فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

- فَضْلُ رَبِّ الْبَرِيَّةِ -
في شَرْحِ
- الدُّرَرِ البَهِيَّةِ -
طبعة كاملة ومصححة
شرح
أبي الحسن علي الرملي
- عفا الله عنه بمنه وكرمه -

1 / 1

مقدمة الشارح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فقد منّ الله عليّ بشرح "الدرر البهية " التي ألفها محمد بن علي الشوكاني ﵀ في الفقه الشرعي شرحًا صوتيًا، وسُجلت الدروس وفُرغت، فانتفع بها الطلبة بفضل الله.
ولمّا رأيت النفع بها قد حصل، والطلبة أقبلوا عليها؛ عزمت على طباعتها؛ كي يعم النفع بها بإذن الله.
فقمت بمراجعة المفرغات، فصححتُ ما احتاجَ إلى تصحيح، وزدتُ وحذفتُ بعض الأشياء التي لابد منها، فمن المعلوم أن الشروح الصوتية ليست كالمكتوبة.
وأشكر كل من شارك في إخراج الكتاب على النحو الذي هو عليه.
وأخص بالذكر كلًّ مِن:
أبي عبد الله علي بداني الجزائري
وأبي زيد رياض الجزائري
وأبي حذيفة محمود الشيخ
وأبي حمزة محمد حرز الله
وزوجي أم الحسن بنت بسام الصادق.
وغيرهم ممن شارك في تفريغ الكتاب.
وأخيرًا، أسأل الله أن ينفع به كما نفع بأصله، وأن ينفع بنا، ويجعلنا من دعاة الحق وأنصاره، إنه قريب مجيب.
المؤلف
أبو الحسن علي بن مختار الرملي
يوم ٢٥/ ١/ ١٤٣٦ هـ

1 / 2

تعريف الفقه
الفقه لغةً واصطلاحًا:
الفقه لغة: الفهم، قال الله تعالى ﴿قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرًا مما تقول﴾.
واصطلاحًا، يختلف المعنى الشرعي للفقه عن المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء والأصوليين.
فالفقه في الشرع: معرفةُ كلِّ ما جاء عن الله ﷾ سواء كان في العقيدة أو الأعمال أو الأخلاق، أي كل ما جاء به النبي ﷺ.
وأما الفقه عند الأصوليين: فهو معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
فالعقيدة عندهم ليست من الفقه، وكذلك معرفة الأحكام الشرعية العملية التي عُرِفت بالضرورة، كتحريم الزنا والربا ووجوب الصلاة، فهذه لا تسمى عند بعضهم فقهًا، وكذلك الأحكام التي عُرِفت بالتقليد، لا تسمى فقهًا عند البعض.
فعلى ذلك، فالفقيه عندهم هو من كانت له ملكة الاستنباط، أي عنده الآلة التي يتمكن بها من استنباط الأحكام الشرعية العملية من الأدلة التفصيلية، وهي أدلة الكتاب والسنة، وعنده قدرة على استعمال تلك الآلة.
وأما الفقه عند الفقهاء، فهو: معرفة الأحكام الشرعية العملية، بأدلتها التفصيلية، سواء كانت بالاستنباط أو بالتقليد أو بالضرورة، فكلها داخلة في الفقه، فهو أعم من الفقه بالمعنى الأصولي.

1 / 3

فعلى ذلك، من حفظ جملة من الأحكام الشرعية العملية، الواردة في الكتاب والسنة، والمجمع عليها؛ يسمى عند الفقهاء فقيهًا.
لكن هذا الحفظ - حفظ طائفة من الأحكام الشرعية -، غير متيسر للكثيرين في زماننا هذا، فقال بعض أهل العلم: الضابط في معرفة الفقيه في زماننا هذا أن يتمكن من معرفة موضع المسألة الفقهية، فإذا تمكن من ذلك يكون فقيهًا عند بعض الفقهاء.
ولكن الذي ينال الفضائل الواردة في تعلم العلم، ويحصل على مكانة العلماء وفضائلهم، ونرجو له أن يحشر خلف معاذ بن جبل، هو: من حقق المعنى الشرعي للفقيه، وكان عاملًا به
وأما الاصطلاحات فلا يُبنى عليها حكم شرعي، وإنما هي لتقريب العلم فقط.
ويُعَدُّ الفقه غايةً بالنسبة لعلوم الآلة، وثمرته العمل، فلا يصحّ عمل من غير علم (١)
فواجب على كل مسلم أن يتفقه قبل أن يعمل.

(١) لقول النبي ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٧١٨) عن عائشة، وعلقه البخاري في «صحيحه» قبل الحديث رقم (٧٣٤٩)، وأخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) بلفظ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

1 / 4

ترجمة الشوكاني
الشوكاني: هو أبو عبد الله أو أبو علي محمد بن علي الشوكاني ثم الصنعاني، من علماء اليمن، ولد عام ١١٧٣ هـ، ومات عام ١٢٥٠ هـ، وهو من فقهاء المحدثين.
له عدة مؤلفات من أشهرها: «نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار»، وكتابه هذا «الدرر البهية» وشرحه «الدراري المضية».

1 / 5

«الدُّرَرُ البَهيَّة» للشوكاني
الدُّرر، جمع درة، وهي: اللؤلؤة العظيمة الكبيرة.
البهية: الحسنة الجميلة.
قال المؤلف ﵀: (بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ)
ابتدأ المؤلف بالبسملة، اقتداء بكتاب الله ﵎، وبسنة النبي ﷺ فإنه ﵊ كان يقتصر عليها في مراسلاته من دون الحمد، كما في كتابه لهرقل عظيم الروم (١).
وأما في خطبه ﷺ فكان يبدأ بالحمد (٢).
ومعنى البسملة هنا: أكتب مستعينًا بالله ذي الرحمة.
ثم قال ﵀: (أحمدُ مَنْ أمَرَنا بالتَّفَقُّه في الدين)
الذي أمرنا بالتفقه في الدين هو الله ﵎، فقال سبحانه ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال ﷺ: «طلبُ العلمِ فريضةٌ على كل مسلمٍ» (٣)
وقول النبي ﷺ وحي من الله، فأمره أمر من الله؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.
والفقه في الدين يشمل علم العقيدة، وعلم الفقه، وعلم الأخلاق والآداب.
يحمدُ المؤلفُ اللهَ ﵎، وقد عدل عن قوله (أحمدُ الله ﵎ إلى قوله: (أحمدُ من أمرنا بالتفقه في الدين) مع حمده لله في بداية تأليفه، إشارة منه ﵀ إلى

(١) أخرجه البخاري (٢٩٤١) عن أبي سفيان بن حرب ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٨٦) و(٤٦٧) و(٩٢٣)، ومسلم (٩٠١) و(٩٠٥) و(١٠١٧) عن جمع من الصحابة.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٢٤) عن أنس ﵁، وروي عن جمع من الصحابة، أفضلها حديث أنس ﵁.
قال الإمام أحمد: «لا يثبت عندنا فيه شيء» «المنتخب من علل الخلال» (٦٢)
وقال البيهقي: «متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة، لا أعرف له إسنادًا يثبت بمثله الحديث». المدخل إلى السنن الكبرى (٣٢٥).
وانظر: «المقاصد الحسنة» (٦٦٠) للسخاوي.

1 / 6

موضوع الكتاب، وهو ما يسمى عند العلماء «براعة الاستهلال»، وهي أن يقدِّم المصنفُ في ديباجة كتابه - أي في فاتحة كتابه - جملة من الألفاظ يشير بها إلى موضوع كتابه.
و«الحمد» الثناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله مع المحبة والتعظيم، ويكون هذا الثناء بالقلب واللسان.
ثم قال ﵀: (وأشكرُ من أرْشَدَنا إلى اتباعِ سُنَن سيدِ المرسلين)
هذا شكر من المؤلف ﵀ لله ﵎، فإنه هو من وضح وبيّن لنا طريق النبي ﷺ وأمرنا باتباعه.
ولعل المؤلف يشير بذلك إلى أن كتابه الفقهي هذا سيكون مبنيا على الكتاب والسنة، فإنه لم يذكر فيه من المسائل الفقهية إلا التي صحّ دليلها عنده أو أجمع عليها العلماء، وترك من المسائل ما استنبطه العلماء استنباطًا، أي المسائل الاجتهادية.
فقد حاول ﵀ أن يسير على طريقة أهل الحديث في الفقه، التي تقدم الكتاب والسنة على كل شيء مع اعتبارهم للمعاني.
وهذه مدرسة من مدارس الفقه، وهي أول مدرسة وأكثر مدرسة تعظم الكتاب والسنة بطريقة صحيحة، وذلك لأنهم أخذوا هذه الطريقة عن أصحاب النبي ﷺ.
ومن المدارس الفقهية أيضا، مدرسة أهل الرأي، وهذه تعتمد على الرأي كثيرًا في بناء فقهها، بل يصل الحال بالبعض إلى تقديم الرأي على النقل، أي على الكتاب والسنة، ومن هنا جاء ذم السلف للرأي.
وتعجبني كلمة قالها الإمام الأوزاعي ﵀ في بعض أهل الرأي، قال: «ما نقمنا على فلان أنه يرى، كلنا يرى - يشير إلى أن القياس واستعمال الرأي في حال الضرورة كلنا نحتاج إليه، لكن هذا عند الضرورة، عندما لا يوجد في المسألة كتاب ولا سنة ولا إجماع - قال: ولكنا نقمنا عليه أنه يجيئه الحديث عن النبي ﷺ فيخالفه إلى غيره. انتهى
هنا جاء الإنكار، فمصيبة أن تترك الكتاب والسنة، وتقدم رأيك، هذا ضلال وأيما ضلال، أن تلويَ أعناق النصوص كي تتماشى مع رأيك، وعقلك، كما يفعل كثير من أهل الأهواء اليوم.

1 / 7

هذه مدرسة ثانية، تسمى عند الفقهاء: مدرسة أهل الرأي، من أئمتها أبو حنيفة وتلاميذه.
وأما مدرسة أهل الحديث فمن أئمتها: صحابة رسول الله ﷺ وأئمة التابعين كفقهاء المدينة السبعة، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وغيرهم.
وكذلك فقهاء بلادهم في أزمانهم كالأوزاعي في الشام، ومالك في المدينة، والليث في مصر، وعبد الله بن المبارك في خراسان، والثوري في الكوفة، وابن عيينة في مكة، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، كل هؤلاء من أئمة أهل الحديث، كانوا يعظّمون الكتاب والسنة، ويقدمونهما، ولا يستعملون القياس إلا عند الضرورة، حين لا يوجد كتاب ولا سنة في المسألة.
و«الشكر»: ظهور أثر النعمة على اللسان والقلب والجوارح، بأن يكون اللسان مُقِرًّا بالمعروف مثنيًا به، ويكون القلب معترفًا بالنعمة، وتكون الجوارح مسْتَعْمِلَةً النعمةَ فيما يرضاه المشكور.
والشكر لله يكون بذلك كله، فلا بد من صرف النعمة التي أنعم الله بها عليك في طاعته كي تكون شاكرًا.
قال تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وقال المغيرة بن شعبة: قام رسول الله ﷺ حتى تورّمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (١).
فالشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان والقلب، وأما الحمد فلا يكون بالعمل، فالشكر أعم من هذا الوجه.
والحمد يكون من غير سبق إحسان من المحمود، أو مع الإحسان، وأما الشكر فلا يكون إلا على الإحسان، فالحمد أعم من هذا الوجه.
ثم قال المؤلف ﵀: (وأُصلّي وأُسلِّم على الرسولِ الأمينِ وآله الطّاهرين وأصحابه الأكرمين)
(وأصلي وأسلم) أي أسأل الله أن يصلي ويسلم على سيدنا محمدٍ ﷺ.

(١) أخرجه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩) عن المغيرة بن شعبة ﵁.

1 / 8

وصلاة الله على نبيه، ثناؤه عليه عند الملائكة المقربين، كما قال أبو العالية (١).
و(السلام): أي يسلمه من الآفات والنقائص.
(وآله الطاهرين) الآل إذا ذكروا من غير ذكر الأصحاب معهم، فالمقصود أتباعه على دينه من قرابته وغيرهم، وأما إذا ذكر الأصحاب معهم كما فعل المؤلف، فالمقصود قرابته، المؤمنون منهم.
والمؤلف صلى وسلم على النبي ﷺ امتثالًا لقول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وقد صلى النبي ﷺ على نفسه وآله حين علمنا الصلاة عليه (٢).
فالآل تأتي بمعنى الأتباع، وبمعنى الأهل.
وصلاة الملائكة والعباد على النبي ﷺ، الدعاء له بالرحمة.
كتاب الطهارة
ثم قال ﵀: (كتاب الطهارة)
كتاب: مصدر، يقال: كَتَبَ يَكْتُبُ كِتابَةً وكِتابًا، ومادة كتب تدل على الجمع والضم، لذلك سميت كتيبةُ الجيش كتيبة، لأنها تجمع وتضم مجموعة من أفراد الجيش.
واستعمل العلماء ذلك فيما يجمع أشياء من الأبواب والفصول الجامعة للمسائل، والجمع والضم فيه حاصل على الحروف والكلمات وعلى المعاني.

(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير من «صحيحه» قبل الحديث رقم (٤٧٩٧) معلقًا، ووصله إسماعيل القاضي وابن أبي حاتم وغيرهما من طريق أبي جعفر الرازي.
وفيه خلاف يحتج به في مثل هذه الرواية، فهو صحيح.
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٥٧)، ومسلم (٤٠٦) عن كعب بن عجرة ﵁.

1 / 9

والمراد هنا من حيث المعنى: جمع وضم الأبواب والمسائل المتعلقة بالطهارة.
وتعريف الكتاب اصطلاحًا هو: اسم لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب وفصول غالبًا.
وأما (الطهارة) فلغة: النظافة، والتنزّه عن الأدناس وهي الأوساخ.
وفي الشرع تطلق على معنيين:
الأول: طهارة القلب من الشرك في العبادة، والغلّ والبغضاء لعباد الله المؤمنين، وهذه من مباحث الاعتقاد.
والمعنى الثاني، وهو المراد هنا: رفع الحدث وإزالة النجاسة، أو ما في معناهما.
(الحدث) هو ما يوجب الوضوء أو الغسل، فما يوجب الوضوء يسمى الحدث الأصغر كخروج الريح أو قضاء الحاجة، أما ما يوجب الغسل فيسمى الحدث الأكبر كالجنابة، وقد صح عن عَبيدة السلماني أنه سئل، ما يوجب الوضوء؟ قال: الحدث، أي الأصغر (١).
و(النجاسة) في اللغة: القذر.
وفي الشرع: كل عين يجب التطهر منها، كالبول والبراز.
وقولنا: (أو ما في معناهما) كتجديد الوضوء فإنه يسمى طهارة مع أنه ليس رافعا لحدث ولا مزيلا لنجاسة.
والنجاسة إما عينية أي عين الشيء نجسة كالبراز، أو وصفية كالبول إذا وقع على الثوب، فإن الثوب يوصف بأنه نجس.
والعينية تطّهر بالاستحالة، والوصفية بتنظيفها.
فهذا معنى كتاب الطهارة، فإن المصنف قد جمع في هذا المبحث كل ما يتعلق بالطهارة من المسائل الفقهية التي صح دليلها.

(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٨/ ١٥٣ - هجر)، المائدة (٦).

1 / 10