التوسل أنواعه وأحكامه

التوسل أنواعه وأحكامه

Редактор

محمد عيد العباسي

Издатель

مكتبة المعارف للنشر والتوزيع

Издание

الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ

Год публикации

٢٠٠١ م

Место издания

الرياض

مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.
أما بعد ...
فأصل هذه الرسالة التي أقدمها إلى القراء الكرام محاضرتان اثنتان، كان قد ألقاهما أستاذنا محمد ناصر الدين الألباني في جمع من الشباب المسلم، في صيف عام١٣٩٢هـ في داره في مخيم اليرموك بمدينة دمشق الفيحاء، تناول فيهما مسألة التوسل من جميع جوانبها، وبحثها من جميع نواحيها، بما عرف من علم غزير، ونظر سديد، وتحقيق دقيق، قلَّ أن تجد له في هذا العصر مثيلًا.
وقد أعجب الحاضرون بهذا البحث القيم، لما فيه من دراسة علمية رصينة، وحجة قوية ناصعة، واقتنعوا بالنتائج التي توصل إليها، والرأي الذي ذهب إليه، والذي هو في الوقت نفسه مذهب الأئمة المجتهدين المتقدمين رحمهم الله تعالى.
وقد رأينا الفائدة كبيرة، والحاجة ماسة إلى نشر هذا البحث،

1 / 5

وتقديمه للمسلمين لعلهم يخلصون من الاضطراب الكبير الذي يعيش فيه كثير منهم إزاء هذا الموضوع الخطير.
هذا وقد يسَّر الله تعالى – وله الفضل الكبير والمنة – ذلك، إذ كان عدد من الاخوة قد سجل تلكما المحاضرتين، وتطوع بعض الإخوان الغيورين والحريصين على العلم، بنقلهما من آلة التسجيل إلى القرطاس بخط واضح جميل، فجزاه الله تعالى على ذلك خيرًا، وشكر له سعيًا.
وقد عدت إلى ما كتبه، فنقحته بما يجعله مناسبًا للنشر، وأضفت إليه بعض الفوائد المناسبة له، وخرجت الآيات وبعض الأحاديث الواردة فيه، ثم كان أن وقف أستاذنا الألباني على رسالة له مخطوطة، كان كتبها منذ قرابة عشرين سنة بعنوان "التوسل وأحاديثه" وكانت حلقة من سلسلة أصدرها بعنوان "تسديد الإصابة إلى من زعم نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة" رد فيها على بعض المبتدعين والخرافيين الذين تهجمهوا في عدة رسائل أصدروها على الدعوة السلفية، وافتروا عليها، وخلطوا فيها وخبطوا خبط عشواء، بما لا يتفق مع العلم والإخلاص في شيء، فأطلعني استاذنا على تلك الرسالة، وطالعتها، فوجدت فيها فوائد قيمة، وزيادات على ما في المحاضرتين نافعة، فضممتها إليهما، وآلفت بينها وبينهما، وحذفت ما ذهبت مناسبته، ولم تبق ثمة حاجة إليه، ثم عرضت البحث كله بشكله الجديد على المؤلف حفظه الله تعالى، فهذبه ونقحه بما يزيد في توضيحه وإفادته وتحسينه، فجاءت هذه الرسالة على اختصارها وإيجازها جامعة مانعة

1 / 6

بفضل الله تعالى وتوفيقه، وها أنذا أقدمها إلى القراء الكرام، راجيًا أن يجدوا فيها الخير الكثير، والنفع العظيم، سائلًا المولى الكريم أن يكتب لمؤلفها وناشرها الثواب الجزيل، والأجر الكبير، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
دمشق في ٢٧ ربيع الأول ١٣٩٥ هـ
الموافق لـ ١٩ نيسان سنة ١٩٧٥ م.
محمد عيد العباسي

1 / 7

التوسل: أنواعُه وَأحكَامه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
أما بعد: فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
اضطرب الناس في مسألة التوسل، وحكمها في الدين اضطرابًا كبيرًا، واختلفوا فيها اختلافًا عظيمًا، بين محلل ومحرم، ومغال ومتساهل، وقد اعتاد جمهور المسلمين منذ قرون طويلة أن يقولوا في دعائهم مثلًا: "اللهم بحق نبيك أو بجاهه أو بقدره عندك عافني واعف عني" و"اللهم إني أسألك بحق البيت الحرام أن تغفر لي" و"اللهم بجاه الأولياء والصالحين، ومثل فلان وفلان" أو "اللهم بكرامة رجال

1 / 9

الله عندك، وبجاه من نحن في حضرته، وتحت مدده١ فرج الهم عنا وعن المهمومين"و"اللهم إنا قد بسطنا إليك أكف الضراعة، متوسلين إليك بصاحب الوسيلة والشفاعة أن تنصر الإسلام والمسلمين.. " الخ.
ويسمون هذا توسلًا، ويدَّعون أنه سائغ ومشروع، وأنه قد ورد فيه بعض الآيات والأحاديث التي تقره وتشرعه، بل تأمر به وتحض عليه، وبعضهم غلا في إباحة هذا حتى أجاز التوسل إلى الله تعالى ببعض مخلوقاته التي لم تبلغ من المكانة ما يؤهلها لرفعة الشأن، كقبور الأولياء، والحديد المبني على أضرحتهم، والتراب والحجارة والشجر القريبة منها، زاعمين أن ما جاور العظيم فهو عظيم، وأن إكرام الله لساكن القبر يتعدى إلى القبر نفسه حتى، يصح أن يكون وسيلة إلى الله، بل قد أجاز بعض المتأخرين الاستغاثة بغير الله!
فما هو التوسل يا ترى؟ وما هي أنواعه؟ وما معنى الآيات والأحاديث الواردة فيه؟ وما حكمه الصحيح في الإسلام؟

١ الإعتقاد بإمداد بشر بميت للأحياء هو اعتقاد باطل وطلبه استغاثة بغير الله وهي نوع من أنواع الشرك الأكبر، والعياذ بالله.

1 / 10

الفصل الأول: التوسل في اللغة والقرآن
معنى التوسل في لغة العرب:
وقبل الخوض في هذا الموضوع بتفصيل، أحب أن ألفت النظر إلى سبب هام من أسباب سوء فهم كثير من الناس لمعنى التوسل، وتوسعهم فيه، وإدخالهم فيه ما ليس منه، وذلك هو عدم فهمهم لمعناه اللغوي، وعدم معرفتهم بدلالته الأصلية، ذلك أن لفظة "التوسل" لفظة عربية أصيلة، وردت في القرآن والسنة وكلام العرب من شعر ونثر، وقد عنى بها: التقرب إلى المطلوب، والتوصل إليه برغبة، قال ابن الأثير في "النهاية": "الواسل: الراغب، والوسيلة: القربة والواسطة، وما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل" وقال الفيروز أبادي في "القاموس": "وسل إلى الله تعالى توسيلًا: عمل عملًا تقرب به إليه كتوسل" وقال ابن فارس في "معجم المقاييس": "الوسيلة: الرغبة والطلب، يقال: وسل إذا رغب، والواسل: الراغب إلى الله ﷿، وهو في قول لبيد:
أرى الناس لا يدرون ما قدْرُ أمرهم ... بلى، كل ذي دين إلى الله واسلُ"
وقال الراغب الأصفاني في "المفردات": "الوسيلة: التوصل إلى

1 / 11

الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة، لتضمنها لمعنى الرغبة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى: مراعاة سبيله بالعمل والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، والواسل: الراغب إلى الله تعالى".
وقد نقل العلامة ابن جرير هذا المعنى أيضًا وأنشد عليه قول الشاعر:
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا ... وعاد التصافي بيننا والوسائل
هذا وهناك معنى آخر للوسيلة هو المنزلة عند الملك، والدرجة والقربة، كما ورد في الحديث تسمية أعلى منزلة في الجنة بها، وذلك هو قوله ﷺ: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة" ١.
وواضح ان هذين المعنيين الأخيرين للوسيلة وثيقا الصلة بمعناها الأصلي، ولكنهما غير مرادين في بحثنا هذا.

١ رواه مسلم وأصحاب السنن وغيرهم وهو مخرج في كتابي "إرواء الغليل" يراجع "٢٤٢.

1 / 12

معنى الوسيلة في القرآن:
إن ما قدمته من بيان معنى التوسل هو المعروف في اللغة، ولم يخالف فيه أحد، وبه فسر السلف الصالح وأئمة التفسير الآيتين الكريمتين اللتين وردت فيهما لفظة "الوسيلة"، وهما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١ وقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٢.
فأما الآية الأولى، فقد قال إمام المفسرين الحافظ ابن جرير ﵀ في تفسيرها: "يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب، وأوعد من العقاب. "اتقوا الله" يقول: أجيبوا الله فيما أمركم، ونهاكم بالطاعة له في ذلك. "وابتغوا إليه الوسيلة" يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه.
ونقل الحافظ ابن كثير عن ابن عباس ﵄ أن: معنى الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، ونقل عن قتادة قوله فيها: "أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه" ثم قال ابن كثير: "وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه.. والوسيلة

١ سورة المائدة: الآية ٣٥.
٢ سورة الإسراء: الآية ٥٧.

1 / 13

هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود"١.
وأما الآية الثانية فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال: "نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون"٢.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله٣: "أي استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك، لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية".
قلت: وهي صريحة في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى، ولذلك قال: "يبتغون" أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة، وهي كذلك تشير إلى هذه الظاهرة الغريبة المخالفة لكل تفكير سليم، ظاهره أن يتوجه بعض الناس بعبادتهم ودعائهم إلى بعض عباد الله، يخافونهم ويرجونهم، مع أن هؤلاء العباد المعبودين قد أعلنوا إسلامهم، وأقروا لله بعبوديتهم، وأخذوا يتسابقون في التقرب إليه سبحانه، بالأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، ويطمعون في رحمته، ويخافون من عقابه، فهو سبحانه يُسَفه في هذه

١ تفسير ابن كثير "٢/٥٢-٥٣".
٢ رواه مسلم "٨/٢٤٥ نووي" والبخاري بنحوه "٨/٣٢٠-٣١ فتح".
٣ فتح الباري "١٠/١٢ و١٣".

1 / 14

الآية أحلام أولئك الجاهلين الذين عبدوا الجن، واستمروا على عبادتهم مع أنهم مخلوقون عابدون له سبحانه، وضعفاء مثلهم، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، وينكر الله عليهم عدم توجيههم بالعبادة إليه وحده، ﵎، وهو الذي يملك وحده الضر والنفع، وبيده وحده مقادير كل شيء وهو المهيمن على كل شيء.
الأعمال الصالحة وحدها هي الوسائل المقربة إلى الله:
ومن الغريب أن بعض مدعي العلم اعتادوا الاستدلال بالآيتين السابقتين على ما يلهج به كثير منهم من التوسل بذوات الأنبياء أو حقهم أو حرمتهم أو جاههم، وهو استدلال خاطى لا يصح حمل الآيتين عليه، لأنه لم يثبت شرعًا أن هذا التوسل مشروع مرغوب فيه، ولذلك لم يذكروا هذا الاستدلال أحد من السلف الصالح، ولا استحبوا التوسل المذكور، بل الذي فهموه منهما أن الله ﵎ يأمرنا بالتقرب إليه بكل رغبة، والتقدم إليه بك قربة، والتوصل إلى رضاه بكل سبيل.
ولكن الله سبحانه قد علمنا في نصوص أخرى كثيرة أن علينا إذا أردنا التقرب إليه أن نتقدم إليه بالإعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، وهو لم يكل تلك الأعمال إلينا، ولم يترك تحديدها إلى عقولنا وأذواقنا، لأنها حينذاك ستختلف وتتباين، وستضطرب وتتخاصم، بل أمرنا سبحانه أن نرجع إليه في ذلك، ونتبع إرشاده وتعليمه فيه، لأنه لا يعلم ما يرضي الله ﷿ إلا الله وحده، فلهذا كان من الواجب علينا حتى نعرف الوسائل المقربة إلى الله أن نرجع في كل مسألة إلى ما شرعه الله سبحانه، وبينه رسول الله ﷺ، ويعني ذلك أن نرجع إلى

1 / 15