التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
التَّوْضِيْحُ الرَّشِيْدُ فِي شَرْحِ التَّوْحِيْدِ
المُذَيَّلُ
بِالتَّفْنِيْدِ لِشُبُهَاتِ العَنِيْدِ
مُقَدِّمَةٌ
مُقَدِّمَةُ المُؤَلِّفِ
إِنِّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِيْنُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ شُرُوْر أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّيْ كُنْتُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيْلٍ - وَإِلَى الآنَ - أَتَطَلَّعُ إِلَى خِدْمَةِ دِيْنِ اللهِ تَعَالَى، وَإِلَى أَنْ يَكُوْنَ لِي سَبَبٌ إِلَى رِضَاه تَعَالِى فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي (١)، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ أَكُوْنَ أَحَدَ جُنُوْدِ الإِسْلَامِ المُدَافِعِيْنَ عَنْهُ بِاليَدِ وَاللِّسَانِ.
وَلَمْ أَرَ أَنْفَعَ لِدِيْنِ الإِسْلَامِ - عِنْدَ أَزْمِنَةِ انْتِشَارِ الجَهْلِ وَالشِّرْكِ وَالبُعْدِ عَنِ السُّنَّةِ وَفُشُوِّ البِدَعِ - مِنْ جِهَادٍ بِاللِّسَانِ وَفَرْيٍ بِالقَلَمِ (٢)، وَذَلِكَ بِنَشْرِ السُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ وَبَيَانِ أُصُوْلِ أَهْلِ الإِسْلَامِ وَقَوَاعِدِ الدِّيْنِ وَمَنْهَجِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي فَهْمِ دِيْنِ الإِسْلَامِ وَالعَمَلِ بِهِ.
وَقَدْ رَأَيْتُ الاعْتِنَاءَ بِكِتَابِ (التَّوْحِيْدِ) لِلشَّيْخِ الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ لِمَا فِيْهِ مِنْ ذِكْرِ أَصْلِ الدِّيْنِ وَالتَّوْحِيْدِ وَبَيَانِ العَقِيْدَةِ السَّلِيْمَةِ عَلَى وُفْقِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَمَلِ سَلَفِ الأُمَّةِ.
وَنَظَرًا لِسَعَةِ وَتَنَوُّعِ أَدِلَّةِ هَذَا الكِتَابِ؛ وَلِمَا وَقَعَتْ فِيْهِ الأُمَّةُ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ - مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ أَصْلِ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، وَتَرْوِيْجِ أَهْلِ الضَّلَالِ وَأَهْلِ الزَّنْدَقَةِ لِبِدَعِهِم فِي عَقَائِدِ المُسْلِمِيْنَ، والبُعْدِ عَنِ التَّوْحِيْدِ - وَالَّذِيْ لَا نَجَاةَ لِلعَبْدِ مُطْلَقًا إِلَّا بِأَنْ يَأْتِيَ بِهِ - وَلِمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَإِشَارَتِهِم إِلَى أَهَمِّيَّتِهِ وَجُوْدَةِ جَمْعِ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءَ اللهُ؛ وَلِكَثْرَةِ مَنِ اعْتَنَى بِشَرْحِهِ، فَقَدْ قُمْتُ - مُسْتَعِيْنًا بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ - وَمُسْتَنِيْرًا بِشُرُوْحِ العُلَمَاءِ؛ بِتَصْنِيْفِ شَرْحٍ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْ يَكُوْنَ وَجِيْزًا فِي عِبَارَتِهِ؛ وَاسِعًا فِي فَوَائِدِهِ (٣)، مَعَ الاعْتِنَاءِ الشَّدِيْدِ بِتَحْقِيْقِ الآثَارِ المَرْفُوْعَةِ وَالمَوْقُوْفَةِ - مَوْضِعِ الاسْتِدْلَالِ (٤) -؛ وَالعَزْوِ الصَّحِيْحِ مَا أَمْكَنَ فِي مَوَاطِنِ الاسْتِشْهَادِ وَالاسْتِئْنَاسِ؛ وَذِكْرِ المُفِيْدِ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيْهِ العُلَمَاءُ مِمَّا يَمَسُّ مَادَّةَ هَذَا الكِتَابِ؛ وَبَيَانِ الرَّاجِحِ مِنْهَا قَدْرَ الإِمْكَانِ.
وَلَا أَدَّعِي لِنَفْسِي التَّفرُّدَ فِي شَرْحِ الكِتَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ الاعْتِمَادُ عَلَى شُرُوْحِ العُلَمَاءِ الأَفَاضِلِ - قَدِيْمًا وَحَدِيْثًا - المَعْرُوْفِيْنَ بِسَلَامَةِ المَنْهَجِ وَرُسُوْخِ العِلْمِ وَبُعْدِ النَّظَرِ. (٥)
عَلَى أَنَّنِي أَعْتَقِدُ أَنَّنِي - إِنْ شَاءَ اللهُ - قَدْ وُفِّقْتُ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِي اسْتِيْعَابِ فَوَائِدَ وَمَسَائِلَ تَمَسُّ الحَاجَةُ إِلَيْهَا فِي كُلِّ بَابٍ؛ لَعَلَّهَا لَمْ تُجْمَعْ فِي شَرْحٍ وَاحِدٍ مِنْ شُرُوْحِ كِتَابِ التَّوْحِيْدِ.
وَقَدْ أَضَفْتُ إِلَى شَرْحِ الكِتَابِ - فِي مَوَاضِعَ مُنَاسِبَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ - بَعْضَ المُلْحَقَاتِ المُفِيْدَةِ؛ التَي يَعِزُّ الوُصُوْلُ إِلَى مِثْلَ فَائِدَتِهَا - بِفَضْلِ اللهِ - تَتْمِيْمًا لِلمَنْفَعَةِ لِمِثْلِ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَهَذِهِ المُلْحَقَاتُ هِيَ:
المُلْحَقُ الأَوَّلُ) مَقَدِّمَةٌ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيْدِ.
المُلْحَقُ الثَّانِي) قَوَاعِدُ ومَسَائِلُ فِي التَّبَرُّكُ والبَرَكَةُ.
المُلْحَقُ الثَّالِثُ) مُخْتَصَرُ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ.
المُلْحَقُ الرَّابِعُ) مُخْتَصَرُ تَحْذِيْرِ السَّاجِدِ مِنِ اتِّخَاذِ القُبُوْرِ مَسَاجِد.
المُلْحَقُ الخَامِسُ) فَوَائِدُ وَمَسَائِلُ عَلَى بَابِ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ.
المُلْحَقُ السَّادِسُ) مَسَائِلُ عِلْمِ الغَيْبِ.
المُلْحَقُ السَّابِعُ) مُخْتَصَرُ القَوَاعِدِ المُثْلَى.
المُلْحَقُ الثَّامِنُ) مُخْتَصَرُ كِتَابِ (التَّوَسُّلُ؛ أَنْوَاعُهُ؛ أَحْكَامُهُ).
المُلْحَقُ التَّاسِعُ) مَسَائِلُ الإِيْمَانِ بِالقَدَرِ.
المُلْحَقُ العَاشِرُ) لَمْحَةٌ عَنِ الفِرَقِ الضَّالَّةِ فِي العَقِيْدَةِ.
المُلْحَقُ الحَادِي عَشَرَ) مَسَائِلُ فِي أَحْكَامِ الصُّوَرِ وَالتَّصْوِيْرِ.
المُلْحَقُ الثَّانِي عَشَرَ) مُخْتَصَرٌ فِي الرَّدِّ عَلَى أَبْيَاتٍ مِنَ البُرْدَةِ لِلبُوْصِيْرِيِّ.
المُلْحَقُ الثَّالِثَ عَشَرَ) رَدُّ شُبُهَاتِ المُشْرِكِيْنَ.
وَأَخِيْرًا أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى إِجَابَتِي دَعْوَةً كَدَعْوَةِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيْمَ ﵊ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيْمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِيْنَ يَوْمَ يَقُوْمُ الحِسَابُ﴾ (إِبْرَاهِيْم:٤١).
وَكَتَبَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ خُلْدُوْنُ بْنُ مَحْمُوْدِ بْنِ نَغَوِي الحَقَوِيُّ. (٦)
(١) كَمَا فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (١٦٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ).
وَأَنَا أَرْجُو اللهَ تَعَالَى الكَرِيْمَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْ أَهْلِ العِلْمِ العَامِلِيْنَ المُنْتَفَعِ بِهِم، فَإِنَّ الدَّالَ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيْثِ.
(٢) كَمَا فِي الحَدِيْثِ (جَاهِدُوا المُشْرِكِيْنَ بِأمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ). صَحِيْحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٥٠٤) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوْعًا. صَحِيْحُ الجَامِعِ (٣٠٩٠).
(٣) وَهَذِهِ المَسَائِلُ هِيَ غَيْرُ مَسَائِلِ المُصَنِّفِ المُخْتَصَرَةِ الَّتِيْ اتْبَعَهَا المُصَنِّفُ لِمُتُوْنِ البَابِ، أَمَّا مَسَائِلِي الخَاصَّةُ فِي هَذَا الكِتَابِ فَقَدْ جَعَلْتُهَا قِسْمَيْنِ:
القِسْمُ الأَوَّلُ) المَسَائِلُ الَّتِيْ أَجْعَلُهَا فِي أَوَاخِرِ شُرُوْحِ الأَبْوَابِ.
القِسْمُ الثَّانِي) المَلَاحِقُ المُسْتَقِلَّةُ عَنِ الأَبْوَابِ، وَهِيَ تَتَضَمَّنُ مُلَخَّصَاتِ لِبَعْضِ الكُتُبِ، وَمِنْهَا مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُوْنَ جُزْءًا يَسِيْرًا فِي بَابِهِ، وَسَأَذْكُرُ هَذِهِ المَلَاحِقَ قَرِيْبًا.
(٤) مُعْظَمُ تَحْقِيْقِ الحَدِيْثِ فِي هَذَا الشَّرْحِ هُوَ مِنْ مُصَنَّفَاتِ الشَّيْخِ الإِمَامِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
(٥) وَأَخُصُّ بِالذِّكْرِ الشَّيْخَ الفَاضِلَ الإِمَامَ العَلَّامَةَ ابْنَ عُثَيْمِيْن ﵀، فَقَدْ نَفَعَنِي اللهُ بِهِ كَثِيْرًا.
(٦) العُنْوَانُ الإِلِكتْرُونيّ لِلتَّوَاصُلِ: Naghwi@gmail.com .
1 / 1
التَّعْرِيْفُ بِمُصَنِّفِ كِتَابِ التَّوْحِيْدِ (١):
هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّمِيْمِيُّ؛ النَّجْدِيُّ، زَعِيْمُ النَّهْضَةِ الدِّيْنِيَّةِ الإِصْلَاحِيَّةِ الحَدِيْثَةِ فِي جَزِيْرَةِ العَرَبِ وُلِدَ عَامَ (١١١٥هـ)، وَتُوُفِّيَ عَامَ (١٢٠٦هـ).
وُلِدَ وَنَشَأَ فِي العُيَيْنَةِ (بِنَجْدٍ) وَرَحَلَ مَرَّتَيْنِ إِلَى الحِجَازِ، فَمَكَثَ فِي المَدِيْنَةِ مُدَّةً قَرَأَ بِهَا عَلَى بَعْضِ أَعْلَامِهَا، وَزَارَ الشَّامَ، وَدَخَلَ البَصْرَةَ فَأُوْذِيَ فِيْهَا، وَعَادَ إِلَى نَجْدٍ؛ فَسَكَنَ (حُرَيْمِلَاءَ) وَكَانَ أَبُوْهُ قَاضِيَهَا بَعْدَ العُيَيْنَةِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى العُيَيْنَةِ؛ نَاهِجًا مَنْهَجَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، دَاعِيًا إِلَى التَّوْحِيْدِ الخَالِصِ وَنَبْذِ البِدَعِ وَتَحْطِيْمِ مَا عَلَقَ بِالإِسْلَامِ مِنْ أَوْهَامٍ. (٢)
وَارْتَاحَ أَمِيْرُ العُيَيْنَةِ عُثْمَانُ بْنُ حَمَدِ بْنِ مَعْمَرِ إِلَى دَعْوَتِهِ فَنَاصَرَهُ، ثُمَّ خَذَلَهُ (٣)، فَقَصَدَ الدَّرْعِيَّةَ (بِنَجْدٍ) سَنَةَ (١١٥٧ هـ)، فَتَلَقَّاهُ أَمِيْرُهَا مُحَمَّدُ بْنُ سُعُوْدٍ بِالإِكْرَامِ، وَقَبِلَ دَعْوَتَهُ وَآزَرَهُ، كَمَا آزَرَهُ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُهُ عَبْدُ العَزِيْزِ، ثُمَّ سُعُوْدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيْزِ، وَقَاتَلُوا مِنْ خَلْفِهِ، وكَانَتْ دَعْوَتُهُ الشُّعْلَةَ الأُوْلَى لِليَقَظَةِ الحَدِيْثَةِ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ كُلِّهِ، تَأَثَّرَ بِهَا رِجَالُ الإِصْلَاحِ فِي الهِنْدِ وَمِصْرَ وَالعِرَاقِ وَالشَّامِ وَغَيْرِهَا، وَعُرِفَ مَنْ وَالَاهُ وَشَدَّ أَزْرَهُ فِي قَلْبِ الجَزِيْرَةِ بِـ (أَهْلِ التَّوْحِيْدِ) وَ(إِخْوَانِ مَنْ أَطَاعَ اللهَ) وَسَمَّاهُمْ خُصُوْمُهُم بِالوَهَّابِيِّيْنَ، وَشَاعَتِ التَّسْمِيَةُ الأَخِيْرَةُ عِنْدَ الأَوْرُبِّيِّيْنَ فَدَخَلَتْ مُعْجَمَاتِهِم الحَدِيْثَةَ، وَأَخْطَأَ بَعْضُهُم فَجَعَلَهَا مَذْهَبًا جَدِيْدًا فِي الإِسْلَامِ تَبَعًا لِمَا افْتَرَاهُ خُصُوْمُهُ؛ وَلَا سِيَّمَا دُعَاةُ مَنْ كَانُوا يَتَلَقَّبُوْنَ بِالخُلَفَاءِ مِنَ التُّرْكِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الدَّرْعِيَّةِ، وَحُفَدَاؤُهُ (٤) اليَوْمَ يُعْرَفُوْنَ بِبَيْتِ (الشَّيْخِ)، وَلَهُمْ مَقَامٌ رَفِيْعُ عِنْدَ آلِ سُعُوْدٍ.
وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ أَكْثَرُهَا رَسَائِلُ مَطْبُوْعَةٌ، مِنْهَا (كِتَابُ التَّوْحِيْدِ) (٥) وَرِسَالَةُ (كَشْفُ الشُّبُهَاتِ) وَ(تَفْسِيْرُ الفَاتِحَةِ) وَ(أُصُوْلُ الإِيْمَانِ) وَ(تَفْسِيْرُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَغَيْرُهَا.
(١) مُسْتَفَادٌ مِنْ كِتَابِ (الأَعْلَامُ) لِلزِّرِكْلِيِّ (٢٥٧/ ٦).
(٢) وَفِي (مُعْجَمُ المُؤَلِّفِيْنَ) (٢٦٩/ ١٠) لِعُمَر كَحَّالَة: (وَقَامَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى العَقِيْدَةِ السَّلَفِيَّةِ وَالعَمَلِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ).
(٣) أَيْضًا مِمَّنْ خَذَلَهُ أَخُوْهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، ثُمَّ تَابَ وَرَجَعَ.
قَالَ الزِّرِكْلِيِّ فِي الأَعْلَامِ (١٣٠/ ٣): (سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّمِيْمِيُّ النَجْدِيُّ: أَخُو الشَّيْخِ زَعِيْمِ النَّهْضَةِ الإِصْلَاحِيَّةِ مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَارَضَ أَخَاهُ فِي الدَّعْوَةِ، وَكَتَبَ رَسَائِلَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا (الرَّدُّ عَلَى مَنْ كَفَّرَ المُسْلِمِيْنَ بِسَبَبِ النَّذْرِ لِغَيْرِ اللهِ) مَخْطُوْطٌ فِي أَوْقَافِ بَغْدَادَ (٦٨٠٥)، ثُمَّ عَادَ وَأَظْهَرَ النَّدَمَ، قَالَ عَلِيّ جَوَاد الطَّاهِر: (وَلَهُ فِي ذَلِكَ رِسَالَةٌ مَطْبُوْعَةٌ).
(٤) الحَفِيْدُ: وَلَدُ الوَلَدِ، وَالجَمْعُ حُفَدَاءُ، اُنْظُرْ كِتَابَ (لِسَانُ العَرَبِ) (١٥٣/ ٣).
(٥) وَمِنْ أَبْرَزِ مَنْ شَرَحَهُ حَفِيْدُهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنِ بْنِ مَحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ المَجِيْدُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيْدِ)، (ت ١٢٨٥ هـ).
1 / 2
المُلْحَقُ الأَوَّلُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيْدِ) مَقَدِّمَةٌ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيْدِ
- التَّوْحِيْدُ: هُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ وَاحِدًا. (١)
- التَّوْحِيْدُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، وَهِيَ مَجْمُوْعَةٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (مَرْيَم:٦٥). (٢)
وَهَذِهِ الأَنْوَاعُ هِيَ:
١) تَوْحِيْدُ الرُّبُوْبِيَّةِ: وَمَعْنَاهُ تَوْحِيْدُ اللهِ بِأَفْعَالِهِ، وَأُصُوْلُهَا: الخَلْقُ وَالمُلْكُ وَالتَّدْبِيْرُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُوْلُوْنَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُوْنَ، فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُوْنَ﴾ (يُوْنُس:٣٢). (٣)
٢) تَوْحِيْدُ الأُلُوْهِيَّةِ (٤) (أَوْ تَوْحِيْدُ العِبَادَةِ) (٥): وَمَعْنَاهُ جَعْلُ العِبَادَةِ للهِ وَحْدَهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِهِ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيْرُ﴾ (لُقْمَان:٣٠).
وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوْمًا مَخْذُوْلًا﴾ (الإِسْرَاء:٢٢).
وَإِنَّ تَحْقِيْقَ الإِيْمَانِ بِاللهِ تَعَالَى يَكُوْنُ بِإِفْرَادِ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ بِالعِبَادَةِ مِنْ صَلَاةً وَدُعَاءً وَذَبْحٍ وَنَذْرٍ وَتَوَكُّلٍ وَرَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَ....، فَمَنْ صَرَفَ شَيْئًا مِنْهَا لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ سُبْحَانَهُ.
وَإِنَّ المُشْرِكِيْنَ الأَوَائِلَ لَمْ يَكُنْ شِرْكُهُم هُوَ بِاعْتِقَادِ خَالِقٍ أَوْ رَازِقٍ أَوْ نَافِعٍ أَوْ ضَارٍّ مَعَ اللهِ تَعَالَى - كَمَا يَظُنُّ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ بِالقُرْآنِ - (٦)، وَإِنَّمَا كَانَ شِرْكُهُم هُوَ بِاتِّخَاذِ الوَسَائِطِ وَالشُّفَعَاءِ بَيْنَهُم وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى (٧)؛ حَيْثُ تَعَلَّقُوا بِهِم فَدَعَوْهُم وَاسْتَغَاثُوا بِهِم.
٣) تَوْحِيْدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يَعْتَقِدَ العَبْدُ أَنَّ اللهَ ﷻ وَاحِدٌ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ لَا مُمَاثِلَ لَهُ فِيْهِمَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ﴾ (الشُّوْرَى:١١). (٨)
وَهَذَا النَّوْعُ الأَخِيْرُ يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْن:
أ) الإِثْبَاتُ، وَذَلِكَ بِأَنْ نُثْبِتَ للهِ تَعَالَى جَمَيْعَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الَّتِيْ أَثْبتَهَا لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ.
ب) نَفْيُ المُمَاثَلَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا نَجْعَلَ للهِ مَثِيْلًا فِي تِلْكَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
(١) قَالَ الزُّبَيْدِيُّ ﵀ (ت ١٢٠٥ هـ) فِي كِتَابِهِ (تَاجُ العَرُوْسِ) (٢٧٦/ ٩): (التَّوْحِيْدُ تَوْحِيْدَانِ، تَوْحِيْدُ الرُّبُوْبِيَّةِ وَتَوْحِيْدُ الأِلَهِيَّةِ.
فَصَاحِبُ تَوْحِيْدِ الرَّبَّانِيَّةِ يَشْهَدُ قَيُّومِيَّةَ الرَّبِ فَوْقَ عَرْشِهِ، يُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِهِ وَحْدَهُ، فَلَا خَالِقَ وَلَا رَازِقَ وَلَا مُعْطِيَ وَلَا مَانِعَ وَلَا مُحْيي وَلَا مُمِيْتَ وَلَا مُدَبِّرَ لِأَمْرِ المَمْلَكَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا غَيْرُهُ، فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بإِذْنِهِ، وَلَا يَجُوْزُ حَادِثٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، وَلَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا وَقَدْ أَحْصَاهَا عِلْمُهُ وَأَحَاطَتْ بِهَا قُدْرَتُهُ وَنَفَذَتْ فِيْهَا مَشِيْئَتُهُ وَاقْتَضَتْهَا حِكْمَتُهُ.
وَأَمَّا تَوْحِيْدُ الإِلَهِيَّةِ فَهُوَ أَنٍ يجْمِعَ هِمَّتَهُ وَقَلْبَهُ وَعَزْمَهُ وَإِرَادَتَهُ وَحَرَكاتِهِ عَلَى أَدَاءِ حَقِّهِ وَالقِيَامِ بِعُبُودِيَّتِهِ).
(٢) مُلَاحَظَةٌ: إِذَا كَانَ الاسْتِدْلَالُ بِأَكْثَرَ مِنْ آيَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَإِنِّيْ أَذْكُرُ رَقَمَ آخِرِ آيَةٍ مِنْهَا.
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيْرِ (٢٦٧/ ٤): (﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُوْنَ﴾ أَيْ: أَفَلَا تَخَافُوْنَ مِنْهُ أَنْ تَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ بِآرَائِكُم وَجَهْلِكُم؟!
وَقَوْلُهُ ﴿فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُوْنَ﴾ أَيْ: فَهَذَا الَّذِي اعْتَرَفْتُم بِأَنَّهُ فَاعِلُ ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ رَبُّكُم وَإِلَهُكُم الحَقُّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفْرَدَ بِالعِبَادَةِ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ أَيْ: فَكُلُّ مَعْبُوْدٍ سِوَاهُ بَاطِلٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَاحِدٌ لَا شَرِيْكَ لَهُ).
(٤) قَالَ فِي القَامُوْسِ المُحِيْطِ (ص١٢٤٢): (أَلَهَ إِلَاهَةً وَأُلُوْهَةً وَأُلُوْهِيَّةً: عَبَدَ عِبَادَةً، وَمِنْهُ لَفْظُ الجَلَالَةِ).
وَقَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (٤٦٧/ ١٣): «ألَهَ) الإلَهُ: اللهُ ﷿، وكُلُّ مَا اتُخِذَ مِنْ دُوْنِهِ مَعْبُوْدًا؛ إلَهٌ عِنْدَ مُتَّخِذِهِ، وَالجَمْعُ آلِهَةٌ، وَالآلِهَةُ: الأَصْنَامُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِم أَنَّ العِبَادَةَ تَحُقُّ لَهَا، وَأَسْمَاؤُهُم تَتْبَعُ اعْتِقَادَاتِهِم لَا مَا عَلَيْهِ الشَّيْءُ فِي نَفْسِهِ).
(٥) هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّوْحِيْدِ يَكُوْنُ اسْمُهُ بِاعْتِبَارَيْنِ: فَبِاعْتِبَارِ إِضَافَتِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى يُسمَّى تَوْحِيْدَ الأُلُوْهِيَّةِ، فَلَا إلَهَ حَقٌّ إِلَّا هُوَ، وَبِاعْتِبَارِ إِضَافَتِهِ إِلَى العِبَادِ يُسمَّى تَوْحِيْدَ العِبَادَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا تَعْبُدَ غَيْرَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيْرِ (ص٥٠٣): (فَالأُلُوْهِيَّةُ وَصْفُهُ تَعَالَى، وَالعُبُوْدِيَّةُ وَصْفُ عَبْدِهِ).
(٦) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيَقُوْلُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُوْنَ﴾ (العَنْكَبُوْت:٦١).
وقَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُوْلُوْنَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُوْنَ، فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُوْنَ﴾ (يُوْنُس:٣٢).
(٧) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُوْلُوْنَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُوْنَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُوْنَ﴾ (يُوْنُس:١٨).
(٨) فَائِدَةٌ: اشْتِرَاكُ اسْمَاءِ بَعْضِ الصِّفَاتِ بَيْنَهُ تَعَالَى وَبَيْنَ بَعْضِ خَلْقِهِ إِنَّمَا هُوَ اشْتِرَاكٌ فِي أَصْلِ الصِّفَةِ، وَلَيْسَ فِي حَقِيْقَتِهَا، فَالكَمَالُ فِيْهَا للهِ وَحْدَهُ دُوْنَ مَنْ سِوَاهُ؛ فَمَثَلًا المَخْلُوْقُ قَدْ يَكُوْنُ عَزِيْزًا؛ وَاللهُ تَعَالَى هُوَ العَزِيْزُ، فَلِلْمَخْلُوْقِ مِنْ صِفَةِ العِزَّةِ مَا يُنَاسِبُ ذَاتَهُ الحَقِيْرَةَ الوَضِيْعَةَ الفَقِيْرَةَ، وَاللهُ جَلَّ وَعَلَا لَهُ مِنْ كَمَالِ هَذِهِ الصِّفَةِ مُنْتَهَى ذَلِكَ، لَيْسَ لَهُ فِيْهَا مَثِيْلٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِيْهَا مُشَابِهٌ عَلَى الوَجْهِ التَّامِّ. وَسَيَأْتِي مَزِيْدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ شَرْحِ الكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
1 / 3
- تُطْلَقُ العِبَادَةُ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ (فِعْلٌ - وَصْفٌ):
أ) العِبَادَةُ بِمَعْنَى التَّعَبُّدِ: أَي التَّذَلُّلُ للهِ تَعَالَى وَالخُضُوْعُ لَهُ؛ بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيْهِ؛ مَحَبَّةً وَتَعْظِيْمًا. (١)
ب) العِبَادَةُ بِمَعْنَى مَا يُتعبَّدُ بِهِ: هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ (٢)؛ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَسَائِرِ أَفْعَالِ الطَّاعَاتِ، فَيَكُوْنُ بِذَلِكَ دُعَاءُ غَيْرِ اللهِ هُوَ كَالصَّلَاةِ لِغَيْرِ اللهِ؛ وَذَلِكَ لِكَوْنِهِمَا عِبَادَةً يُحِبُّهَا اللهُ تَعَالَى.
- إِنَّ نِزَاعَ أَكْثَرِ الطَّوَائِفَ الكَافِرَةِ المُخَالِفَةِ لِلإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ فِي النَّوْعِ الأَوَّلِ مِنَ التَّوْحِيْدِ وَهُوَ تَوْحِيْدُ الرُّبُوْبِيَّةِ، وَلَكِنْ فِي تَوْحِيْدِ الأُلُوْهِيَّةِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ وَأُنْزِلَتِ الكُتُبُ، فَأَكْثَرُ الأُمَمِ الكَافِرَةِ كَانَتْ تُقِرُّ للهِ تَعَالَى بِالخَلْقِ وَالمُلْكِ وَالتَّدْبِيْرِ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُخْلِصُ للهِ تَعَالَى فِي العِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ، لِذَلِكَ فَإِنَّ الأَمْرَ القُرْآنِيَّ لِلمُشْرِكِيْنَ بِالعِبَادَةِ يُقْصَدُ بِهِ إِفْرَادُهُ تَعَالَى بِالعِبَادَةِ (٣)، لِأَنَّهُم كَانُوا يَعْبُدُوْنُ اللهَ تَعَالَى وَلَكِنْ يَعْبُدُوْنَ مَعَهُ غَيْرَهُ، فَكَانَ اللهُ تَعَالَى يَحْتَجُّ عَلَى المُشْرِكِيْنَ بِمَا يُقِرُّوْنَهُ مِنْ رُبُوْبِيَّتِهِ وَحْدَهُ عَلَى مَا يُنْكِرُوْنَهُ مِنْ أُلُوْهِيَّتِهِ وَحْدَهُ ﷾، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيَقُوْلُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُوْنَ﴾ (العَنْكَبُوْت:٦١). (٤)
- أَنْوَاعُ الشِّرْكِ: يُقْسَمُ إِلَى شِرْكٍ أَكْبَرٍ، وَشِرْكٍ أَصْغَرٍ:
١) الشِّرْكُ الأَكْبَرُ: هُوَ أَنْ يَصْرِفَ العَبْدُ نَوْعًا أَوْ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ العِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ.
فَكُلُّ اعْتِقَادٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ثَبَتَ أَنَّهُ مَأْمُوْرٌ بِهِ مِنَ الشَّارِعِ للهِ؛ فَصَرْفُهُ للهِ وَحْدَهُ تَوْحِيْدٌ وَإِيْمَانٌ وَإِخْلَاصٌ، وَصَرْفُهُ لِغَيْرِهِ شِرْكٌ وَكُفْرٌ.
٢) الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: هُوَ كُلُّ وَسِيْلَةٍ وَذَرِيْعَةٍ يُتَوَصَّلُ مِنْهَا إِلَى الشِّرْكِ الأَكْبَرِ مِنَ الإِرَادَاتِ وَالأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ الَّتِيْ لَمْ تَبْلُغْ رُتْبَةَ العِبَادَةِ؛ وَجَاءَ وَصْفُهَا بِكَوْنِهَا شِرْكًا.
(١) قَالَ أَبُوْ عَبْدِ اللهِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (ت ٦٧١ هـ) فِي التَّفْسِيْرِ (٢٢٥/ ١): (وَأَصْلُ العِبَادَةِ الخُضُوْعُ وَالتَّذَلُّلُ، يُقَالُ: طَرِيْقٌ مُعَبَّدَةٌ إِذَا كَانَتْ مَوْطُوْءَةً بِالأَقْدَامِ).
وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ ﵀ (ت ٦٥٦ هـ) فِي كِتَابِهِ (المُفْهِمُ عَلَى مُسْلِمٍ) (١٨١/ ١): (سُمِّيَتْ وَظَائِفُ الشَّرْعِ عَلَى المُكَلَّفِيْنَ عِبَادَاتٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَلْتَزِمُوْنَهَا وَيَفْعَلُوْنَهَا خَاضِعِيْنَ مُتَذَلِّلِيْنَ للهِ تَعَالَى).
(٢) قَالَهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى (١٤٩/ ١٠).
(٣) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيْرِ (٣٦٢/ ١): (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسَ - فِيْمَا رُوِيَ لَنَا عَنْهُ - يَقُوْلُ فِي ذَلِكَ نَظِيْرَ مَا قُلْنَا فِيْهِ، غَيْرَ أنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ فِي مَعْنَى (اعْبُدُوا رَبَّكَم): وَحِّدُوا رَبَّكُم. وَقَدْ دَلَلْنَا فِيْمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى العِبَادَةِ: الخُضُوْعُ للهِ بِالطَّاعَةِ).
(٤) قَالَ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيْرِ (٥٨/ ٢٠): (يَقُوْلُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَئِنْ سَأَلْتَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ المُشْرِكِيْنَ بِاللهِ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَسَوّاهُنَّ؟ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لِعِبَادِهِ؛ يَجْرِيَانِ دَائِبِيْنِ لِمَصَالِحِ خَلْقِ اللهِ؟ لَيَقُوْلُنَّ: الَّذِيْ خَلَقَ ذَلِكَ وَفَعَلَه اللهُ، (فَأنَّى يُؤْفَكُوْنَ) يَقُوْلُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَأَنَّى يُصْرَفُوْنَ عَمَّنَ صَنَعَ ذَلِكَ، فَيَعْدِلُوْنَ عَنْ إِخْلَاصِ العِبَادَةِ لَهُ).
1 / 4
- أَنْوَاعُ النِّفَاقِ:
١) النِّفَاقُ الاعْتِقَادِيُّ: وَهُوَ النِّفَاقُ الأَكْبَرُ الَّذِي يُظْهِرُ فِيْهِ صَاحِبُهُ الإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الكُفْرَ، وَهَذَا النَّوْعُ مُخْرِجٌ مِنَ الدِّيْنِ بِالكُلِّيَّةِ. (١)
٢) النِّفَاقُ العَمَلِيُّ: وَهُوَ عَمَلُ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ المُنَافِقِيْنَ مَعَ بَقَاءِ الإِيْمَانِ فِي القَلْبِ، وَهَذَا لَا يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ، لَكِنَّهُ وَسِيْلَةٌ إِلَى ذَلِكَ، وَصَاحِبُهُ يَكُوْنُ فِيْهِ إِيْمَانٌ وَنِفَاقٌ، وَإِذَا كَثُرَ صَارَ بِسَبَبِهِ مُنَافِقًا خَالِصًا (٢)، وَالدَّلِيْلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: (أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيْهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ؛ كَانَتْ فِيْهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا ائْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣)
- أَنْوَاعُ الكُفْرِ: قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ (٤):
(أَنْوَاعُ الكُفْرِ: كُفْرٌ أَكْبَرٌ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ، وَكُفْرٌ أَصْغَرٌ، وَهُوَ الكُفْرُ العَمَلِيُّ.
وَالكُفْرُ الأَكْبَرُ أَنْوَاعُهُ:
١) كُفْرُ التَّكْذِيْبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِيْنَ﴾ (العَنْكَبُوْت:٦٨).
٢) كُفْرُ الإبَاءِ وَالاسْتِكْبَارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيْسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِيْنَ﴾ (البَقَرَة:٣٤).
٣) كُفْرُ الظَّنِّ (الشَّكِّ)، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيْدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِيْ خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكَهْف:٣٨).
٤) كُفْرُ الإِعْرَاضِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِيْنَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُوْنَ﴾ (الأَحْقَاف:٣).
٥) كفرُ النِّفاقِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوْبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُوْنَ﴾ (المُنَافِقُوْن:٣).
وَالكُفْرُ الأَصْغَرُ: هُوَ كُفْرٌ لَا يُخْرِجُ عَنِ المِلَّةِ، وَهُوَ الكُفْرُ العَمَلِيُّ، وَهُوَ فِعْلُ الذُّنُوْبِ الَّتِيْ وَرَدَتْ تَسْمِيَتُهَا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كُفْرًا وَلَا تَصِلُ إِلَى حَدِّ الكُفْرِ الأَكْبَرِ (٥)، مِثْلُ كُفْرِ النِّعْمَةِ المَذْكُوْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيْهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ (النَّحْل:١١٢».
(١) قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀:
(وَهَذَا النِّفَاقُ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ، وَهِيَ:
تَكْذِيْبُ الرَّسُوْلِ ﷺ، أَوْ تَكْذِيْبُ بَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُوْلُ ﷺ.
أَوْ بُغْضُ الرَّسُوْلِ ﷺ، أَوْ بُغْضُ بَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُوْلُ ﷺ.
أَوِ المَسَرَّةُ بِانْخِفَاضِ دِيْنِ الرَّسُوْلِ ﷺ، أَوِ الكَرَاهِيَةُ لِانْتِصَارِ دِيْنِ الرَّسُوْلِ ﷺ. مَجْمُوْعَةُ التَّوْحِيْدِ النَّجْدِيَّةِ (ص١١).
(٢) قَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الصَّلَاةُ وَحُكْمُ تَارِكِهَا) (ص٦٠): (وَلَكِنْ إِذَا اسْتَحْكَمَ وكَمُلَ فَقَدْ يَنْسَلِخُ صَاحِبُهُ عَنِ الإِسْلَامِ بِالكُلِّيَّةِ - وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ -، فَإِنَّ الإِيْمَانَ يَنْهَى المُؤْمِنَ عَنْ هَذِهِ الخِلَالِ، فَإِذَا كَمُلَتْ فِي العَبْدِ؛ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَنْهَاهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا؛ فَهَذَا لَا يَكُوْنُ إِلَّا مُنَافِقًا خَالِصًا).
وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِهِ عَلَى صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (٤٧/ ٢): (فَالَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ - وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ - أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ خِصَالُ نِفَاقٍ وَصَاحِبُهَا شَبِيهٌ بالمنافقين فِي هَذِهِ الْخِصَالِ وَمُتَخَلِّقٌ بِأَخْلَاقِهِمْ، فَإِنَّ النِّفَاقَ هُوَ إِظْهَارُ مَا يُبْطِنُ خِلَافَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي صَاحِبِ هَذِهِ الْخِصَالِ، وَيَكُونُ نِفَاقُهُ فِي حَقِّ مَنْ حَدَّثَهُ وَوَعَدَهُ وَائْتَمَنَهُ وَخَاصَمَهُ وَعَاهَدَهُ مِنَ النَّاسِ؛ لَا أَنَّهُ مُنَافِقٌ فِي الْإِسْلَامِ فَيُظْهِرُهُ وَهُوَ يُبْطِنُ الْكُفْرَ! وَلَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا أَنَّهُ مُنَافِقٌ نِفَاقَ الْكُفَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، وَقَوْلُهُ ﷺ (كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) مَعْنَاهُ شَدِيدُ الشَّبَهِ بِالْمُنَافِقِينَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْخِصَالِ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذَا فِيمَنْ كَانَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ غَالِبَةً عَلَيْهِ، فَأَمَّا مَنْ يَنْدُرُ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَيْسَ دَاخِلًا فِيهِ، فَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ﵁ مَعْنَاهُ عَنِ الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا فَقَالَ إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ نِفَاقُ الْعَمَلِ).
قُلْتُ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ القَيِّمِ وَبَيْنَ مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ جُمْلَةِ العُلَمَاءِ ﵏، وَذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَ القَيِّمِ ﵀ قَيَّدَهُ بِـ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَنْهَاهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا)، فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ فَهُوَ لَمْ يَنْقَدْ لِلإسلَامِ أَصْلًا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَوْجِيْهِ ابْنِ القَيِّمِ هَذَا وَلَا بُدَّ؛ وَذَلِكَ لِصَرَاحَةِ الحَدِيْثِ فِي قَوْلِهِ «مُنَافِقًا خَالِصًا»، وَإِلَّا فَمَا وَجْهُ ذِكْرِ الخُلُوْصِ هُنَا؟؟
(٣) البُخَارِيُّ (٣٤)، وَمُسْلِمٌ (٥٨) مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوْعًا.
(٤) مَجْمُوْعَةُ التَّوْحِيْدِ (ص١٠) بِتَصَرُّفٍ يَسِيْرٍ.
(٥) كَمَا فِي الحَدِيْثِ عَنْ ابْنِ مَسْعُوْدٍ مَرْفُوْعًا (سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقُ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٨)، وَمُسْلِمٌ (٦٤).
1 / 5
- طَرِيْقَةُ اسْتِدْلَالِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي كِتَابِ التَّوْحِيْدِ تَجْرِي وَفْقَ ثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ:
١) الاسْتِدْلَالُ بِالنَّصِّ العَامِّ عَلَى مَنْعِ الشِّرْك فِي عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، ثُمَّ إِيْرَادُ الدَّلِيْلِ الشَّرْعِيِّ الخَاصِّ عَلَى أَنَّ عَمَلًا مَا هُوَ عِبَادَةٌ للهِ تَعَالَى.
كَمِثْلِ بَابِ (مِنَ الشِّرْكِ النَّذْرُ لِغَيْرِ اللهِ)؛ فَقَدْ أَوْرَدَ فِيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿يُوْفُوْنَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُوْنَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيْرًا﴾ (الإِنْسَان:٧)، ثُمَّ قَالَ فِي مَسَائِلِ البَابِ (إِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ عِبَادَةً للَّهِ؛ فَصَرْفُهُ إِلَى غَيْرِهِ شِرْكٌ)، فَالاسْتِدْلَالُ حَصَلَ بِبَيَانِ أَنَّ النَّذْرَ عِبَادَةٌ للهِ تَعَالَى؛ وَقَدْ أَسْلَفَ فِي البَابِ الأَوَّلِ مَجْمُوْعَةً مِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوْبِ إِفْرَادِ اللهِ تَعَالَى بِالعِبَادَةِ وَمَنْعِ الشِّرْكِ فِيْهَا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (النِّسَاء:٣٦). فَيَكُوْنُ الدَّلِيْلُ مُرَكَّبًا مِنْ دَلِيْلَيْنِ.
٢) الاسْتِدْلَالُ بِالنَّصِّ الخَاصِّ عَلَى أَنَّ الأَمْرَ الفُلَانِيَّ شِرْكٌ أَوْ مِنَ الكَبَائِرِ، كَمَا فِي بَابِ (مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الحَلْقَةِ وَالخَيْطِ وَنَحْوِهِمَا لِرَفْعِ البَلَاءِ أَوْ دَفْعِهِ)، وَقَدْ أَوْرَدَ فِيْهِ حَدِيْثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيْمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ). (١)
٣) الاسْتِدْلَالُ بِأَنَّ العَمَلَ المَذْكُوْرَ هُوَ مِنْ أَعْمَالِ المُشْرِكِيْنَ، فَصَارَ اجْتِنَابُهُ مِنَ التَّوْحِيْدِ، كَمَا فِي بَابِ (مِنَ الشِّرْكِ الاسْتِعَاذَةُ بِغَيْرِ اللهِ) فَقَدْ أَوْرَدَ فِيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوْذُوْنَ بِرِجَالٍ مِنَ الجِنِّ فَزَادُوْهُمْ رَهَقًا﴾ (الجِنّ:٦)، وَمَوْضِعُ الاسْتِدْلَالِ هُوَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ مِنَ الإِنْسِ كَانُوا يَعُوْذُوْنَ بِالجِنِّ؛ وَأَنَّ الجِنَّ المُسْلِمَ ذَكَرَ مَا كَانَ يَحْصُلُ عِنْدَهُم فِي الجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ أَنَّ يَسْمَعُوا القُرْآنَ.
- قُلْتُ: إِنَّ أَبْوَابَ كِتَابِ التَّوْحِيْدِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ تَنْقَسِمُ إِلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ - إِجْمَالًا - (٢)، وَذَلِكَ تَسْهِيْلًا لِلتَّعْلِيْمِ. وَهِيَ:
القِسْمُ الأَوَّلُ) مِنَ البَابِ (رَقَم ١) إِلَى البَابِ (رَقَم ٦): مُقَدِمَةٌ فِي التَّوْحِيْدِ عَلَى التَّرْتِيْبِ التَّالِي:
البَابُ (رَقَم ١) فِيْهِ بَيَانُ أَنَّ للهِ تَعَالَى حَقًّا عَلَيْكَ.
البَابُ (رَقَم ٢) فِيْهِ التَّرْغِيْبُ فِي التَّوْحِيْدِ بِكَوْنِ هَذَا الحَقِّ المَذْكُوْرِ فِيْهِ لَيْسَ مُجَرَّدًا، بَلْ فِيْهِ فَضْلٌ يَعُوْدُ عَلَيْكَ.
البَابُ (رَقَم ٣) فِيْهِ تَمَامُ التَّرْغِيْبِ فِي التَّوْحِيْدِ؛ بِأَنَّ مِنْ جَاءَ بِهِ كَامِلًا نَجَا مِنَ الحِسَابِ وَالعَذَابِ.
البَابُ (رَقَم ٤) فِيْهِ التَّرْهِيْبُ مِنْ تَرْكِ التَّوْحِيْدِ؛ بِأَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ.
البَابُ (رَقَم ٥) أَنَّكَ إِذَا عَلِمْتَ هَذَا الخَيْرَ فَلَا تَقْتَصِرْ فِيْهِ عَلَى نَفْسِكَ؛ بَلِ ادْعُ النَّاسَ إِلَيْهِ.
البَابُ (رَقَم ٦) أَنَّكَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَدْعُوَ إِلَيْهِ فَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ، وَقَالَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي آخِرِ هَذَا البَابِ (وَشَرْحُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا بَعْدَهَا مِنَ الأَبْوَابِ).
القِسْمُ الثَّانِي) مِنَ البَابِ (رَقَم ٧) إِلَى البَابِ (رَقَم ١٨): أَبْوَابُ الشِّرْكِ الجَلِيِّ.
القِسْمُ الثَّالِثُ) مِنَ البَابِ (رَقَم ١٩) إِلَى (رَقَم ٢٣): أَبْوَابُ شِرْكِ القُبُوْرِ وَذَرَائِعِهَا.
القِسْمُ الرَّابِعُ) مِنَ البَابِ (رَقَم ٢٤) إِلَى بَابِ (رَقَم ٣٠): أَبْوَابُ السَّحْرِ.
القِسْمُ الخَامِسُ) مِنَ البَابِ (رَقَم ٣١) إِلَى (رَقَم ٣٩): أَبْوَابُ أَعْمَالِ القُلُوْبِ.
القِسْمُ السَّادِسُ) البَابِ (رَقَم ٤٠) وَ(رَقَم ٥١) وَ(رَقَم ٦٧): فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
القِسْمُ السَّابِعُ) الأَبْوَابُ البَاقِيَةُ مِنَ البَابِ (رَقَم ٤١) إِلَى بَابِ (رَقَم ٦٦) عَدَا بَابِ (رَقَم ٥١): فِي بَيَانِ مُكَمِّلَاتِ التَّوْحِيْدِ.
(١) صَحِيْحٌ. أَحْمَدُ (١٧٤٢٢). الصَّحِيْحَةُ (٤٩٢).
(٢) وُفْقَ مَا ظَهَرَ لِي، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
1 / 6
بَابُ حَقِّ اللهِ عَلَى العَبِيْدِ
كِتَابُ التَّوْحِيْدِ وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُوْنِ﴾ (الذَّارِيَات:٥٦).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُوْلًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوْتَ﴾ (النَّحْل:٣٦) الآيَة.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإِسْرَاء:٢٣) الآيَة.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (النِّسَاء:٣٦) الآيَات.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الأَنْعَام:١٥١) الآيَات.
قَالَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ ﵁: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِيْ عَلَيْهَا خَاتَمُهُ؛ فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيْمًا﴾ (الأَنْعَام:١٥٣) الآيَة. (١)
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁؛ قَالَ: كُنْتُ رَدِيْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ؛ فَقَالَ لِي: (يَا مُعَاذُ! أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟) قُلْتُ: اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوْهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا). قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: (لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا). أَخْرَجَاهُ. (٢)
فِيْهِ مَسَائِلُ:
الأُوْلَى: الحِكْمَةُ فِي خَلْقِ الجِنِّ وَالإِنْسِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ العِبَادَةَ هِيَ التَّوْحِيْدُ، لِأَنَّ الخُصُوْمَةَ فِيْهِ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ لَمْ يَعْبُدِ اللهَ، فَفِيْهِ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُوْنَ مَا أَعْبُدُ﴾ (الكَافِرُوْن:٣).
الرَّابِعَةُ: الحِكْمَةُ فِي إِرْسَالِ الرُّسُلِ.
الخَامِسَةُ: أَنَّ الرِّسَالَةَ عَمَّتْ كُلَّ أُمَّةٍ.
السَّادِسَةُ: أَنَّ دِيْنَ الأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ.
السَّابِعَةُ: المَسْأَلَةُ الكَبِيْرَةُ؛ أَنَّ عِبَادَةَ اللهِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالكُفْرِ بِالطَّاغُوْتِ، فَفِيْهِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوْتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ (البَقَرَة:٢٥٦).
الثَّامِنَةُ: أَنَّ الطَّاغُوْتَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُوْنِ اللهِ.
التَّاسِعَةُ: عِظَمُ شَأْنِ الثَّلَاثِ آيَاتٍ المُحْكَمَاتِ فِي سُوْرَةِ الأَنْعَامِ عِنْدَ السَّلَفِ، وَفِيْهَا عَشْرُ مَسَائِلَ أَوَّلُهَا النَّهْيُ عَنْ الشِّرْكِ.
العَاشِرَةُ: الآيَاتُ المُحْكَمَاتُ فِي سُوْرَةِ الإِسْرَاءِ وَفِيْهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ مَسْأَلَةً، بَدَأَهَا اللهُ بِقَوْلِهِ ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوْمًا مَخْذُوْلًا﴾ (الإِسْرَاء:٢٢) وَخَتَمَهَا بِقَوْلِهِ ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ (الإِسْرَاء:٣٩)، وَنَبَّهَنَا اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ هَذِهِ المَسَائِلِ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ (الإِسْرَاء:٣٩).
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: آيَةُ سُوْرَةِ النِّسَاءِ الَّتِيْ تُسَمَّى آيَةَ الحُقُوقِ العَشْرَةِ، بَدَأَهَا اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (النِّسَاء:٣٦).
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّنْبِيْهُ عَلَى وَصِيَّةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ حَقِّ اللهِ عَلَيْنَا.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ حَقِّ العِبَادِ عَلَيْهِ إِذَا أَدَّوْا حَقَّهُ.
الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ هَذِهِ المَسْأَلَةَ لَا يَعْرِفُهَا أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: جَوَازُ كِتْمَانِ العِلْمِ لِلْمَصْلَحَةِ.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: اسْتِحْبَابُ بِشَارَةِ المُسْلِمِ بِمَا يَسُرُّهُ.
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: الخَوْفُ مِنَ الِاتِّكَالِ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ.
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُ المَسْئُولِ عَمَّا لَا يَعْلَمُ (اَللَّهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَمُ).
العِشْرُوْنَ: جَوَازُ تَخْصِيْصِ بَعْضِ النَّاسِ بِالعِلْمِ دُوْنَ بَعْضٍ.
الحَادِيَةُ وَالعِشْرُوْنَ: تَوَاضُعُهُ ﷺ لِرُكُوبِ الحِمَارِ مَعَ الإِرْدَافِ عَلَيْهِ.
الثَّانِيَةُ وَالعِشْرُوْنَ: جَوَازُ الإِرْدَافِ عَلَى الدَّابَّةِ.
الثَّالِثَةُ وَالعِشْرُوْنَ: عِظَمُ شَأْنِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ.
الرَّابِعَةُ وَالعِشْرُوْنَ: فَضِيْلَةُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ.
(١) ضَعِيْفٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٠٧٠). ضَعِيْفُ التِّرْمِذِيِّ (٣٠٧٠).
(٢) البُخَارِيُّ (٢٨٥٦)، وَمُسْلِمٌ (٣٠).
1 / 7
الشَّرْحُ
- قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُوْنِ﴾: اللَّامُ هُنَا لِلتَّعْلِيْلِ، فَفِيْهَا بَيَانُ سَبَبِ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى لِلجِنِّ وَالإِنْسِ.
- مَعْنَى (يَعْبُدُوْنَ) هُنَا أَيْ: يُوَحِّدُوَن (١)، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ المُشْرِكِيْنَ كَانُوا يَعْبُدُوْنَ اللهَ تَعَالَى وَكَانُوا يَعْبُدُوْنَ مَعَهُ غَيْرَهُ، فَلَمَّا أُمِروا بِالعِبَادَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُم لَمْ يَكُوْنُوا عَلَى عِبَادَةٍ مَرْضِيَّةٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
فَكُلُّ عِبَادَةٍ فِيْهَا شِرْكٌ لَا تَكُوْنُ مَقْبُوْلَةً عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا؛ قَالَ اللهُ ﵎: (أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيْهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ). (٢)
- قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُوْنِ﴾: فِيْهِ أُسْلُوْبُ الحَصْرِ، فَإِنَّ الاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ النَّفْي يُفِيْدُ الحَصْرَ، وَالمَعْنَى: خُلِقَتْ الجِنُّ وَالإِنْسُ لِغَايَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ العِبَادَةُ للهِ وَحْدَهُ دُوْنَ مَا سِوَاهُ.
- قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُوْلًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوْتَ﴾: أَوْرَدَ المُصَنِّفُ ﵀ هَذِهِ الآيَةَ لِبَيَانِ مَعْنَى العِبَادَةِ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ؛ وَأَنَّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ هُوَ التَّوْحِيْدُ، وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَمَعْنَاهَا نَفْيُ الأُلُوْهِيَّةِ الحَقِّ عَنْ غَيْرِ اللهِ تَعَالَى؛ وَإِثْبَاتُهَا للهِ وَحْدَهُ، وَالنَّفْيُ فِي هَذِهِ الآيَةِ مُضمَّنٌ فِي الأَمْرِ بِاجْتِنَابِ الطَّاغُوْتِ، وَالإِثْبَاتُ مُضمَّنٌ فِي الأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى.
- الطَّاغُوْتُ مَأْخُوْذٌ مِنَ الطُّغْيَانِ، وَهُوَ كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُوْدٍ أَوْ مَتْبُوْعٍ أَوْ مُطَاعٍ. (٣)
- الطَّوَاغِيْتُ كَثِيْرَةٌ وَرُؤُوْسُهَا خَمْسَةٌ: (٤)
١) الشَّيْطَانُ الدَّاعِي إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، وَالدَّلِيْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِيْنٌ﴾ (يَس:٦٠)، وَالشَّيْطَانُ هُوَ الَّذِيْ زَيَّنَ مَعْصِيَةَ اللهِ تَعَالَى، وَزَيَّنَ طَاعَةَ غَيْرِ اللهِ تَعَالَى. (٥)
٢) الحَاكِمُ الجَائِرُ المُغيِّرُ لِأَحْكَامِ اللهِ، وَالدَّلِيْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِيْنَ يَزْعُمُوْنَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيْدُوْنَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوْتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيْدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النِّسَاء:٦٠).
٣) الَّذِيْ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَالدَّلِيْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُوْنَ﴾ (المَائِدَة:٤٤). (٦)
٤) الَّذِيْ يَدَّعِي عِلْمَ الغَيْبِ مِنْ دُوْنِ اللهِ، وَالدَّلِيْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُوْلٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (الجِنّ:٢٦). (٧)
٥) الَّذِيْ يُعْبَدُ مِنْ دُوْنِ اللهِ وَهُوَ رَاضٍ بِهَذِهِ العِبَادَةِ، وَالدَّلِيْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُوْنِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِيْنَ﴾ (الأَنْبِيَاء:٢٩).
(١) وَقَدْ سَلَفَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّفْسِيْرِ.
وَفِي البُخَارِيِّ (١٣٩/ ٦) - كِتَابُ التَّفْسِيْرِ - سُوْرَةُ الذَّارِيَاتِ - ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُوْنِ﴾: مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الفَرِيْقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ. وَالفَرِيْقَانِ هُمُ الجِنُّ وَالإِنْسُ.
(٢) مُسْلِمٌ (٢٩٨٥).
(٣) (إِعْلَامُ المُوَقِّعِيْنَ) (٤٠/ ١) لِابْنِ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
(٤) قَالَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀، اُنْظُرْ مَجْمُوْعَةَ التَّوْحِيْدِ النَّجْدِيَّةِ (ص١٦٠).
(٥) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (جَامِعُ العُلُوْمِ وَالحِكَمِ) (٥٠٩/ ١): (وَلَعَلَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ المُرَادَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى التَّوْحِيْدِ؛ إِنَّمَا أَرَادَ التَّوْحِيْدَ الكَامِلَ الَّذِيْ يُحَرِّمُ صَاحِبَهُ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ تَحْقِيقُ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّ الإِلَهَ هُوَ المَعْبُودُ الَّذِيْ يُطَاعُ؛ فَلَا يُعْصَى خَشْيَةً وَإِجْلَالًا وَمَهَابَةً وَمَحَبَّةً وَرَجَاءً وَتَوَكُّلًا وَدُعَاءً، وَالمَعَاصِي كُلُّهَا قَادِحَةٌ فِي هَذَا التَّوْحِيْدِ لِأَنَّهَا إِجَابَةٌ لِدَاعِي الهَوَى وَهُوَ الشَّيْطَانُ، قَالَ اللهُ ﷿ ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجَاثِيَة:٢٣) قَالَ الحَسَنُ وَغَيْرُهُ: هُوَ الَّذِيْ لَا يَهْوَى شَيْئًا إِلَّا رَكِبَهُ، فَهَذَا يُنَافِي الِاسْتِقَامَةَ عَلَى التَّوْحِيْدِ).
(٦) وَهُوَ بِقَيدِ الاسْتِحْلَالِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: (مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ؛ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ). تَفْسِيْرُ الطَّبَرِيِّ (٣٥٧/ ١٠).
وَقَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيْحَةِ (٢٥٥٢): (جَيِّدٌ فِي الشَّوَاهِدِ).
(٧) (قَالَ جَابِرٌ: كَانَتِ الطَّوَاغِيْتُ الَّتِيْ يَتَحَاكَمُوْنَ إِلَيْهَا؛ فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ؛ كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٥/ ٦) تَعْلِيْقًا، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيْقِ وَهَبِ بْنِ مُنَبِّه. انْظُرْ كِتَابَ (فَتْحُ البَارِي) (٢٥٢/ ٨) لِلحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ ﵀.
1 / 8
- قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾: هَذَا مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) بِالمُطَابَقَةِ؛ يَعْنِي أُحْصُرُوا العِبَادَةَ فِيْهِ وَحْدَهُ دُوْنَ مَا سِوَاهُ.
- قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾: هَذِهِ أَيْضًا فِيْهَا إِثْبَاتٌ وَنَفْيٌ، فَالأَمْرُ هُوَ أَنْ يُعْبَدَ اللهُ تَعَالَى وَحْدَهُ دُوْنَ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ، وَإِنَّ مِمَّا تَقَرَّرَ فِي قَوَاعِدِ اللُّغَةِ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْي تُفِيْدُ العُمُوْمَ، أَيْ أَنَّ كَلِمَةَ (شَيْئًا) جَاءَتْ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْي (لَا تُشْرِكُوا) فَصَارَ المَعْنَى: النَّهْيُ عَنْ أَيِّ شِرْكٍ مَهْمَا كَانَ صَغِيْرًا أَوْ كَبِيْرًا.
- قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾: فِيْهِ بَيَانُ أَوَّلِ المُحَرَّمَاتِ وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ تَعَالَى، ثُمَّ اخْتَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُوْنَ﴾ فَصَارَ فِيْهِ بَيَانُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ وَصِيَّةُ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الوَصِيَّةَ بِأَمْرٍ مَا تَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ.
- فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ ﵁ (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِرْشَادٌ إِلَى أَنَّ آخِرَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ حَيَاةُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ وَصَّى بِهَذِهِ الأُمُوْرِ، وَأَوَّلُهَا وَأَهَمُّهَا التَّوْحِيْدُ. (١)
وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ البَابِ بَيَانُ أَنَّ أَوَّلَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ كَانَ الإِرْشَادُ إِلَى التَّوْحِيْدِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّوْحِيْدَ هُوَ أَصْلُ الشَّرَائِعِ وَأَعْظَمُهَا. (٢)
- فِي حَدِيْثِ مُعَاذٍ بَيَانُ أَنَّ للهِ تَعَالَى حَقًّا عَلَى العِبَادِ وَهُوَ التَّوْحِيْدُ، مِمَّا يَسْتَدْعِي الوَفَاءَ بِهِ للهِ تَعَالَى؛ وَأَنْ يُنْشَرَ بَيْنَ النَّاسِ وَيُرْشَدُوا إِلَيْهِ.
- فِي حَدِيْثِ مُعَاذٍ بَيَانُ أَنَّ لِلعِبَادِ حَقًّا عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَهُم الجَنَّةَ وَلَا يُعَذِّبَهُم إِذَا لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُ مَقْرُوْنٌ بِعَدَمِ الشِّرْكِ لَا الأَكْبَرِ وَلَا الأَصْغَرِ، وَإِنَّ الإِصْرَارَ عَلَى المَعَاصِي قَادِحٌ فِي كَمَالِ التَّوْحِيْدِ وَتَمَامِ النَّجَاةِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدَ كُلِّ صَغِيْرَةٍ وَكَبِيْرَةٍ.
- قَوْلُهُ (فَيَتَّكِلُوا): أَيْ: يَتَّكِلوا عَلَى مُجَرَّدِ التَّوْحِيْدِ؛ فَلَا يَتَنَافَسُوْنَ فِي الأَعْمَالِ؛ فَيَخْسَرُوْنَ بِذَلِكَ الدَّرَجَاتِ الرَّفِيْعَةَ فِي الجَنَّةِ - جَعَلَنَا اللهُ مِنْ أَهْلِهَا -.
(١) وَكَمَا فِي وَصِيَّةِ يَعْقُوْبَ ﵊ ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوْبَ المَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُوْنَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيْمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البَقَرَة:١٣٣).
(٢) وَيَزِيْدُ ذَلِكَ بَيَانًا قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ دَعْوَةِ الرُّسُلِ لِأَقْوَامِهِم:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأَعْرَاف:٥٩)،
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأَعْرَاف:٦٥)،
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأَعْرَاف:٧٣)،
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأَعْرَاف:٨٥).
1 / 9
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- مَسْأَلَةٌ) كَيْفَ يَكُوْنُ لِلْعِبَادِ حَقٌّ عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ وَهُوَ الَّذِيْ أَوْجَدَهُم؟
الجَوَابُ مِنْ جِهَتَيْنِ:
١) أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِيْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ الحَقَّ وَلَمْ يُوْجِبْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ. (١)
٢) أَنَّ هَذَا الحَقَّ هُوَ حَقُّ تَفَضُّلٍ، وَلَيْسَ حَقَّ مُقَابَلَةٍ (٢)، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ جَزَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ (النَّبَأ:٣٦)، فَجَزَاهُمُ اللهُ تَعَالَى الأَجْرَ الكَثِيْرَ عَلَى العَمَلِ القَلِيْلِ. (٣)
(١) وَفِي صَحِيْحِ البُخَارِيِّ (٧٤٠٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ - وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى العَرْشِ - إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي).
وَمِثْلُهُ حَدِيْثُ أَبِي ذَرٍّ المَرْفُوْعُ القُدُسِيُّ فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي). مُسْلِمٌ (٢٥٧٧).
وكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيْهِ الَّذِيْنَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُوْنَ) (الأَنْعَام:١٢).
(٢) وَاسْتِحْقَاقُ المُقَابَلَةِ هُوَ كَإِعْطَاءِ أُجْرَةِ الأَجِيْرِ المُسَاوِيَةِ لِقِيْمَةِ عَمَلِهِ، أَمَّا لَوْ جُعِلَ لِلأَجِيْرِ أَلْفُ ضِعْفٍ - مَثَلًا - مِنْ أُجْرَةِ يَوْمٍ وَاحِدٍ لِقَاءَ عَمَلِ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَهُوَ اسْتِحْقَاقُ تَفَضُّلٍ.
(٣) وَفِي البُخَارِيِّ (٦٤٦٣)، وَمُسْلِمٍ (٢٨١٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا «لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ)، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: (وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ».
1 / 10