Дзахира

الذخيرة

Издатель

دار الغرب الإسلامي

Издание

الأولى

Год публикации

1414 AH

Место издания

بيروت

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
(تَقْدِيم)
كتاب الذَّخِيرَة مبتكر فِي الْفِقْه الْمَالِكِي فروعه وأصوله بدع من مؤلفات عصره الَّتِي هِيَ فِي الْأَعَمّ اختصارات أَو شُرُوح وتعليقات وَرُبمَا كَانَت الذَّخِيرَة أهم المصنفات فِي الْفِقْه الْمَالِكِي خلال الْقرن السَّابِع الهجري وَآخر الْأُمَّهَات فِي هَذَا الْمَذْهَب إِذْ لَا نجد لكبار فُقَهَاء الْمَالِكِيَّة المغاربة والشارقة الَّذين عاصروا الْقَرَافِيّ أَو جاؤوا بعده سوى مختصرات لم تعد على مَا أدْركْت من شهرة وانتشار أَن كرست عَن غير قصد تعقيد الْفِقْه وإفراغه من محتواه النظري الخصب وأدلته الاجتهادية الْحَيَّة ليُصبح فِي النِّهَايَة مُجَرّد حك أَلْفَاظ ونقاش عقيم يَدُور فِي حَلقَة مفرغة لَا تنْتج وَلَا تفِيد وَإِذا كَانَ الْمَذْهَب الْمَالِكِي تركز أَكثر فِي الْجنَاح الغربي من الْعَالم الإسلامي فَإِنَّهُ قطع أشواطا متميزة قبل أَن يصل إِلَى تعقيدات عصر الْقَرَافِيّ فقد كَانَت القيروان بِالنِّسْبَةِ لهَذَا الْجنَاح الغربي منطلق إشراق الْفِقْه الْمَالِكِي وأفوله مَعًا فَفِيهَا نشر أَسد بن الْفُرَات (ت. ٢١٣) الْمُدَوَّنَة الأولى الَّتِي حوت سماعاته من مَالك وَغَيره الْمَعْرُوفَة بالأسدية فَأَخذهَا سَحْنُون عبد السَّلَام بن سعيد (ت. ٢٤٠) وصححها على ابْن الْقَاسِم وَسمع من أَشهب وَابْن وهب وَغَيرهم من تلاميذ مَالك وَرجع إِلَى القيروان بالمدونة الْكُبْرَى الَّتِي نسخت الأَسدِية وجمعت

1 / 5

سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألف مَسْأَلَة فانتشرت فِي أقطار المغارب والأندلس وظلت ركيزة الْمَذْهَب الْمَالِكِي ومرجع فقهائه طوال الْقُرُون الأولى وَفِي القيروان لاحظ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أبي زيد القيرواني (ت. ٣٨٦) كسل الهمم عَن إِدْرَاك مدونة سَحْنُون فاختصرها اختصارا غير مخل حل محلهَا وَعفى على الاختصارين الأندلسيين السَّابِقين لفضل بن سَلمَة الْجُهَنِيّ (ت. ٣١٩) وَمُحَمّد بن عيشون الطليطلي (ت. ٣٤١) ولسوء الْحَظ قَامَ فِي القيروان أَيْضا خلف بن أبي الْقَاسِم البراذعي الْمُتَوفَّى أَوَائِل الْقرن الْخَامِس بِاخْتِصَار مُخْتَصر شَيْخه ابْن أبي زيد القيرواني للْمُدَوّنَة سَمَّاهُ التَّهْذِيب فتقبله النَّاس بِقبُول حسن وَقد ازدادوا حَاجَة إِلَى الِاخْتِصَار حَتَّى إِذا جَاءَ أَبُو عَمْرو بن الْحَاجِب الدِّمَشْقِي (ت. ٦٤٦) وَاخْتصرَ التَّهْذِيب فزاده تعقيدا وطم السَّيْل مَعَ خَلِيل بن إِسْحَاق الْمصْرِيّ (ت. ٧٤٩) الَّذِي اختصر مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب فِي بضعَة كراريس فَأصْبح مُخْتَصر خَلِيل الْمُخْتَصر الرَّابِع فِي مسلسل مختصرات الْمُدَوَّنَة عبارَة عَن رموز لَا تفهم يحفظ عَن ظهر قلب وَيقْرَأ أحزابا فِي جَامع الْقرَوِيين وَغَيره وَلَا تفك رموزه إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى عشرات المجلدات من الشُّرُوح والحواشي والتعليقات دون إِدْرَاك روح التشريع طبعا وَغدا بعض المدرسين (الْمُحَقِّقين) لَا يخْتم مُخْتَصر خَلِيل إِلَّا بعد أَرْبَعِينَ سنة وَبِذَلِك تقرر جمود الْفِقْه وتحجره وَاسْتمرّ إِلَى أيامنا هَذِه اعْتمد الْقَرَافِيّ فِي الذَّخِيرَة على نَحْو أَرْبَعِينَ من تصانيف الْمَذْهَب الْمَالِكِي وَخص خَمْسَة مِنْهَا كمصادر أساسية يرجع إِلَيْهَا دَائِما ويقارن بَينهَا ويناقش وَكلهَا كتب مُسْتَقلَّة مبتكرة أصيلة (١) مدونة سَحْنُون القيرواني (٢) والتفريغ لِعبيد الله بن الْجلاب الْبَصْرِيّ (ت. ٣٦٨) (٣) ورسالة ابْن أبي زيد القيرواني (٤) والتلقين للْقَاضِي عبد الْوَهَّاب الْبَغْدَادِيّ (ت. ٤٢٢) (٥) والجواهر الثمينة فِي مَذْهَب عَالم الْمَدِينَة لعبد الله بن شَاس الْمصْرِيّ (ت. ٦١٠) وتميزت الذَّخِيرَة - إِلَى ذَلِك - بدقة التَّعْبِير وسعة الْأُفق وسلالة الأسلوب وجودة

1 / 6

التَّقْسِيم والتبويب الْأَمر الَّذِي يضفي عَلَيْهَا من جِهَة أُخْرَى طَابع الْجدّة والحداثة حَتَّى لكأنها كتبت فِي عصرنا الْحَاضِر بقلم أحد أَعْلَام الْفِقْه والقانون تظهر عبقرية مؤلف الذَّخِيرَة وموسوعيته الَّتِي سنتحدث عَنْهَا بعد قَلِيل فِي مزجه بَين الْفِقْه وأصوله واللغة وقواعدها والمنطق والفلسفة والحساب والجبر والمقابلة فِي المواطن الَّتِي تقتضيها وَفِي وَضعه مصطلحات دقيقة ورموزا وَاضِحَة تختصر أَسمَاء الْأَشْخَاص والكتب الَّتِي يكثر تداولها فِي الذَّخِيرَة تقليلا للحجم فكلمة الْأَئِمَّة تَعْنِي عِنْده الشَّافِعِي وَأَبا حنيفَة وَابْن حَنْبَل وش ترمز للشَّافِعِيّ وح لأبي حنيفَة والصحاح تَعْنِي الْمُوَطَّأ وصحيحي البُخَارِيّ وَمُسلم ونجد فِي الذَّخِيرَة دَاخل الْأَبْوَاب والفصول والمباحث وَالْفُرُوع الْمُعْتَادَة عناوين فرعية تضبط المعلومات الإضافية وتحددها وتبرزها أَمْثَال تمهيد تَحْقِيق تَفْرِيع تَنْقِيح تَحْرِير تذييل قَاعِدَة فَائِدَة نَظَائِر فروع مرتبَة وَيُمكن أَن يعد من مميزات الذَّخِيرَة كَذَلِك عناية الْمُؤلف بإبراز أصُول الْفِقْه الْمَالِكِي دحضا للشبهات الَّتِي علقت بالأذهان مُنْذُ قديم قَاصِرَة أصُول الْفِقْه بِالنِّسْبَةِ للمذاهب الْأَرْبَعَة على الإِمَام الشَّافِعِي واعتباره هَذَا الْفَنّ برسالته الَّتِي حددت منهاجه فِي استنباط الْأَحْكَام من الْقُرْآن وَكتب أُخْرَى لَهُ فِي الْقيَاس وَإِبْطَال الِاسْتِحْسَان وَاخْتِلَاف الْأَحَادِيث وَإِذا كَانَ الْقَرَافِيّ مَسْبُوقا فِي هَذَا الْمِضْمَار بِمَا كتبه القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ الْمعَافِرِي الْمُتَوفَّى بفاس عَام ٥٤٣ فِي شرحيه على الْمُوَطَّأ القبس وترتيب المسالك مِمَّا يدل على سبق مَالك فِي بِنَاء مذْهبه الفقهي على قَوَاعِد أصولية محكمَة لَا شكّ أَن تِلْمِيذه الشَّافِعِي أَخذهَا عَنهُ ووسعها وَألف فِيهَا الرسَالَة والكتب الْمَذْكُورَة فانتشرت حَتَّى أَصبَحت الْأُصُول علما مُسْتقِلّا بِذَاتِهِ إِذا كَانَ ذَلِك فَإِن مزية مؤلف الذَّخِيرَة أَن جعل من شَرطه فِيهَا تتبع الْأُصُول فِي مُخْتَلف الْأَبْوَاب قَائِلا فِي الْمُقدمَة وَبَيَّنْتُ مَذْهَبَ مَالِكٍ ﵀ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِيَظْهَرَ عُلُوُّ شَرَفِهِ فِي اخْتِيَارِهِ فِي الْأُصُولِ كَمَا ظَهَرَ فِي الْفُرُوعِ وَيَطَّلِعَ الْفَقِيهُ على مُوَافَقَته

1 / 7

لِأَصْلِهِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ لَهُ لِمُعَارِضٍ أَرْجَحَ مِنْهُ فيطلبه حَتَّى يطلع على مدركه وَيمْنَع الْمُخَالفين فِي المناظرات على أَصله نتج عَن كل مَا سبق دَعْوَة عَامَّة فِي الْكتاب إِلَى الِاجْتِهَاد ونبذ التَّقْلِيد الْأَعْمَى فِي الْأَحْكَام الْفِقْهِيَّة إِذْ علاوة على الْمُقدمَة الثَّانِيَة للذخيرة فِي أصُول الْفِقْه وقواعد الشَّرْع الَّتِي خصص الْمُؤلف الْبَابَيْنِ التَّاسِع عشر وَالْعِشْرين مِنْهَا للِاجْتِهَاد وَجَمِيع أَدِلَّة الْمُجْتَهدين قَائِلا فِي حكم الِاجْتِهَاد وَمذهب مَالك وَجُمْهُور الْعلمَاء رضوَان الله عَنْهُم وُجُوبُهُ وَإِبْطَالُ التَّقْلِيدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ وَقَدِ اسْتَثْنَى مَالِكٌ ﵀ أَرْبَعَ عَشْرَةَ صُورَة للضَّرُورَة علاوة على ذَلِك لَا يكَاد الْمُؤلف يَأْتِي بِمَسْأَلَة من مسَائِل فروع الْعِبَادَات أَو الْمُعَامَلَات إِلَّا أبان أصل حكمهَا وحجج الْمُخْتَلِفين فِيهَا من الْأَئِمَّة وَالْفُقَهَاء مبرزا أَدِلَّة الْمَالِكِيَّة بِصفة خَاصَّة بعد عبارَة لنا دون إغفال أَدِلَّة الآخرين سيرا مَعَ الخطة الَّتِي قررها فِي الْمُقدمَة وَقد آثرت التَّنْبِيه على مَذْهَب الْمُخَالفين لنا من الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَمَآخِذِهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ تَكْمِيلًا لِلْفَائِدَةِ ومزيدا من الِاطِّلَاعِ فَإِنَّ الْحَقَّ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي جِهَةٍ فَيَعْلَمُ الْفَقِيهُ أَيُّ الْمَذْهَبَيْنِ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَأَعْلَقُ بِالسَّبَبِ الْأَقْوَى وتتكرر فِي الذَّخِيرَة عِبَارَات ليَكُون الْفَقِيه على بَصِيرَة ليستدل الْفَقِيه تحفيزا للهمم على إِعْمَال الْفِكر وإمعان النّظر واستنكافا عَن التَّقْلِيد والجمود وَأخذ الْمسَائِل أحكاما مسلمة.

1 / 8

الْمُؤلف مؤلف الذَّخِيرَة هُوَ أَحْمد بن إِدْرِيس بن عبد الرحمان بن عبد الله بن يلين الصنهاجي الملقب بشهاب الدّين الْمَعْرُوف بالقرافي وبالمالكي وَقد اتّفق مترجموه على أَنه ينْسب للقرافة وَلم يسكنهَا متناقلين مَا رَوَاهُ ابْن فَرِحُونَ فِي الديباج ص ٦٦٠ عَن الرحالة ابْن رشيد السبتي صَاحب ملْء العيبة أَن بعض

1 / 9

تلاميذ الْمُؤلف ذكر لَهُ أَن سَبَب شهرته بالقرافي أَنه لما أَرَادَ الْكَاتِب أَن يثبت اسْمه فِي بَيت الدَّرْس كَانَ حِينَئِذٍ غَائِبا فَلم يعرف اسْمه وَكَانَ إِذا جَاءَ للدرس يقبل من جِهَة القرافة فَكتب الْقَرَافِيّ فمرت عَلَيْهِ هَذِه النِّسْبَة وأكد الصَّفَدِي فِي الوافي بالوفيات ٦: ٢٣٣ مَضْمُون هَذِه الرِّوَايَة مضيفا أَن السُّؤَال عَن الْمُؤلف كَانَ عِنْد تَفْرِقَة الجامكية لمدرسة الصاحب بن شكر فَقيل هُوَ بالقرافة فَقَالَ اكتبوه الْقَرَافِيّ فَلَزِمَهُ ذَلِك ويضيف أَصْحَاب كتب التراجم ثَلَاث نسب أُخْرَى للمؤلف هِيَ البهفشيمي والبهنسي والمصري وَقد فسر الصَّفَدِي فِي الوافي بالوفيات ٦: ٢٣٣ النِّسْبَة الأولى قَائِلا إِن أَصله من قَرْيَة من كورة بوش من صَعِيد مصر الْأَسْفَل تعرف ببهفشيم فِي حِين تشكك فِيهَا بَان فَرِحُونَ فِي الديباج ص ٦٦ قَائِلا ولعلها قَبيلَة من قبائل صنهاجة كَمَا تشكك فِي كَون أَصله من بهنسا فِي الصَّعِيد الْمصْرِيّ قَائِلا إِن ذَلِك مِمَّا ذكره بَعضهم تبقى إِذن النِّسْبَة الْأَصْلِيَّة الْمُتَّفق عَلَيْهَا للمؤلف هِيَ الصنهاجي وصنهاجة من أكبر قبائل البربر بجنوب الْمغرب الْأَقْصَى وَهِي أرومة دولة المرابطين مؤسسي مَدِينَة مراكش الَّذين شَمل نفوذهم مُعظم الغرب الإسلامي من أقْصَى بِلَاد الأندلس شمالا إِلَى بِلَاد السودَان جنوبا فِي فَتْرَة تمتد من منتصف الْقرن الْخَامِس الهجري إِلَى منتصف الْقرن السَّادِس ١١٤٤ - ١٠٦١ / ٥٣٩ - ٤٥٣ يُؤَكد

1 / 10

هَذِه النِّسْبَة الصنهاجية للمؤلف اسْم جده الثَّالِث يلين الَّذِي ينْطق بِهِ فِي اللهجة الصنهاجية تَمامًا كَمَا ضَبطه ابْن فَرِحُونَ بياء مثناة من تَحت مَفْتُوحَة وَلَام مُشَدّدَة مَكْسُورَة وياء سَاكِنة مثناة من تَحت وَنون سَاكِنة وَأَصله كَمَا أكده الزميل أَحْمد التَّوْفِيق بِالْهَمْزَةِ إيلين سهلت يَاء كَمَا هُوَ شَأْن الصنهاجيين فِي النُّطْق بِمثل هَذِه الْكَلِمَات وَهُوَ عِنْدهم من جذر إل بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون اللَّام الْمُشَدّدَة المفخمة بِمَعْنى الْبَحْر وَالْخَال والسواد فإيلين أَو يلين بِصِيغَة الصّفة تَعْنِي المسود أَو الأسمر والسمرة شائعة عِنْد الصنهاجيين الَّذين تتاخم مواطنهم فِي جنوب الْمغرب بِلَاد السودَان يتجلى من كل مَا سبق أَن أَحْمد بن إِدْرِيس الصنهاجي مؤلف الذَّخِيرَة مغربي صميم بِدُونِ ريب وَلَا لبس صرح بمغربيته كثير مِمَّن ترجموا لَهُ قَدِيما وحديثا وَجزم بهَا بَعضهم مثل عبد الرؤوف سعد الَّذِي قَالَ فِي تَقْدِيمه لشرح تَنْقِيح الْفُصُول فِي اخْتِصَار الْمَحْصُول فِي الْأُصُول للقرافي وَلَا ريب فِي أَن مؤلفنا ﵁ مغربي مَا فِي ذَلِك شكّ طبعة الْقَاهِرَة ١٩٧٣ ح وَمِمَّا يُؤَكد استبعاد ولادَة الْمُؤلف فِي بهنسا أَو بهفشيم وَيبين غربته فِي مصر وطروة عَلَيْهَا أَنهم لم يَكُونُوا يعْرفُونَ حَتَّى اسْمه بله مسْقط رَأسه وَهُوَ طَالب نابه يدرس بِإِحْدَى الْمدَارِس الشهيرة فِي الْقَاهِرَة وَيسْتَحق الجامكية. لَا يعرف تَارِيخ ولادَة الْمُؤلف بِاتِّفَاق أَصْحَاب كتب التراجم كَمَا لَا يعرف تَارِيخ انْتِقَاله إِلَى مصر مُنْفَردا أَو مَعَ أَبِيه وَإِن كَانَ الرَّاجِح أَن أَحْمد هُوَ الَّذِي خرج إِلَى مصر بعد أَن بلغ مبلغ الرِّجَال يدل على ذَلِك أَن من بَين شُيُوخه وتلامذته مغاربة وأندلسيين كَمَا سنرى وَالْأَقْرَب إِلَى الْمنطق أَن يتم الِاتِّصَال بهم فِي بَلَده قبل أَن يُهَاجر إِلَى مصر وَأَن وَالِده إِدْرِيس لم يشْتَهر بِعلم وَلَا تِجَارَة تدعوانه إِلَى الالتحاق بِمصْر وَإِن كَانَ هُنَاكَ احْتِمَال الْخُرُوج إِلَى الْحَج أَو طلب الرزق فِي وَقت لم يكن الْمُسلمُونَ يُقِيمُونَ وزنا للحدود السياسية الوهمية ويعتبرون أَرض الْإِسْلَام وَاحِدَة سَوَاء فِي الْمغرب أَو الْمشرق

1 / 11

وعَلى افتراض أَن المُهَاجر هُوَ أَحْمد فإننا نقدر أَن يكون خُرُوجه من الْمغرب خلال العقد الْخَامِس من الْقرن السَّابِع فِي فَتْرَة الِاضْطِرَاب الَّتِي عرفتها نِهَايَة دولة الْمُوَحِّدين وَقبل أَن تتمكن قدم المرينيين مَعَ يَعْقُوب بن عبد الْحق سنة ١٢٥٨ / ٦٥٦ وَإِذا قَدرنَا أَنه كَانَ آنذاك فِي الثَّلَاثِينَ من عمره فَتكون وِلَادَته حوالي عَام ١٢٢٣ / ٦٢٦ كَمَا استنتج ذَلِك إِسْمَاعِيل الْبَغْدَادِيّ فِي إِيضَاح الْمكنون أَخذ أَحْمد الْقَرَافِيّ عَن شُيُوخ كثرين أشهرهم خَمْسَة مُحَمَّد بن عمرَان الْمَعْرُوف بالشريف الكركي الملقب بشرف الدّين وَهُوَ مغربي ولد بفاس وتفقه فِيهَا على يَد أبي مُحَمَّد صَالح الهسكوري صَاحب التَّقْيِيد الشهير على الرسَالَة الْمُتَوفَّى بفاس سنة ٦٥٣ قَالَ عَنهُ تِلْمِيذه الْقَرَافِيّ إِنَّه تفرد بِمَعْرِفَة ثَلَاثِينَ علما وَحده وشارك النَّاس فِي علومهم وَقد هَاجر الشريف الكركي أَيْضا إِلَى مصر وَلَعَلَّ ذَلِك تمّ فِي نفس فَتْرَة الِاضْطِرَاب بَين الدولتين الموحدية والمرينية الَّتِي أَشَرنَا إِلَيْهَا آنِفا وشارك تِلْمِيذه الْقَرَافِيّ فِي الْأَخْذ عَن سُلْطَان الْعلمَاء الْعِزّ بن عبد السَّلَام فَكثر الآخذون عَن الكركي وانتشر علمه هُنَاكَ حَتَّى عد شيخ الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة بِمصْر وَالشَّام وَتُوفِّي بِمصْر سنة ١٢٩٨ / ٦٩٨ وَأخذ الْقَرَافِيّ كَذَلِك عَن أبي بكر مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْوَاحِد بن عَليّ الإدريسي وَهُوَ مغربي أَيْضا هَاجر إِلَى الْمشرق وَعرف فِيهِ بِابْن أبي سرُور الْمَقْدِسِي الْحَنْبَلِيّ ولقب بشمس الدّين يَقُولُونَ إِنَّه ولد وتفقه بِدِمَشْق وَأقَام مُدَّة بِبَغْدَاد قبل أَن ينْتَقل إِلَى مصر حَيْثُ تصدر للتدريس وَكَانَ أول من ولي منصب قَاضِي قُضَاة الْحَنَابِلَة بالديار المصرية وَبَقِي بهَا إِلَى أَن مَاتَ عَام ١٢٧٧ / ٦٧٦ وَدفن بالقرافة لم يذكر أَصْحَاب كتب التراجم من صلَة الْقَرَافِيّ بِهِ سوى أَنه سمع عَلَيْهِ مُصَنفه المعنون بوصول ثَوَاب الْقُرْآن مَعَ أَن لأبي بكر الإدريسي مؤلفات أُخْرَى ككتاب الجدل وعيون الْأَخْبَار وأصول الْقِرَاءَة وتتلمذ الْقَرَافِيّ أَيْضا لأبي عَمْرو عُثْمَان ابْن الْحَاجِب الشَّامي ثمَّ الْمصْرِيّ

1 / 12

مؤلف المختصرات الشهيرة فِي أصُول الْفِقْه وفروعه الْمَالِكِيَّة والكافية والشافية فِي النَّحْو وَالصرْف وَغَيرهَا من كتب الْقرَاءَات والبلاغة وَرُبمَا لم تطل مُدَّة أَخذ الْقَرَافِيّ عَن ابْن الْحَاجِب الَّذِي توفّي سنة ١٢٤٨ / ٦٤٦ كَمَا أَخذ الْقَرَافِيّ المعقولات عَن إمامها شمس الدّين عبد الحميد بن عِيسَى الخسر وشاهي تلميذ الإِمَام الرَّازِيّ وشارح كتبه وَلَا يعرف إِن كَانَ الْأَخْذ عَنهُ تمّ فِي الشَّام أَو مصر لِأَن الْمَعْرُوف فِي كتب التراجم أَن الخسر وشاهي انْتقل من مسْقط رَأسه بِفَارِس إِلَى الشَّام ثمَّ الكرك وَرجع أخيرا إِلَى دمشق حَيْثُ توفّي عَام ١٢٥٤ / ٦٥٢ على أَن أعظم شُيُوخ الْقَرَافِيّ بالمشرق هُوَ سُلْطَان الْعلمَاء عز الدّين بن عبد السَّلَام الشَّامي الأَصْل قَاضِي مصر وخطيب جَامع عَمْرو بن الْعَاصِ ومدرس الصالحية مؤلف قَوَاعِد الْأَحْكَام فِي مصَالح الْأَنَام ومجاز الْقُرْآن وَغَيرهمَا لَازمه الْقَرَافِيّ طَويلا فِي مجالسة العلمية المتنوعة حَتَّى الْفِقْهِيَّة وَلَو أَن الْعِزّ كَانَ شافعيا إِلَى أَن مَاتَ عَام ١٢٦١ / ٦٦٠ وَيظْهر أثر ذَلِك جليا فِي الذَّخِيرَة حِين يفصل الْقَرَافِيّ القَوْل فِي فروع الشَّافِعِيَّة أَكثر من الْمذَاهب الْأُخْرَى عِنْدَمَا يقارنها بآراء فُقَهَاء الْمَالِكِيَّة لَكِن رغم إعجاب الْقَرَافِيّ بشيخه عز الدّين ابْن عبد السَّلَام فَإِنَّهُ لَا يتَرَدَّد فِي انتقاده وَالرَّدّ على مذْهبه مَتى عنت لَهُ الْحَقِيقَة وبدا وَجه الصَّوَاب شَأْنه فِي ذَلِك مَعَ الشَّيْخَيْنِ خسر وشاهمي والرزاي فِي مناقشة آرائهما ومخالفتها أَحْيَانًا فِي شرح الْمَحْصُول وَهُنَاكَ عَالم آخر تصنفه كتب التراجم من بَين شُيُوخ الْقَرَافِيّ وَأَظنهُ تِلْمِيذه هُوَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البقوري بباء مُوَحدَة نِسْبَة إِلَى بقور بلد بالأندلس عَاشَ فِي بلاط المرينين بفاس وزار مصر والحجاز حِين أرْسلهُ أَبُو يَعْقُوب يُوسُف المريني ٦٨٥ - ١٢٨٦ / ٧٠٦ - ١٣٠٦ إِلَى الْمشرق وَمَعَهُ مصحف قُرْآن حمل بغل ليوقف بِمَكَّة وَكَانَت وَفَاة البقوري بمراكش عَام ١٣٠٧ / ٧٠٧ وقبره بهَا مزارة مَقْصُودَة وَمن بَين مؤلفاته حَاشِيَة على كتاب الْقَرَافِيّ فِي

1 / 13

الْأُصُول وَذَلِكَ مِمَّا نستدل بِهِ على أَنه تلميذ لَهُ لَا شيخ وَمن تلاميذ الْقَرَافِيّ المغاربة الَّذين عنوا بكتبه وشرحوها ونشروها أَحْمد بن عبد الرحمان التادلي الفاسي الْمُتَوفَّى عَام ١٣٤٠ / ٧٤١ شَارِح التَّنْقِيح وقاسم ابْن الشَّاط الْأنْصَارِيّ السبتي الْمُتَوفَّى عَام ١٣٢٣ / ٧٢٣ صَاحب أنوار البروق فِي تعقب الفروق وَقد حظي هَذَا الْكتاب الْأَخير لَدَى الْفُقَهَاء عُمُوما والمغاربة مِنْهُم بِصفة خَاصَّة حَتَّى اشتهرت فِيهِ قولتهم عَلَيْك بفروق الْقَرَافِيّ وَلَا تقبل مِنْهَا إِلَّا مَا سلمه ابْن الشَّاط وَمُحَمّد بن عبد الله بن رَاشد الْبكْرِيّ القفصي الْمُؤلف المكثر المتوفي بتونس عَام ١٣٣٥ / ٧٣٦ الَّذِي أجَازه الْقَرَافِيّ بِالْإِمَامَةِ فِي أصُول الْفِقْه ونشير إِلَى أَن مُحَمَّد بن رشيد السبتي صَاحب ملْء العيبة قصد بدوره أَحْمد الْقَرَافِيّ للأخذ عَنهُ فِي مصر لكنه لم يتَمَكَّن من ذَلِك فَكتب فِي رحلته أسفا دخلت مصر عقب وَفَاته بِثمَانِيَة أَيَّام ففات لقاؤه فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ... وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْأَحَد متم جُمَادَى الْأَخِيرَة عَام أَرْبَعَة وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَدفن يَوْم الِاثْنَيْنِ غرَّة رَجَب فَلَقِيت أَصْحَابه وَقد فرق جمعهم يحدد هَذَا النَّص علاوة على مَا يفهم مِنْهُ من كَثْرَة تلامذة الْقَرَافِيّ المشارقة وتعلقهم بِهِ تَارِيخ وَفَاته وَدَفنه بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ من الدقة فَلَا يلْتَفت إِلَى مَا يُخَالِفهُ فِي بعض كتب التراجم كَانَ الْقَرَافِيّ كَمَا يَقُول تلميذ تلاميذه الصّلاح الصَّفَدِي حسن الشكل والسمت درس بِجَامِع مصر وبمدرسة طيبرس وبمدرسة الصالحية بعد وَفَاة شرف الدّين السُّبْكِيّ إِلَى أَن مَاتَ وَهُوَ مدرسها وَألف عشرات الْكتب فِي مُخْتَلف فروع الْمعرفَة تشهد بمشاركته الواسعة فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية فَكتب فِي أصُول الدّين وأصول الْفِقْه وفروع الْمَذْهَب الْمَالِكِي وَالْفِقْه الْمُقَارن والفتاوى وَالْأَحْكَام والتوقيت وَالتَّعْدِيل

1 / 14