Современные интеллектуальные вызовы хадисам Сахиха Аль-Бухари и Сахиха Муслима
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين
Издатель
تكوين للدراسات والأبحاث
Издание
الأولى
Год публикации
١٤٤١ هـ - ٢٠٢٠ م
المعارضات الفكرية المعاصرة
لأحاديث الصحيحين
دراسة نقديَّة
د. محمد بن فريد زريوح
المجلد الأول
1 / 5
مقدمة
أحْمَدُه -جَلَ ذِكْرُه- بجميعِ مَحامِدِه، وأُثْني عليه بتَواتُر فَواضِله ونِعَمِه، وأَستهديهِ سبيلَ الصَّواب في القولِ والعَمَلِ بمِنَنِه، وأُصلِّي على خيرِ خلقِه وأكْرمِ رُسلِه ﷺ، وعلى أَصحابه وأهلِ بيتِه.
أمَّا بعدُ:
فإِنَّ مِن حِكْمةِ الله تعالى وجَسيمِ لُطفْهِ ورحمتِه بعِبادِه، أنْ ابْتعثَ إِليهم خيَر خَلْقهِ، وخاتَم رُسُلِهِ، محمَّدًا -صَلواتُ ربِّي وسلامُه عليه-، وجَعَله محْفوفًا ببُرهانِ الوحيِ، المُشتملِ على هدايةِ البَشريَّة مِن لُجَج الظُّنون، ونورًا للبَرِيَّةِ مِن مُدْلَهِمَّات الشُّبهات وغَسَقِ الفُتون، وافترضَ على العبادِ اتِّباعَ وَحْيِه كتابًا وحِكْمةً، تدَّفقت بها كلماتُه ﷺ، واصطَبغت بها أفعالُه، فأَناطَ الفوزَ والسَّعادةَ الأبديَّة للمُتمسِّكين بها، الصَّادِرين عنها، المُدِيرين عليها أَقوالَهم وأَعمالَهم.
فكان أَسعدَ الخَلْقِ بهذا النُّورِ، وأَحقَّ النَّاس به، وأَعلاهُم به عَيْنًا، وأَشدَّهم تعظيمًا واتِّباعًا له: هم أَهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ؛ لانطواءِ ضَمَائرِهِم على يَقينٍ كُلِّيٍّ بِصدْقِ ثلاثِ ضروراتٍ شرعيَّة:
الضَّرورة الأُولى: قيامُ التَّلازُم بين نورِ الوحيِ وبَصَرِ العقلِ، وتَعذُّر الانتفاعِ بأَحدِهما دون الآخر؛ فنورُ الوَحيِ بلا بَصرِ العقل لا تَتحصَّل الاستفادةُ منه، إذْ بالعقلِ عُلِم صِدقُ الوحي، وأنَّه مِن لَدُن حكيمٍ عليمٍ؛ وبَصَرُ العقلِ بلا نورِ الوحي قضاءٌ على العقلِ بالضَّياعِ في مَنَادِح الأَهواء، ومَسَارِب العَماية.
1 / 9
والضَّرورة الثَّانية: امتناعُ جرَيَانِ التَّناقُضِ بين وَحْيِه تعالى المَشمولِ بالإِرادةِ الأَمريَّةِ الشَّرعيَّةِ، وبين العقلِ الَّذي تنتظِمُه إرادَةُ الربِّ الخَلقيَّة التَّكوينيَّة؛ ومَجْلى هذا الامتناع: أنَّ كِلا الوَحيِ والعقلِ مِن عند الله، فالأوَّل: أمرُه، والثَّاني: خَلْقُه؛ ولا تعارُضَ بين خَلْقِه وأمرِه، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
والضَّرورة الثَّالثة: أنَّ هذا الوحيَ بهذه الصِّفةِ الهاديَةِ، محفوظٌ مِن الرَّب ﵎ إلى قيامِ السَّاعةِ، حفظًا لأحكامِه ومَعانيه، كما هو حفظ لحروفِه ومَبانيه؛ وقد أوكَلَ الله مُهمَّة تبيِينِ القرآن وتَفصيلِه لنبيِّه ﷺ فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]؛ فإذا صحَّ المَنقول من سُنَّته ﷺ عند حَمَلة شرعِه، انتظَمَه الوَعدُ بحفظِ الذِّكر لزامًا؛ لسَبْقِ القضاءِ الكَونيِّ بِحفظِ الأُمَّة مِن نُفوقِ الخطأِ عليها.
فهذه ثلاثُ ضروريَّاتٍ بُرهانيَّات، ينقشعُ بهنَّ عِثْيَرُ مُناقضةِ البراهين، ومُدافعة الدَّلائل بافتراعِ خُصومةٍ مُلدَّةٍ بين الدَّلائل الشَّرعية نَقْلِيِّها وعَقْلِيِّهِا؛ يتَوَلَّى كِبْرَ هذه الخصومةِ، ويَتقحَّمُ جراثيمَ هذه المُشاقَّةِ: طوائفُ في القديمِ والحديثِ، اجْتَوَت المنهلَ الرِّساليَّ الصَّافي بادِّعاءِ التَّعارُضِ بينها، وسَوْقِ أَوقارِ الشُّبُهاتِ في سُوقِ النِّكاية بالنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ.
نَظَرتْ كلُّ فِرقةٍ منها إِلى تلك الدَّلائل نظْرةً مُبتَسرةً، تختزلُها في رؤيةٍ واحدةٍ تتَّسقُ مع أَصْلِها البِدْعيِّ الَّذي نصَّبَتْهُ مَركزًا تقْضي به على ما عَداه، كحالِ كثيرٍ من المدارسِ الكَلاميَّةِ المُتأخِّرة الَّتي استولَدت هذا النِّزاع، حتَّى انتهى الأمر بها إلى نَصْبِ نَزعاتها المُتمعقِلَة أصولًا يُقضَى بها على النَّقل، طَلبًا لتنزيهِ النَّقلِ عن مُناقضةِ العقل -زعمَت-، فكانوا كمَن ينقض رُكنًا في بيتِه، ليَرِمَّ صدْعًا في رُكنٍ آخرَ!
ولئِنْ كانت هذه الَمدارس قد قنِعت بأوَّلِيةِ العقلِ عند التَّعارض، فإِنَّ طوائفَ أخرى مِن أبناء عصرنا قد ألقَت هذا القَيدَ على عواهِنه، لتبلُغَ بهم الخصومة
1 / 10
أَقصى دَرَجاتِها؛ فقد أطْلَقُوا العقلَ في مَسَارِحَ تنبو عن مَدْرَكِه، وتميلُ عن مَعْيَهه، ليعود حسيرًا مَسْلوبًا.
ثمَّ جَروا بالأدلَّة النَّقليَّةِ ودَلالاتِها في مَهامِهِ التَّنكيرِ، والتَّحريفِ، والتَّفريغِ مِن مَضامينِها الحقَّةِ الَّتي رامَها الُمتكلِّمُ أوَّل مرَّة؛ مُسَلِّطةً عليها مَنَاهجَ استشراقِيَّةً كافرةً بالوَحيِ، تعامَلَت مع نصوصِه بحُسبانِها ظاهرةً تاريخيَّةً ماديَّةً خالصةً؛ مُتعامِيةً عن حقيقةِ مَصدرِها الإلهيِّ الَّذي لا يَتَطرَّق إليه باطلٌ.
هذا التَّعامي عن دلائل الشَّرعِ والإذعان لمَخابِرها الحقَّةِ، مَردُّه -في الغالب- إلى عَمى قلب النَّاظر؛ ذلك أنَّ النُّفوسَ إذا استقَرَّت على حُكمٍ تَهواه، تكلَّفت له دليلًا مِن العقلِ أو النَّقل لدفعِ ما يُناقِضُه مِن أخبار، وتأويل ما يُضادُّه من مُحكَمات، وتَعَلَّق بما يسنُده من مُتشابِهات.
فآلَت بذا الحالُ إِلى عَبَثيَّةٍ فكريَّةٍ مُمَزِّقةٍ، لا خلاصَ منها إلَّا بمنهجٍ يأبى الخصومةَ، ويكشِف عن الاتِّساق بين الدَّلائلِ النَّقليَّةِ والعقليَّةِ، ولا يَتَحقَّق ذلكَ إلا بلُزومِ سابِلةِ المنهجِ السُّنِّيِ المَعصومِ.
فأين هذا المَنهج؟ .. ومَن يدَعُنا لحالِنا نسلُكه؟! ..
لقد تَعرَّض أبناءُ هذا الجيلِ -ولا يزالون- لسَيْلٍ طاغٍ ومَوجاتٍ مُتلاحقة مِن التَّشكيكِ في دينِهم وتُراثِهم وأيَّامِهم؛ «فالشِّعرُ الجاهليُّ عندهم: غُموضٌ وانتحالٌ، وتفسيرُ القرآن: مَشحون بالإسرائيليَّات، والحديثُ النَّبوي: مَليءٌ بالوَضعِ والضَّعف، والنَّحو: تعقيدٌ وتأويلات، والتَّاريخ: صُنِع للحُكَّام والملوك، ولم يَرصُد نبضَ الشُّعوبِ وأشواقَها» (^١).
يَسمعُ شبابُنا هذا كلَّه عالِيًا مُدوِّيًا، تَتَجاوَب أصداُؤه المُترنِّحة مِن أحْلاسِ المقَاهي، وصفحاتِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ، إلى أروقةِ الثَّقافةِ، وقاعاتِ الدِّرسِ الجَامعيِّ، ولا يَستطيعُون لذلك دفعًا ولا رَدَّا؛ لغَرارَتِهم، وجَهلِهم، وقِلَّةِ حيلَتِهم.
(^١) «الموجَز» لمحمود الطَّناحي (ص/٨).
1 / 11
ولأنَّ كلَّ هذه السُّموم إنَّما تُساق في ثيابٍ مُزركشَةٍ، مِن مصطلحاتِ (المنهجيَّةِ)، و(المَوضوعيَّة)، و(التَّنوير)، و(التَّفكيرِ العقليِّ)، و(البحث العِلميِّ)، مَصبوغٍ ذلك بخِطابٍ أخَّاذ؛ فلا يَعرِفُ أثَرَ هذه الزَّخارفِ الخدَّاعةِ إلَّا مَن ابتُليَ بشَرِّها، وصَلَى جمْرَتَها؛ والنَّاس إذا كانوا في طَراوةِ الصِّبا وأوائلِ الشَّباب، تَسْتَهوِيهِم مثلُ هذه الأضاليل، وتَتلاعبُ بهم تَلاعُبِ جاريةٍ حسناءَ بذِي صَبْوةٍ.
وأحسبُ أنَّ كثيرًا مِن أبناءِ جيلي، قد وَقعوا في هذا المَهْوى السَّحيق.
وكنتُ أجدُ -ولازلتُ- أكثرَ تلك الأصواتِ دَويًّا، وأشدَّها فتكًا وأذيَّةً، تلك الصَّارخة في وجهِ السُنَّةِ الشَّريفة، مُشكِّكةً في ما توارثته الأمَّة مِن أخبارها، مُزريةً بجهودِ المُحدِّثين فيما أُودِعَتْه من أسْفارها.
وهذا أمر لا شكَّ جَلَل؛ فإنَّ تلك السُّنةَ وما تفتقِرُ إليه مِن معرفةِ أحوالِ رُواتها، ومَعرفةَ العربيَّة، وآثارَ الصَّحابةِ والتَّابعين في التَّفسير وغيره، وبيانَ معاني السُّنَن والأحكام وغيرها، والفقهَ نفسَه، إنَّما مَدارُ هذا كلِّه على النَّقلِ، ومَدارُ النَّقلِ على ما ارتضاه أولئك المُحدِّثون وأضرابُهم مِن مناهجَ في الرَّوايةِ والنَّقدِ والتَّوثيق.
فكان الطَّعنُ فيهم طعنًا في المَنقولِ كلِّه، بل في الدِّين مِن أصلِه (^١)! «حتَّى تصيرَ دِيانةُ المسلمين إلى ما صارَت إليه ديانةُ اليهود والنَّصارى المَطعونِ في كُتبِهم، ويَصيروا يَطعنُون دينَهم بأيْدِيهم! وليس لذلك مِن فائدةٍ سِوى شِفاء صدورِ أعداءِهم، حتَّى صاروا يقولون لنا: نحن وإيَّاكم في الهَوَى سَوَا!» (^٢).
هذه -والله- الحقيقة المُرَّة الَّتي يَتكَشَّف عنها الزَّمان بين الفَينة والأخرى، يشهَدُ عليها مَن ذاقَ مَرارَتها، وعَلِمَ دَواخِل أصحابِها.
(^١) انظر «التنكيل» للمُعلِّمي (١/ ١٨١).
(^٢) «الدِّفاع عن الصَّحيحين دفاع عن الإسلام» للحجوي الفاسي (ص/١١٦) بتصرف يسير.
1 / 12
يقول (لْيُوبلد فايْس) (^١) إذ يبوح بنَوَايا قومِه مِن دندنتهم حول سُنَّة الإسلام:
«لقد كان مِن أقوى الأسبابِ الَّتي جَعَلت أحاديثَ النَّبي ﷺ، وجَعَلَت جميعَ نظامِ السُّنةِ معها لا تجدُ قبولًا في يومِنا هذا: أنَّ السُّنةَ تُعارض الآراءَ الأساسيَّة الَّتي تقوم عليها المَدَنيَّة الغربيَّة مُعارَضةً صريحةً، حتَّى إنَّ أولئك الَّذين خَلَبَتهم لا يجدون مخرجًا مِن مَأزقِهم هذا إلَّا برفضِ السُّنةِ، على أنَّها غيرُ واجبةِ الاتِّباع على المسلمين، ذلك لكونِها قائمةً على أحاديث لا يُوثَق بها أصالةً ..
إنَّ العمَلَ بسُنَّةِ الرَّسول ﷺ هو عَمَلٌ على حِفظِ كيانِ المسلمين، وعلى تَقَدُّمِهم، وإنَّ تركَ السُّنة هو انحلالٌ عن الإسلام؛ لقد كانت السُّنة الهيكلَ الحديديَّ الَّذي قام عليه صَرحُ الإسلام، وإنَّك إذا أزَلت هيكلَ بناءٍ ما، أفيُدهِشُكَ أن يتَقَوَّض ذلك البناءُ كأنَّه بيتٌ مِن وَرَقٍ؟!» (^٢).
فكلُّ ما تسمَعه الآن مِن جَلَبةٍ وضوضاءَ حول توثيقِ الأحاديثِ وغَربلةِ مُتونِها، إنَّما غَرضُ أهلها ما ذَكرتُه مِن أساسِ القَضيَّة: انتقاضُ جِدارِ السُّنة، ليَصيرَ حِمَى الأمَّةِ مُستباحًا لكلِّ طامِعٍ في تَذيِيلِها أو إذلالِها؛ وذلك أنَّ أهلَ السُّنةِ هم الأُمَّة، وهم نَقاوَتُها على وجهِ الحقيقة، والسُّنَّة الَّتي يَنتِسبُون إليها هي الاستحكاماتُ الخارجيَّة حول أسوارِ القرآن، فإذا تَمَّ تدميرُها، فدَوْرُ القرآنِ آتٍ بَعدها لا مَحالة! وذاك أمَلُ المُستشرقين والمُستغرِبين، وسائرِ أعداءِ الدِّين.
من شواهد هذه الحقيقة:
ما صدر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، من مجموع دراساتٍ أمريكيَّة أعَدَّتها مؤسسَّة رَاند للأبحاث والتَّطوير - «العقلُ الاستراتيجيُّ الأمريكي»، و«الذِّراعُ البحثيُّ للبانتاغون»! - من ضمنها تقريرٌ بعنوان: «الإسلام الدِّيمقراطي
(^١) مستشرق نمساوي أشهر إسلامه، وتسمَّى بـ (محمد أسد وايس)، وأنشأ بمعاونة (وِيليام بكتول) الإنجليزي -الذي أسلم هو الآخر- مجلة الثقافة الإسلامية في حيدر آباد سنة ١٩٢٧ م، وكتب فيها كثيرا عن أخطاء المُستشرقين، من مؤلفاته: «أصول الفقه الإسلامي»، و«ترجمة صحيح البخاري»، انظر «المستشرقون» (٢/ ٢٩١).
(^٢) «الإسلام على مفترق الطُّرق» لمحمد أسد (ص/٧٤ - ٧٥، ٨١).
1 / 13
المَدنيُّ»، تضمَّن الخُطَّة الاستراتيجيَّة العامَّة الَّتي يَتعيَّن على الإرادة الأمريكيَّة تبنِّيها لأجل إعادة بناء الدِّين الإسلامي بما يَتوافق مع المَنظومة الفكريَّة الغربيَّة؛ خُطَّةً مَبنيَّةً أساسًا على «قطع مَوارد الأصوليِّين» -كما تُسمِّيهم- وإضعاف تأثيرِهم الدِّينيِّ في المُجتمعات الإسلاميَّة، ثمَّ «دعمِ الحَداثيِّين والعَلمانيِّين» مُقابل أولئك.
حوى هذا التَّقرير فصلًا كاملًا عن ضرورة هدم (المنظومة الحديثيَّة!) لدى المُسلمين، أو تطويعِها -على الأقلِّ- لتَتَماها مع الفكر الغربيِّ، ضمانًا لنجاح الخُطَّة المُقترحة لتحديث الإسلام وعَلْمَنته؛ عَنْوَنت هذا الفصلَ كاتبتُه (^١) بقولِها المُستفزِّ: «حروب الحديث»!
فمِمَّا أثارَني فيه قولُها: «تتركَّز كثير من جهود إصلاح الإسلام حاليًا في الجدل الدَّائر حول أحكام وممارساتٍ معيَّنةٍ من صحيح الإسلام، والَّتي ينتقدها غير المسلمين، لكونها لم تعُد ملائمةً للعصر الحاضر؛ فالقرآن بوصفه الكتاب المُقدَّس -هو بوجه عامٍّ- .. فوق الانتقاد، لكنَّه مع ذلك قد ترك موضوعات كثيرةٍ لم يتناولها البتَّة، أو أشار إليها بشكلٍ مُجمل ..
فلذا دأَبَ أصحابُ الآراء المتعارضة -منذ الأيَّام الأولى لامتداد الإسلام- على صياغة أقوالهم وتفسيراتهم استنادًا للحديث النَّبوي في المقام الأوَّل .. وعِوَضًا عن آراء العلماء، ينبغي لجمهور النَّاس تمحيص أقوال العلماء وادِّعاءاتهم! ومعرفة مدى صحَّة استدلالهم بحديث من الأحاديث؛ .. إنَّه ينبغي تشكيل لجنة «نقض الحديث» [!]، لأجل مَن يطمحون لمجتمعات أكثر تسامحًا، تقوم على المساواة والدِّيمقراطيَّة» (^٢).
وقبل هذا التَّقرير بعقودٍ مَضَت وَصاةُ مُفكِّري فرنسا مِن بعضِ يَساريِّيها لحكوماتِهم بضرورة نقلِ حربهم للمُسلمين إلى إشعال فتيل حرب فكريَّة بينهم!
(^١) أعني بها شيريل بينارد، وهي كاتبة وباحثة نمساويَّة متخصصة في العلوم السياسية، مهتمة بالمشرق الإسلامي، كانت من أهم مُحلِّلي مؤسسة راند حتى عام ٢٠٠٧ م، ترجمتها في آخر كتابها «الإسلام الديمقراطي المدني».
(^٢) «الإسلام الديمقراطي المدني - سلسلة تقارير مؤسسة راند» لشيريل بينارد (ص/٩٧، ١٠٥ - ١٠٦).
1 / 14
بتحويل المعركةِ إلى داخلِ التُّراثِ الإسلاميِّ ذاتِه (^١)، على أيدي مَن ينَتسِب إلى الإسلامِ نفسِه! فإنَّ شبهاتِ ذوي الجِلدة الواحدة أوقعُ في آذانِ المُخاطَبين مِن كلامِ عَدُوِّهم، وأقربُ إلى تَقبُّلِ أفكارِهم.
اقرأ شاهدَ هذا المَكر الكُبَّار كيف اصبغت به كلماتٌ لـ (عابدٍ الجابريِّ)، يوصي فيها أرباب الحداثة بـ «إنَّ التَّجديدَ لا يُمكن أن يَتِمَّ إلَّا مِن داخلِ تُراثِنا، باستدعائِه واسترجاعِه استرجاعًا مُعاصرًا لنا؛ وفي الوقتِ ذاتِه، بالحفاظِ له على مُعاصَرتِه لنفسِه ولتارِيخيَّته، حتَّى نَتمَكَّن مِن تجاوزِه مع الاحتفاظِ به، وهذا هو التَّجاوز العلميُّ الجَدليُّ!» (^٢).
فعلى وِفق هذا الأسلوب صارَ الاتِّجاه السَّائد في الدِّراساتِ المُصادِمةِ للنَّصِ الشَّرعيِّ، يعتمِدُ على ذات النَّصِ للتَّخلُّصِ مِنه، يتظاهر تارةً بالشَّفقةِ مِن نسبتِه إلى الشَّارعِ لشناعتِه، وتارةً بلَيِّ معناه لعَصْرَنته؛ فأمَّا المُجاهرة برفضِ التَّحاكم إلى النُّصوصِ صراحةً، وإعلان المُحادَّاةِ التَّامةِ لأحكامِ الشَّريعةِ المُستخلصَةِ منها: فنهجٌ قد ضَعُف حضورُه كثيرًا في الآونةِ الأخيرة، لاستقباحِ العامَّةِ له، ومُصادمته المباشرة لفِطَرِهم.
هي إذن حَربٌ بالوَكالة!
قد نُصِبت فيها مَنابرُ مِن خُشُبِنا، يعتليها رجالٌ مِن جِلدتنا، يخطُبون بِأَلْسِنَتِنا، ويَهرفون في تُراثِنا بلُغةِ فُقهائِنا، هدمًا لدينِنا باسمِ دينِنا؛ وصدقًا قال عنهم ابن تيميَّة: «قد اتَّفق أهل العلم بالأحوال، أنَّ أعظمَ السُّيوف الَّتي سُلَّت على أهل القبلة: مِمَّن ينتسب إليها، وأعظمَ الفساد الَّذي جَرى على المسلمين مِمَّن ينتسب إلى أهل القبلة: إنَّما هو مِن الطَّوائف المُنتسبة إليهم! فهم أشدُّ ضررًا على الدِّين وأهله» (^٣).
(^١) انظر تفصيلَ الخبر في «تجديد الفكر الإسلامي» لجمال سلطان (ص/٣٢).
(^٢) «مجلة المستقبل العربي»، العدد ٢٧٨، لسنة ٢٠٠٢ م، حاوره عبد الإله بلقزيز.
(^٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٨/ ٤٧٩).
1 / 15
وطَعْنُ ذَوِي القُرْبَى أشَدُّ مَضرَّةً *** على الدِّينِ مِن حَربِ العُداةِ الأباعِدِ!
هذا هو حال الأنفس البَشريَّة في كلِّ زمانٍ، كامِنٌ فيها الشَّر لا محالة، سابحٌ بين جَنَباتِها هَواها كلٌّ منها بحسَبِه، يحبِسُها عن إظهارِه: الفِطرةُ، والدِّين، وخَشيةُ النَّاس؛ فإذا ما غَلَبها هَواها، وأمِنَت معه عقوبةَ السُّلطان: تَشَجَّعَت بالبَوْحِ بشرِّها الكامن، وجهرت بالدَّعوة إليه.
فلمثلِ هذه الحال النفسيَّة العجيبة الممزوجة بتخاليط الجهل ومُغالطات التَّفكير، يلتحقُ فِئامٌ مِن شبابنا بنابذي السُّنَن، مُناكفين لنَقَلتِها مِن أهلِ الفَضْلِ والمِنَنِ؛ «قد تَعالَوا علينا بضَخامةِ الألقابِ، مع فَراغ الوِطاب، يُوسِعون الدَّعاويَ العريضة، ويُجهِّلون العلماء الأُصَلاء، بآرائهم الهشَّةِ البتراء، وينصرون الأقوال الشَّاذة، لتَجانُسها مع عِلمِهم وفهمِهم، ويُناهِضون القواعدَ المُستقِرَّة، والأصولَ الرَّاسخة المُتوارَثة.
لم يقعُدوا مَقاعِدَ العِلمِ والعُلماء، ولم يَتَذوَّقوا بَصارَة التَّحصيلِ عند القُدماء، ولكنَّهم عند أنفسِهم أعلَمُ مِن السَّابقين» (^١)، لظنِّهم أنَّهم مِن جُملةِ المُفَكِّرين!
فلقد جهِلَ المَساكينُ بأنَّ الثَّقافة والفِكرَ المُجرَّدَ لا يُخرِج الإنسانَ مِن الأُميَّةِ الشَّرعيَّة أبدًا؛ فإنَّما الفِكرُ تحليلُ المَعلوماتِ وتَقلِيبُها، فقليلُ العلمِ بمَ يُفكِّر أصلًا؟! وهل رزيَّتنا اليوم إلَّا مِن مُفكِّرٍ بلا عِلمٍ؟!
إنَّ مَن يَقرأْ تاريخَ المَذاهِب والنِّحَل قراءةَ مُقارِن، يُدرِكْ أنَّ كلَّ ضَلالةٍ هوَّشَ بها هؤلاء (المُفكِّرون) المُتأخِّرون، أصلُها أو مِثلُها كانت في السَّابقين؛ تَعَلَّقت بالإسلامِ كما يَتَعلَّق قَذَى الأرضِ بالعَجَلةِ، ثمَّ تَطويه بسَيْرِها.
لقد قَيَّد الشِّهرستانيُّ (ت ٥٨٤ هـ) (^٢) لحْظَه لهذه العُلقةِ الفكريَّةِ قديمًا بين ما أُحدِث مِن مُعارَضاتٍ للنُّصوصِ الشَّرعيةِ في زَمنِه، وأصولِ المَقالاتِ المُبكِّرة في
(^١) «صفحات من صبر العلماء» لعبد الفتاح أبو غدَّة (ص/١٠٩).
(^٢) محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني: إمام في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة، من أشهر كُتبه «الملل والنحل»، انظر «تاريخ الإسلام» (١١/ ٩٤١).
1 / 16
الإسلام، منبِّهًا على أنَّ هذا التَّوارث لتحريفاتِ الضُّلَالِ عادة قديمةٌ قِدَم الأديان، فقال: «إنَّ الشُّبهات الَّتي وَقَعت في آخرِ الزَّمان، هي بعينِها تلك الشُّبهات الَّتي وَقَعت في أوَّل الزَّمان، كذلك يُمكن أن نُقرِّر في زمانِ كلِّ نبيٍّ، ودورِ صاحبِ كلِّ مِلَّة وشريعةٍ: أنَّ شُبهات أُمَّتِه في آخرِ زمانِه ناشئةٌ مِن شُبهاتِ خُصماء أوَّلِ زمانِه مِن الكُفَّار والمُلحِدِين، وأكثرُها مِن المُنافقين.
وإنْ خَفِيَ علينا ذلك في الأمَمِ السَّالفةِ لتَمادي الزَّمان، فلَمْ يخفَ في هذه الأمَّة أنَّ شُبهاتها نَشأت كلُّها مِن شُبهاتِ مُنافقي زمنِ النَّبي ﷺ؛ إذْ لم يرضوا بحُكمِه فيما كان يأمرُ ويَنهى، وشَرعوا فيما لا مسرحَ للفكرِ فيه ولا مَسرى، وسألوا عمَّا مُنِعوا مِن الخوضِ فيه، والسُّؤالِ عنه، وجادلوا بالباطلِ فيما لا يجوز الجدال فيه» (^١).
يُصدِّقُ هذا نصٌّ نفيس للشَّاطبيِّ (ت ٧٩٠ هـ) (^٢)، ينعت فيه الزَّائغين القُدامىِ في «رَدِّهم للأحاديثِ الَّتي جاءت غيرَ مُوافقةٍ لأغراضِهم ومَذاهِبم، فيَدَّعون أنَّها مخالفةٌ للمَعقول، وغير جاريةٍ على مُقتضى الدَّليل، فيجب رَدُّها؛ كالمُنكرين لعذابِ القبر، والصراطِ، والميزان، ورؤيةِ الله ﷿ في الآخرةِ، وكذلك حديث الذُّبابِ ومَقْلِه، وأنَّ في أحدِ جَناحَيْه داءٌ وفي الآخرِ دَواءٌ، .. وحديث الَّذي أخذَ أخاه بَطنُه، فأمَرَه النَّبي ﷺ بسَقْيِه العَسلَ، وما أشبهَ ذلك مِن الأحاديثِ الصَّحيحة المَنقولة نقلَ العُدولِ.
فربَّما قَدَحوا في الرُّواةِ مِن الصَّحابة والتَّابعين ﵃، وحاشاهم، ومَن اتَّفق الأئِمَّة مِن المُحدِّثين على عدالتِهم وإمامتِهم، كلُّ ذلك ليردُّوا به على مَن خالَفهم في المذهبِ، وربُّما ردُّوا فتاوِيهم وقبَّحوها في أسماعِ العامَّة؛ ليُنفِّروا الأمَّةَ عن اتِّباعِ السُّنةِ وأهلِها» (^٣).
(^١) «الملل والنِّحَل» (١/ ١٩).
(^٢) إبراهيم بن موسى بن محمد أبو إسحاق: اللَّخمي الغرناطي المالكي، أصولي حافظ محدِّث، لغوي مفسر مع الصَّلاح والعفة، والورع واتباع السُّنة، من أشهر مؤلفاته «الاعتصام»، و«الموافقات»، انظر «شجرة النور الزكية» (١/ ٣٣٢).
(^٣) «الاعتصام» للشَّاطبي (٢/ ٣٢).
1 / 17