526
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا يعني: أرسلنا إلى مدين نبيّهم شعيبًا ومدين هو آل مدين وكان مدين بن إبراهيم خليل الرحمن، تزوج ريثاء ابنة لوط، فولدت آل مدين، فتوالدوا وكثروا، ثم صار هو اسمًا للمدينة، فسميت المدينة مدين، وسمي أولئك القوم مدين. فكفروا بالله تعالى ونقصوا المكيال والميزان في البيع، وأظهروا الخيانة فبعث الله تعالى إليهم شعيبًا.
وقال الضحاك كان شعيب أفضلهم نسبًا، وأصدقهم حديثًا، وأحسنهم وجهًا، ويقال: إنه بكى من خشية الله تعالى حتى ذهب بصره فصار أعمى فدعا قومه إلى الله تعالى وقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحّدوه وأطيعوه مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ قال بعضهم: مجيء شعيب النبي- ﵇ إليهم آية ولم يكن لشعيب علامة سوى مجيئه وإخباره أن الله تعالى واحد. وقال بعضهم: كانت له علامة لأن الله تعالى لم يبعث نبيًا إلا وقد جعل له علامة ليظهر تصديق مقالته، ألا إن الله تعالى لم يبيّن لنا علامته، وقد بيّن علامة بعض الأنبياء، ولم يبيّن علامة الجميع.
ثم قال: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بالقسط أي أتموا الكيل والميزان بالعدل وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في البيع والشراء وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها يعني: لا تعملوا في الأرض المعاصي بعد ما بيّن الله تعالى طريق الحق وأمركم بالطاعة ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: وفاء الكيل وترك الفساد في الأرض خير لكم من النقصان والفساد في الأرض إن كنتم مصدقين بما حرم الله تعالى عليكم.
قوله تعالى: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ أي لا ترصدوا بكل طريق توعدون أهل الإيمان بالقتل وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول: تمنعون الناس عن دين الإسلام مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا يقول: تريدون بملة الإسلام زيغًا وغيرًا. وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ قال: بكل سبيل حتى تصدوا أهلها عنها وَتَبْغُونَها عِوَجًا قال وتلتمسون بها الزيغ. ويقال معناه: لا تقعدوا على كل طريق تخوفون الناس وتخوفون أهل الإيمان بشعيب- ﵇.
ثم قال: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ أي كنتم قليلًا في العدد فكثَّر عددكم.
ويقال: كنتم فقراء فأغناكم وكثر أموالكم وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي كيف صار آخر أمر المكذبين بالرسل، يعني: الذين قبلهم قوم نوح وقوم عاد وقوم هود وقوم صالح.
ثم قال: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ يعني: إن كان جماعة منكم صدقوا بي وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا بي أي لم يصدقوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا يعني: حتى تنظروا عاقبة المؤمنين أفضل أم عاقبة الكافرين. فذلك قوله: حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا يعني:
حتى يقضي الله بين المؤمنين وبين الكافرين وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ أي أعدل العادلين.

1 / 532