِي: هُوَ مَحَلُّ الْحُرْمَةِ وَيُؤَيِّدُهُ تَصْرِيحُهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ طَبِيبٌ بِضَرَرِ الْمَاءِ لِبَرْدٍ أَوْ مَرَضٍ حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ وَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرْته فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ حِكَايَةِ وَجْهِ أَنَّ الْمُشَمَّسَ لَا يُكْرَهُ إلَّا إنْ قَالَ طَبِيبَانِ أَنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَاءَ الْمُشَمَّسَ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ بَرَصٌ فَاشْتَرَطَ شَهَادَةَ طَبِيبَيْنِ فِي ثُبُوتِهِ
1 / 9
لَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَهْمٌ لَا يُخَالِفُ غَيْرَهُ فِي الْكَرَاهَةِ حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا تُخَالِفُهُمَا قَبْلَ شَهَادَتِهِمَا فَهُوَ يَنْفِي الْكَرَاهَةَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مُوجِبُهَا وَغَيْرُهُ قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا لِأَنَّ مُوجِبَهَا ثَابِتٌ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْعُبَابِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» وَلَا شَكَّ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ مُرِيبٌ، وَقَدْ رَدَّ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ دَعْوَى النَّوَوِيِّ أَنَّ الْمُوَافِقَ لِلدَّلِيلِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ بِأَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَهُ.
وَقَالَ: إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالَفَتُهُ؛ فَكَانَ إجْمَاعًا ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ: تَوْقِيفًا إذْ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ وَيُؤَيِّدُهُ الْخَبَرُ الضَّعِيفُ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ وَضْعَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «سَخَّنْتُ لِلنَّبِيِّ مَاءً فِي الشَّمْسِ فَقَالَ لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ»، وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْأَطِبَّاءِ فِيهِ شَيْءٌ شَهَادَةُ نَفْيٍ وَكَفَى فِي إثْبَاتِهِ إخْبَارُ السَّيِّدِ عُمَرَ ﵁ عَنْهُ الَّذِي هُوَ أَعْرَفُ بِالطِّبِّ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ خَبَرٌ لَا تَقْلِيدٌ فَهُوَ وَقَوْلُ جَمْعٍ آخَرِينَ لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ مِنْ الْأَطِبَّاءِ إلَى أَنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ يَرُدُّ بِذَلِكَ أَيْضًا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ النَّفِيسِ فِي شَرْحِهِ عَلَى التَّنْبِيهِ وَبَيَّنَ هَذَا أَيْ أَنَّهُ لَا يُورِثُ الْبَرَصَ لَكِنْ عَلَى نُدُورٍ وَهُوَ عُمْدَةٌ فِي ذَلِكَ لِجَلَالَتِهِ فِيهَا.
وَقَدْ سُقْت عِبَارَتَهُ بِتَمَامِهَا فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَسَائِلَ نَفِيسَةٍ فَيَنْبَغِي مُرَاجَعَتُهَا، وَقَوْلُهُ عَنْهُ أَنَّهُ عُمْدَةٌ فِي ذَلِكَ لِجَلَالَتِهِ فِيهِ هُوَ كَذَلِكَ كَمَا شَهِدَتْ بِهِ كُتُبُهُ وَتَرَاجِمُ الْأَئِمَّةِ لَهُ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ عُمْدَةُ الْأَطِبَّاءِ بَعْدَهُ إلَى زَمَانِنَا بِإِجْمَاعِ الْفِرَقِ؛ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْته ظُهُورُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ هِيَ الْحَقُّ الْمُوَافِقُ لِلدَّلِيلِ.
وَالْمَعْنَى وَإِنْ كَثُرَ الْمُتَنَازِعُونَ فِيهَا لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى شَهَادَةِ أَحَدٍ مِنْ الْأَطِبَّاءِ بَعْدَ إخْبَارِ عُمَرَ ﵁، وَبِمَا جَمَعْت بِهِ بَيْنَ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْقَوْلِ بِالْحُرْمَةِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا هُنَا مِنْ حُرْمَةِ الْمُشَمَّسِ وَالْمُسَخَّنِ عِنْدَ إخْبَارِ طَبِيبَيْنِ أَوْ طَبِيبٍ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يَضُرُّ الْمُسْتَعْمِلَ بِالنِّسْبَةِ لِمُقْتَضٍ قَامَ بِمِزَاجِهِ لَا يُنَافِي مَا فِي السُّؤَالِ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الْمُضْطَرِّ إذَا خَافَ السُّمَّ لِأَنَّهُ فِي مُجَرَّدِ خَوْفٍ لَمْ يَسْتَنِدْ لِعَلَامَةٍ تُغَلِّبُ عَلَى الظَّنِّ الضَّرَرَ وَمَا هُنَا فِي خَوْفٍ اسْتَنَدَ لِعَلَامَةٍ هِيَ إخْبَارُ الْعَدْلِ أَوْ مَعْرِفَتُهُ نَفْسِهِ بِالطِّبِّ يُغَلِّبُ عَلَى الظَّنِّ الضَّرَرَ فَمِنْ ثَمَّ جَازَ تَنَاوُلُ الطَّعَامِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ وَحَرُمَ اسْتِعْمَالُ الْمُشَمَّسِ وَالْمُسَخَّنِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ مَا ظُنَّ تَرَتُّبُ الضَّرَرِ عَلَيْهِ غَالِبًا حَرَامٌ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَقَامَ الظَّنَّ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ وَمَا شُكَّ فِي تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ جَائِزٌ كَمَا مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ فِي حَلَبِيَّاتِهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي السُّؤَالِ عَنْهُمَا فِي التَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ خَوْفٍ لَا ظَنَّ مَعَهُ كَمَا مَرَّ التَّصْرِيحُ بِهِ عَنْ السُّبْكِيّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا إذَا انْغَمَسَ جُنُبٌ فِي مَاءٍ دُونَ قُلَّتَيْنِ فَنَوَى فِي حَالَةِ انْغِمَاسِهِ وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ ثُمَّ لَوْ أَحْدَثَ حَدَثًا آخَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ بِمَا انْغَمَسَ فِيهِ وَلَوْ مَسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ ثُمَّ رَدَّدَ الْمَاءَ لَمْ يَحْصُلْ التَّثْلِيثُ لِأَنَّ الْمَاءَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ الرَّأْسِ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ حَصَلَ لِلنَّفْلِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْفَرْضِ مَا الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَإِنَّهُ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ.
(فَأَجَابَ) ﵁ بِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لِلنَّفْلِ مَزِيَّةٌ فِيمَا ذُكِرَ لِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَم الْحُكْمِ بِالِاسْتِعْمَالِ عَلَى الْمَاءِ فِي الْأُولَى وَهُوَ ظَاهِرٌ لِبَقَاءِ صُورَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَعَلَى الْحُكْمِ عَلَيْهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُشْكِلُ وَمِنْ ثَمَّ اسْتَشْكَلَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَتَكَلَّفَ بَعْضُهُمْ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ مَعَ الْجَوَابِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَا غُبَارَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِي شَرْحُ مُخْتَصَرِ الرَّوْضِ فَاطْلُبْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.
(وَسُئِلَ) ﵁ بِمَا صُورَتُهُ قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ فِي مُخْتَصَرِ الْكِفَايَةِ (لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي نَحْوِ أَحَدِ الْكُمَّيْنِ أَوْ أَحَدِ طَرَفَيْ الْعِمَامَةِ وَاشْتَبَهَ فَهَلْ يَجْتَهِدُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا. وَعَلَيْهِمَا يُخَرَّجُ مَا لَوْ أَخْبَرَهُ شَخْصٌ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي أَحَدِهِمَا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ خَبَرِهِ؟ إنْ قُلْنَا يَجْتَهِدُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا) اهـ. فَمَا وَجْهُ التَّخْرِيجِ فَإِنَّهُ أُشْكِلَ عَلَى كَثِيرٍ.
(فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ - بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّخْرِيجَ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ وَإِلَّا فَكَلَامُ الْأَكْثَرِينَ يَقْتَضِي قَبُولُ خَبَرِهِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْوَجْهُ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْمُخْبِرُ ثِقَةً وَبَيَّنَ النَّجَاسَةَ، أَوْ كَانَ مُوَافِقًا لِلْمُخْبَرِ فِي بَابِ تَنْجِيسِ الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا وَجَبَ قَبُولُ خَبَرِهِ.
وَإِنْ قَالَ لَهُ وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي نَحْوِ أَحَدِ الْكُمَّيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ عَرَفَ عَيْنَ الْمُتَنَجِّسِ كَانَ هَذَا الْإِيهَامُ لَا يَقْتَضِي طَعْنًا فِي الْخَبَرِ لِإِفَادَةِ خَبَرِهِ تَحَقُّقَ نَجَاسَةِ أَحَدِهِمَا وَعِنْدَ تَحَقُّقِهِمَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ وَيَجْتَهِدُ عَلَى مُقَابِلِهِ فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَجْهَ قَبُولُ
1 / 10
خَبَرِهِ سَوَاءٌ أَقُلْنَا يَجْتَهِدُ أَمْ لَا وَلَك أَنْ تَقُولَ قَدْ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّؤَالِ بِأَنَّ الْإِيهَامَ فِي الْخَبَرِ يُورِثُ فِيهِ رِيبَةً لَكِنَّهَا لَيْسَتْ قَوِيَّةً فَلَمْ تَقْوَ عَلَى رَدِّهِ مُطْلَقًا بَلْ مَعَ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الِاجْتِهَادِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَشَقَّةِ وُجُوبِ غَسْلِهِمَا بِخِلَافِ مَا إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ لَا مَشَقَّةَ حِينَئِذٍ فَجَازَ الْقَبُولُ ثُمَّ فَرْضُهُ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الْقَبُولِ وَعَدَمِهِ بِهِ نَظَرٌ إنْ أَرَادَ بِالْجَوَازِ إبَاحَةً؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِحُرْمَةِ الْقَبُولِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ بَلْ هُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْوُجُوبَ كَانَ لَهُ وَجْهٌ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهَلْ يَجُوزُ قَبُولُ إلَخْ؟ هَلْ يَجِبُ؟
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ امْرَأَةٍ عَلَى يَدِهَا أَسَاوِرُ فَتَوَضَّأَتْ فَجَرَى الْمَاءُ عَلَى يَدِهَا فَإِذَا وَصَلَ لِلْأَسَاوِرِ فَمِنْهُ مَا يَعْلُو فَوْقَهَا ثُمَّ يَسْقُطُ عَلَى يَدِهَا وَمِنْهُ مَا يَجْرِي تَحْتَهَا ثُمَّ يَجْرِي الْجَمِيعُ عَلَى بَاقِي يَدِهَا بَعْدَ الْأَسَاوِرِ فَهَلْ يَكْفِي جَرَيَانُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟
(فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ - بِقَوْلِهِ: قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِذَلِكَ وَأَنَّهُ يَكْفِي جَرَيَانُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَنْ ثَوْبٍ صُبِغَ بِنِيلٍ مُتَنَجِّسٍ فَهَلْ يُشْتَرَطُ خُرُوجُهُ صَافِيًا؟ وَحِينَئِذٍ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا تَنَجَّسَ نَحْوُ تُرَابٍ أَوْ عَجِينٍ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ مَاءً وَأَوْصَلَهُ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ.
(فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ - بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يُشْتَرَطُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْغُسْلِ بِحَيْثُ تَزُولُ أَوْصَافُ الصِّبْغِ وَلَا يَبْقَى إلَّا مَا عَسُرَ زَوَالُهُ مِنْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ؛ لِاخْتِلَاطِ النَّجَاسَةِ بِأَجْزَائِهِ فَمَا دَامَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَوْصَافِ النِّيلِ الْمُتَنَجِّسِ الَّذِي أَقَمْنَاهُ مَقَامَ الْعَيْنِ النَّجِسَةِ مَعَ سُهُولَةِ التَّمْيِيزِ فَالنَّجَاسَةُ بَاقِيَةٌ فِي الثَّوْبِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ كَلَامُ الْأَنْوَارِ وَصَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ حَيْثُ قَالَ بِأَنَّ اللَّوْنَ عَرَضٌ، وَالنَّجَاسَةُ لَا تُخَالِطُ الْأَعْرَاضَ وَإِنَّمَا تُخَالِطُ الْعَيْنَ فَإِذَا زَالَتْ الْعَيْنُ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ زَالَتْ النَّجَاسَةُ بِزَوَالِهَا.
وَعِبَارَةُ الْبَغَوِيِّ (إذَا صُبِغَ الثَّوْبُ بِصِبْغٍ نَجِسٍ فَمَا دَامَ عَيْنُ الصِّبْغِ عَلَيْهِ فَهُوَ نَجِسٌ. فَإِنْ زَالَتْ الْعَيْنُ وَبَقِيَ اللَّوْنُ فَهُوَ طَاهِرٌ كَلَوْنِ الْحِنَّاءِ النَّجِسِ) . وَعِبَارَةُ الْغَزَالِيِّ (وَمَا تَعَسَّرَ إزَالَتُهُ كَأَثَرِ الْحِنَّاءِ النَّجِسِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ يُعْفَى عَنْهُ)، وَيُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ مَعَ بَقَاءِ أَثَرِهِ كَمَا فِي أَثَرِ الدَّمِ وَكَلَامُ هَؤُلَاءِ مُصَرِّحٌ بِاشْتِرَاطِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي لَوْ صُبِغَ الثَّوْبُ بِصِبْغٍ نَجِسٍ، ثُمَّ غُسِلَ بِالْمَاءِ وَانْغَمَسَ وَبَقِيَ اللَّوْنُ قَالُوا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَقْدِرُ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَرَفْعِهَا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى قَطْعِ الْأَلْوَانِ وَرَفْعِهَا مِنْ الْمَحَلِّ فَإِذَا أَوْرَدَ الْمَاءَ عَلَيْهِ عَلِمْنَا أَنَّ مَا غَمَرَهُ الْمَاءُ مِنْ النَّجَاسَةِ قَدْ زَالَ وَإِنَّمَا بَقِيَ اللَّوْنُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الصِّبْغَ النَّجِسَ عِنْدَ الِانْفِرَادِ إذَا غُمِرَ بِالْمَاءِ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ، وَاللَّوْنُ دَائِمٌ كَمَا قَبْلَ الْغَسْلِ فَضَعِيفٌ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ بِمَا يُوَافِقُ مَا مَرَّ وَفَارَقَ ذَلِكَ مَا نَظَرَ بِهِ السَّائِلُ بِأَنَّ الْمُتَنَجِّسَ فِي مَسْأَلَتِنَا مَائِعٌ وَهُوَ مُتَعَذِّرُ التَّطْهِيرِ بِخِلَافِهِ فِيمَا ذَكَرَهُ.
(وَسُئِلَ) ﵁ عَمَّا صُورَتُهُ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْتَعْمَلِ إذَا جُمِعَ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ وَالْقَلِيلِ الْمُكَمَّلِ قُلَّتَيْنِ بِمَائِعٍ لَا يُغَيِّرُهُ حَيْثُ يَتَأَثَّرُ هَذَا الثَّانِي بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَأَيْضًا فَقَدْ نَزَّلُوا الْمَائِعَ الْمُسْتَهْلَكَ فِي الثَّانِي مَنْزِلَةَ الْمَاءِ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْجَمِيعِ لَا فِي دَفْعِ النَّجَاسَةِ عَنْ نَفْسِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِزَالَةَ النَّجَسِ مِنْ بَابِ الرَّفْعِ وَدَفْعَ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ الدَّفْعِ، وَالدَّافِعُ أَقْوَى مِنْ الرَّافِعِ فَالدَّافِعُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْ الرَّافِعِ قِيلَ وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ كَوْنِ الْمُسْتَعْمَلِ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ كَانَ فِي عَوْدِهِ طَهُورًا وَجْهَانِ وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْقُلَّتَيْنِ ابْتِدَاءً لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا بِلَا خِلَافٍ اهـ.
فَهَلْ هَذَا الْفَرْقُ صَحِيحٌ؟ وَكَيْفَ صُورَةُ الدَّفْعِ وَصُورَةُ الرَّفْعِ؟ وَمَا وَجْهُ قُوَّةُ الدَّافِعِ؟
(فَأَجَابَ) - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ - بِقَوْلِهِ: هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْقَلِيلَ الْمُسْتَعْمَلَ هَلْ الْعِلَّةُ فِي عَدَمِ طَهُورِيَّتِهِ كَوْنُهُ مَسْلُوبًا أَوْ مَغْلُوبًا؟ وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي وَمَعْنَى السَّلْبِ أَنَّ الطَّهُورَ بِهِ قُوَّةُ التَّطْهِيرِ، فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ بِشَرْطِهِ سَلَبَ مَحَلُّ الْحَدَثِ تِلْكَ الْقُوَّةَ مِنْهُ كَمَا أَنَّ الْحِنَّاءَ فِيهِ قُوَّةُ الصِّبْغِ فَإِذَا حُنِّيَتْ بِهِ يَدٌ سَلَبَتْ مِنْهُ تِلْكَ الْقُوَّةَ بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا حُنِيِّ بِهِ ثَانِيًا لَمْ يَصْبُغْ. وَمَعْنَى كَوْنِهِ مَغْلُوبًا أَنَّهُ إذَا تُطُهِّرَ بِهِ مَعَ قِلَّتِهِ فَأَصْلُ مَعْنَى التَّطْهِيرِ بَاقٍ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ ضَعُفَ بِانْتِقَالِ الْمَانِعِ إلَيْهِ فَصَارَ مَغْلُوبًا لِذَلِكَ. إذْ الْمَانِعُ حِينَئِذٍ شَبِيهٌ بِنَحْوِ صَبْرِ الْمَحَلِّ فِي مَاءٍ فَعُذُوبَةُ الْمَاءِ بَاقِيَةٌ فِيهِ غَيْرُ مَسْلُوبَةٍ عَنْهُ لَكِنَّ مَرَارَةَ الصَّبْرِ قَدْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ فَغَلَبَتْ عُذُوبَتَهُ فَالْمَانِعُ مِثْلُهُ فِي انْتِقَالِهِ مِنْ الْعُضْوِ إلَى الْمَاءِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا.
فَالْمُسْتَعْمَلُ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ إنْ قُلْنَا: إنَّهُ مَسْلُوبٌ،
1 / 11