578
الْحَقِ
، يخاصمونك في الحرب، بَعْدَ ما تَبَيَّنَ، يعني: بَعْدِ مَا تبيَّن لَهُمُ أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، يعني: ينظرون إلى القتل «١» .
[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧ الى ٨]
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)
ثم قال تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ، يعني: الغنيمة إما العير وإما العسكر. وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ، يعني تمنون غير ذات السلاح. وقال القتبي: ومنه قيل: فلان شاك في السلاح، ويقال: غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ يعني: شدة القتال. تَكُونُ لَكُمْ الغنيمة، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ، يعني: أن يظهر الإسلام بتحقيقه بما أنزل عليك من القرآن. وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ، يعني: يهلك الشرك ويستأصله. لِيُحِقَّ الْحَقَّ، يعني:
ليظهر الإسلام. وَيُبْطِلَ الْباطِلَ، يعني: الشرك. وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ، أي: المشركون.
فقال لهم النبيّ ﷺ: «سِيرُوا عَلَىَ بَرَكَةِ الله، فَإِنِي رَأَيْتُ مَصَارِعَ القَومِ» . وجاءت قريش وأدركوا العير وأفلتوهم، فقال بعضهم لبعض: إنما خرجتم لأجل العير، فلما وجدتم العير فارجعوا سالمين. فقال أبو جهل: لا نرجع حتى نقتل محمدًا ومن معه. فسار النبيّ ﷺ حتى نزل بدرًا بجانب الوادي الأدنى، ونزل المشركون على جانبه الأقصى على الماء، والوادي فيما بينهما. فصلى رسول الله ﷺ تلك الليلة، حتى أوتر وكانت ليلة النصف من شهر شعبان، وقال في قنوته: «اللَّهُمَّ لا تُفْلِتَنَّ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشّامِ وَفُلاَنًا وفلانًا» فباتوا تلك الليلة وقد أجنبوا وليس معهم ماء، فأتاهم الشيطان عند ذلك فوسوس إليهم، فقال: تزعمون أنكم على دين الله، وأنكم تصلون محدثين مجنبين، والمشركون على الماء. وكان الوادي ذا رمل تغيب فيه الأقدام، فمطرت السماء حتى سال الوادي، فاشتد ذلك الرمل واغتسل المسلمون من جنابتهم وشرّبوا وسقوا دوابهم فذلك قوله: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال: ١١] إلى قوله:
وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ [الأنفال: ١١] .
وكان عليّ والزبير يحرسان رسول الله ﷺ، فجاء سقاة قريش يستقون الماء، فأخذهم عليّ والزبير، فسألاهم عن أبي سفيان، فقالوا: ما لنا بأبي سفيان من علم. فقالا: فمع من أنتم؟
فقالوا: مع قريش من أهل مكة. فقالا: فكم هم؟ قالوا: لا ندري، هم كثير، فضرباهم فقالوا:
هم قليل فتركاهم. فقال رسول الله ﷺ: «تَضْرِبُونَهُمْ إنْ صَدَقُوكُمْ، وَتَتْرُكُونَهُمْ إن كذبوكم» .

(١) عزاه السيوطي ٤/ ١٦ إلى البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب وموسى بن عقبة وإلى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أيوب.

2 / 7